العدد

156 :

الثلاثاء, يناير 6, 2009 - 4:23 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

ظهرت مع الاصلاحات العثمانية واستمرت في ظل الانتداب وتوسعت في عهود الاستقلال

بلديات لبنان (1864 – 2004)
نشأتها وتطورها... وتقييم للتجربة الأخيرة

د. محمد مراد

كاتب واستاذ جامعي ـ لبنان

كانت المؤسسة البلدية إحدى أهم الاقتباسات التي اعتمدتها السياسة الإصلاحية العثمانية عن النماذج الغربية الأوروبية. فبلدية استانبول (العاصمة) تأسست العام 1856 لتكون أول بلدية تنشأ في السلطنة حتى ذلك التاريخ.

لم تلبث البلديات، بعد العام 1856، أن أصبحت جزءاً من السياسة الإدارية العامة التي اعتمدتها الحكومة المركزية العثمانية في قانون الولايات 1864، وكذلك في تعليمات الولايات لعام 1876. إلاَّ أنَّ حركة الانتشار للبلديات كانت في متصرفية جبل لبنان أسرع منها في باقي المقاطعات المجاورة، وذلك يعود الى تمتع تلك المتصرفية بدرجه مهمة من الاستقلال الذاتي وفَّره لها بروتوكول 1861 وتعديلاته لعام 1864،  بحيث منح الجبل حكماً ذاتياً مضموناً دولياً من قبل خمس دول أوروبية بالإضافة الى الدولة العثمانية.

ظهور البلديات في متصرفية جبل لبنان

كانت بلدية دير القمر أول مؤسسة بلدية فعلية على مستوى متصرفية جبل لبنان والمقاطعات المجاورة. ففي 18 آب ـ اغسطس ـ 1864 خصَّها المتصرِّف داود باشا (1864 ـ 1868)، «من دون سواها، بمجلس بلدي للاهتمام بها والسهر على نظافتها وترتيبها، وأخضعها للتنظيمات البلدية العثمانية». جاء إعلان البلدية المذكورة عبر صدور كتاب «بودلدة» موضحاً الأهداف المتوخاة من إنشائها:  «أنه لأجل التفكر واتخاذ الوسائل المقتضية لأجل إصلاحات ونظافة قصبة دير القمر، والاعراض عنها لطرفنا.. فإنه تمَّ تأسيس قومسيون باسم مجلس بلدي مرًَّكب من أشخاص من معتبري البلدة».

إلاَّ أن هذا المجلس، وعلى الرغم من اعتباره هيئة للسلطة المحلية، فقد كان محدود الصلاحيات بحكم خضوعه المباشر لرئاسة «حميتلو عبد الله آغا مأمور دير القمر». لكن محدودية الصلاحيات لم تكن عائقاً أمام تحول مجلس البلدية المشار إليه إلى نموذج للإدارة البلدية المحلية طالبت به بلدات عدة في متصرفية جبل لبنان في تلك الفترة. ففي 24 كانون الأول ـ ديسمبر ـ العام 1878 اتخذ مجلس ادارة تلك المتصرفية قراراً قضى بأن يخصص «لكل من زحلة وجونية وجبيل و البترون وطبرجة والعقبة ثلث ما ينتج عن احتساب كلٍ منها وتسلم الى قومسيون مخصوص تنتخبه الاهالي من الاشخاص اللائقين المشهورين بالاستقامة وحبّ التفتيش والاعتناء بخير العموم المبتعدين عن الأغراض الخصوصية». أما رئاسة هذا القومسيون فيتولاها «قائمقام القضاء الذي يعين مواعيد اجتماعه وانصرافه».

وكان قرار مجلس الإدارة قد حدَّد مهام القومسيونات المنشأة بالأمور التالية: الاصلاحات الضرورية العائدة لخير الاهالي، تنظيم المحاضر المتعلقة بالأمور الضرورية ورفعها إلى المتصرف طلباً «للرخصة والاستيذان» بعد «مخابرة» المجلس الإداري بها، القيام بإصلاحات لا تتجاوز قيمتها الثلاث مئة غرش من دون مراجعة حكومة المتصرفية شرط أن تكون محاضر هذه الأشغال موقَّعة من المجلس البلدي بكل أعضائه، رفع بيان تفصيلي سنوي في نهاية كل عام يتضمن أعمال المجلس وحساباته.

