|
طوبايو وقديسو الكنيسة المسيحية في رحلة الألف
ميل
الكنيسة المتشددة والمشككة لا يسعها نكران
«علامات الله»
الأب قزّي:
القديسون والعجائب رسائل
من الله الى شعبه
امام مزارات القديسين اطباء يعترفون بشفاءات «لا
يمكن شرحها»
لاهوتيون وعلمانيون اطباء وخبراء يمشون يداً
بيد، يسلمون ويشهدون
في 16
أيار - مايو- المقبل، يعلن البابا يوحنا بولس الثاني قداسة الطوباوي
اللبناني نعمة الله كساب الحرديني المعروف بـ«قديس كفيفان»، في باحة
كاتدرائية القديس بطرس في روما.
ليصبح بذلك ثالث قديس في لبنان بعد القديسين
شربل ورفقا، وثالث قديس تقدمه الرهبانية اللبنانية المارونية الى
العالم، لكأن لبنان على موعد متواصل مع اعراس «القداسة» ليطرح في
المناسبة سؤال: من هم قديسي الكنيسة المسيحية، أين يبدأ مشوار الكنيسة
مع قديسيها، من يحدد صفة «القداسة» وما هو مقياس القداسة أهي ارادة
إلهية هابطة من العلاء... أهي «علامات الله» الى شعبه؟ لكن من هو
القادر على قراءة تلك العلامات... وكيف سبل التمييز وعدم الخلط ما بين
رسائل إلهية وهلوسات شعبية؟!
روايات كثيرة لا تعد ولا تحصى، تتردد ويتردد صداها
في كل أنحاء لبنان والدول العربية وصولاً الى الغرب، شفاءات عجائبية
وحكايات مرضى وأمراض مستعصية وظهورات وقداسة ونعم حولت كل ارض وطأتها
أقدام هؤلاء القديسين الى «مخيم» إيمان. هناك في تلك الأماكن العابقة
برائحة القداسة والنسك والبخور، يحتشد المؤمنون في حركة لا تهدأ، وهناك
وأمام تلك المزارات، كما في مزارات أخرى كثيرة من العالم، فقد العلم
والأطباء لسانهم وحججهم، ليتوقف جدلهم أمام هذه العبارة: «شفاءات لا
يمكن شرحها» فهل هذا يعني في اللغة الكنسية «معجزة إلهية»؟!
اجراءات كنسية تعسفية
منذ البداية، أبدت الكنيسة المسيحية تشدداً وتحفظاً
كبيرين تجاه العجائب، ما دفعها الى فرض اجراءات وتحقيقات طويلة ومعقدة
تمتد عقوداً وعقوداً، تكاد تكون «تعسفية» في دقتها وتشددها، للتوصل
بعدها الى الاعتراف بحصول اعجوبة شفائية أو للإعلان بأن صاحب هذه
الأعاجيب قديس.
فمواقف الكنيسة المتحفظة جداً حيال العجائب
والقداسة، زادتها تشدداً التيارات العقلانية وموجة المقاومة للاكليروس،
فكان عليها منذ البداية أخذ أقصى درجات الحيطة والحذر متجنبة كل هفوة
وكل ما يمكن ان يعطي لمنتقديها حججاً ضدها، ومن هنا كان عليها وضع
سلسلة معايير وشروط ثابتة وتحقيقات للتأكد من العمل العجائبي.
لكن في المقابل، لم يكن بوسع الكنيسة الكاثوليكية
نكران أو نفي حصول معجزات حصلت، فنكرات حقيقة الشفاءات يعني ايضاً
نكران لقوى الله وقدرته وارادته في ارسال «علامات رحمته»، فالسياسة
«التعسفية» الى حد اللامبالاة التي اتبعتها الكنيسة الكاثوليكية
للاعتراف بشفاءات عجائبية وخارقة حصلت على يد قديسين، يشرحها وكيل
دعاوى القديسين في لبنان الأب بولس قزي قائلاً: «الكنيسة لا تريد تضليل
المؤمنين، ولا تنقصها العجائب، فهناك الكثير منها، لدينا الكثير من
القديسين، ما ينقصنا هو الحقيقة، وما اذا كان الله يرسل لنا حقاً
رسالة- معينة، الاعجوبة تحمل دائماً رسالة روحية، رسالة معينة من
الله، لكل اعجوبة رسالتها الروحية والإلهية، وهي تظهر كلها ابتعاد
الناس عن الله، فيكلمهم عبر رسائل من أجل ارتدادهم الى الايمان.
العجائب والقديسون هم «علامات الله» وحضوره بين شعبه، تظهر عندما يبتعد
هذا الشعب عنه وكما يقول القديس بولس: حيث كثرت الخطيئة تفاضلت النعمة».
القديس الأول
القديس وفق الكنيسة المسيحية، هو أكثر من تشبه
بالسيد يسوع المسيح، وبمعنى آخر بشهيد الصليب، من هنا فإن سلسلة
القديسين هي سلسلة شهداء الكنيسة في الدرجة الأولى، أي الذين سفكت
دماءهم في سبيل ايمانهم وتعلقهم بالسيد المسيح وتعاليمه الذين غفروا
لقاتلهم، فالشهادة والغفران هما أقنوما القداسة، فالشهيد إن لم يغفر لا
يكون شهيداً، ولا قداسة دون غفران، القديس هو من تشبه بالمسيح المصلوب
والغافر بصليبه.
وهي السير على خطاه، وهي ذبيحة حب متواصلة حيث يقدم
رجل الله ذاته كل يوم على مذبح البشرية تحقيقاً لما قاله بولس الرسول:
«لأجلكم نمات كل يوم».
من هنا فإن أول قديس في الكنيسة المسيحية هو القديس
اسطفانوس الذي رجم في اورشليم حتى الموت، وكان حاضراً على رجمه بولس
الرسول وكان يومذاك يدعى شاوول وكان محارباً مضطهداً للمسيحيين، وقيل
إن سفك دماء اسطفانوس كان الأساس في يقظة شاوول واعتناقه الى المسيحية
وهكذا أعلن اسطفانوس القديس الأول لأنه اول شهيد مسيحي قتل وغفر
لقاتليه مباشرة، تماماً كما فعل السيد المسيح على الصليب، وقد صرخ قبيل
موته: «يا ابتاه لا تحسب لهم هذه الخطيئة».
والى الشهادة والغفران للاعداء، يقتضي اعلان
القداسة، الموت، فلا اعلان قداسة قبل موت رجل الله.
