|
عقب زلزال دمّر قرى ومواقع حضرية برمّتها
وخلف مئات القتلى والجرحى
الريف المغربي بين
غضب الطبيعة
وتراجيديا التاريخ والسياسة
الحسيمة ـ مصطفى حيران
اهتز بقوة جزء من منطقة شمال المغرب،
وتحديداً مدينة الحسيمة وضاحيتها، ليل 24 شباط ـ فبراير ـ الماضي،
اثر زلزال عنيف بلغ 6.3 درجة على سلم ريختر، مخلفا أكثر من 600
قتيل ونحو 200جريح بحسب الإحصاءات الرسمية، في حين ذهبت إحصاءات
المنظمات المدنية المحلية (غير الحكومية) إلى أكثر من ذلك.
وأدى وقوع الزلزال في الثانية والنصف فجراً
فيما كانت غالبية السكان في منازلهم الى ان يلقى الكثيرون حتفهم
محاصرين تحت الأنقاض أو اختناقعاً بالغبار الكثيف الذي خلفه انهيار
المنازل. وزاد الأمر سوءاً تأخر أعمال الإغاثة الفورية حتى ساعة
متأخرة من اليوم، اذ ظلت جهود الانقاذ مقتصرة على مجهودات فردية
بوسائل بدائية من سكان المواقع القروية والحضرية المتضررة، وبعض
جمعيات المجتمع المدني المحلية التي كثفت جهودها لإنقاذ ما استطاعت
إنقاذه.
وعقّد عملية الإغاثة وجود المواقع الأكثر تضررا
في المدار القروي (الأرياف) والحضري المتاخم لمدينة الحسيمة، وعلى
رأسها جماعة آيت قمرة التي سجل فيها 203 قتلى، تليها مدينة إمزورن
التي سقط فيها 165شخصًا، ثم الجماعة القروية بني عبد الله التي سجل
فيها 90 قتيلا، وجماعة إمرابطن (701 قتلى)، فجماعة آيت يوسف وعلي
(64 قتيلا)، ثم جماعة الرواضي(24 قتيلا)، في حين تراوح عدد القتلى
في الجماعات القروية بين 58 قتيلاً كأعلى رقم، وسجل في قرية آيت
داوود (تابعة لجماعة ايت قمرة) وقتيلين في قرية امزورن.
مشاهد مأساوية
وبمجرد انتشار صور الدمار والجثث في وسائل
الاعلام المحلية والأجنبية، حتى انتشر الهلع بين سكان مدينة
الحسيمة، الذين اهتزت بهم الأرض بدورهم من دون أن يسجل سقوط ضحايا،
ونبتت مئات الخيام في الساحات الفارغة كيفما اتفق وتكدس فيها أفراد
الأسر بالعشرات، وقدر عدد النازحين من مخاطر الهزات الارتدادية
بنحو 15 ألفاً، من أصل نحو 70 ألف نسمة هم سكان مدينة الحسيمة.
أما في الجماعات والقرى المتضررة التي قضى بها
من600 قتيل تحت الأنقاض، فكانت مشاهد الجثث أكثر ترويعا وقضى بين
مئات السكان، الأيام الثلاثة التي أعقبت الهزة العنيفة، في العراء
تحت رحمة سماء ممطرة وطقس شديد البرودة.
وعلى رغم أن بعضاً من وزراء الحكومة وإحدى
مستشارات الملك محمد السادس زاروا المكان في غضون 24 من الزلزال،
لم وظل التحرك الاعتباطي سيد الموقف، نظراً إلى حجم الكارثة
(الزلزال كان الأعنف من نوعه على مدى الأربعين سنة، عقب ذلك الذي
دمر مدينة أغادير في الجنوب المغربي يوم 29 شباط ـ فبراير ـ سنة
1960، مخلفا نحو 16 ألف قتيل وعشرات الآلاف الجرحى) اذ فضل ممثلو
السلطات المحلية والمركزية توزيع أولى المعونات على لاجئي الخيام
في مدينة الحسيمة، على رغم أن هذه الأخيرة لم يسجل فيها ضحايا. في
حين ظل سكان القرى والجماعات الحضرية المتضررة يغالبون الظروف
المأساوية في الأحراش والمرتفعات. وهو ما جعل الدور الذي قامت به
جمعيات المجتمع المدني المحلية رياديا في إغاثة المنكوبين ونقل
الجرحى إلى مستشفى محمد الخامس في الحسيمة، حيث سجل نقص فظيع في
وسائل الإسعاف والأدوية، ناهيك عن الطاقم الطبي لقسم المستعجلات
(الطوارئ) الذي أخذ على حين غرة في مثل تلك الساعة المتأخرة من
الليل.