بلدية زحلة

وفي شباط ـ فبراير ـ 1879 أقدم مجلس إدارة المتصرفية على إصدار نظام أساسي لبلدية زحلة وَقَعَ  في 14 مادة بحيث شكَّلت بمجموعها خطوة نوعية على طريق تنظيم المجالس البلدية في متصرفية جبل لبنان. فقد أخذت البلديات بالتزايد والانتشار حتى بلغ عددها العام 1885، أي بعد انقضاء قرابة العقدين على تأسيس بلدية دير القمر، 63 بلدية، بينها 35 بلدية تحت رئاسة القائمقامية و 28 بلدية تحت رئاسة مديري النواحي.

إنَّ تمتّع جبل لبنان بمساحة من الاستقلالية الذاتية بموجب نظام المتصرفية، ترك نتائجه الايجابية في التأسيس لتجربة ناجحة على مستوى البلديات التي تحولت بالفعل، إلى إدارات محلية حققت الكثير من الانجازات التنموية، كما كانت عاملاً مهماً في إشاعة اجواء من الديمقراطية عبر مشاركة الأهالي المحليين في انتخاب أعضاء المجلس البلدي بطريقة الانتخاب المباشر. فقد باتت التجربة البلدية في متصرفية الجبل ملكاً شعبياً وأضحت انجازاً تاريخياً لا يمكن التخلي عنه. فعندما نشبت الحرب العالمية الأولى، وعلى الرغم من اجتياح العساكر العثمانية للجبل مع حملة احمد جمال باشا، الذي سرعان ما أعلن وقف العمل ببروتوكول العام 1861، أي إلغاء الامتيازات الاستقلالية التي وفرها هذا البروتوكول لمنطقة المتصرفية، على الرغم من ذلك، فقد أصدر مجلس الادارة اللبناني في 17 آذار ـ مارس ـ 1916، قراراً اكد فيه استجابته لرغبة السكان المحليين لجهة «تعميم البلديات في القرى اللبنانية التي هي جديرة بتشكيل بلديات فيها». الا ان ظروف الحرب الصعبة التي عرفها جبل لبنان وباقي المناطق المجاورة، التي تمثلت بقساوة الاوضاع المعيشية وتفاقم البطالة والهجرة والفقر، كل ذلك ساعد على تعطيل العمل البلدي بانتظار ان تضع الحرب اوزارها ومعرفة النتائج التي ستنتهي إليها.

إنتشار البلديات خارج المتصرفية

لم يكن تنظيم عمل البلديات وتحديد الصلاحيات الموكلة اليها في متصرفية جبل لبنان ليختلف عنه في سائر المقاطعات الاخرى التابعة لولاية بيروت، وأيضاً في الاقضية الاربعة التابعة لولاية دمشق، ولم يشكل خروجاً نوعياً عن التنظيم المتبع في بلديات المقاطعات الخاضعة للسلطنة العثمانية. لقد ظلت البنية الادارية والاقتصادية والاجتماعية التي ترسخت في جبل لبنان وسائر المنطقة العربية على امتداد المرحلة العثمانية بنية متماثلة من حيث طبيعة المكونات التي تدخل في تشكلها، الأمر الذي كان يُفضي الى وحدة التماثل على مستوى الطبيعة البنائية للسلطة بأبعادها الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية.

كانت بلدية بيروت اولى البلديات التي نشأت في المناطق المجاورة لمتصرفية جبل لبنان، والثانية بعد بلدية دير القمر. ففي العام 1867 شكل والي بيروت فخري بك بلدية للمدينة برئاسته. بعد بيروت لم تشهد المدن والقصبات الأخرى ظهور البلديات إلاَّ بعد مضي قرابة عشر سنوات عندما أصدر مجلس المبعوثان بتاريخ 27 رمضان سنة 1294هـ، 5 تشرين الأول ـ اكتوبر ـ 1877م، قانوناً متكاملاً للبلديات يقضي بتنظيمها الإداري ويُحدد وظائفها ومهامها في النطاق المحلي.

نصت المادة الأولى من القانون المذكور على أن «يتشكل في كل بلدة وقصبة مجلس بلدية، أما وظائف دوائر النواحي فسوف تتعين بقانون خصوصي».

