|
الاستبداد والتطرف
والتاريخ
المتابع لتاريخ الفكر السياسي للدول
والمجتمعات غير المتجانسة، التي تعيش رواسب تطرف عنصري أو ديني،
يتحقق من وجود حقيقة تاريخية تتمثل في ان هذه المجتمعات المتطرفة
المنقسمة على نفسها، لا تملك الا ان تفرز انظمة فردية يستمد النظام
فيها شرعيته من الولاء العنصري او الديني او القبلي اوالطائفي.
هذا الولاء يجعل من اقوال الحاكم وقراراته اسمى
من الدستور والقانون، الامر الذي يستتبع جنوح الحاكم نحو الاستبداد
والحياة السياسية نحو الاحتضار.
وهذه الانظمة تستمد وجودها من هذا التعصب
المغروس ضمن المجتمع، وتمارسه وفق نمطية سياسية تبدأ من تنمية هذا
التطرف من خلال ممارسته في الحياة العامة للافراد وفي اجهزة
الدولة، انتهاء بتكريسه وجعله جزءاً من ذهنية هذا المجتمع ونسيجه
الاجتماعي.
وسلوك هذه الانظمة الاستبدادية في زمن السلم،
يقودها عند مواجهة تحدٍ خارجي او استحقاق تاريخي الى ان تجد نفسها
امام خيارين خاطئين تتخذ اي منهما بمعزل عن ارادة الشعب اخلاصاً
منها لـ «فقه الاستبداد المقدس».
الخيار الاول يمثله التعنت «الصدامي»، فعندما
وُوجه الرئيس العراقي السابق صدام حسين بتحدٍ خارجي، تمثل بتهديد
عسكري مباشر من الولايات المتحدة، قابله بمزيد من التطرف والقسوة
والاقصاء.
وعندما لمّح له المتضررون من المخطط الاميركي
(روسيا والاتحاد الاوروبي) بوجوب سحب الذرائع من اميركا من خلال
نبذ الارهاب والفساد وممارسة الديمقراطية، كان تجاوب نظام صدام مع
الضغط والنصيحة بأن نظّم «استفتاء»، خرج علينا عزة ابراهيم نائب
رئيس مجلس قيادة الثورة السابق الدوري معلناً نتيجته بفوز صدام
بنسبة مئة بالمئة من الاصوات!
وقد بايعه احياء الشعب العراقي وامواته بخاصةً
شهداء النجف وكربلاء وحلبجة وذويهم كونه خلّصهم من اولادهم واسرهم
واراضيهم وكرامتهم!
وازاء الاستحقاق التاريخي المتمثل برفض النظام
العالمي الجديد للنظام الدكتاتوري الشمولي وقسوة العقاب الذي حاق
برموزه من سوهارتو الى ميلوسوفيتش مروراً بشفرنادزه وانتهاء بصدام،
بادر الزعيم اللليبي العقيد معمر القذافي بعيد سقوط النظام
العراقي، الى تبني الخيار الثاني المتمثل في الاستسلام التام،
واعلن انه مسؤول عن حوادث تفجير الطائرات التي حدثت والتي يمكن ان
تحدث وسدد عشرات المليارات من الدولارت لأسر الركاب الضحايا،
واعلن تجرد ليبيا من اسلحة الدمار الشامل.
كلا النظامين فضّل منح العدو الطامع كل طلباته
على ان يعيد لمواطنيه جزءاً من حقوقهم المسلوبة!
كلاهما صادر قرارشعبه ولم ينظم استفتاء على
القرار الذي اتخذه لانه يعلم ان نتيجة الاستفتاء لن تكون حول سبيل
مواجهة التحدي الخارجي بل على شرعيته.
والخياران ليسا حلاً بل الحل طرحه رجل دولة،
وان لم يحكم دولة، وحاز الشرعية ،وان لم يجند زبانيته ليزوروا
استفتاء يحوز به على 99 بالمئة من اصوات الاموات والاحياء.
الحل طرحه السيد حسن نصرالله حين دعا الى«طائف
عراقي» علـى الطريقة اللبنانية، اي الى وفاق ومصارحة مع الشعب
العراقي تعترف بموجبها السلطة بممارسة الفساد والاستبداد ويعترف
الشعب بخطئه في تبني التعصب والجهل، مصارحة تقود الى مصالحة تعيد
صياغة مفهوم السلطة والحرية وتكافؤ الفرص.
ان الموروث الحضاري الهائل لمجتمعاتنا من
ديانات سماوية وحضارات نهضت بالبشرية، يمنحها القدرة على مواكبة
تسارع خطى الاصلاح والمصالحة وهما سبل النهضة التي تقوم على العلم
والعدالة
عبد المجيد الكواكبي
حلب - سوريا |