|
محمد زيان رئيس
الحزب الليبرالي المغربي:
الحدث ليس
الزلزال وإنما كيف تعاملت معه الحكومة
إدريس الوالي رئيس الجمعية المغربية للصحافة
الجهوية:
خدمات وكالة تنمية الشمال دون مستوى طموحات
الرباط ـ الطاهر الطويـل
خلفت طريقة تعامل السلطات المغربية مع زلزال
الحسيمة ردود فعل متباينة. ففي وقت نحا البعض باللوم على المسؤولين
متّهمًا إياهم بالتقصير في مد يد العون الى المتضررين من آثار هذه
الكارثة الطبيعية، اعتبرت جهات حكومية أن السلطات قامت بواجبها
المطلوب، مرجعة التأخر في إيصال المساعدات للمتضررين إلى صعوبة
تضاريس المنطقة وعدم كفاية الوسائل على المستوى المحلي. كما رأى
سياسيون ومتابعون أن كارثة الزلزال عرّت واقع التهميش والنسيان
الذي تشكو منه منطقة الريف. وفي هذا الخصوص، استقت «النور» رأيين،
أحدهما للأستاذ محمد زيان الأمين العام للحزب الليبرالي المغربي،
وهو محام ووزير سابق لحقوق الإنسان ومن أبناء منطقة الريف، والثاني
للأستاذ إدريس الوالي رئيس الجمعية المغربية للصحافة الجهوية
(الإقليمية) ومدير صحيفة «صدى تاونات»، وهو من أبناء مدينة تاونات
المتاخمة للمنطقة المذكورة.
مواجهة الحقيقة
اعتبر محمد زيان أن الحدث ليس هو الزلزال في حد
ذاته، وإنما هو كيفية تعامل الحكومة مع هذا الحدث وما أعقبه من
خسائر مادية وبشرية. وقال في تصريح لـ «النور»: «الغريب في الأمر
أن المغرب شهد منذ أكثر من أربعين سنة زلزالا أصعب من زلزال
الحسيمة، أي زلزال أغادير الذي خلّـف عشرات الآلاف من الضحايا.
وعلى رغم أن المغرب كان حديث العهد بالاستقلال، فقد تعامل مع ذلك
الزلزال بكفاءة أكثر وبمصداقية أكبر وبإحساس عال بواجب التضامن
الوطني».
ورأى زيان أن الخلاصة الأساسية المستنتجة من
كيفية التعامل مع زلزال الحسيمة، تكمن في عجز الحكومة عن مواكبة
شؤون البلاد. وقال: «مَـنْ ليست له حتى بداية مخطط لمواجهة
الكوارث، لا يستطيع مواجهة العولمة أو قضايا الفقر والبطالة والجهل
والأمراض والنكبات».
وتعقيبا على الذين أرجعوا تأخر وصول المساعدات
للمناطق المتضررة إلى صعوبة الطرق والمسالك في الجبال والأرياف،
اعتبر هذا التبرير دليلا على «بؤس فكري» لا يقلّ خطورة عن «البؤس
المادي للحكومة». وأكد أنه «في القرن الواحد والعشرين، لم تعد هناك
قيمة للمسافات وللعراقيل الطبيعية، بوجود طائرات ومروحيات، وبوجود
الوسائل لدى الجيوش، إذ يمكن إيصال أية بضاعة وآلة لأية مجموعة من
البشر في اي نقطة من العالم». وأضاف: «إن الدرك الملكي ـ الذي هو
فرع صغير جدا من الجيش المغربي ـ له من الوسائل ما يجعله يوصل
المعونات والآليات والمساعدات ويحمل الجرحى والموتى ـ إن وُجدوا ـ
بسرعة تفوق كثيرا السرعة التي نسير بها في الطريق السيّار في أرقى
منطقة من المغرب».
دور الاحزاب
وحول تعامل الأحزاب مع حدث زلزال الحسيمة، قال:
«الأحزاب التقليدية الموجودة في المنطقة هي أحزاب استعملت وسائل
تخريبية للنجاح في الانتخابات، مثل المال والضغوط والشعارات
والوعود الكاذبة كالتوظيف وتوزيع عقود العمل في الخارج وهو ما ثبت
بطلانه في ما بعد». وأرجع المسؤولية إلى الجهاز التنفيذي الذي قال
إنه لم يستطع التغلب على ظاهرة الارتشاء في الانتخابات.