أما المادة الثانية فنصت على تقسيم المدن الكبيرة الى دوائر أصغر بحيث «يكون أساس كل دائرة منها أربعين ألفاً من النفوس، وفي كل من هذه الدوائر مجلس بلدية على حدته ومهما كان مقدار الذكور في إحدى المدن تعتبر كذلك نفوس الإناث بذلك المقدار عينه»، في حين تناولت المواد الأخرى من القانون الذي تألَّف من 67 مادة، وظائف البلدية، وكيفية تشكيل مجالسها والآلية التي تُعتمد في انتخابات تلك المجالس، والسياسة المالية، والصلاحيات، والجهاز الوظيفي وغير ذلك. أما الأمر الذي تجدر الإشارة اليه في هذا المجال فهو ان المضامين التي ارتكز اليها القانون البلدي العثماني تكاد ان تتماثل الى درجة كبيرة مع المضامين التي ارتكزت اليها تعليمات القومسيونات البلدية في متصرفية جبل لبنان، والتي ظهرت في عهد المتصرف مظفر باشا (1902 - 1907)، الأمر الذي يؤكد على انتفاء التمايز بين سائر المناطق التي ألفت في وقت لاحق، الدولة اللبنانية الحديثة. وإن ما يشاع عن خصوصيات تشكل تاريخي بين تلك المناطق ليس الا من باب الاسقاطات الايديولوجية المحكومة الى خلفيات سياسية وطائفية ومصالح اقتصادية هي أقرب الى الفئوية والشخصانية منها الى أبناء منطقة معينة او طائفة او مذهب معين.

أتاحت القوانين البلدية العثمانية الفرصة أمام ظهور عدد من البلديات في المدن الرئيسية والقصبات السكانية. ففي صيدا ظهرت بلديتها في العام نفسه الذي صدر فيه القانون (1877)، وتأسست بلدية طرابلس والمينا العام 1880، وبلدية صور وكذلك بلدية النبطية يعود تأسيسهما الى العقد الأخير من القرن التاسع عشر.

الاعتبار العائلي

أما بشأن التركيب الاجتماعي للعناصر التي تبوَّأت مناصب العضوية البلدية في غير مجلس من مجالس البلديات سواء في المتصرفية أم في المناطق المجاورة، فهو يرتكز الى العائلة بالدرجة الأولى، ذلك أن العضو البلدي لم يكن ليحتل هذا الموقع في السلطة المحلية نظراً لاعتبارات شخصية، وإنما لاعتبارات عائلية بالدرجة الأولى. فأعضاء البلديات هم عناصر نافذة اجتماعياً، ينتمون الى عائلات أعيانية مدينية وريفية، ترتكز في صعودها الاجتماعي السياسي المتجدد الى نفوذها العائلي المتوارث من جهة، والى ملكياتها العقارية الواسعة التي حصلت عليها سواء بالتصرف او بملكية «الطابو» من جهة أخرى.

ففي بيروت ترأس المجلس البلدي فخري بك الذي استمر يشغل هذا المنصب حتى العام 1899 عندما حل مكانه محيي الدين حمادة الذي اختير من بين الوجهاء البارزين. وفي صيدا تعاقبت على عضوية مجلسها البلدي عائلات: الجوهري، البزري، كالو، أبو ظهر، المجذوب، زنتوت وغيرها من عائلات «المكانة» في المدينة. و كذلك في جزين.

عهد الانتداب الفرنسي

ارتكزت السياسة الانتدابية الفرنسية في سوريا ولبنان (1920 - 1943) على مبدأين متناقضين في الظاهر لكنهما متلازمان من حيث الأهداف والنتائج: الأول، مبدأ الفصل الإداري ـ السياسي بين الدويلات المنشأة مع الإبقاء على علاقات كونفدرالية تربط بينها، لا سيما في المجالات الاقتصادية. والثاني، مبدأ المركزية المتشددة على مستوى كل دولة على حدة، الأمر الذي يسمح للسلطة الانتدابية الممثلة بالمفوضية الفرنسية العليا (Haut Commissariont) أن تشرف مباشرة على ادارة شؤون الحكم، والإمساك بجهاز الإدارة في الدولة اللبنانية الجديدة، وذلك عبر تأمين الربط المركزي بين الحلقات الإدارية المختلفة.

أما اهتمام السلطة الانتدابية بالادارة البلدية فلم يخرج عن اهتمامها العام في تأسيس إدارة لبنانية حديثة تأخذ بأنماط الإدارة الغربية الرأسمالية من جهة، وتستجيب لحاجات الرأسمال الفرنسي في الاستثمار والتوظيفات القائمة على  مراكمة الربح السريع من جهة أخرى.