شهادة من عين المكان
ويقول أحد أبناء منطقة قروية متضررة من جماعة
آيت فروين اسمه أولاد محند احمد: «توفي الأبناء الثلاثة لأخي وفقد
عمّي أطفاله الخمسة، أما هو فنجا بأعجوبة» واضاف «لقد تهدمت 8
منازل في دوارنا عن آخرها، ولم يتبق منها باب أو متر واحد من جدار
واقفا، إضافة الى لمنازل الأخرى المتضررة التي لم تعد صالحة للسكن.
إن سكان دوارنا يناهزون 300 شخص كلهم مشردون في العراء». «كل منازل
المداشر المجاورة لنا ومنها: إيكار وانو، اريّانن، اسويقن،
ايكلتومن، ايشوركين، امهجّار، آيت طاعة، إغميرن، إيشّوين... وغيرها
لم تعد منازلها صالحة للسكن، ليس هناك مواطن واحد يدخل إلى منزله.
إننا نعيش تحت خيام من البلاستيك ولم نتلق أي شيء من المساعدات
التي وصلت الى الإقليم بوفرة».
تباطؤ وفوضى
هذه الشهادات المسجلة من طرف جمعيات المجتمع
المدني المحلية خلال الأيام الثلاثة التي أعقبت الهزة العنيفة،
والتي انضافت إلى عشرات غيرها، جعلت الصحافة المغربية، غير
الحكومية، توجه نقدا لاذعا للمسؤولين الحكوميين، مؤاخذة إياهم على
التباطؤ في اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب. ولم يسلم أي
مركز حكومي معني بالكارثة من سهام نقد صحافيي جزء مهم وواسع
الانتشار من الإعلام المكتوب، فنُعتت السلطات العمومية المحلية
بالعجز عن تدبير وتنظيم توزيع مئات الأطنان من المعونات القادمة من
مختلف أنحاء العالم، سيما من التنظيمات المدنية للمهاجرين المغاربة
المنحدرين من المنطقة، ومن الدول العربية والأجنبية.
وسجلت أقلام الصحافيين الذين واكبوا الحدث
المأساوي بقاء تلك المعونات مكدسة في مطار «الشريف الإدريسي» في
الحسيمة، شاهدة على العجز الحكومي، مثلما وُجه النقد كذلك الى
تباطؤ عمليات الإغاثة وإسعاف الجرحى والنقص الحاد المسجل في البنية
الاستقبالية للمستشفى المحلي (الوحيد في المدينة)، ما استدعى في
الساعات الأولى التي أعقبت الزلزال استقدام طواقم طبية وتمريضية من
مختلف المدن المغربية القريبة والبعيدة عن المنطقة. ولم يفت هذا
النقد الإعلامي مساءلة معايير البناء الفوضوي في المنطقة الذي كان
سببا أساسيا في ارتفاع عدد الضحايا والمصابين، وذلك تأسيسا على
المعطيات الجيولوجية التي تؤكد، علميا، أن المنطقة المذكورة تعتبر
بؤرة دائمة للاهتزازات الأرضية (آخر زلزال يعود إلى منتصف أيار ـ
مايو ـ سنة 1994 خلف قتيلين وانهيار عشرات المنازل) باعتبار أنها
تشهد نشاطا جيولوجيا ناتجا عن تجاذب الطبقة الأرضية القارية
الأوروآسيوية والإفريقية (شهدت هذه الرقعة زلازل كارثية في فترات
متقاربة آخرها الزلزالان المدمران في تركيا وإيران خلال السنوات
القليلة الماضية). الانتقادات، على عدم تفعيل قانون صادق عليه
البرلمان المغربي حول الزام إخضاع المباني في المنطقة للمعايير
المضادة للزلازل، وعلى التلاعب وعمليات الارتشاء التي تمارسها
السلطات المحلية في المنطقة.
ولم يسلم الإعلام العمومي السمعي البصري بدوره
من هذه الانتقادات، حيث عيب على القناتين الرسميتين عدم بثهما صور
الكارثة واخبارها حتى ما بعد ظهيرة يوم الأربعاء التالي للحدث
المأساوي، وفضلتا الاستمرار في تقديم برامجهما العادية، وقوامها
مسلسلات مصرية ومكسيكية وأشرطة وثائقية قديمة!
