|
الحركات الإسلامية
السياسية في الخليج العربي بين أطياف التطرف والاعتدال
د.أحمد ثابت
لم تضع الحكومات
الخليجية العربية في حسبانها النتائج التي ترتبت علي تعاونها في
مجال المواجهة العسكرية للاحتلال السوفياتي لأفغانستان العام 1979
ومن ثم تقديم هذه الحكومات الدعم المالي والتسليحي واللوجيستي
المجاهدين الأفغان ضد الاحتلال السوفياتي طوال عقد الثمانينيات من
القرن العشرين، إذ إن هذه الحكومات فتحت الباب واسعا أمام كثير من
أبنائها للسفر إلى أفغانستان للقتال كمتطوعين في صفوف «المجاهدين
الأفغان»، فقد تكون تنظيم القاعدة هناك على الحدود الباكستانية
الأفغانية في بيشاور بقيادة أسامة بن لادن ومعه عدد من كبار قادة
الجماعات والتنظيمات «الجهادية العنفية» الخليجية ومنهم كويتيون
وبحرينيون وإماراتيون وسعوديون إلي جانب يمنيين ومصريين وأردنيين
وفلسطينيين وجزائريين ومغاربة ومن أقطار إسلامية غير عربية.
بدأ استفحال الأزمة مع انسحاب السوفيات من
أفغانستان العام 1988 واضطرار «الأفغان العرب» ـ مع اندلاع القتال
والمواجهات بين الفصائل «المجاهدة» الأفغانية ـ إلى الانحياز إلي
بعض هذه الفصائل في مواجهة البعض الآخر، ومع عودة أعداد ليست
بالقليلة من هؤلاء الأفغان العرب إلي بلادهم الأصلية، هذا إلي جانب
ما حدث لهؤلاء من صدمة حادة وخصوصا الخليجيين منهم والسعوديين على
وجه الخصوص وعلى رأسهم بن لادن من تزايد تدفق الحشود العسكرية
الأميركية ثم الغربية وكذلك حصول الأميركيين على قواعد وتسهيلات
عسكرية في الأقطار الخليجية، مع حدوث الغزو العراقي للكويت والحرب
الدولية ـ الأميركية ضد النظام العراقي والتي انضمت لها حكومات
عربية عدة في صدارتها السعودية ودول خليجية أخرى. فقد عبر الأفغان
الخليجيون العرب عن غضبهم الشديد من «تعاون» حكوماتهم مع الحرب
الأميركية علي العراق وعلى الإرهاب. وأقدم هؤلاء، كما هو معروف،
على شن سلسلة من الهجمات والتفجيرات ضد المصالح العسكرية
والاقتصادية والأفراد الأميركيين في داخل الولايات المتحدة نفسها
وفي عدد كبير من الدول الأخرى.
ومن نافلة القول أن
أعدادا كبيرة من الأفغان الخليجيين عملت على تشكيل مجموعات قتالية
مسلحة في بلادها عقب عودتها من أفغانستان وباكستان، وخصوصا ممن
تمكنوا من الإفلات من الملاحقات الأمنية والمراقبة على الحدود وفي
المطارات. وقد تم ذلك بالتنسيق مع تنظيم القاعدة وقادته في
أفغانستان حتى بعد هزيمة حركة طالبان وسقوط حكمها في تشرين أول ـ
أكتوبر ـ 2001 إثر الحرب الأميركية على أفغانستان ضد الحركة بعد
هجمات الحادي عشر من ايلول ـ سبتمبر ـ من العام نفسه ضد الولايات
المتحدة. ورغم الحصار والرقابة الصارمة من قبل حكومات دول الخليج
العربي سواء بجهودها الذاتية أو بالتعاون مع أجهزة الأمن
والاستخبارات الأميركية، تمكن عدد من الأفغان الخليجيين من السفر
إلى أفغانستان لتلقي التدريب العسكري هناك والعودة للتحضير للهجمات
المسلحة وتنفيذها، التي كان أبرزها ما وقع في السعودية (الظهران
والخبر والرياض) طوال عامي 2002 و2003 وزادت مع الغزو فالاحتلال
الأمريكي للعراق.
ومن المعروف أن
الأفغان الخليجيين، والعرب عموما، كانوا ينتمون إلى جماعات محلية
عنفية التفكير والممارسة مثل جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية
والجماعات الوهابية وقد تحول نمط تحركهم وتفكيرهم إلى الطابع
الدولي استنادا لما يسمونه ضرورة التصدي لأعداء الإسلام الدوليين
وعلى رأسهم الاستكبار الأميركي والصهيونية والصليبية الجديدة، وما
يقتضيه ذلك من تقديم المساعدة البشرية والتسليحية والمالية لدعم
«الجهاد» من أجل الإسلام وفي صدارته المسلمون في أفغانستان
والشيشان وألبانيا والبوسنة وكوسوفا، ومن الملاحظ أن الأولوية في
الصدام لدى هؤلاء انتقلت من المواجهة مع حكومات بلادهم إلى ما يمكن
اعتباره «الجهاد الخارجي» ضد «العدو الأكبر والأخطر للإسلام» وهو
الولايات المتحدة. ومن هنا يمكن تفسير العمليات الانتحارية
التفجيرية العنيفة ضد أماكن ومواقع عسكرية أو مدنية يتواجد فيها
عسكريون أو مدنيون أميركيون أساسا أو يترددون عليها كما يظن هؤلاء،
وها ما يفسر قيامهم بتفجيرات هجمات مسلحة في الكويت والسعودية حتى
ضد تجمعات سكنية مثل مجمع المحيا السكني في الرياض في أواخر عام
2003، ولم يكن يقيم فيه أميركيون.
أدى تشديد الإدارة
والكونغرس ومكتب التحقيقات الفيدرالي والاستخبارات المركزية
الأميركية الضغوط من أجل مزيد من تشديد القبضة الأمنية والمراقبة
المالية ومصادر الدعم الأخرى لمعظم الجمعيات الخيرية والإغاثية
والأفراد والمجموعات التي تتهمها واشنطن بعلاقات مع تنظيم
القاعدة...أدى ولأول مرة إلي أن تتحرك بعض حكومات مجلس التعاون
الخليجي بفرض قيود على الدخول والخروج بل بشن هجمات مسلحة ومطاردات
أمنية واسعة النطاق على منا يعتقد أنهم من أعضاء تنظيم القاعدة أو
نشطاء أصوليين مسلحين.
فمن الملفت للنظر أن المواجهة المسلحة صارت
أكثر تعقيدا وصعوبة على الحكومات الخليجية، بخاصة وأن أجهزتها
الأمنية لم تعتد هذا النوع من الأفراد والمجموعات الأصولية
العنفية، التي تتبنى رؤى «جهادية» عالمية من جهة، وصارت تضم ـ مع
عودة ما لا يقل عن ثلاثين ألفا من الأفغان العرب إلي بلادهم أو إلى
بلاد عربية أخرى غير بلادهم الأصلية -عربا غير خليجيين من عراقيين
ومصريين ويمنيين وسوريين وأردنيين وفلسطينيين وجزائريين وغيرهم
اختاروا الإقامة في بلدان الخليج والتنسيق والتعاون في ميدان شن
هجمات مسلحة وتفجيرات انتحارية ضد المصالح والأفراد الأميركيين
والبريطانيين. ومن هنا وبتأثير الضغوط الأمريكية العارمة التي وصلت
إلي حد توجيه الاتهام علنا وبصفة رسمية حتي وإن كانت مبطنة إلى
أمراء من العائلة المالكة السعودية بتمويل ومساعدة «الإرهابيين» من
تنظيم القاعدة والمتطرفين السعوديين بالأموال وأشياء أخرى، وبأن
السياسات والأفكار الشائعة في المملكة هي التي أفرخت هؤلاء
المتطرفين وساعدت على تنشيط بيئة متشددة.
وإلى جانب حظر جمع التبرعات في المدارس وغيرها
وحصار مختلف صور المساعدة الإنسانية والخيرية للفقراء والمحتاجين
من المسلمين على مستوى العالم بمن فيهم عائلات الفدائيين
الفلسطينيين، بادرت الحكومة السعودية وعلى سبيل المثال، إلى تقديم
أعداد كبيرة من السعوديين المتشددين إلى المحاكمة منذ هجمات الحادي
عشر من ايلول ـ سبتمبر ـ، لأول مرة، بتهمة الاشتباه في انتماء
هؤلاء لتنظيم القاعدة، ومن أمثلة ذلك الإعلان عن محاكمة تسعين شخصا
في شباط ـ فبراير ـ 2003 بهذه التهمة. ثم أعلنت السلطات السعودية
في آدار ـ مارس ـ من العام نفسه أنها طلبت من جمعياتها الخيرية أن
تبلغ وزارة الخارجية قبل البدء في مشروعات خارج المملكة بتفاصيل
المشروعات التي تزمع تمويلها أو المساهمة في تمويلها. وهكذا كان
التأثير السلبي الأخطر الذي مس أحد الأنشطة الإنسانية المهمة التي
كانت تقوم بها المملكة من تحويل أموال بصفة مباشرة لعائلات
الفدائيين الفلسطينيين وتوجيه هذه الأموال إلى مؤسسات دولية كي
تضطلع بهذا الدور بدلا منها تحت الضغوط الأميركية.
ما يلفت النظر أيضا، ربما بأخطر مما سبق، أن
حكومات خليجية معروف عنها مساعدة ودعم جماعات إسلامية سلفية
وجمعيات خيرية ذات توجه إسلامي، ودأبت على مساندة هذه الجماعات
والجمعيات في مواجهة الحركات السياسية الليبرالية أو القومية سواء
في داخل البلدان الخليجية أو في بقية الأقطار العربية، سارعت وتحت
الضغوط الأميركية المتواصلة إلى التقليل إلى حد كبير من دعمها
الديني ذي الغطاء الأيديولوجي السلفي ومن مساعداتها المالية
والإدارية لهذه الجماعات والجمعيات. إلى جانب الضغوط الأميركية على
عائلات الخليج الحاكمة من أجل الإصلاح الديمقراطي والسياسي
بالمعايير الأميركية طبعا. هذا إلى جانب تزايد إدراك هذه العائلات
المالكة الخليجية بأنها لكي تغير من سمعتها وصورتها الخارجية كنظم
حكم غير عصرية وجامدة، لابد من أن تبتعد شيئا فشيئا عن هذه
الجماعات والجمعيات. ومن أبرز الأمثلة هنا ما حدث في السعودية لأول
مرة، من صدام مع جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك إثر
الحريق الذي وقع في مدرسة حكومية للبنات في مكة في 11/3/2002 وأدى
إلى مقتل 14 تلميذة ومعلمة، وثارت الصحف والرأي العام هناك ضد هيئة
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المسؤولة رسميا عن وضع السياسات
وإدارة تعليم الفتيات. إذ أشار شهود عيان إلى أن مسئولي الهيئة
قاموا بإعاقة جهود الإنقاذ في المدرسة لأن الفتيات لم يكن يرتدين
العباءات المعتادة وغطاء الرأس أثناء فرارهن من الحريق، وكان أن
صدر مرسوم ملكي سعودي بإحالة رئيس تعليم البنات للتقاعد وإدماج
هيئة تعليم البنات في وزارة المعارف لأول مرة وانتقد المسؤولون
السعوديون هذه الهيئة.
هناك جماعات وأفراد آخرون من ذوي التوجهات
الإسلامية السلفية المحافظة كانت تدعمها حكومات الخليج العربية
وعندما ظهر الخلاف بينهما فإنه انحصر في غالب الأحوال في أمور
شرعية وحول مطالب إما إصلاحية أو أخرى تدعو إلى مزيد من التشدد
السلفي، ولكن بتأثير هجمات الحادي عشر من ايلول سبتمبر 2001 وضغوط
الإصلاح السياسي والديمقراطي الأميركية حدث تحول في خطاب ومطالب
الجمعيات والشخصيات الإسلامية السلفية المعتدلة التي كانت تحصر
الإصلاح في النطاق الشرعي، لتنطلق إلى مطالبات بإصلاح دستوري
وديمقراطي وتطالب علنا باحترام حقوق الإنسان وبصفة خاصة حقوق
النساء. فلأول مرة تشهد السعودية عقد مؤتمر عن حقوق الإنسان صيف
2003 طالب الحاضرون فيه بالمساواة بين جميع مواطني المملكة والحفاظ
على الأمن وحرمة الأفراد وحقوق المرأة وحق المشاركة السياسية
والحريات...الخ.
استاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
|