عند الاعلان عن دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول ـ سبتمبر ـ 1920، أبقى الجنرال غورو (Gouraud) البلديات القائمة على حالها، لكنه أوعز الى حاكم لبنان الكبير ودوائره بوضع أنظمة بلدية في لبنان، ثم تعرض هذه التنظيمات على القومسير العالمي ليوافق عليها. وبالفعل لم يمضِ أكثر من ثلاثة أشهر حتى أصدر الحاكم القرار رقم (190) تاريخ 3 كانون الأول ـ ديسمبر ـ 1920، الذي قضى بإنشاء دائرة التفتيش الخاصة بالبلديات في مديرية الداخلية، وتتألف من مفتش (رئيساً)، ومراقب، وكاتبين وطابع واحد على الآلة الكاتبة.

وفي محاولة منه لتعزيز الرقابة المركزية على البلديات لجأ الحاكم العام الي إصدار القرار رقم (771) تاريخ 2 أيلول ـ سبتمبر ـ 1921، الذي أوكل الى دائرة التفتيش الإداري أمر مراقبة البلديات، والتدقيق في موازناتها المحلية، والسعي الى إصلاحها بهدف تحسين خدماتها العامة. ويشير هذا القرار بوضوح الى سياسة الضبط المركزي التي اعتمدتها السلطة الانتدابية على مستوى سائر ادارات الدولة. وهذا ما صرَّح به مدير الداخلية أسعد بك في حديثه عن طبيعة علاقات السلطة بين حلقتها الأدنى الممثلة بالبلدية، وحلقتها الأعلى الممثلة بالحاكمية الفرنسية.

فقد اشار الى ان البلدية هي حجر الزاوية في البناء المؤسسي العام للسلطة في الدولة اللبنانية الناشئة، لذلك فإن تشكيل المجالس البلدية ينبغي ان يحظى بتأييد وموافقة الحكومة، إذ إن المناقشات والقرارات الصادرة عن تلك المجالس يجب أن تكون منسجمة مع السياسة العامة للدولة. من هنا، يكون للحكومة الحق في مراقبة البلدية كي تتفادى وجود دولة ضمن الدولة، وأنَّ على رئيس البلدية أن يكون ممثلاً للحكومة المركزية.

تمثلت الخطوة التأسيسية لتنظيم هيكلية الإدارة البلدية في عهد الانتداب الفرنسي بصدور القرار التنظيمي الأول الذي يحمل الرقم (1208) تاريخ 12 آذار ـ مارس ـ 1922. نصت المادة الأولى منه على أن «يقوم مجلس بلدي منتخب بإدارة المصالح البلدية في كل مدينة مستقلة إدارياً  أو في قاعدة كل لواء أو قضاء أو ناحية، وفي الأماكن المعدَّة للاصطياف. أما شروط إنشاء البلدية فقد حددتها المادة الثانية بالتالية:

أن لا يقل عدد السكان عن 500 نفس.

على أن يكون عدد المؤهلين للانتخابات موازياً، على الأقل، لضعفي عدد الأعضاء الذين سيؤلفون المجلس البلدي.

وأن يطلب ثلث الناخبين المقيدين، على الأقل، إنشاء مثل هذا المجلس.

كما يجب أن يتوفر للبلدية دخل بلدي أكيد قدره مئتان وخمسون ليرة لبنانية ـ سورية على الأقل. وعلى أن تتم الموافقة على الإنشاء أو عدمه  من قبل السلطات المختصة في خلال تسعين يوماً.

هدفت السلطة الانتدابية، من وراء تلك الشروط المخففة تجاه إنشاء البلديات، الى توسيع خريطة الانتشار البلدي لتشمل سائر  المناطق اللبنانية، وذلك إدراكاً منها لأهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به المؤسسة البلدية في عملية التطوير البلدي، الامر  الذي يشجع على تطوير الامكانات الذاتية للسكان المحليين من جهة، ويخفف، بالتالي، أعباء كثيرة على واردات الدولة المركزية من جهة اخرى.

وفي محاولة منه لتفعيل الإدارة البلدية المحلية، لجأ حاكم لبنان الكبير «ليون كايلا» (Kaila) الى اصدار امر اداري يحمل الرقم 2836 تاريخ 27 حزيران ـ يونيو ـ 1925، أجاز بموجبه لموظفي الدوائر الفنية في الدولة ان يوضعوا، بناء على إجازة من الحاكم، قيد تصرف البلديات او الأفراد لأجل أبحاث فنية معروفة بأنها ذات نفع عام.

