العدد

156 :

الثلاثاء, يناير 6, 2009 - 13:26 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

جمالية الخزف الاسلامي

باريس- مي الحسني

حيوية الاسلام دفعت الفنان الى استخدام الطبيعة والسيطرة عليها لتعميق الثقافة والمعرفة وإلى انجاز اعمال خلق جمالي رفيع أثراه التنوع الواسع للمكونات البشرية والقومية للعالم الاسلامي. فقد كان الهاجس الوحيد والدائم هو التجديد والابداع المستمر في العمارة والفنون.

 وظهرت الآثار الخزفية كأصدق واقدم تعبير فني منذ بداية الحضارات الاولى لوادي الرافدين ومصر القديمة، وبعد ظهور الاسلام تواصل هذا الفن الراقي ليزداد  ثراء  وجمالا وروعة. وكانت الفنون التي ظهرت قبل الاسلام في الجزيرة العربية محصورة في الجزء الجنوبي منها أي اليمن، ومرتبطة ارتباطا وثيقا بالديانة الوثنية كما ان الآثار الفنية التي ظهرت في بعض المدن ذات الاصل العربي الواقعة على الحدود السورية ترجع الى العصر الاغريقي والروماني والبيزنطية المسيحية الشرقية (النصرانية واليعقوبية)، وبتوسع الفتوحات الاسلامية  وولدت مدارس فنية اسلامية عدة في بقاع مختلفة، وعلى رغم تعددها. كان لها قاسم مشترك يجمع بينها من حيث المضمون والهدف وهو الاسلام.

وبانتقال الخلافة الاسلامية الى دمشق في العصر الاموي ازداد الاهتمام بالفن  واصبح ذاك العصر نقطة البداية في تثبيت خصائص الفنون الاسلامية ولقد استمر اهتمام القادة المسلمين بعد ذلك بفنون البلاد التي تشكلت منها أمبراطوريتهم، وامتزجت الفنون المحلية مع ما جلبه الفنان المسلم لتتلاءم مع الاحداث الاجتماعية الناشئة بدخول الدين الجديد، وهكذا نجد ان الفن ارتبط سياسيا بتعاقب الخلافة الاسلامية .

تفاعل الخزف مع العمارة الاسلامية

استعمل الفن المعماري الاسلامي الرسوم الجدارية والفسيفساء في انجازات رائعة لم تخلو من الخزف الذي منحها رونقا جميلا. ويعود تعبير فسيفساء الى العصر الاغريقي - FASS- وهي تركيب فني مكوّن من مصادر رخامية عدة واحجار نادرة أو زجاج ملوّن ومذّهب يضاف له الخزف.

يرجع هذا الفن الى الحضارات السابقة مما دفع الحكام للاستعانة بالعمال الاغريق في سوريا الذين تأقلموا مع قواعد القيم الجمالية بالدين الاسلامي فخلقوا نماذج تتوافق مع المفاهيم الجديدة.

واول مظاهر هذا الفن في الجامع الاموي بدمشق وقد كسيت جدرانه بالفسيفساء متخذة مواضيعها من الطبيعة بشكلها الواقعي ونماذج معمارية بيزنطية كما استعين بالاشكال الحيوانية كشكل تزويقي بحت وليس كرمز كما في الديانة المسيحية وابتعدوا عن التصوير البشري احتراما للمفاهيم الاسلامية، ولكن وللاسف فإن بعض الفقهاء والمفكرين تعامل معها بشكل متشدّد وغير علمي ولا يتوافق مع ما حرّم مما ادى الى تشويه الرؤية لعالم الفن والثقافة. ويروي لنا بعض المؤرخين عن حاكم الفسطاط إذ دفعه تشدده الى تدمير تماثيل الاقباط والرسوم الجدارية داخل الكنائس ولكن هذه المعلومات مشكوك بها لأن الاسلام دين الرحمة والتسامح والدليل ان فنون الحضارات القديمة ما تزال قائمة  ولم تمس بسوء.

ويؤكد لنا المؤرخون مثل لامانس LAMMENS ومنوره ده فيلارد MONNERET DE VILLARD ان تصوير الاشكال الحية كان موجودا بشكل واضح على السجاد والوسائد وحتى الخواتم وعلى قصور الحكام مثل دار حاكم المدينة المنورة مروان ابن الحكم العام 672 ميلادي وياسر ابن نّمير مسؤول خزينة الخليفة عمر. وما يجزم به انها لم تصّور في الاماكن المقدسة او داخل القصور ولم تنحت اوترسم على الجدران المواجهة للقبلة.

واكد لنا علماء الفقه الاسلامي ان الثورة الجمالية للفن الاسلامي شجعت على الاهتمام بالفن التجريدي والارابيسك والخط العربي وهذا ما يؤكده شاردان احد الرحالة الفرنسيين خلال العام 1664 ميلادي ويقول ان احد الاسباب التي أضعفت الرسم التشخيصي المجسّم او البعد الثالث لا تعود لعدم اتقان الفنان المسلم تقنية الفن الكلاسيكي إنما لرؤيته الجمالية والفلسفية المرتبطة بالدين الاسلامي التي عبر عنها بخلق هارموني بين الخط الواضح واللون الصافي الثابت لتعوض عن التجسيد، وطريقة محاكاته للطبيعة لم تختفي بل ركزت على الاشكال النباتية.

وهذا ما نجدة على جدران قبة الصخرة التي تعد اول واقدم محاولة ظهرت في العصر الاسلامي، وقد قام الخزفيون بتركيب تلك الاشكال مستعملين العناصر المقتبسة من الفن البيزنطي مع التخلي عن رموزها الدينية. وما يثير انتباه المتفرج على قبة الصخرة ان حواف الجدران المغطاة بالفسيفساء متكونة من مجموعة نجوم ذات الشكل المثمّن الزوايا، الذهبية اللون إحدى رموز مذهب الباطنية عند المسيحيين ESOTERISME واعتبر الشكل المثمّن الزوايا اول ظاهرة فنية للحضارة الاسلامية لتصبح القاعدة الأساسية للفن التجريدي. وهذا الشكل لم يقتصر على الزخرفة في قبة الصخرة بل شمل العمارة نفسها، ذات الشكل الدائري بزوايا مثمّنه، واختيرت المواضيع الطبيعية من فواكه وزهور مثل زهرة اللوتس الفرعونية وهي رمز الاخلاص، وورثها المسيحيون لترمز الى العفة، واستوحاها الفنان المسلم للتزويق البحت وملأ الفراغ الزخرفي، وهذا ما يؤكد التسامح والانفتاح على الحضارات الاخرى.

واهتم فن الارابيسك بمفهوم واحد هو ملء السطح والفراغ بشكل محكم وابتعد عن التشبيه، واستعيض عن التجسيد في البعد الثالث بالخط والظل وبالحركة الحلزونية المستوحاة من الفن البابلي والخطوط المتشابكة اللامتناهيه لتوهم المشاهد بعمق الخطوط.

وقد اتخذ فن الارابيسك الصدارة في الاماكن المقدسة مثل جامع ابن طولون وجامع الازهر وقبة جامع السلطان حسن كما نجدها في الموصل في جامع النبي يونس وفي سامراء على ضريح الامام الدرّ، وجامع القرويين في المغرب وجامع سيدي بومدين في تلمسان غرب الجزائر.

ولقد تطورت مسيرة فن الخزف مترادفة مع توسع الفتوحات الاسلامية وازدهار العمران فبحث الفنان الخزفي دائما عن كمال الشكل ودقة الزخرفة وطور علميا المواد التي اضافها الى عجينة الطين لتعطي ابداعات فنية تبقى خالدة عبر العصور.  ويتضح هذا جليّاً من دراسة الفن العباسي.

وقد انفرد الخزافون المسلمون العراقيون بإكساب الاناء الخزفي بريقا معدنيا يختلف لونه من الاحمر النحاسي الى الاصفر الذهبي وبهذا اعطوا للخزف شكلا معدنيا واستغنوا عن الاواني الذهبية والفضية التي كان الفقهاء المسلمون يستنكرون على الحكام استعمالها لدلالتها على الترف والاسراف. ولم يكن هذا النوع معروفا في البلاد الاسلامية الاخرى واقتصر على الاثرياء والامراء، وتتطلب صناعة هذا النوع من الخزف تجفيف الاناء ثم حرقه وطلائه بالدهان، وترسم الزخارف بأكاسيد بعض المعادن فيظهر بعدها وكأنه معدن ذهبي اللون او فضي. ويعتقد علماء الآثار ان مراكز صناعته اقتصرت على بغداد وسامراء، ويظهر هذا على جدران قصر سامراء.

ويعتبر الخزف ذي البريق المعدني اقدم انواع الخزف الاسلامي الذي برزت فيه اشكال حيوانية وبشرية متأثرة بالفن الساساني وهذا ما نجده في مدينة الموصل.

وتستمر المحاولات التشبيهية ليقوم الخزاف بنقل محتوى رسوم المخطوطات على الجدران او على الاواني واشتهرت افغانستان بهذا الميدان، تلك المحاولة التي ساهمت في الحفاظ على التراث والتاريخ خصوصا بعد هجوم المغول وتدمير كثير من المعالم الاسلامية، كما اشتهرت مدينة قاشان في صناعة الخزف والبلاط _ كاشي- ذو البريق المعدني المتعدد الالوان الشفافة وهذا ساعد على التنوع في المواضيع فتظهر لنا رسوم لأساطير فارسية مثل قصة بهرام جور وهو يمارس الصيد. وايضا انتشر استعمال الحروف النسخية ووقعت بأسماء صنّاعها مثل محراب جامع الميدان بقاشان المصنوع من قبل الحسن بن عربشاه العام 1226 ميلادي، ونقش التوقيع ميزة اخرى انفرد بها الخزاف القاشاني.

وفي منتصف القرن الرابع عشر نجح المغول في التوصل الى عمل زخارف محفورة على البلاط ونجد هذا في قصور وجوامع بخارى، وظهرت مدرسة جديدة تعرف بسلطان آباد يتميز اسلوبها بقلة الالوان ومواضيعها مستمدة من الفن الصيني.

الاختلاف في التشبيهات البشرية

ان اختيار المواضيع البشرية يختلف من بلد الى آخر من حيث المضمون والشكل، فنجد ما صور على الفخار بكل أشكاله  من أواني او تصميمات جدارية يتبع المحيط والعصر الذي نشأ  فيهما، فالزخرفة الفارسية للاشكال الحية لم تكن مستمدة من  مشاهد الواقع اليومي ففي تصوير شيرين وخرسو المؤرخ العام 1499 ميلادي والذي  أنجزه الفنان شيخي، لعب الخيال دورا أساسياً على عكس ما نراه  في التصوير  الزخرفي التركي العثماني فالموضوع مأخوذ من الواقع كمشاهد صيد او طرب او معارك، ولكن العنصر المتفق عليه بين الفارسي والتركي هو الابتعاد عن التجسيد الكلاسيكي احتراماً لقواعد الفن الاسلامي، ولكن بقي الفن  الهندي اقرب الى الفن الكلاسيكي الاوروبي لاستحالة تحقيق وتطبيق القواعد الجمالية للفن الاسلامي بسبب عدم تجانس القوميات او العقائد  المختلفة فاهتم الامبراطور آكبر AKBAR بتوحيد الرؤية  الالهية بين  اللون والخط الاسلامي والتشبيهات الحية، وهذا ادى الى ديناميكية حركة الفن.

الخط العربي

 والعنصر الوحيد الذي وحدته الامة الاسلامية وطبقت عبره القيم الجمالية للفن في كل مظاهره الفنية هو الخط العربي الذي كتب به القرآن الكريم.

 وطوره العرب بأشكال وانماط مختلفة ويعتبر الخط الفن الوحيد الذي انفرد به العرب المسلمون.

ويذكر لنا النديم في كتابة الفهرست ان اول خط عربي نقش نسخا كان على  يد ابن الصياج وقد غطى الجدار الجنوبي لجامع النبي الكريم محمد  صلى الله عليه وآله وسلم.

وتكمن قيمة الخط العربي وانتشاره السريع على جميع فروع الفنون ليس بسبب  تحريم الإسلام تصوير الكائنات الحية ليستعيضوا عن ذلك بالخط، إنما لقيمته الفنية البحتة في شكله الافقي والعامودي الذي يعطية حرية الحركة في العرض والطول والاستدارات في تناغم وتناسق حروفه، وليونة تركيبها تسمح بتشكيل نماذج حية مع الابقاء على التجريدية، وهنا يكمن سر حيوية وديناميكية الفن الاسلامي.

 

 

 

 





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2009 م -  اتفاقية استخدام الموقع