أما عن حزبه، الحزب الليبرالي المغربي، فقال
إنه على رغم وجوده شبه المنعدم في البرلمان، فهو حاضر في الساحة
السياسية وفي الثقافة السياسية وفي الإعلام وعبر الأحداث. واضاف أن
حزبه استطاع، بوسائله الضعيفة وبإمكانياته البسيطة جدا، الوصول إلى
أماكن منكوبة قبل الإدارة والحكومة بيومين أو بثلاثة أيام. وأعطى
مثالا على ذلك الفيضانات التي وقعت في نواحي زاكورة ومحاميد
الغزلان عن إقليم ورزازات (جنوب البلاد)، وقال: «قمنا بضغط كبير
على الحكومة، لأننا علمنا بأنه حصلت فيضانات أغرقت قبيلة بكاملها
وأوقعت العديد من الضحايا، من دون أن يحرك المسؤولون ساكناً».
ومن جهة أخرى، أشار إلى أن المجتمع المدني قام
بأدوار مهمة جدا عقب زلزال الحسيمة، لكنه أوضح أن مدى هذا العمل
يبقى قصيرا بحكم طبيعته، ومحدودية وسائله، أما اختصاصات الإدارات
العمومية فهي أقوى بكثير من اختصاصات المجتمع المدني. وأضاف أن هذا
الأخير لا يمكن أن يقوم مقام الدولة أو الحكومة أو الإدارة
العمومية.
وردًّا على ما قيل من استغلال الكارثة
المأساوية من لدن وسائل الإعلام الأجنبية وكذا من لدن إسبانيا،
أجاب زيان: «هل ينبغي التستر على الواقع المغربي، إيمانا منا بأن
سمعة البلاد فوق كل شيء؟ أم هل من الضروري قول الحقيقة؟ الاختيار
صعب جدا. إلى أية درجة يمكن طمس الحقيقة باسم سمعة البلاد؟ مَـن
أراد أن لا يكون موضع أية نوع من المؤاخذات في الداخل أو الخارج،
فعليه أن يكون في مستوى التطلعات. لا ينبغي أن يُـطلب مني أن
أتعاطف مع البلادة والجهل والأمية وعدم الكفاءة وعدم التجربة باسم
أنني مضطر لكتمان الحقيقة سعيا وراء حماية سمعة البلاد. من أراد أن
يحمي سمعة البلاد فعلا فيجب عليه أن يواجه الحقيقة ويقوم بالبناء
والتشييد الصحيحين».
وحول رؤيته لكيفية إعادة الاعتبار لمناطق شمال
البلاد، ومن ضمنها المناطق المنكوبة، فقال: «المشكلة أساسا مشكلة
سياسية». هناك مدرستان في العالم: المدرسة الاشتراكية والمدرسة
الليبرالية. المدرسة الاشتراكية ثبت أنها فشلت عبر العالم، من
الاتحاد السوفياتي إلى أميركا اللاتينية مرورا بالعديد من الدول
الآسيوية والأوروبية والعربية والأفريقية. وثبت، أيضا، في أحداث
الحسيمة أن حتى الحكومة التي تكون مساندة فقط من طرف الاشتراكية
فإنها تفشل، ولو كانت مبنية على قواعد السوق الحرة. لأن الاشتراكية
تضغط على مراكز القرار، وتصير حينئذ الأسلوب المستعمل في تسيير
البلاد، وهو أسلوب مبني على الشعارات والأوهام وليس على تصورات
حقيقية. تبقى المدرسة الليبرالية المبنية على قواعد السوق الحرة
وعلى الحرية واحترام الاختلاف والإيمان بالكفاءات والمعارف
والخبرات. وختم بالقول: «علينا، إذن، أن نفكر عميقا في كيفية تعامل
المغرب المسلم العربي الأمازيغي مع المدرسة الليبرالية ليخرج من
التخلف من دون أن يمس بالعقيدة الإسلامية وعمق الهوية العربية
والبربرية للبلاد».
الغائب الأكبر
وقال إدريس الوالي لـ «النور»: «هذا الزلزال
زلزالنا جميعا، وعلى رغم التضامن الكبير والتلقائي الذي عبّـر عنه
الشعب المغربي قاطبة من طنجة إلى الكويرة مع ضحايا هذه الكارثة
الطبيعية، فإن الزلزال عرى ـ في المقابل ـ واقع المناطق الشمالية
التي يعتبر إقليم الحسيمة جزءا منها. وأكد بالملموس أن الحكومة
كانت في حال شرود تام، على الأقل على مستوى مناطق الشمال».
واعتبر أن المثير في الأمر أن الحكومة كانت
«الغائب الأكبر» في هذا الزلزال، إذ لم تسارع إلى عقد مجلس حكومي
فوري وآني في مثل هذه الحالات، للعمل على احتواء مخلفات الزلزال،
وامتصاص مشاعر الهلع والخوف والرعب التي اجتاحت الجميع، وأيضا
لإطلاع الرأي العام الوطني والدولي بكل مستجدات هذا الحادث المؤلم
وتداعياته مثلما يجري في الدول الديمقراطية.