أما الخطوة الهامة في مجال التنظيم الفني للبلديات فكانت بصدور المرسوم رقم 7410 تاريخ 5 تشرين الثاني ـ نوفمبر ـ للعام 1930 إذ عهد « في تنظيم شؤون البلديات العملية الفنية الى وزير الداخلية بمعاونة مهندسين يعينهم بالاتفاق مع وزير الأشغال العامة على ان تكون رواتبهم مع النفقات الادارية على عاتق البلديات ما عدا بلدية بيروت».

ولما كان الهدف من التنظيم الفني للبلديات يقوم على مساعدة المؤسسة البلدية لتنشيط دورها التنموي في نطاقها البلدي، فقد أصدر الرئيس إميل إده المرسوم رقم 293/ EB تاريخ 16 آذار ـ مارس ـ1940، الذي قضى بإلحاق المكتب الفني للبلديات بمديرية الأشغال العامة، وبتحديد مهام هذا المكتب بالأمور التالية: وضع خرائط تنظيم وتخطيط وتزيين وتوسيع البلديات، درس رخص البناء في داخل حدود البلديات، ما عدا بيروت وطرابلس والمينا، درس المشاريع وتحقيق الأشغال الداخلية في صلاحية البلديات، ومنها أشغال حماية مواقع المياه وجرّ مياه الشرب وتوزيعها.

لكن، على الرغم من الاهتمام الذي أولته الحكومة اللبنانية، بموافقة السلطات الانتدابية، لتأسيس هيكلية تنظيمية للبلديات، فإنَّ الخريطة البلدية في العهد الانتدابي ظلَّت محدودة الانتشار ولم تعرف التوسع كثيراً داخل المناطق اللبنانية المختلفة. ففي الفترة الواقعة بين العامين 1920 - 1940 لم تُسجِّل أعداد البلديات المنشأة أكثر من 70 بلدية موزعة: 44 بلدية في محافظة جبل لبنان وحدها مقابل 26 بلدية لباقي المحافظات مجتمعة (8 بلديات في محافظة الشمال، 8 في محافظة الجنوب، و 10 في محافظة البقاع). وهذا ما يدل على ما لمحافظة جبل لبنان من خصوصية مميزة في السياسة الانمائية الحكومية، وهي خصوصية تنبع من كون المنطقة مركزاً جاذباً للسياحة والاصطياف، الأمر الذي يوفر مناخات مهمة أمام استثمارات الرساميل الفرنسية، لكن في الوقت نفسه، كان يتم على حساب إهمال الأرياف اللبنانية الأخرى في محافظات الشمال والبقاع والجنوب.

أما بشأن البنية الاجتماعية لأعضاء المجالس البلدية في عهد الانتداب الفرنسي، فهي لم تخرج عن البنية العثمانية السابقة، لا بل استمرت ترتكز الى الشروط التاريخية نفسها التي انتجت السلطة.

لقد استمرت العائلات الأعيانية في غير مدينة أو بلدة لبنانية، تستأثر بالسلطة البلدية من خلال استئثار عناصر منها بمقاعد العضوية للمجالس البلدية سواء المعينة منها ام المؤلفة بطريقة الانتخاب. صحيح ان السلطة الانتدابية حاولت منع هيمنة عائلة بكاملها على المجلس البلدي (المادة 23 من القرار 1208)، إلاَّ أنها كانت تسهم في المقابل في تعزير المواقع الاقتصادية والاجتماعية لعناصر عائلية نافذة، الأمر الذي وفَّر لهذه العناصر ارتقاءً سلطوياً هو في الواقع ارتقاء اجتماعي ـ سياسي للعائلة كلها.

إن شروط بناء السلطة في عهد الانتداب الفرنسي (1920 - 1943) ظلَّت ترتكز الى حجم الملكية العقارية التي عمل الانتداب على تشريع اتساعها من خلال القرارات عدة التي اعتمدها، والتي كان من ابرزها قرارات بيع اراضي الدولة الخصوصية، وكذلك بشأن إجراءات الأراضي المشاعية، واجراءات الأراضي الوقفية، وأعمال الفراغ والتسجيل العقاري والمساحة وغيرها. فقد أفضت هذه القرارات والإجراءات ليس فقط الى توسيع هيمنة كبار الملاك على الاراضي الزراعية، وإأيضاً الى إيجاد الغطاء القانوني لهم عبر تضمين دستور (1926)، نصاً صريحاً (المادة 15) يجعل الملكية في ضمن القانون.

البلديات في عهد الاستقلال

ان التطورات النوعية السياسية والاقتصادية التي عرفها لبنان، بعد تحقيق استقلاله الوطني العام 1943، عكست الحاجة الى تفعيل دور الادارة المحلية في مجال التنمية ومواجهة الحاجات الخدماتية الآخذة بالتزايد في غير مدينة او بلدة. نشأت هذه الحاجات كنتيجة ملازمة للتطور الملحوظ الذي عرفه قطاع الخدمات في لبنان، الذي احتل مركز الثقل الوازن في الاقتصاد اللبناني، وضمن السيطرة شبه الكاملة على قطاعي الانتاج الآخرين الزراعي والصناعي. من هنا، كانت مؤسسة البلدية، لما هي ادارة محلية في نطاق المدينة او القرية، هي الإدارة الأكثر تأهباً للتعاطي مع الحاجات المتزايدة الجديدة التي بات يفرضها قطاع الخدمات على أكثر من مستوى سكاني وعمراني واجتماعي وتربوي واقتصادي.

شهدت الخريطة البلدية في العهود الاستقلالية المتلاحقة امتداداً أفقياً واسعاً شمل المناطق اللبنانية المختلفة. ففي فترة زمنية لا تزيد على الثلاثين سنة (1947 - 1977) ظهرت تسعة قوانين للتنظيم البلدي اي بمعدل قانون واحد لكل ثلاث سنوات تقريباً، وهذا ما يدل على كثافة التشريعات البلدية التي اعتمدتها الدولة اللبنانية، وهي كثافة تفوق في نسبتها المعدل العالمي للتنظيمات الإدارية. صدر القانون الأول للبلديات في 27 تشرين الثاني ـ نوفمبر ـ 1947، فيما صدر القانون النافذ حالياً بموجب المرسوم الاشتراعي الرقم 118 تاريخ 30 حزيران ـ يونيو ـ 1977 وقد أضيفت اليه بعض التعديلات بموجب القانون الرقم 665 الصادر في تاريخ 29 - 12 - 1997 وهي تعديلات تتعلق ببعض النصوص الانتخابية لأعضاء المجالس البلدية، والتي على أساسها جرت آخر إنتخابات (أيار ـ مايو ـ حزيران ـ يونيو ـ 1998).

بموجب القانون النافذ حالياً (118 / 77) هناك شرطان أساسيان لإبقاء بلدية قائمة أو لإنشاء بلدية جديدة. الشرط الاول يحدد عدد السكان بأن لا يقل عن 300 نسمة، والشرط الثاني يحدد الايرادات المالية السنوية للبلدية بعشرة آلاف ليرة لبنانية كحد أدنى (عُدل المبلغ الى عشرة ملايين ليرة العام 2001).

اما بشأن عدد الأعضاء البلديين في كل مدينة أو قرية فقد حددها القانون رقم 665 تاريخ 29 كانون الاول ـ ديسمبر ـ 1997 مقارنة بحجم السكان وفقاً لما يلي: أقل من 2000 نسمة عدد الأعضاء 9، وبين 2001 - 4000 نسمة عدد الأعضاء 12، وبين 4001 - 12000 نسمة عدد الأعضاء 15، وبين 12001 - 24000 نسمة عدد الأعضاء 18، و24000 وما فوق عدد الأعضاء 21، أما بلديتي بيروت وطرابلس فعدد أعضاء كل منهما 24.

هذا، وكانت التشريعات البلدية المتلاحقة تشهد تطوراً نوعياً على مستوى الهيكلية العامة للبلديات وذلك لجهة التنظيم الداخلي واعتماد التخصصية الادارية في انشاء الدوائر الفنية المتخصصة، وتوفير جهاز من الموظفين يتم تعيينهم بعد موافقة القائمقام، إضافة الى تحديد الصلاحيات المنوطة بكل من المجلس البلدي كسلطة تقريرية، ورئيس المجلس البلدي الذي يتولى السلطة التنفيذية، وصلاحيات سلطات الرقابة الإدارية والمالية على البلديات، وانشاء الاتحادات البلدية التي وصل عددها الآن الى 22 اتحاداً بلدياً تنتشر في سائر المحافظات اللبنانية.

إدارة محلية

أما التطور النوعي الذي أفضت اليه التشريعات البلدية المتلاحقة فهو يتمثل بالأبعاد الوظيفية للبلدية من حيث هي «إدارة محلية تقوم ضمن نطاقها بممارسة الصلاحيات التي يخولها إياها القانون». هذه الصلاحيات الممنوحة للبلدية تدل على مدى التطور الذي طرأ على مفهوم الادارة البلدية كسلطة محلية تتمتع بالشخصية المعنوية، الأمر الذي يعطي بعداً لا مركزياً على المستويين الإداري والمالي في ممارستها لجملة من المسؤوليات في إطار ما هو محدد لها من صلاحيات لحظها القانون، وتدل، رغم بعض الثغرات، على الاهمية التي اخذت توليها السلطات المركزية بالإدارة المحلية سواء على مستوى المدن ام على مستوى القرى في الارياف. من هنا، كانت التشريعات البلدية المتلاحقة قد اسهمت في اتساع المدى  الأفقي للخريطة البلدية على مستوى المساحة الادارية والسكانية العامة للدولة اللبنانية. ففي دراسة إحصائية عن البلديات أعدتها الفرق المتخصصة في مصلحة النشاطات الإقليمية التابعة لوزارة التصميم، أظهرت انه حتى الأول من تموز ـ يوليو ـ للعام 1966، بلغ عدد البلديات في لبنان 607 بلديات منها 457 بلدية أنشئت في المرحلة الاستقلالية وحدها وخاصة في المرحلة الشهابية (1958 - 1964 في عهد الرئيس فؤاد شهاب).

والجدير بالذكر ان الانتخابات البلدية لم تجر في لبنان منذ عهد الاستقلال 1943 وحتى اليوم سوى ثلاث مرات فقط: الأولى (1952)، والثانية (1963)، والثالثة 1998. في العام حيث جرى انتخاب 646 بلدية في سائر المحافظات اللبنانية. ولم يمضى أكثر من عام واحد على إجراء هذه المرحلة من الانتخابات حتى نظمت الدولة اللبنانية إجراء انتخابات استكمالية في 5 تموز ـ يوليو ـ 1999 شملت حوالي 38 بلدية واقتصرت على محافظة جبل لبنان بشكل خاص، ومحافظتي لبنان الجنوبي والنبطية. وفي التاسع من شهر ايلول ـ سبتمبر ـ 2001 اكتمل عقد الانتخابات البلدية في لبنان بانتخاب 64 بلدية شملت المناطق المحررة (العام 2000 في جنوبي لبنان. وبذلك تكون الخريطة البلدية في لبنان بين العامين (1998 - 2004)، قد توزعتها 736 بلدية عدد أعضائها (8461) توزعوا على المحافظات الست وفقاً لما يلي:

توزع البلديات اللبنانية دورة 1998 - 2004

المحافظة

 وإذا ما عرفنا ان مجموع المدن والقرى في لبنان هو 1398 مدينة وقرية، فعندها تكون المساحة البلدية لا تمثل سوى 52.7 بالمئة من اجمالي المدن والقرى اللبنانية الوارد ذكرها في الجدول رقم (1) الملحق بالمرسوم الاشتراعي الرقم 11 تاريخ 29 / 12 / 1954 والمتعلق بالتنظيم الإداري. وهذا يعني أنه بقي حتى أول أيار ـ مايو ـ 2004 حوالي 47.3 بالمئة من القرى اللبنانية غير مشمولة ببلديات.

ووفقاً للأرقام الاحصائية التي تقدر سكان لبنان من المقيمين (ما عدا المخيمات الفلسطينية) بحوالي 4 ملايين نسمة أوائل العام 2004، فعندها يكون مجلس بلدية واحد لكل 5400 نسمة، في حين يواجه مهمات التنمية البلدية المحلية عضو بلدي واحد لكتلة سكانية تصل الى 472 شخصاً، هذا مع الأخذ بعين الاعتبار معدلات التزايد السكاني في لبنان حيث يتضاعف السكان في فترة لا تزيد على الربع قرن. وتبرز الاشكالية، بشكل ملحوظ، في نطاق المدن لا سيما الكبرى منها اذ يكون على العضو البلدي ان يواجه مهمات التنمية البلدية لأكثر من ألف شخص، في حين يصل الرقم في العاصمة بيروت حيث الإقامة الكثيفة للسكان، الى اكثر من عشرين ألفاً.