غير أن الانتقادات بلغت أوجها حينما ركن
المسؤولون المحليون والمركزيون إلى سكون وتردد شبه تامين في انتظار
زيارة الملك محمد السادس إلى المنطقة؛ لتظل، تقريبا، جمعيات
المجتمع المدني المحلية وحدها (عددها نحو 40) في عملها الدؤوب
لتقديم الإسعافات وإغاثة المنكوبين وتوزيع المساعدات.
وجاء الملك
حطت طائرة العاهل المغربي في مطار مدينة
الحسيمة في اليوم الرابع الذي أعقب الزلزال، وإذ ذاك فقط بدأت
عمليات إغاثة المنكوبين تأخذ وتيرة متسارعة، بإشراف الملك نفسه.
والذي عقد جلسات عمل عاجلة مع بعض مستشاريه والوزراء المعنيين في
حكومة الوزير الأول إدريس جطو، في غياب هذا الأخير، مما طرح علامات
استفهام من مختلف المتابعين ووسائل الإعلام.
وسجل أحد ناشطي جمعية مدنية محلية في اليوم
التاسع الذي أعقب الزلزال هذه الشهادة حول سير أمور إسعاف الجرحى
والمعطوبين في مستشفى محمد الخامس، اذ قال: «إن الأمور تسير في
شكل مستحسن في المستشفى، غير أنه ما زال مطلوبا مضاعفة الجهود
للتغلب على بعض المشاكل التي ستكون مطروحة بحدة خلال الأيام
القليلة المقبلة، مثل وضعية الجرحى بعد خروجهم من المستشفى، بخاصة
أن بعض الضحايا أصبحوا بلا منازل وأوضاعهم الصحية لا تسمح لهم
بالإقامة في خيام غير مجهزة، كما إننا سجلنا عودة بعض الأطباء
المتطوعين إلى المدن التي جاؤوا منها، وبالرغم من أن الأطباء
الموجودين يبذلون جهودا مضنية، إلا أن هناك نقصا في الرعاية الطبية
لبعض الحالات المرضية في المخيمات والمنازل، وعدم انتظام الوجبات،
ناهيك عن مضاعفات البرد القارس، واختلاط الرضع والأطفال والشباب
والشيوخ في خيمة واحدة في كثير من الحالات».
هيئة للتنسيق
إنه غيض من فيض سجلته هذه الشهادة، وهو ما جعل
صداها يصل عبر وسائل الإعلام الأجنبية إلى مختلف أنحاء العالم،
وبالأخص عبر بثّ الصور المأساوية للدمار، فتقاطرت أطنان من
المساعدات (خيام، أغطية، أدوية، مواد غذائية، ألبسة..) من شتى
أنحاء العالم، أن تعقيدات التسلم والتوزيع حالت في بعض الأحيان دون
وصولها إلى المتضررين في الوقت المناسب، وهو ما أجبر السلطات
المحلية والمركزية على إشراك «هيئة التنسيق» (تجمُّع لزهاء أربعين
جمعية مدنية محلية) في عمليات تسلم الإعانات وحصر أعداد المتضررين
وتوزيعها عليهم، الامر الذي خفف من حالات فوضى كادت تتحول إلى
احتجاجات وتظاهرات عارمة، بل والأسوأ: مواجهات بين قوات الأمن
والمدنيين المحتجين. وهي الأجواء التي أعادت إلى الأذهان تمردا
شهدته المنطقة خلال سنتي 1958-1959 عقب استقلال المغرب عن فرنسا
(1956) عندما تضافرت حينها عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية لحدوث
تمرد بقيادة أحد أبناء المنطقة هو محمد سلام أمزيان، ما أسفر عن
مواجهات دامية مع السلطات العسكرية والأمنية خلفت مئات القتلى
والجرحى، بعدما أطلقت على المتمردين المعتصمين في الجبال عيارات
نارية وقنابل.
ومنذ ذلك الحين، ظلت المنطقة موشومة بصفة
التمرد في عُرْف السلطات المركزية في الرباط العاصمة، وبقيت في
عزلة شبه تامة، بل أصبحت معقلا لتجارة التهريب والمخدرات (الزراعة
الوحيدة التي تدر عائدات مهمة)، ولم يتم بذل جهود بنيوية على
المستويات الاقتصادية والزراعية طيلة ما يقرب من نصف قرن لفض
العزلة المذكورة، وبالتالي استمرار ذلك الحذر والحيطة المتبادلين
بين الحكم المركزي وسكان المنطقة.