فالشهادة الحية حول تقواه وبرّه والعجائب الكثيرة
التي يحققها في حياته، كل هذا لا يكفي لإعلان قداسته، القديس الحرديني
سمي قديس كفيفان منذ زمن طويل واعترف به وبعجائبه كل لبنان ومع هذا لم
يعلن قديساً، اذ لا اعلان قداسة قبل ان يظهر الله عجائبه في ذاك الرجل
بعد موته.
والى الشهادة والغفران والموت تأتي شهرة القداسة
لتحفر في الذاكرة الشعبية سيرة رجل سار على درب القداسة: عجائب،
ظهورات، شفاءات تتخطى الطبيعة تحكي عن تدخل الله في حياة شعبه ومصيره
على يد ذاك القديس او بشفاعته... فتكثر الصلوات له وإليه ومعه تتكاثر
النعم...
مع القديس شربل: عميان رأوا، عرج مشوا، مع قديس
كفيفان موتى قاموا، وأمراض سرطانية مستعصية اختفت...من هنا فإن كل دعوى
لاعلان قداسة رجل الله يجب ان تعزز بشهرة القداسة والصيت الشعبي الواسع
والشهادات لسيرته.
ومع توافر هذه الشهرة الشعبية لصيت القداسة، تتدخل
الكنيسة بواسطة المسؤولين المحليين الكنسيين فيباشرون الى التحقيق في
عجائب ذلك الرجل وما اذا كانت دعايات ومبالغات شعبية ام قداسة حقيقية،
ولتضع بذلك حداً لكل ادعاء باطل ولتوقف كل ما تراه، من خلال اختباراتها
الكنسية والقوانين المرعية، غير متطابق مع مفهوم الاعجوبة الخارق. هنا
يسير الكهنة واللاهوتيون والأطباء والخبراء معاً ويداً بيد، يراقبون
ويسجلون ويشهدون والشهادة بوجهين، علمية وروحية... ترافق كل مراحل
مسيرة اعلان القديس... ويشرحها الأب بولس قزي وفق ما يلي:
المرحلة الأولى
بعد شهرة القداسة وتوافد المؤمنين الى حيث قبر
الرجل (القديس) او مكان اقامته سابقاً ورفع الصلوات إليه وطلب شفاعته
لدى الله، يطلب المسؤول الكنسي الذي يقع ضمن دائرة رعيته الكنسية
المكان الذي تحصل فيه او تنطلق منه عجائب ذاك الرجل، ان تتدخل الكنيسة
بواسطة سلطة أعلى منه كالأسقف او البطريرك، وإثر هذا الطلب، تعين لجنة
تحقيق أولية قوامها: رئيس محكمة روحية وقاض محقق وكاتب وطبيب ومحام
عدلي، وخبراء يكون اختصاصهم مرتبطاً بنوع الاعجوبة، فإذا كان تمثال
الرجل (القديس) ينضح زيتاً مثلا يتم الاستعانة بخبراء زيت...
ويذكر في هذا المجال، ان الكنيسة تركز بخاصة على
عمل الأطباء والخبراء، ولأجل ذلك فهي تستقدم غالباً اطباء غير مؤمنين
أو غير ممارسين لإيمانهم، لإسباغ الصفة العلمية والموضوعية البحتة على
تقارير اللجان حيال اي حدث خارق، ولتتأكد فعلاً ما اذا كان هذا الحدث
طبيعي ام انه حصل بفعل تدخل إلهي خارق.
هذه اللجنة المؤلفة منرجل
دين وعلمانيين، تبدأ بدرس الحالة الموضوعة امامها، من خلال المراقبة
وأخذ الشهادات من أصحاب العلاقة، وتبدأ بتمحيصها والتدقيق فيها ودرسها
وثم تحليلها بهدف الحصول على تحقيق علمي لا لبس فيه.
ويكون التركيز بخاصة على درس ما إذا كان الحدث
-الاعجوبة- حصل بفعل عوامل طبيعية ام ان هناك تدخل غير طبيعي ادى الى
حصولها، وهنا يتضافر عمل الخبير والطبيب والمحلل، الذين يخضعون كل حالة
الى دراسات وتحاليل دقيقة في المختبرات عندما يتعلق الأمر بشفاءات
مرضية، تنتهي الى شهادات طبية تشرح علمياً رأى الخبراء بالحالة
المطروحة أمامهم، وما اذا كان هناك استحالة في الشفاء، كمثل الاصابة
بمرض سرطاني عضال في الدرجة الأولى غير ممكن الشفاء منه فإن اظهرت
تقارير الاطباء والخبراء حصول شفاء غير طبيعي، تحول الكنيسة الملف الى
مجلس أبرشي يحقق في عملية الشفاء مجدداً. ومن ثم يكلف مسؤول ديني يطلق
عليه اسم وكيل القديسين الى اقامة ومباشرة دعوى تحقيق كنسية، يعتمد
خلالها القوانين الكنسية العامة المطبقة في تثبيت العجائب، ويطلب من
الأسقف الكهاني (المطران)، أو رئيس الاساقفة أو الكاردينال ببدء
التحقيق في الشفاء العجائبي الذي تم وهنا يعمد المسؤول الكنسي الى
استشارة المجلس الابرشي او البطريركي، ويتم مجدداً ارسال خبراء من قبله
للتحقيق مجدداً في الحالة المطروحة، ويرأس بنفسه جلسات محكمة يعينها
المجلس الابرشي قوامها: قاض (متخصص غالباً في القوانين الكنيسية من
المحكمة الروحية)، محام عدلي وكاتب أمين سر وأطباء اختصاصيون يعينون
وفق نوع المرض الذي تم الشفاء منه «عجائبياً».
وبعد اجراء التحقيقات كاملة مجدداً، تضع اللجنة
تحقيقاتها كاملة في يد الأسقف، وتكون مرفقة بملف المريض الذي تم شفاءه
متكاملاً مع شهادات الأهل والأقرباء، وشهادات الأطباء الذين اشرفوا على
حالته واستنتاجاتهم، وتحاليل المختبرات ووصفات الأدوية التي تناولها،
ومراحل مرضه «والسرعة» التي تمت بها عملية الشفاء.
هذه الملفات تضعها اللجنة في يد الاسقف وتختم
بالشمع الأحمر وترسل بعد ذلك الى مجمع القديسين في روما، وهنا تبدأ
مرحلة جديدة، طويلة وشاقة في مسيرة اثبات «القداسة».