وأثنى على موقف العاهل المغربي الملك محمد
السادس، قائلا إنه كان في المستوى، إذ أعطت زيارة جلالته لسكان
المنطقة شحنة قوية، بخاصة عندما أقام بين ظهرانيهم في خيمة تضامنا
معهم، وكذا من أجل تتبع سير توزيع المساعدات على المتضررين، وكان
لهذه الزيارة أثر عظيم في نفوس المواطنين.
وعـبّـر الوالي عن اعتقاده بأن الحكومة الحالية
والحكومات السابقة لم تولِ أي اهتمام وأية عناية لإقليم الحسيمة
وللأقاليم المجاورة، بخاصة أقاليم توانات وتازة والناظور وشفشاون،
مستدلا على ذلك بما جاء على لسان المسؤولين أنفسهم عبر وسائل
الإعلام الرسمية، عندما صرحوا بأن هناك صعوبات لإيصال المساعدات
إلى المنكوبين بسبب غياب الطرق. وتابع قوله: «على رغم غنى هذه
الأقاليم ومؤهلاتها، فضلا عن الودائع المالية الضخمة الواردة على
البلاد من المهاجرين المغاربة المنتمين للمناطق المذكورة، فإنها
بقيت تعاني من ضعف بنياتها التحتية، ولم تلق الاهتمام المطلوب من
لدن المسؤولين، عِـلمًا بأنه كانت لسكانها مشاركة فعالة ومتميزة في
طرد المستعمر، سواء الإسباني أو الفرنسي، كما كانوا دائما متشبثين
بالمَـلكية».
وتطرق أيضا إلى غياب «وكالة تنمية وإنعاش
أقاليم الشمال»، وقال: إن الواقع يستدعي طرح علامات الاستفهام حول
دور هذه الوكالة والغرض من وجودها، وتحديدًا ماذا قدّمت لأقاليم
الشمال عامة وللأقاليم سالفة الذكر بخاصة؛ علمًا بأن الوكالة جنت،
وما زالت تجني، أموالا طائلة من البنوك الدولية تحت يافطة «تنمية
وإنعاش أقاليم الشمال» منذ إنشائها سنة 1996.
وذكّر بالدعوة التي كان العاهل المغربي الراحل
الحسن الثاني وجهها لتلك الوكالة بأن تتحمل مسؤولية تفعيل التنمية
الاقتصادية والاجتماعية المحلية والإقليمية في عمالات (محافظات)
وأقاليم الشمال بالمملكة المغربية، حين قال: «علينا أن نخرج من
المسطرات (الإجراءات الإدارية) القديمة والروتينية وحتى من التسيير
القديم، لنضع هذه المسؤولية، مسؤولية القفزة الكيفية والكمّية،
لأقاليم الشمال في إطار جديد ألا وهو إطار الوكالة».
وأردف إدريس الوالي قائلا: «صحيح أنه لا يمكن
أن ننفي الخدمات والأدوار التي لعبتها هذه الوكالة في مسلسل
التنمية الاقتصادية والاجتماعية واللامركزية واللاتمركز، لكن هذه
الخدمات تبقى دون مستوى طموحات سكان المنطقة، سواء من حيث برنامج
الطرق والمسالك الريفية، أو من حيث برنامج الكهربة الريفية، أو
برنامج الماء الشروب في العالم القروي، أو محاربة زراعة الحشيش، أو
القروض الصغرى والمتوسطة وغيرها».
لتجاوز هذه الوضعية، قال الوالي: «بناءً على ما
سيوفره صندوق 101(هو حساب بنكي وضعته الدولة للتبرعات من أجل
معالجة آثار زلزال الحسيمة) من مساعدات مالية من داخل المغرب
وخارجه، بات من الضروري على الحكومة، ومعها الوكالة المذكورة،
تبنّي استراتيجية خاصة وعاجلة لإعادة بناء ما هُـدّم، وفق شروط
سليمة؛ واستثمار المؤهلات الجغرافية والإمكانات الطبيعية
والتمويلية لأقاليم الشمال بعامة وأقاليم الحسيمة وتاونات وشفشاون
بخاصة، بهدف تأهيل اقتصادها بتقليص العجز الذي تشكو منه في مجالات
التجهيزات الأساسية والبنيات الاقتصادية والاجتماعية وتوزيعها على
كافة ربوع تلك الأقاليم».
|