وكان ضروريا انتظار سنة 1999 مع رحيل الملك
الحسن الثاني إلى دار البقاء، لتحظى المنطقة بزيارة خلفه الملك
محمد السادس، وانطلاق التفكير في تنمية ممكنة ما زالت لم تبرح هذا
المستوى.
تاريخ من التهميش والمقاومة
ويعود جزء مهم من التهميش الذي شهدته المنطقة
إلى نحو قرن، حين خضعت للاستعمار الإسباني بموجب اتفاق إسباني-
فرنسي، بعدما تراكمت الديون على السلطان العلوي عبد العزيز لفائدة
بلدان أوربية، سيما فرنسا وإسبانيا، ما اضطر السلطان الذي عجز عن
دفع الديون، ورفض ـ في الوقت نفسه ـ التدخل الأجنبي، إلى التخلي عن
الحكم، ليتولى بعده أخوه عبد الحفيظ، غير أن هذا الأخير اضطر
للتوقيع على عقد الحماية سنة 1912 وتنحى بدوره عن الحكم نتيجة غضب
العلماء والأعيان.
وبدخول الاستعماريْن الإسباني (شمال المغرب)
والفرنسي (الوسط والجنوب) بدأت واحدة من المراحل العصيبة في تاريخ
البلاد. غير أن المنطقة التي نحن في صددها (الريف) أفرزت إبان هذه
الحقبة الاستعمارية واحدة من أبرز حركات التحرر في العالم، إذ
تشكلت في سنوات العشرينيات (1921-1922-1923) مقاومة محلية
للاستعمار الإسباني بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي المعروف
محليا بلقب الأمير مولاي موحند، وانتشرت ثقافة مناهضة للاستعمار
بما توافر للمحاربين الريفيين من وسائل دفاع بسيطة: بنادق، أسلحة
بيضاء... ووظف القائد محمد بن عبد الكريم الخطابي بسالة أولئك
المحاربين الأشداء لمنازلة آلاف الجيوش الإسبانية المدججة بأحدث
الأسلحة حينئذ، وظلت واحدة من المعارك التي دارت في جبال منطقة
الريف وأحراشها، خالدة ضمن تراث المقاومة محليا وعالميا وأطلق
عليها اسم معركة أنوال (1921) وتكبد فيها الجيش الإسباني خسائر
فادحة، وأسر المقاومون الريفيون الآلاف من الجنود الأسبان، ما تسبب
في أزمة سياسية خطيرة عصفت بالحكومة الإسبانية آنئذ.
ودفعت هذه الانتصارات، التي أبهرت العالم
بأسره، القائد الخطابي إلى تنظيم شؤون الحياة المحلية في منطقة
الريف سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، جاعلا من الخصوصيات المحلية
أساسا لهذا التنظيم. وهو ما أثار مخاوف الكثيرين سواء على مستوى
السلطة المركزية، التي كانت ما تزال محتفظة بموقعها الرمزي في
الفترة الاستعمارية، أو من طرف الاستعمارين الإسباني والفرنسي، لا
سيما أن الانتصارات المذكورة كانت تجد صداها القوي في بقية مناطق
المغرب، وعبر أنحاء العالم، الامر الذي كان في صدد منحها مشروعية
سياسية متعاظمة. وعندئذ تضافرت جهود القوتين العسكريتين، الفرنسية
والإسبانية، بكل ما امتلكتا من عشرات الآلاف من الجيوش ومختلف
الأسلحة المتطورة، للقضاء على بضعة آلاف من المحاربين غير
النظاميين، وهو ما تحقق للجيشين المتحالفين في نهاية المطاف، وأسر
الخطابي ونفي إلى جزيرة "لارينيون". استمرت مرحلة النفي طويلا حتى
وفاة هذا القائد العسكري والسياسي الفذ في القاهرة سنة 1963 والتي
دفن بها بعيدا عن موطنه. وأليم الخطابي في ما بعد العديد من حركات
التحرر في العالم كالثورة الكوبية والتمرد الفيتنامي ضد الاستعمار
الأميركي.
قلعة جغرافية
تعتبر منطقة الريف المغربي بمثابة قلعة جغرافية
محاصرة بجبال وأودية وعرة، كأنها شاهدة على حدة البتر القاري، كما
تقول واحدة من الفرضيات الجيولوجية، القائلة بأن الأصل كان كتلة
قارية واحدة كبيرة منذ ملايين السنين في هذه المنطقة من العالم،
قبل أن تنفصل إلى قارتين (الأوروبية والإفريقية) وإن ما يساعد مثل
هذا الطرح، ظاهريا على الأقل، هو القرب الحثيث بين الضفتين
الشمالية والجنوبية في هذه المنطقة، اذ ان المسافة بينهما لا
تتجاوز في بعض المواقع أربعة عشر كيلومترا.