المرحلة الثانية:
مجمع القديسين في روما
مع وصول دعوى القداسة مرفقة بملفاتها كاملة الى
روما، تسجل في ديوان مجمع القديسين ويصار الى التحقيق في صحتها، ليصدر
على هذا الاساس وثيقة قبول الدعوى أم رفضها، بعد التحقق من اتباع
القوانين والأصول المنهجية الكنسية المطبقة في هكذا حالات، فوفق هذه
القوانين مثلاً يشترط تواجد الطبيب في كل الجلسات التي تعقدها المحكمة
المكلفة التحقيق في دعوى القداسة، فإن تبين ان الطبيب تغيب ولو لمرة
واحدة أثناء جلسات المحكمة، ترد الدعوى فوراً من روما.
وبعد ذلك يحال الملف الى
أطباء اختصاصيين (طبيبين أو أكثر) لدرس حالة المريض وتبيان ما اذا كان
مرضه من الأمراض المستعصية وما اذا كان حقاً مميتاً، وما اذا كان
العلاج الذي خضع له المريض والادوية التي تناولها اعطت مفاعيلها، ام ان
الشفاء جاء نتيجة فعل آخر «غير مفهوم» هنا يصوّت الاطباء المعتمدين
على صحة الوثائق الطبية المقدمة وعلى عملية الشفاء ما اذا كانت طبيعية
أم غير طبيعية. وبناء على تقريرهما يعمد الى متابعة سير الدعوى
وارسالها الى مجمع طبي عام، حيث يطرح الملف في شكل اوسع، ويقوم
الطبيبين بشرح الحالة بكل تفاصيلها الطبية والعلمية، فيعمد في هذا
المجمع الطبي الى التصويت على حق قبول الدعوى او حجب الثقة عنها،
وبالتالي توقيفها فإذا جاءت نتيجة التصويت: نصف المجمع مع حجب الثقة
والنصف الآخر مع قبول الدعوى، يكون القرار بوقفها، ذلك أنه أي مجال
للشك يؤدي فوراً الى وضع حد للدعوى وعدم متابعتها، فالأكثرية الساحقة
مطلوبة لمتابعة السير في دعوى الأعجوبة واثباتها.
ومع رفض الدعوى، ينتقل طالب دعاوى القديسين غالباً
الى اعجوبة اخرى وشفاءات اخرى حققها الرجل «القديس» المنسوبة اليه
الأعجوبة الأولى وهو ان كان قديساً فلا بد أن يحقق شفاءات أخرى وإلا
فهو ليس بقديس.
لكن في حال تصويت المجمع الطبي العام على قبول
الدعوى، يصار بعدها الى نقلها الى أيدي لاهوتيين مختصين يدرسون بدورهم
عمل الأطباء ما إذا كان دقيقاً ومصيباً كما يعمدون الى درس طلب
الشفاعة، للتأكد ما اذا كان طلب الشفاء موجهاً فعلاً الى الرجل
(القديس) نفس المنسوبة اليه عملية الشفاء العجائبية، أي اذا ما كان طلب
الشفاعة صادقاً وموجه مباشرة اليه وان يكون الشفاء حصل فعلاً بشفاعته
وان المريض حصل على نعمة الشفاء باسمه.
فإن اثبت الاطباء استحالة الشفاء الصحي طبيعياً،
ونتج عن دراسة اللاهوتيين ان الشفاء حصل بشفاعة مباشرة من هذا القديس،
تنسب الاعجوبة عندئذ الى رجل الله ذاك من قبل مجمع اللاهوتيين، ويعمد
بعدها الى ارسال الدعوى الى مجمع آخر هو مجمع الكرادلة وهو الأعلى في
الكنيسة الكاثوليكية، فيباشر بدوره الى التحقيق مجدداً في عمل الاطباء
واللاهوتيين ويثبته او يرفضه، فإذا رأى مجمع الكرادلة ان عملية الشفاء
غير واضحة يعاد الملف مجدداً الى مجمع الاطباء لدرس الملف الطبي
مجدداً، وهنا يعاد طرح الملف مجدداً امام المجمع الطبي ويدرس ويصوت
عليه او (حجب الثقة) وفي حال قبول الدعوى تحول مجدداً الى اللاهوتيين
لدرس عمل الأطباء ودرس طلب الشفاعة ليحال مجدداً الى مجمع الكرادلة
الذي يحقق للمرة الثانية في الدعوى لناحية صوابية استنتاجات الأطباء
واللاهوتيين، فإن رأى أنها وافية، يرفع تقريره الى الحبر الأعظم بواسطة
رئيس مجمع القديسين، وهنا يصبح القرار الأخير بين يدي قداسة البابا
الذي بعد ان يطلع على الملف يعلن أما موافقته وأما رفضه للملف... ورفضه
يعني ان هناك مجال للشك اذا لا شفاء عجائبي، ويعود الملف الى حيث اتى
لكأنه لم يكن. وفي حال موافقة البابا يعلن عن حصول «اعجوبة» «بشفاعة
ذاك الرجل... لكن هذا لن يعني اعلان قداسة ذاك الرجل، بل ان الاعلان
والاعتراف بتلك الاعجوبة في الكرسي الرسولي ما هو سوى مفتاع للمضي في
مسيرة التقديس الطويلة والتي تمر بدورها بمراحل متعددة.
اعلان القداسة
فالعمل الحبري في اعلان قديس مختلف تماماً لناحية
اسلوب التحقيق كما في الأنظمة والقوانين والأهداف، لأن التحقيق في حياة
القديس واثبات قداسته أصعب بكثير من التحقيق في حالة شفاء عجائبية، من
هنا عندما يذاع صيت قداسة لدى رجل الله يتم الاعتماد على الشهود العيان
ويصار الى التحقيق في مجمل حياة هذا الرجل، بيئته واستقامته واخلاقه
والفضائل الإلهية والانسانية التي كان يتمتع بها وبطولة فضائلة
وكتاباته وغيره...
الأمر الذي يستلزم سنوات وسنوات طويلة للتحقيق في
سيرته المقدسة، اذ يكفي القول ان دعاوى القديسين اللبنانيين الثلاثة:
شربل ورفقا والحرديني طرحت في العام 1926
وقدمت الى المجامع الكنسية في العام 1929
وقد طلب تجديد ومتابعة التحقيق في دعوى شربل في العام
1950، لتبدأ عملية التحقيق
في العجائب التي حصلت بشفاعته في العام 1952
وفي العام 1956 أعلن
طوباوياً واستلزم الأمر من العام 1977
لإعلانه قديساً.
فيما تم تطويب رفقا في العام
1985 وأعلنت قديسة في العام
2001، وأعلن
الحرديني طوباوياً العام 1998
وفي 16 أيار ـ مايو
ـ المقبل سيعلن قديساً.
ويذكر الأب قزّي ان كل شفاء أو عمل عجائبي يحتاج ما
لا يقل عن ثلاث او خمس سنوات لإثباته وإعلانه «اعجوبة» في مجمع
القديسين في روما، ومع هذا فإن المرحلة الأطول هي المرحلة الابرشية
الأولية التي تمتد احياناً عشرات السنوات من اجل جمع الوثائق
والشهادات والافادت حول القديس لإرسالها لاحقاً الى روما، ومثالاً على
ذلك ان ملف القديس مار شربل انتظر ثلاث سنوات فقط من أجل الحصول على
شهادة طبيب كان مسافراً وقد استلزمت مسيرة تقديسه
51 سنة في مقابل
78 لتقديس الحرديني، ومع
هذا فإذا ما قارنا ملفات شربل ورفقا والحرديني بملفات قديسين آخرين في
شتى أنحاء العالم، نرى انهم من «المحظوظين» بسرعة بت ملفاتهم، فبعض
القديسين استلزمت عملية تقديسهم مئات السنين، ومنهم القديس برناردو
الذي أعلن طوباويا مع القديسة رفقا، علماً انه كان من رفاق القديس مار
فرنسيس الاسيزي.
فبعد اعلان العمل الشفائي المنسوب الى القديس
«اعجوبة» وبعد التحقيق حول حياته وسيرته، يصار أولاً الى اعلان بطولة
فضائله ويطلق عليه لقب «المكرم»، وبعدها يبدأ الاعداد لعملية تطويبه،
حيث يشترط قيامه بأعجوبتين كبيرتين ومثبتتين طبياً تخضعان أيضاً
للاجراءات نفسها التي خضعت لها اعجوبته الأولى التي تم الاعتراف بها في
الفاتيكان، فإن تمت الموافقة عليهما يعلن طوباوياً سيطلب منه أيضاً
عجائب جديدة كبيرة ومثبتة ولا تقبل جدلاً، لا طبياً ولا لاهوتياً لتفتح
الباب أمام اعلان قداسته الأمر الذي يتطلب حلقة جديدة من التحقيقات
والشهادات والافادات...
شهرة القداسة
هل جميع قديسي الكنيسة المسيحية خضعوا لهذه
الاجراءات المتشددة؟ يجيب الأب قزي: «تاريخياً، اعلان شهرة القداسة كان
يبدأ من الشعب، فبعد موت رجال الله هؤلاء وظهور عجائبهم، كان الشعب
يبدأ بإعلان قداستهم ما يدفع الاسقف الى التحقيق في ما يجري على يد رجل
الله ذاك، فإن تأكد مما يحصل، كان يعلن قديساً على يد البطريرك أو
رئيس الكنيسة واستمر الأمر هكذا حتى الجيل الثاني عشر مع صدور قرار
بابوي يقضي بأن كل اعلان قداسة يجب ان يصدر بواسطة الكنيسة الجامعة
ومجمع الكرادلة والبابا، ومنع اي اسقف او كنيسة محلية من اعلان
قديسيها، وفي الجيل الثامن عشر، وضع البابا بنوا الرابع عشر أسساً
وقوانين ودساتير جديدة شملت عملية اعلان القديسين، لكن المجمع
الفاتيكاني الثاني الذي عقد برئاسة البابا بولس السادس أقر تأسيس مجمع
خاص للقديسين، بعد ان كانت تقدم دعاوى القديسين الى مجمع يطلق عليه اسم
مجمع الطقوس، وقد فصل موضوع القديسين عن موضوع الاسرار والليتورجيات
والاحتفالات الكنسية، ليصبح قائماً بنفسه. اما البابا الحالي يوحنا
بولس الثاني فقد أصدر في العام 3891 قوانين تنظيمية جديدة يعمد بموجبها
الى اجراء تحقيقات معمقة ودقيقة في حياة وبطولة فضائل وعجائب رجال الله
قبل اعلانهم طوباويين او قديسين».
والمعروف ان البابا يوحنا بولس الثاني حطم رقماً
قياسياً في عدد التقديسات والتطويبات التي اعلنت في عهده والتي بلغت
674 قديساً وطوباوياً، ومعروف ان احتفالات اعلان التقديس او التطويب هي
المفضلة لديه، فهل يعني ذلك ان تشدد الكنيسة الكاثوليكية حيال شروط
اعلان القداسة تراجع مع رئيسها الحالي؟ يجيب الأب بولس قزي: «نحن نعلم
ان دعوة السيد المسيح موجهة الى كل مؤمن ليكون قديساً: «كونوا قديسين
كما ان اباكم السماوي قديس هو»، والقديس بولس توجه في رسائله الى
المؤمنين قائلاً لهم: «انتم القديسون»، الدعوى الى القداسة اذا هي دعوى
عامة وشاملة الى كل مؤمن. لكن ان يتميز اشخاص بتفوقهم في القداسة فهذا
نعمة من الله وعطية خاصة تحمل رسالة معينة للبيئة والمكان وللكنيسة
لوضع مثال حي أمام المؤمنين ولطلب الشفاعة... لكن عمل المجامع الكنسية
كان غالباً يمنع الاسراع في التحقيق واعلان القداسة وذلك للتثبت اكثر
من الحقائق المعاشة، لكن المجمع الفاتيكاني الثاني الذي فتح الباب امام
الطرق العلمية الحديثة والمتطورة من اجل المساعدة في اجراء التحقيقات
سرّع عملية كشف حقائق الاعمال والشفاءات العجائبية المطروحة امام
الكنيسة بسرعة أكبر.
من هنا يمكن القول ان
قداسة البابا الذي فتح الباب لإعلان قداسة اعداد كبيرة من القديسين
أظهر وعياً كبيراً لأهمية اعلان القداسة كما لأهمية التدقيق في
التحقيقات والتأكد من الوثائق في آن واحد، خصوصاً ان العدد الأكبر من
الذين اعلنهم قديسين هم بغالبيتهم من الشهداء الذين سفكت دماءهم في
احداث تاريخية مأسوية شهيرة... فهؤلاء شهداء الكنيسة وشهداء ايمانهم
بالمسيح، والبابا اراد ان يقدم للعالم امثالاً جديدة من المسيحيين
التزموا قيم الانجيل والمسيحية كمثال حيّ لإنسانية جديدة.
القديس الحرديني
ولد يوسف كساب (الأب نعمة الله) سنة
1808 في بلدة حردين في شمال
لبنان ودخل في العام 1828
الى دير مار انطونيوس قزحيا باسم الأخ نعمة الله كساب وسيم كاهناً في
العام 1833. ليصبح
بعد ذلك استاذاً للاهوت الأدبي في المدرسة الرهبانية في ديركفيفان ثم
مديراً للاخوة الدّارسين.
عام 1845
عينه الكرسي الرسولي مدبراً. والعام 1953
التزم الأب نعمة الله دير كفيفان حيث تابع تعليم اللاهوت الأدبي
للأخوة الدارسين وبينهم القديس شربل مخلوف. وفي
14 كانون الأول ـ ديسمبر ـ
1858 توفي الأب كساب
اثر اصابته بمرض ذات الجنب. وقد حدث في الليلة التي دفن فيها ان انبعث
نور من قبره ساطع ومشع على مرات متتالية... فشهد القبر اثر ذلك سيلاً
من المؤمنين الذين اتوا مصلين وطالبين شفاعته. وبعد وفاته، بقي جثمانه
سليماً من الفساد، فعمدت السلطة الرهبانية سنة
1814 الى نقله الى الغرفة الحالية في دير
كفيفان ووضعه في تابوت كي يراه المؤمنون ويتباركوا به.
وقد نسب الى القديس الحرديني الكثير من العجائب في
حياته كما في مماته، منها:
- اعجوبة كسيح وطى المرج
(مخائيل كفوري - العام 1872).
- اعجوبة أعمى بتغرين (موسى
صليبا).
- اعجوبة شفاء والدة
المطران يوسف الخازن من العمى.
- اعجوبة شفاء الأب منصور
عواد من الشلل العام 1891.
- شفاء ابن الامرأة الدرزية
في قرية الرويس في الشوف.
- شفاء عين وارجاع بصر
أرملة نخول إلياس من داريا.
- شفاء اسكندر صقر في معلقة
زحلة من مرض الغرغرينا.
- شفاء الدكتور جورج نجم
سعادة من شبطين من مرض مستعصي.
- شفاء الشاب اندريه نجم من
داء السرطان في الدم العام 1987
وهي الأعجوبة التي اعتمدت في دعوى تطويب الحرديني.
واستغرقت عملية اعلان الحرديني قديساً
87 عاماً مرت خلالها
بالمرحل التالية:
- العام
1926: قدمت دعواه الى روما
مع دعوى القديس شربل والقديسة رفقا.
- العام
1989: اعلنت له بطولة
فضائله فأصبح مكرماً.
- 1/5/1996: تم فتح دعوى
التحقيق في شفاء الشاب اندريه نجم من مرض سرطان الدم.
27/9/1996: قبول ملف أعجوبة
الشفاء في مجمع القديسين في روما.
27/2/1997: تصويت اللجنة
الطبية بالاجماع (5/5) على اعجوبة الشفاء وتلاه تصويت اللجنة اللاهوتية
ايضاً بالاجماع (7/7) على أعجوبة الشفاء.
1/7/1997: تصويت الجمعية
العامة (وفيها 42 كاردينالاً) بالاجماع على اعجوبة الشفاء.
7/7/1997: قراءة قرار
الأعجوبة امام البابا يوحنا بولس الثاني.
1 / 5 / 1998: اعلان
الحرديني طوباوياً.
91 / 2 / 2004: صدور قرار
بابوي في الفاتيكان بإعلان الطوباوي نعمة الله كساب الحرديني يوم الأحد
الواقع في 16/ 5 /
2004، قديساً وقد
اعتمد في اساس دعوى تقديس الحرديني اعجوبة شفاء روز سعد بعدما اصيبت
بالعمى لمدة اكثر من عشرة اعوام فظلت طريحة العمى بعد مقتل اثنين من
اولادها الشباب وفقدان زوجها وولدين في سن مبكرة.
*نجاح بو منصف
الشرق الأوسط في مهب الاصلاح
طرحت الولايات المتحدة على مجموعة الدول الصناعية
الثماني مشروع «الشرق الأوسط الكبير»، في مطلع شهر شباط - فبراير -
4002، وأطلقت واشنطن بموازاة ذلك نقاشاً واسعاً مع قادة هذه الدول التي
يفترض ان ن هذا لامشروع خلال قمتها في حزيران - يونيو - اتتلمقبل، وهي
المرة الأولى التي تطرح فيها الولايات المتحدة رسمياً وعلى هذا المستوى
من الاتساع الجغرافي مشروعاً للاصلاح في المنطقة التي تخوض فيها حروباً
عسكرية وأمنية وتمارس فيها الضغوط والتهديدات على دول وحكومات ومنظمات
مختلفة. أي أنها المرة الأولى التي تحاول فيها الولايات المتحدة ان
تقدم نفسها بوجه غير عسكري، بعدما تشكلت صورتها في السنوات الماضية من
«الحرب على الارهاب» ومن «الحرب الاستباقية» ومن ميزانية للدفاع بلغت
اكثر من 004 مليار دولار. وأثار هذا المشروع، كما هو متوقع، ردود أفعال
كثيرة في بلدان الشرق الأوسط المقصودة بهذا الاصلاح وخصوصاً في البلدان
العربية،وصدرت عن كثير من هيئات المثقفين والاحزاب السياسية، مواقف
ترفض الاصلاح المقبل. أو المفروض من الخارج، حتى الحكومات نفسها ذهبت
أيضاً الى رفض ما يفرض عليها من دون ان يتبرأ أحد من ضرورة الاصلاح
والحاجة إليه. كما بدأت بعض الدول خطوات عملية لتأكيد اهتمامها
بالاصلاح في قضايا التعليم، والمرأة. والانتخابات، والمجالس البلدية...
وقامت بتعديل بعض القوانين التي لم تتغير منذ عقود،
وذهب بعض هذه الحكومات الى حد تشكيل «هيئات غير حكومية من أجل حقوق
الانسان». وكان من الواضع ان خطوات مماثلة ما كانت لتتم لولا الضغوط
الأميركية المباشرة التي ألمح اليها في أكثر من مناسبة بعض أركان
الإدارة الأميركية وبعض موفديها السياسيين والعسكريين الى المنطقة. كما
أن مشروعاً مماثلاً «للاصلاح» ما كانت لتطرحه الولايات المتحدة وتعمل
من اجل تحويله الى «شراكة» دولية مع الدول الصناعية ومع الاتحاد
الأوروبي لولا «التغير الاستراتيجي» الذي حصل بعد احتلال العراق وجعل
الولايات المتحدة قوة مباشرة في قلب منطقة الشرق الأوسط بعدما كانت في
السابق «قوة عن بعد». وبعدما استندت الادارة الأميركية الى الدراسات
التي تقول بأن البنى الاجتماعية والسياسية الراهنة في هذه المنطقة هي
مصدر نشوء الارهاب الذي يهدد أمن الولايات المتحدة وأمن حلفائها، وان
تغيير هذه البنى، ولو من خلال الضغوط أو التدخل المباشر ، هو السبيل
الأفضل على المستوى الاستراتيجي لمنع تجدد هذا الارهاب من خلال الاصلاح
والديمقراطية... بعدما قامت واشنطن بما تسميه «تجفيف منابع» هذا
«الارهاب» المالية وشبكاته المختلفة على مستوى العالم، بعد اعتداءات
الحادي عشر من سبتمبر. أطلقت واشنطن تسميه «الشرق الأوسط الكبير» على
المنطقة التي اعتبرت انها تشكل «تحدياً وفرصة فريدة للمجتمع الدولي»
(راجع رفض نصر المشروع في جريدة الحياة في 31/2/4002). وتضم هذه
المنطقة بلدان العالم العربي، الى باكستان وافغانستان وايران وتركيا
واسرائيل ومن المعروف تاريخياً ان تسمية الشرق الأوسط نفسه، او تعيين
حدوده والبلدان التي تنتسب اليه كان يتم بحسب مصالح الدول الاستعمارية
ورؤيتها لهذه المنطقة فتارة يصغر الشرق الأوسط ليقتصر على الدول
العربية ثم أضيفت اليه واسرائيل، وتارة يكبر ليضم ايران وتركيا، وفي
بعض المرات يصل الى باكستان... وهكذا عندما يشار اليوم الى أزمة الشرق
الأوسط، على سبيل المثال فإن المقصود هو «المشكلة الفلسطينية» أو
الصراع العربي - الاسرائيلي، وليس اي صراع آخر أو أزمة أخرى بين بلدان
هذه المنطقة. وعندما «يتحدد» الشرق الأوسط ليشمل الدول التي اشرنا
اليها فهذا يرتبط مباشرة برؤية اميركية خاصة لمستقبل هذه المنطقة
وبلدانها وللمصالح الأميركية فيها»، وفي كل الاحوال ليست المرة الأولى
التي تطرح فيها مشاريع اصلاح في هذه المنطقة العربية الاسلامية. فمنذ
القرن الماضي اطلق الكثيرون من علماء ومفكرين دعوات للاصلاح مقارنة مع
الغرب الذي يتقدم، وتزداد الفجوة بينه وبين العرب والمسلمين. حتى ان
معظم ما يطرح اليوم لم يغب عن بال المصلحين الاوائل من أوضاع التعليم
الى وضع المرأة، الى التخلص من الاستبداد. إلا أن عدم الاستقرار الذي
عاشته هذه المنطقة طيلة نصف القرن الماضي والضغوط الخارجية والداخلية
التي رافقتها، وسياسات حكامها غير العادلة وغير المتوانزة حيناً
والمستبدة احياناً كثيرة، والصراعات التي فرضت عليها، والثروات التي
تمتلكها وجعلتها عرضة للتدخل والاطلاع، جعلت أمر الاصلاح شأناً لا
يمكن تجاهله أو تأجيله مهما قيل في التحفظ عن الدعوات الخارجية إليه،
وخصوصا ان العالم من حولها يتقدم بخطوات متسارعة على المستويات كافة.
ولعل هذا ما يفسر، من دون ان نهمل صراع النفوذ والمصالح، كيف تطرح
ثلاثة مشاريع (مبادرات) للاصلاح في فترة واحدة هي: المشروع الأميركي
وتسميته «الشرق الأوسط الكبير» والمشروع الأوروبي تحت عنوان: «شركة
استراتيجية لمستقبل مشترك مع الشرق الأوسط» والمبادرة المصرية -
السورية - السعودية لاصلاح الجامعة العربية.
المشروع الأميركي
يستند المشروع الأميريك من جهة الى تقريري التنمية
البشرية العربية للعامين 2002 و3002 وفيهما تحديد للفجوات الكبيرة في
البلدان العربية في قضايا الحرية والمعرفة والتنمية. ومن جهة ثانية الى
«عدم خلق الظروف التي تهدد المصالح الوطنية لكل اعضاء مجموعة الثماني»
التي طرح عليها هذا المشروع. اذ طالما تزايد عدد المحرومين من حقوقهم
السياسية والاقصتادية، «سنشهد زيادة في التطرف والارهاب والجريمة
الدولية والهجرة غير المشروعة».
اي ان الفكرة الأميركية
تهدف بالدرجة الأولى من خلال ما تسميه الاصلاح الى حماية الولايات
المتحدة وأوروبا من الارهاب والتطرف والهجرة غير المشروعة... ويدعو
المشروع الأميركي في الوقت نفسه الى تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح،
وبناء مجتمع معرفي، وتوسيع الفرص الاقتصادية. وهي أولويات لا يمكن لأحد
الاعتراض عليها ولا على اهميتها المتزايدة لدى شعوب هذه المنطقة. إلا
أن ما يثير الاستغرب والتساؤل في مشروع مماثل هو تجاهله لمعوقات ا
ساسية أمام تشكّل هذا «الشرق الأوسط الكبير»، قد تجعله سراباً اذا لم
تجد حلولها العادلة والصحيحة:
- فكيف يمكن الحديث عن «أثر
تحرير العراق وأفغانستان من نظامين قمعيين على نبضان الديمقراطية»
وإهمال القضية الفلسطينية التي تعتبر مصدر عدم الاستقرار في هذه
المنطقة بسبب الاحتلال الاسرائيلي والحروب الاسرائيلية التي استنزفت
موارد بلدانها، وكانت ذريعة لكثير من حكامها؟ وهل يمكن ان يبصر قبل هذا
الشرق الأوسط الكبير النور اذا لم تجد القضية الفلسطينية حلها العادل
الذي يحقق طموحات الشعب الفلسطيني؟.
- وهل يمكن الحديث عن شرق
أوسط كبير في ظل مستقبل العراق «المعلق»- على الرغم من أهمية العراق
ودوره في أي مشروع مستقبلي للشرق الأوسط. وكيف تريد الولايات المتحدة
«تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح وتدعو مجموعة الثماني الى دعم مبادرة
الانتخابات الحرة» وهي ت تحفظ عن اجراء تلك الانتخابات في العراق،
وتعمل في الوقت نفسه على استمرار قواعدها العسكرية في هذا البلد؟ ثم
كيف سيصدق الكثيرون ان الولايات المتحدة تريد «حكماً صالحاً» في الوقت
الذي لم تكف فيه عن دعم رؤساء وزعماء وتأييدهم وحمايتهم لمجرد انسجامهم
مع سياساتها مهما كان حجم الاستبداد الذي يمارسونه في داخل بلدانهم
ومهما كانت الطريقة التي وصلوا بها الى السلطة. وها هي «الشريك المفضل»
للولايات المتحدة باكستان على سبيل المثال تصبح في ظل برويز مشرف الذي
وصل الى السلطة بانقلاب عسكري، لكنه وقف الى جانب واشنطن في حربها ضد
القاعدة وطالبان...
- كيف يمكن الحديعن «بناء
مجتمع معرفي» في شرق أوسط كبير تتفاوت قدرات بلدانه في هذا المجال الى
اقصى الحدود؟ ففي الوقت الذي يعتبر فيه محو الأمية مهمة رئيسة في
افغانستان تتركز تلك المهمة في بلدان أخرى على توسيع استخدام الانترنت
واجهزة الكمبيوتر او على خفض كلفتها... كما تتفاوت مستويات الحياة
الاجتماعية والثقافية والاقصتادية بين بلدان هذا «الشرق الأوسط» بحيث
يصعب ان تتقدم معاً بخطوات متناقسة او مشتركة نحو القضايا او الأولويات
نفسها».
ان الاعتراضات الاساسية على المشروع الأميركي التي
صدرت عن بعض حكام المنطقة وعن كثير من المثقفين والباحثين فيها تلخصت
في رفض الاصلاح المقبل او المفروض من الخارج، وفي تجاهل هذا المشروع
لخصوصيات المنطقة الثقافية والاجتماعية، وفي اغفاله لجوهر الصراعات
وعدم الاستقرار فيها من فلسطين الى العراق. وهذه هي النقاط الثلاث التي
سيتضمنها المشروع الأوروبي للاصلاح.
المشروع الأوروبي:
بادرت فرنسا وألمانيا الى وضع مشروع للاصلاح في
الشرق الأوسط بعد المشروع الأميركي - تحت عنوان «شراكة استراتيجية
لمستقبل مشترك مع الشرق الزوسط». (نص المشروع في جريدة الحياة 7 آذار
- مارس 4002).
ومثل أي مشروع أوروبي لم يتجاهل هذا المشروع دور
الولايات المتحدة و«تنسيق الجهود معها» و«تكملة دورها». إلا أن
المبادرة الفرنسية - الالمانية ارادت في الوقت نفسه ان تتمايز عن
المبادرة الأميركية فشددت على ما أهملته تلك المبادرة وعلى ما لم
تتطرق اليه. ففي الاهداف تقول الورقة الأوروبية «ان كل مبادرة في شأن
الشرق الأوسط ينبغي ان تلبي حاجات المنطقة وتطلعاتها ونجاحها يتوقف
بالدرجة الىولى على هذه البلدان... وان قوة الدفع ينبغي ان تأتي من
المنطقة (رد على فرض الاصلاح من الخارج).. وفي مبادئ العمل تشير الورقة
الى ان «تسوية النزاع العربي - الاسرائيلي تشكل أولوية استراتيجية
لأوروبا وفي غياب مثل هذا الحل لن تكون هناك أي فرصة لتسوية المشكلات
الأخرى في الشرق الأوسط.. ومن الضروري ايضاً انشاء حكومة سيدة ومسؤولة
في العراق. ولا يمكننا توقع النجاح الكامل ما لم تتقدم مسيرة السلام في
الشرق الأوسط... (رد على تغييب قضيتي فلسطين والعراق).
إلا ان الورقة الأوروبية التي تتدحث عن «شراكة
صادقة» لا تخفي «مصلحة أوروبا الكبيرة في التطور ا لايجابي للمنطقة»
التي تشكل اولوية مركزية في العمل الأوروبي. ومن المعلوم ان أوروبا
بدأت منذ عام 5991 ما اطلق عليه «الشراكة الأوروبية - المتوسطية»
لتطوير التعاون الأمني والاقتصادي والتجاري، والحد من الهجرة غير
المشروعة خصوصاً من بلدان المغرب العربي الى أوروبا. كما اطلقت أوروبا
من خلال هذه الشراكة مجموعة برامج مساعدات مختلفة. وتدعو في مشروعها
للاصالح الى استكمال هذه الشراكة وتشير في الوقت نفسه الى الروابط
الجغرافية والثقافية والاقتصادية والبشرية بين أوروبا وبين منطقة الشرق
الأوسط. (خلافاً للولايات المتحدة التي لا تملك مثل هذه الروابط). إلا
أن الورقة الأوروبية تؤكد ايضاً عن «فاعلية العمل المتعدد الاطراف
ومنها خصوصا «الاتحاد الأوروبي» والأمم المتحدة، وحلف شمال الأطلسي في
ما يخص قضايا الأمن والدفاع، الى جانب المؤسسات المالية الدولية
بالنسبة الى قضايا التطور. أما اقتراحات الحل، في اطار «مبادئ الاتحاد
الأوروبي» فتستند الى الخطوات الخمس التالية. 1 - حوار سياسي وأمني في
شأن السلام والاستقرار في المتوسط خصوصاً اجراءات الثقةج.
2- ديمقراطية وحقوق انسان
ودولة قانون وحرية اعلامية وحكم جيد.
3 - اصلاحات هيكلية في
المجال الاقتصادي.
4 - تطور اجتماعي، خصوصا في
مجال التعليم والمساواة بين الرجل والمرأة.
5 - دعم انبثاق مجتمعات
مدنية وتطوير تعبيرها وتلعاتها.
المبادرة العربية:
على وقع الضغوط المباشرة وغير المباشرة من اجل
الاصلاح ومواجهة الارهاب و«تجفيف منابعه»، وخصوصا بعد الحادي عشر من
سبتمبر، وفي ظل عجز جامعة الدول العربية «المزمن» عن حل الأزمات التي
نشأت بين دولها منذ احتلال العراق الكويت الى الاحتلال الأميركية
للعراق، وفي ظل ادوار اقليمية متنامية لكل من تركيا وايران.. تحركت
المشاورات المصرية - السعودية - السعودية في مبادرة من اجل اصلاح
الجامعة العربية، «كبديل عربي» للاصلاحات «المفروضة من الخارج» واذا
كان اصلاح الجامعة وتطوير مؤسساتها وتفعيل آليات عملها هو مشروع قديم،
طرحه على نفسه ايضاً أمينها العام الجديد عمرو موسى قبل سنوات مع
ابتداء مهمته، الا ان التطورات العراقية والاقليمية الأخيرة التي همشت
الدور المصري وهددت الدور السوري، وحولت الاهتمام السعودي الى «الداخل
الأمني» فرضت هذه الوتيرة المتسارعة من اللقا والمشاورات العربية
لبلورة مشروع يطرح على القمة المقبلة من اجل اصلاح الجامعة وتطويرها.
وأياً تكن المقترحات التي ستصدر عن ذلك المشروع، قبل ايجاد برلمان
مشترك، او آلية لأمن عربي مشترك... فإنها لن تكون قادرة عملياً لا على
مواجهة ما وصلت اليه الاوضاع الاقليمية من جهة، ولا على النفاذ الى
جوهر الاصلاحات التي اشارت اليها الورقتين الأوروبية والأميركية. بل
يمكن القول ان اقصى ما يمكن ان تطمح إليه تلك المشاورات هو مشروع يضاف
الى سللة المشاريع السابقة التي تبنتها الجامعة منذ تأسيسها، بينما قد
تحقق تلك اللقاءات اعادة احياء «المحور» السوري- السعودي- المصري
لمواجهة الضغوط الأميركية والتهديدات الاسرائيلية وحماية الادوار
الاقليمية لكل دولة من الدول الثلاث.
تبدو قضية الاصلاح قضية شديدة التعقيد في منطقة
«الشرق الأوسط» مهما كان اتساعه، وخصوصا في مجاله العربي الذي تتوجه
اليه المبادرات الخارجية. وتثير هذه القضية اسئلة كثيرة تصعب الاجابة
عنها في مهب تلك العواصف والغيوم الملبدة في سماء المنطقة. اذ كيف يمكن
على سبيل المثال ان تتعاون الحكومات العربية مع المبادرتين الأميركية
أو الأوروبية من اجل «انتخابات حرة وديمقراطية» قد تطيح بها وتأتي بكل
انواع المعارضة، وكيف سيتصرف الأميركيون أو الأوروبيون اذا وصل الى
السلطة، كما هو مرجح، في معظم البلدان العربية ذوو الاتجاهات الاسلامية
من تلك المعارضة التي كمت أفواهها في السنوات الماضية؟ ومن هو الذي
سيعمل على تثبيت الديمقراطية وحقوق الانسان ودولة القانون والحريات
الاعلامية والحكم الجيد؟: الحكومات الحالية التي لم تفعل ذلك طيلة عقود
أم التدخل الخارجي؟
كيف سيبزغ فجر هذا الاصلاح اذا كانت القوى التي
ستحمله على عاتقها لا تزال متباينة الاهداف والاساليب، الاسلاميين من
يسبح بحمد السلطان الذي لا ينبغي عصيانه او الخروج عليه او التشكيك في
قيادته. ومنهخم من لا يفتي الا بالجهاد ضد «اليهود والصليبيين
والكفار»، ومنهم من يقبع في السجون ومنهم من «يجاهد» من اجل الاعتراف
بشرعية وجوده ومن المثقفين والتيارات الاخرى من يدعو الى التدخل
الخارجي لاستحالة التغيير من الداخل في مقابل من يرفض هذا المبدأ او
التلويح به. ومنهم من يرى في الاصلاح «القطري» اولاً مدخلا للاصلاح
الشامل لاحقاً. ومنهم من يريد تعاوناً أوروبيا - عربياً - اسلاميا -
آسيوياً، لتوسيع دائرة التشاور في تجربة الاصلاح. ومنهم من لا يزال
متشبثاً بأطلال الحكومات التي قدمت له الدعم وقدم لها الولاء والدافع
عن سياساتها... كما ومن التيارات السياسية والاسلامية من يرى اولوية
قتال «الخارج/ الاحتلال» على اصلاح الداخل... وهكذا... وبموازاة ذلك
كله تصدر في كل سنة التقارير الدولية التي تتحدث عن الفجوات المخيفة في
العالم العربي في قضايا الحريات وحقوق الانسان والتعليم والتنمية
بمستوياتها كافة. ووتنافس» الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على
برامج اصلاح هذا العالم، بينما تحاول جامعة الدول العربية ان تعيد
الروح الى الجسد المتهالك الذي كادت تفارقه...
فمن هي القوى التي ستقود مشروعاً للاصلاح، تحتاجه
هذه المنطقة وشعوبها منذ سنوات؟. وهل بات «الخاتج» حقاً جزءاً من هذا
المشروع بعدما دمرت بنى الداخل طيلة عقود؟ وهل يفترض ان يكون الاصلاح
جزئياً لاستحالة شموليته دفعة واحدة ام شاملاً لتعذر تفكيك أواصره
وللتداخل بين عناصره كافة؟ ومن سيسبق الآخر دفع الاحتلاح/ الخارج الذي
يتحمل مسؤولية كبيرة وتاريخية ولا يزال في انهاك شعوب المنطق ةوفي دعم
حكوماتها المستبدة، ام دفع حكومات الداخل» التي تجثم على الصور ولا
ترغب او لا تستطيع ان تضع عجلة الاصلاح في مكانها... أم هذا «الشرق
الأوسط» سيبقى على حاله كما هو مرجح، حقبة اخرى في مهب الاطماع
والاحتلال قد يرافقها «اصلاح» من هنا أو هناك، لن يمس جوهر التغيير
المنشود الذي لا تبحث عنه ولا تريده حقاً قوى كثيرة في الداخل أو في
الخارج.
د. طلال عتريسي
|