ومما تجدر الإشارة إليه هو ان وزير الداخلية اصدر عدداً من القرارات المتعلقة بإنشاء بلديات جديدة. وقد بلغ عدد هذه البلديات التي سوف تقوم بانتخاب مجالسها في دورة أىار ـ مايو ـ 2004 حوالي 165 بلدية جديدة ليصبح معها عدد البلديات الاجمالي 903 بلدية، وبذلك تكون الخارطة البلدية مقارنة بالخارطة الادارية قرابة 65 بالمئة اي ثلثي المدن والقرى الموصّفة بالمرسوم الاشتراعي الرقم 116 تاريخ 12 حزيران ـ يونيو ـ 1959. ومع ذلك يبقى ثلث القرى غير مشمولة ببلديات، الامر الذي لا يستجيب لنصوص وثيقة الطائف للوفاق الوطني للعام 1989 لجهة اعتماد اللامركزية الادارية الموسعة من خلال التوسع في البلديات والبلديات الموحدة والاتحادات البلدية.

الانتخابات في لبنان سواء النيابية او البلدية والاختيارية لا تجري في يوم واحد انما في كل دائرة على حدة.

الانتخابات المقبلة لا تخرج عن هذا السياق وتأتي وفق المواعيد التالية:

 1- 2/5/4002 دوائر جبل لبنان الانتخابية.

2- 9/5/4002 دوائر منطقة مدينة بيروت ودوائر البقاع الانتخابية

3- 32/5/4002 دائرتي الجنوب الانتخابيتين.

4- 03/5/2004 دائرتي الشمال الانتخابيتين.

يبلغ عدد البلديات في لبنان استناداً الى بيانات وزارة الداخلية (309) بلديات، وعدد اعضاء المجالس البلدية (44601) عضواً.

 (1) المصدر: قرار وزير الداخلية والبلديات الرقم 126 /د تاريخ 26 آذار 2004، المنشور في الجريدة الرسمية، العدد 18 تاريخ 1 نيسان 2004، ص، 1983 ـ 2021.

/ جزين التابعة لمتصرفية جبل لبنان، عُرف مجلسها البلدي باسم «قومسيون جزين»، وقد تألف العام 1312هـ / 1896م، على الشكل التالي: فارس ناصيف رزق (رئيساً)، ويوسف بو صادر، أسعد علي، عبد الله رحمة، اسكندر المعوشي، اسد عازار، حبيب الحداد وملحم همدر.

إن أعضاء المجالس البلدية يعكسون في الواقع، توزع السلطة المحلية الى انصبة بين العائلات النافذة في المدينة أو القصبة. وهكذا، فان التطور الذي طرأ على وظائف السلطة المحلية في العهد العثماني، بعد ظهور مؤسسة البلدية، ليس سوى اختزال للوظائف السلطوية السابقة التي كانت تتوزع بين شيخ المحلة وشيخ الحرفة والنقيب والمحتسب، وتجميعها في دائرة المجلس البلدي الذي بات مرجعية للسلطة المحلية ترتكز الى تشريعات قانونية نابعة من السلطة المركزية العثمانية.

/نشأت الحاجات الخدماتية كنتيجة ملازمة للتطور الملحوظ الذي عرفه قطاع الخدمات في لبنان، الذي احتل مركز الثقل الوازن في الاقتصاد اللبناني، وضمن السيطرة شبه الكاملة على قطاعي الانتاج الآخرين الزراعي والصناعي. ففي العام 1950 شكل قطاع الخدمات حوالي 62 في المئة من مجمل الانتاج الوطني، في وقت لم تشكل الزراعة سوى 20 في المئة والصناعة 18 في المئة. وحتى العام 1971، والاعوام التالية التي سبقت الحرب الأهلية اللبنانية (1975 - 1990) ظل قطاع الخدمات يحتفظ بنسبة 71 في المئة من مجمل الدخل الوطني، فيما لم تحتفظ الزراعة بأكثر من 8  في المئة والصناعة بأكثر من 21 في المئة.

أما النتائج التي تركها هذا النمو المتسارع لقطاع الخدمات فقد تمثلت بتطور مماثل برز خصوصاً عند القطاعات المتلازمة أو المتداخلة مع قطاع الخدمات نفسه، ولا سيما قطاعي السياحة والبناء. من هنا، كانت مؤسسة البلدية، لما هي ادارة محلية في نطاق المدينة او القرية، هي الإدارة الأكثر تأهباً للتعاطي مع الحاجات المتزايدة الجديدة التي بات يفرضها قطاع الخدمات على أكثر من مستوى سكاني وعمراني واجتماعي وتربوي واقتصادي.

 

 




 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2009 م -  اتفاقية استخدام الموقع