وادت الوعورة الجغرافية للمنطقة وعزلتها
الطبيعية الى جعلها تفتقر إلى اكتفاء ذاتي من المنتوج الفلاحي
(المصدر الرسمي الأساسي للدخل) الذي ما زال يمارَس بطرق بدائية:
المحراث الخشبي والدواب والعمل اليدوي المضني، غير أن «ازدهار»
زراعة الحشيش بفضل توافر التربة والمناخ المناسبين، والطلب العالمي
المتزايد، حوّل المنطق واحدة من أهم أوكار إنتاج المخدرات
(الحشيش)، وادى بالتالي الى ظهور مافيا تسويق لها شبكات توزيع
معقدة في الداخل والخارج، مستفيدة من ارتشاء العديد من موظفي الأمن
والجمارك، وهو ما حتم على المنطقة أن تظل في عزلتها الطبيعية كغطاء
لعورة هذه التجارة السرية.
وتذهب بعض الفرضيات الأنثروبولوجية إلى القول
إن سكان المنطقة (نحو اثنين فيالمئة من سكان المغرب) ينحدرون من
سلسلة اختلاط بين ضفتي المتوسط الأوروبية الجنوبية والإفريقية
الشمالية، وهو ما يتبدى في الملامح الشقراء والقسمات المستدقة
لسكانها. غير أن اللغة الريفية (إحدى فروع اللغة الأمازيغية) التي
يتحدث بها اهل المنطقة، فضلا عن الخصوصيات الاجتماعية والثقافية
والدينية، الضاربة في القدم، تجعل مسألة الخصوصية المحلية للمنطقة
أكثر تعقيدا.
ويحتفظ سكان بقية مناطق المغرب في أذهانهم
للريفي بخصال الشهامة والصلابة وصفات التكتم، والوضوح في القول
والفعل. غير أن هذا الريفي يبقى كذلك محتفظا بطبع المحافظة ومراعاة
التقاليد والأعراف الدينية والاجتماعية، كما هو الشأن بالنسبة
لبقية مناطق المغرب. وهذه الطباع المحافظة، فضلا عن عوامل اقتصادية
وسياسية متضافرة، هي التي جعلت المنطقة تعرف تمردها الدموي،
المذكور، حين لم يستسغ السكان القرويون بعض إجراءات التسيير
لشؤونهم الخاصة، ورأوا أنها تخالف أعرافهم المرعية، وهو ما
استثمرته أطراف سياسية حزبية متنافسة على المواقع في مغرب ما بعد
الاستقلال، لتذكي نقمة الريفيين، ما أسفر عن تطورات تجاوزت كل
توقعات أطراف الصراع، وأدت إلى مواجهة دموية بين الدولة
والمتمردين، خلفت ندوبا وجراحا مادية ومعنوية لم تندمل حتى اليوم.
وهذه المحطة التاريخية الحديثة واحدة من
العوامل الأساسية، التي ضاعفت من عزلة المنطقة وإغراقها في مزيد من
التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي، حيث ظلت مظاهر الحياة فيها
محتفظة بما كانت عليه منذ عقود طويلة من الزمن، إن لم نقل لقرون
سحيقة، وجعلتها كذلك على رأس قائمة المناطق المغاربية التي
تستنزفها الهجرة إلى الخارج (60 في المئة من إجمالي الساكنة خلال
سنوات عقدي الستينيات والسبعينيات وما تلاهما هاجروا إلى الخارج
وبخاصة الى أوروبا).
غضب الطبيعة يكمل الطوق
وأنى الزلزال الذي ضرب المنطقة في الآونة
الأخيرة، ليؤكد سوء حظها على مختلف المستويات، إذ باعتبارها بؤرة
جغرافية نشيطة بالزلازل بسبب التجاذب القاري بين الطبقتين
الأوروآسيوية والإفريقية، فإنها تمنح لسلسلة سوء الحظ على
المستويات الأخرى ترسيخا أكثر في أذهان سكانها، الامر الذي يطرح
على السلطات المركزية تحديات تنموية تبدأ بتدبير عقلاني مسبق لغضب
طبيعي قد يزمجر في أي لحظة، وإنهاء عزلة المنطقة السياسية
والاقتصادية والاجتماعية.
|