العدد

155 :

الجمعة, ديسمبر 5, 2008 - 10:6 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

 

ثقافة العنف وشلالات الدم

لاشك أن المرء يقف عاجزاً عن وصف ما جرى يوم عاشوراء الدامي في بغداد والكاظمية، مهما بلغ من قدرة الخيال وبراعة التعبير والتصوير . فمشاهد الأجساد المقطعة والمحترقة، والأشلاء الآدمية المتناثرة السابحة في برك من الدم الأحمر القاني لرجال ونساء وأطفال كانوا يؤدون شعائرهم في سلام، أمر يدمي القلب، ويزلزل الشعور، ويلقي بظلال داكنة على مستقبل هذه الأمة المسلمة لا مستقبل العراق وحده.

إن من السهل نسبة تلك الجريمة النكراء إلى عدو خارجي، وهو مشجب اعتدنا أن نعلق عليه تدهور أحوالنا وإحباطاتنا وأخطائنا القاتلة منذ عقود ، ولكن  هل فكرنا بالعدو الداخلي القابع فيما بيننا والذي يسهل للأجنبي النفوذ والتغلغل؟ العدو الداخلي هو منا وفينا،  ويستند إلى تراث قديم لحمته وسداه التعصب الأعمى والحقد الأسود ونفي الآخر ثم إفنائه. ونظرة سريعة على كتب الفرق التي ألفها (علماء) من القرون الغابرة تكشف المصدر الفكري الذي ينهل منه المتطرفون.

وإذا كان ما حصل في العراق جديداً وغريباً على البيئة العراقية فإنه ليس جديدا ولا مستغرباً في مناطق إسلامية أخرى. ففي الباكستان اعتادت الجماعات المتطرفة ممن تطلق على نفسها اسم (جيش الصحابة) على مهاجمة مساجد المسلمين الشيعة في أيام شهر محرم الحرام وشهر رمضان (ليالي القدر بخاصة) وإيقاع أكبر عدد من الضحايا الأبرياء فضلاً عن حرق المساجد والحسينيات وتدمير الممتلكات، وقد رأينا أحد قادتهم منذ أكثر من عشر سنين وهو يهدد بقتل الشيعة وإبادتهم، لكن الحكومة الباكستانية تركت لهم الحبل على الغارب لأن مشروعها السياسي المدعوم من بعض الدول كان قائماً على دعم هذه الحركات وتمكين نظائرها في أفغانستان بالصورة الطالبانية.

 وكم خاطبنا ذوي الرأي والبصيرة ورجال العلم والدين والمؤسسات والقائمين عليها في البلدان العربية والإسلامية المختلفة، ونبهناهم إلى ضرورة التدخل لإيقاف هذا المسلسل الدامي تجنباً لردود الأفعال واستغلال الأعداء وتحاشياً لوقوع الفتنة بين المسلمين، لكننا جوبهنا بآذان صماء وقلوب بلهاء وتخلف عن إدراك طبيعة الخطر المحدق بالأمة فيما لو ترك المجال لتلك الجماعات المتطرفة أن تنفذ مشروعها التدميري الفتاك ضد المسلمين، فإذا كان المسلم لايعترف بحرمة لأخيه المسلم فهل نتوقع ذلك من الهندوسي المتعصب؟؟ حتى إذا وقعت الواقعة وانقلب أصدقاء الأمس إلى أعداء تغيرت الصورة وأيقن الجميع أن هذا الفكر المريض لا يعادي طائفة بعينها وإنما يعادي كل رأي مخالف له حتى وإن كان من طائفته نفسها او مذهبه.

إن ما حصل في مدينة كويتا الباكستانية يمكن تفسيره وتشخيص الجهة التي تقف وراءه، لكن ما حصل في العراق يحتاج إلى وقفة تأمل. فقد اعتاد شيعة العراق على أداء شعائر يوم عاشوراء منذ سنين متطاولة بمشاركة أو تعاطف من إخوانهم أهل السنة، ويشهد التاريخ القريب أن عدداً من الشعراء والخطباء من أهل السنة كانوا يشاركون في مجالس العزاء ومواليد الأئمة التي كانت تقام في الكاظمية وكربلاء والنجف، ولم يحصل ما يعكر صفو هذه الأجواء إلا تحرش السلطات السياسية وتدخلها وبخاصة خلال الحكم السابق المنهار لأسباب سياسية أكثر منها دينية. فمن أين  تسربت تلك الفئة الضالة التي ارتكبت جريمة العاشر من محرم، فسفكت دماء الأبرياء واستباحت حرمة المساجد والعتبات المقدسة؟ لا شك ان فكراً جديداً دخل على الساحة العراقية لم يكن معروفاً من قبل، فكر له قاعدته الآيديولوجية وجذوره القديمة التي لا تعرف حلاً للمشكلات إلا عن طريق العنف. هذا الفكر يمكن استغلاله من أية جهة تريد بأمتنا شراً ولن تتوقف شلالات الدم القاني في العراق وغيره ما دامت ثقافة العنف راسخة في رؤوس معتنقيها من أغرار العرب والمسلمين، هذا إذا سلمنا تجاوزاً أن العنف يمكن ينتمي لجنس الثقافة!

إبراهيم العاتي

عميد الدراسات العليا-الجامعة الإسلامية (لندن)  





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع