|
الملاءمة بين الشكل الغربي وتقاليد الفرجة
العربية
توظيف التراث
الشعبي في المسرح الجزائري
أحمد منور ×
منذ العرض المسرحي الأول الذي قدم فيه مارون
النقاش مسرحية «البخيل» في بيته في بيروت سنة 1847، طرحت مسألة
الملاءمة بين الشكل الغربي للمسرح وبين تقاليد الفرجة الشرقية
العربية. وذكر الدكتور محمد يوسف نجم أن مسرحية «البخيل» التي
عرضها النقاش كان هو مؤلفها، من ألفها إلى يائها، خلافاً لما
«زعمه» ـ بحسب تعبيره ـ كثير من الباحثين بأنها مقتبسة أو مترجمة
عن «بخيل» موليير، ولكنه يتدارك فيقول: «بيد أن النقَّاش ألفها بعد
قراءته للمسرحية المولييرية، واستيعابه لبعض شخصياتها، ولمقومات
الإضحاك فيها». ومن خلال الملخص الذي يقدمه نجم للمسرحية يتضح أن
مسرحية النقاش تختلف بالفعل كثيراً في أحداثها وشخصياتها عن مسرحية
موليير، باستثناء جزء من المشهد الثالث من الفصل الأول، الذي يطلب
فيه «هارباكون، البخيل» من خادمه «لافليش» أن يريه يديه الاثنتين
معاً حتى يتأكد أنه لم يسرق منه شيئاً، فيعلق نجم على هذا بقوله:
«وهذا المشهد هو الوحيد الذي يمكن اعتباره مقتبساً عن موليير».
وعلى أية حال، فإن تأثر مارون النقاش بموليير
في مسرحيته أمر مؤكد، ولكن، وبقطع النظر عن مدى تأثره، فإن مجرد
اجتهاده في تقديم «بخيل» مختلف عن «بخيل» موليير، ينتمي زمانا
ومكانا إلى البيئة العربية الشرقية، وبالتحديد إلى البيئة
اللبنانية، يعني أن النَّقاش كان، وهو يعد عرضه، يواجه إشكالية
هوية ما سيقدمه لجمهوره، أو بتعبير آخر: هوية المسرح في علاقته
بالبيئة المحلية بكل خلفيتها الثقافية والحضارية، وكان على وعي تام
بأن ما يقدمه إنما هو فن جديد مختلف عما ألفه الناس من أنواع
التشخيص المعروفة في البيئة المشرقية، حتى وإن قدمه لهم في ثوب
عربي، ويدل على هذا الوعي ما جاء في خطابه لجمهور المتفرجين يوم
عرضه لمسرحيته، حين وصفها بأنها «ذهب إفرنجي مسبوك سبكاً عربياً».
وما يؤكد هذا الهاجس لدى النقاش أنه توجه في
ثاني مسرحية له نحو التراث العربي، بحثاً عما فيه من عناصر تتفق
ومتطلبات الفن الجديد، وتلائم في الوقت نفسه الذوق العربي، ووجد
ضالته في القصص الشعبي، وبالتحديد في حكايات "ألف ليلة وليلة"،
التي اقتبس منها مسرحية «أبو الحسن المغفل أو هارون الرشيد» من
حكاية «النائم واليقظان»، التي ترويها شهرزاد في الليلة الثالثة
والخمسين. وقد سار على خطى مارون النقاش ـ انطلاقاً من هاجس تأصيل
المسرح العربي ـ أخوه «نقولا»، وابن أخيه «سليم»، اللذان اقتبسا
بدورهما مسرحيات من «ألف ليلة وليلة»، التي شكلت بحق منجماً لا
ينضب من الموضوعات المسرحية لكل الأجيال اللاحقة من المسرحيين
العرب، ويأتي في مقدمتهم أبو خليل القباني في سوريا، الذي اقتبس
العديد من مسرحياته من حكايات «ألف ليلة وليلة»، ومنها «هارون
الرشيد مع الأمير غانم بن أيوب» و«هارون الرشيد مع أنس الجليس»
و«الأمير محمود نجل شاه العجم»، و«هارون الرشيد مع قوت القلوب
وخليفة الصياد». واعتمد القباني في كل ما قدمه على القصص الشعبي
عموماً اعتماداً يكاد يكون كلياً، وحرص دائما على أن يعطي لمسرحه
طابعاً عربياً مشرقياً، بحيث «لم يتقيد أبو خليل القباني بالقالب
الغربي للمسرح، كما رآه أو كما سمع عنه، لعلمه أن هذا الفن الجديد
قد يئد نفسه بنفسه إذا قدم في إطار خارج عن المألوف، بعيد عن الإرث
المتداول في الغناء والرقص ورواية الشعر».
ويمكن لي أن آتي على ذكر العديد من التجارب
المسرحية العربية التي كانت تحاول أن تؤصل المسرح العربي، وتغرسه
في التربة المحلية، وكانت تترجم ذلك من خلال تعاملها الحر مع
القالب المسرحي الغربي، ولجوئها إلى التراث العربي القديم، وأشكال
الفرجة الشعبية المحلية، غير أن هذا سوف يخرج بحثنا عن حدوده
المرسومة له، ولذلك سأقصر كلامي على تجربة المسرحيين الجزائريين،
وكيف تعاملوا في أعمالهم الدرامية مع التراث الشعبي العربي القديم،
ومع أشكال الفرجة الشعبية المحلية، وذلك من منطلق هاجس التأصيل
هذا، الذي كان هماً مشتركاً بين رجال المسرح في مشرق البلاد
العربية ومغربها على السواء، وكان التراث الشعبي دائماً الملجأ
والملاذ.
التأثر بالتجربة المشرقية
في البداية، يجدر بنا أن نذكِّر بأن المسرح في
البلاد المغاربية بعامة قد جاء متأخراً بالقياس إلى التجربة
العربية المشرقية، ونشأ متأثراً بها، على أثر زيارات لفرق مسرحية
مشرقية كانت بمثابة الحافز المباشر لتأسيس الفرق المسرحية المحلية
في ليبيا وتونس والجزائر والمغرب. هذا ما حدث مثلا في تونس سنة
1908 عقب زيارة فرقة سليمان القرداحي لها، وهذا ما تكرر عقب زيارة
فرقة جورج أبيض في العام 1921، للجزائر والمغرب الأقصى، ولهذا جاء
المسرح في البلاد المغاربية متأثراً في بداياته بقوة بالتجارب
المسرحية في بلاد الشام ومصر، ومقلداً لها، ومقتفياً أثرها، ليس في
التأليف فحسب ـ كما يقول محمد الكغاط ـ ولكن في اختيار بعض
المقتبسات، وطريقة التشخيص وإعداد العروض المسرحية، وجاءت العديد
من التجارب والأفكار والعروض المغاربية كأنها تكرار للتجربة
المشرقية.
وإذا عدنا إلى ما أنتجته هذه الفترة في الجزائر
من إبداع أدبي وفني فإننا نجد المسرح أكثر نشاطاً وحضوراً في
الحياة اليومية، ويمتد ذلك من منتصف العشرينيات حتى أوائل
الخمسينيات من القرن ا لماضي، ويتميز بكونه مسرحاً ذا طابع شعبي،
كوميدياً في معظمه حيث كان يستقي موضوعاته أساساً من الموروث
الشعبي، ويستعمل اللهجة العامية في الحوار، ويكفي أن نذكر هنا بعض
عناوين المسرحيات التي قدمها الرواد، وبخاصة علي سلالي، المعروف
باسم «علالو»، فمن مسرحياته التي عرضها بين العامين 1926 و1932 نجد
العناوين التالية: جحا، أبو الحسن أو النائم اليقظان، الصياد
والعفريت، عنتر الحشايشي، الخليفة والصياد، حلاق غرناطة. ونجد
عناوين مماثلة أو قريبة من هذه العناوين لدى مسرحيين آخرين في
الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات، مثل أعمال محي الدين باش
طرزي، ورشيد القسنطيني، وأحمد رضا حوحو.
ويبدو أن العوامل المذكورة أعلاه مجتمعة،
بالإضافة إلى ارتفاع نسبة الأمية التي جعلت من المسرح الفن الوحيد
الذي كان في متناول الجمهور العريض، هي التي كانت وراء ذلك النجاح
الكبير الذي حققته الحركة المسرحية، رغم الظروف الصعبة التي كان
المسرحيون يعملون فيها، مثل عدم تمكينهم من عرض أعمالهم في قاعات
العرض الكبرى التي كانت حكراً على المستوطنين الفرنسيين وحدهم،
ومثل انعدام المساعدات المالية من الإدارة الاستعمارية، وبالرغم
من المضايقات البوليسية التي كانت تطالهم أحيانا.
لعبة القره قوز (الاراكوز)
ومن أقدم الأشكال المسرحية الشعبية في الجزائر
نجد لعبة «القره قوز»، التي نقلها الأتراك إلى شمال إفريقيا ـ بحسب
ما يذكر جاكوب لاندو ـ في القرن السابع عشر الميلادي، وهي اللعبة
التي كان يتسلى بها الجنود الأتراك في شهر رمضان لتنسيهم الجوع.
وقد يكون «القره قوز» انتقل إلى الجزائر ـ بحسب رأي آخر ـ في القرن
السادس عشر، أي على عهد الأخوين بربروس وخير الدين التركيين.
ويبدو أن لعبة القره قوز قد أصبحت عند احتلال
الفرنسيين للجزائر سنة 1830 شكلا من أشكال الفرجة الشعبية الرائجة،
إذ يشير العديد من الرحالين الأوروبيين الذين زاروا الجزائر بعد
الاحتلال، أنهم شاهدوا عروضاً للقرقوز في مناطق مختلفة من البلد،
وكانت هذه العروض تتعرض لجنود الاحتلال بالسخرية، مثل ذلك العرض
الذي شاهده بوكلر سنة 1935 بمدينة الجزائر، حيث ينهال القره قوز
العملاق بالضرب على جنود فرقة عسكرية فرنسية ويردهم على أعقابهم،
ومثل ذلك العرض الذي شاهده دو شان سنة 1847 في مدينة مستغانم، وفيه
يظهر الشيطان مرتديا بزة جندي فرنسي، وهو الشيء الذي دفع بالسلطات
الفرنسية إلى إصدار قرار يمنع إقامة عروض القره قوز، غير أن قرار
المنع لم يقض تماماً على هذا النوع من الترفيه الشعبي، فبقي القره
قوز يقدم في منازل بعض أثرياء مدينة الجزائر، وأيضاً في بعض المدن
الأخرى أيضاً، في غفلة من عيون الرقابة الاستعمارية، مثل ذلك العرض
الذي شاهده مالتسان سنة 1862 في أحد مقاهي قسنطينة.
الاحتفالات الدينية
وإلى جانب القره قوز كانت هناك عروض تمثيلية
شعبية تقدم في الأعياد والمناسبات الدينية، مثل المولد النبوي،
والحج، وهي عروض لا نستطيع تحديد تاريخ ظهورها بالضبط، ولكنها
بالتأكيد، وقد تكون أسبق في الظهور من لعبة «القره قوز». وبالرغم
من ارتباطها بالمناسبات الدينية إلا أنها لم تكن كلها دينية أو ذات
موضوعات جادة بحسب ما يقدمها محيي الدين باش طرزي في مذكراته.
ومن التمثيليات المطبوعة بالطابع الديني يذكر
باش طرزي مجموعة من أسماء الأولياء الصالحين المشهورين، والمعروفين
لدى الشعب حتى يومنا هذا، ممن كانت رحلاتهم إلى الحج تشكل موضوع
تلك التمثيليات، مثل رحلة سيدي يحيي الطيار، وسيدي إبراهيم
الغبريني، وسيدي أحمد بن يوسف، وسيدي علي مبارك. أما التمثيليات أو
العروض الأخرى فكانت ذات طابع هزلي، وتغلب عليها النمطية والارتجال
والمحاكاة الساخرة لشخصيات عامة حقيقية تعيش في المجتمع، وهي عروض
شبيهة إلى حد بعيد ـ بحسب وصف محيي الدين باش طرزي لها ـ بعروض
الكوميديا دي لارتي، أو مسرح «البولفار»، بسبب نمطية شخصياتها
وغلبة الارتجال عليها. ويذكر في هذا الصدد نمط الخادم السيء
الطباع، الذي يقع في كل مرة في شر أعماله، وتمثله أحسن تمثيل شخصية
«حميمد» الذي كان كذاباً ومختلساً وشرهاً، وكذلك شخصية المرأة التي
لا وفاء لها.
ويأتي باش طرزي على ذكر مجموعة من الممثلين
الهواة بأسمائهم، ممن اشتهروا في العروض الكوميدية المذكورة، مثل
الشاب بن يوسف، الذي تخصص ـ لجمال وجهه وصفاء صوته ـ في الأدوار
النسائية، وإسماعيل بونطَّة، الذي اختص في تأدية أدوار السذج
والبلهاء، وبن زغودة الذي يصفه بأن مجرد ظهوره أمام المتفرجين كان
يبعث على الضحك، بسبب ضخامة جسمه وتشوه وجهه، ويوسف فدَّات الذي
كان يتمتع بالأناقة وجمال الوجه، وهو ما جعله يتخصص في تأدية دور
العريس الجديد، كما برز أيضا في تأدية دور البورجوازي الذي لا
يعجبه أي شيء( (Le bourgeois grincheux،
وكذا محمد السعودي الذي كان بارعاً في تقليد الشخصيات العامة.
ويعلق باش طرزي على براعة هذا الممثل في التقليد بقوله: «ويا ويل
المفتي أو القاضي أو الخوجة الذي يصادفه في طريقه».
ويشير باش طرزي إلى أن هذه التمثيليات الشعبية
ظلت تعرض إلى غاية 1914، أي قبل احتكاك الجزائريين بالمسرح
الفرنسي، أو بالمسرح العربي المقلد للمسرح الأوروبي، «إلا أن الحرب
ـ كما يضيف ـ قطعت الصلة بين الجيل الجديد والقديم، ما أدى الى
التخلي عن الكثير من التقاليد، وفي مقدمتها الاحتفال بالحج».
مسرح التراث القصصي
وهذا يقودنا إلى القول
مع الدكتور محمد حسن عبد الله: «إن التراث العربي، على افتراض أنه
لم يعرف فن المسرح (أو فن العرض المسرحي تحديدا) فإن هذا الحكم قد
يصدق على التراث المكتوب باللغة العربية الفصيحة، أما تراث اللهجات
العامية، التراث الشعبي، فقد عرف فن خيال الظل منذ عصر الخلافة
الفاطمية في مصر».
ولعل هذا الرأي يلتقي تماماً مع ما اكتشفه
الكاتب المسرحي عبد القادر علولة ـ الذي سنتحدث عن تجربته ـ في
الميدان العملي، وذلك حين يقول: «إن النقطة التي ننطلق منها لتحقيق
المسرح المحكي ليست ماثلة في أن لنا تراثاً قصصياً يمكن إعادة
تشكيله مسرحياً، وإنما القضية هي أن لدينا تراثاً قصصياً ذا طبيعة
مسرحية، يصدر عن خيال مسرحي، وفهم متميز لمطالب المشهد، والموقف،
والشخصية، وسائر عناصر البناء المسرحي، غير أنه كتب بأسلوب الحكاية
(وليس الحوار)، لأن أسلوب الحكي كان الأسلوب المستقر والممكن، ولأن
الأذن العربية هي الطريق المدرب لالتقاط الجمال (وليس العين)، ولأن
التمثيل لم يكن نشاطاً فنياً اجتماعياً يتعامل مع المستويات
الأدبية الكتابية». «وأخيراً، ليكن منطلقنا في رعاية هذه الظاهرة
الفنية في تراثنا الحكائي ما ندعو إليه من تأصيل لفنون الإبداع
العربية (المعاصرة والقادمة) بتحريرها من شروط أنتجتها حضارات أخرى».
مسرح الحلقة
ونأتي بعد هذا إلى مسرح الحلقة، هذا النوع من
المسرح الذي يأخذ تسميته من الحلقة الشعبية التي تعقد في الأسواق
الأسبوعية حيث يتحلَّق جمهور المتسوقين حول «المداح»، أو «القوال»،
ليروي لهم إحدى الحكايات أو المغامرات الكثيرة التي يحفظ تفاصيلها
عن ظهر قلب، عن أبطال تاريخيين مشهورين، أو أولياء صالحين، أو ما
شابههم من شخصيات الحكايات الشعبية، معتمدا بالأساس على ذاكرته
القوية، وعلى خياله الخصب، وقدرته على الارتجال والتلوين في طبقات
الصوت، مستعينا بعد ذلك بربابة يغني أشعاره على أنغامها، أو طبلة
ينقر عليها ليحدث التأثيرات الصوتية التي يرغب في إحداثها لدى
المتفرجين، أي أنه ـ بتعبير آخر ـ يتخذ من هاتين الأداتين وسيلة
مساعدة له تخدمه إما في تأدية بعض الألحان، أو في تشخيص بعض
المشاهد، أو للتأثير والنداء وطلب الصمت، أو تغيير مجرى الحديث، أو
لجمع النقود.
وواضح من هذا أن المداح أو القوال يشبه
الحكواتي إلى حد كبير من حيث الوظيفة التي يقوم بها، إلا أن أداءه
يختلف تماما بحكم الحيز المكاني الذي يوجد فيه، أي السوق، ولذلك
فهو يروي حكاياته واقفا، وفي الهواء الطلق، بينما يرويها الحكواتي
جالسا وفي مكان مغلق، مثل المقهى أو الخان.
وبحكم أن الحلقة هي تقليد شعبي معروف فإن هناك
العديد من المسرحيين الذين حاولوا استغلال شكلها وطريقة أدائها في
مسرحهم، ولعل أقدمهم في الجزائر هو المسرحي ولد عبد الرحمن كاكي
(1934 ـ 1995) الذي بدأ حياته المسرحية متأثرا بمسرح برتولد بريخت
وانتهى إلى اكتشاف "الحلقة" في سنوات الستينيات من القرن الماضي،
ووظفها بنجاح كبير في مسرحية «القرَّاب والصالحين»، وهي المسرحية
التي نال بها جائزة مهرجان صفاقس العام 1966. لكن شهرة عبد القادر
علولة (1939 ـ 1994) في توظيف شكل الحلقة في مسرحه (وهو رفيق قديم
لولد عبد الرحمان كاكي على درب الفن) غطت على كل التجارب الأخرى،
لكونه صرف كل جهوده في الأعوام الخمس عشرة الأخيرة من حياته لبناء
مسرح مستلهم من «الحلقة» شكلاً وأداء، بعد أن توصل من خلال
الممارسة العملية إلى قناعة شخصية أن القالب المسرحي الأرسطي ليس
هو الشكل الملائم الذي يستطيع أن يؤدي به رسالته الاجتماعية، في
البيئة التي يتعامل معها، وقدم خلالها خمسة أعمال فنية هي
«القوَّال» (1980) و«اللثام» (1989) و«الأجواد» (1985)، و«التفاح»
(1992) و«أرلوكان خادم السيدين» (1993)، وكان قبل مقتله في يناير
1994 يتهيأ لكتابة مسرحية جديدة بعنوان «العملاق»، ولكن يد الإرهاب
الأعمى كانت أسرع.
تجربة ابن علولة
في محاضرة له ألقاها في برلين سنة 1987 في
المؤتمر العاشر للجمعية الدولية لنقاد المسرح، يتحدث عبد القادر
علولة عن الطريق التي قادته إلى اكتشاف مسرح الحلقة، ويبدو من
حديثه أنه اكتشف هذا الشكل بالمصادفة، وبالتحديد عن طريق احتكاكه
بالواقع الحي حين أصبح يتنقل بفرقته في جولات فنية لتقديم العروض
خارج صالات العرض المعروفة، أي على طلاب الثانويات والجامعات، وعلى
عمال الورشات والمصانع، وعلى الفلاحين في الحقول، مع العلم أنه كان
قد أحس من قبل بضرورة البحث عن شكل جديد يبعد العروض المسرحية عن
التكرار الممل، وعن طغيان الخطاب السياسي المباشر الذي يكاد يحولها
إلى بيانات سياسية. ويقول علولة شارحا تجربته الجديدة التي قادته
إلى اكتشاف مسرح الحلقة: «وفي خضم هذا الحماس، وهذا التوجه العارم
نحو الجماهير الكادحة، والفئات الشعبية، أظهر نشاطنا المسرحي ذو
النسق الأرسطي محدوديته، فقد كانت للجماهير الجديدة الريفية، أو
ذات الجذور الريفية، تصرفات ثقافية خاصة بها تجاه العرض المسرحي،
فكان المتفرجون يجلسون على الأرض، ويكونون حلقة حول الترتيب
المسرحي (La disposition scénique)،
وفي هذه الحالة كان فضاء الأداء يتغير، وحتى الإخراج المسرحي الخاص
بالقاعات المغلقة ومتفرجيها الجالسين إزاء الخشبة، كان من الواجب
تحويره. كان يجب إعادة النظر في كل العرض المسرحي جملة وتفصيلا».
وأمام هذا الوضع وجد الكاتب وزملاؤه في الفرقة
أنفسهم مرغمين على إدخال بعض التعديلات، فألغوا في البداية جزءاً
من الديكور، لكنهم وجدوا أنفسهم بعد عشرة عروض بدون ديكور، ولم يبق
في الفضاء المسرحي ـ حسب رواية الكاتب دائما ـ إلا بعض الأكسسوارات
ذات الضرورة القصوى. ثم أعقب هذا التعديل في الديكور تعديل مماثل
في الأداء التمثيلي أيضا، يتلاءم مع الوضع الجديد، لأن رد الفعل
لدى هذا الجمهور كان مختلفا تماما عما ألفوه من جمهور الصالات
المغلقة، فهو لا يريد أن يكون منعزلا عن اللعبة وعن الممثلين، وهنا
يتساءل علولة قائلا: «ما العمل عندما يكون المتفرج أمامك ووراءك ؟
لقد وجب إذن إعادة النظر فيما كان عليه أداء الممثل».
وقد اكتشف الكاتب شيئا آخر في هذا الجمهور
عندما لاحظ أن بعض المتفرجين كانوا يديرون ظهورهم للعرض، لكي يتسنى
لهم ـ حسب تفسيره ـ التركيز على السمع، وهو ما جعله يستنتج من هذا
السلوك أن ما يعنيهم بالأساس ليس هو ما يشاهدونه ولكن ما يسمعونه،
ولاحظ أيضا أنهم كانوا يتمتعون فعلا بطاقة إنصات وحفظ خارقة
للعادة، وتجلى له ذلك من خلال النقاش الذي كان يتبع العرض عادة.
يقول: «لقد كان بمقدورهم إعادة حوارات شبه كاملة لمشاهد برمتها».
ويخلص في الأخير إلى القول: «عن طريق هذه
التجربة التي استدرجتنا إلى مراجعة تصورنا للفن المسرحي، اكتشفنا
من جديد ـ حتى وإن بدا هذا ضربا من المفارقة ـ الرموز العريقة
للعرض الشعبي، المتمثل في الحلقة، إذ لم يبق أي معنى لدخول
الممثلين وخروجهم، كل شيء كان يجري بالضرورة داخل الدائرة المغلقة،
ولم تبق هناك كواليس، وكان يجري تغيير الملابس على مرأى من
المتفرجين، وغالبا ما كان الممثل يجلس وسط المتفرجين بين فترتي
أداء لتدخين سيكارة، دون أن يعجب من ذلك أحد».
وعلى هذا النحو يمكن القول أن الأدوار انقلبت،
فعوض أن يعلم الكاتب الجمهور، مثل ما يدعي معظم الكتاب الملتزمين،
نجد علولة هنا يعترف بكل تواضع بأنه تعلم من الجمهور، وأنه اكتشف
عن طريقه مسرح الحلقة، أو فن الدراما الشعبية، حيث يلتحم الممثلون
والمتفرجون في بوتقة واحدة ليصنعوا معا فن الفرجة.
خصائص مسرح الحلقة
إنه مسرح فيه قطيعة مع
الممارسة المسرحية التقليدية، التي يكتفي فيها المشاهد بلعب دور
المستهلك للمسرح بطريقة سلبية، لا يسهم فيها فكريا ولا عاطفيا،
مسرح يحدث القطيعة مع تشخيص الحركة وخطية الحكاية والإيهام، ليعطي
أهمية أكبر للكلمة المروية على لسان القوال، فيتقمص كل الشخصيات
ويترجم على لسانها بعبارات تنبع من القلب والعقل معا، فالسرد هو
الأساس، وحاسة السمع تأخذ الأولوية بالنسبة للحضور «بعيدا عن العمل
القسري وفق أنماط الإيهام، والتنويم المغناطيسي».
إنه مسرح يرتكز على إعادة ربط الصلة من جديد
بالعادات والتقاليد الفنية الثقافية الموروثة من آلاف السنين، التي
يزخر بها المخزون التراثي الشعبي، ما يجعل العمل ينصب على قدرات
أخرى غير تلك المتداولة في التقليد الأرسطي، أي على التجريد وقوة
الإيحاء لمنطوق القول من جهة الراوي - الممثل، وعلى عادات الإصغاء
لدى السامع - المتفرج، وقدرته على التخيل. «ففي مثل هذا النوع من
العروض يشترك الراوي والمتفرج بصفة دينامية وجدلية في ترتيب
العرض... ويكون المداح شاعر النص الدرامي ومؤلفه الذي يقوله، فهو
في مركز الحلقة الراوي - الممثل - المغني، يمسرح الكلمة وينقش
العرض بمختلف أجناس القول: التلميح، الإشارة، التصحيح، التضخيم،
بهدف إثراء الخيال المبدع للجمهور».
إن هذه الخصائص التي أتينا على ذكرها في مسرح
الحلقة، تلتقي في واقع الأمر مع التحولات التي عرفها المسرح الحديث
بصفة عامة، وهي تقترب بالخصوص من مسرح برتولد بريخت وتتقاطع معه في
كثير من الأسس والملامح الرئيسة، مثل صفة الملحمية، وكسر الوهم لدى
السامع - المشاهد وإشراكه في صنع الفعل الدرامي. وحينئذ فلا غرابة
أن نلحظ أن كل كتاب ومسرحيي «الحلقة» ـ ويأتي في مقدمهم علولة وولد
عبد الرحمان كاكي ـ كانوا بريختيين ثم تحولوا إلى مسرح الحلقة.
هذه إذن بعض الخطوط العريضة عن توظيف التراث
الشعبي في المسرح الجزائري، وهي تشكل ملامح عامة، يمكن أن نقول
عنها إنها محاولات واجتهادات، تندرج بعامة في هاجس البحث عن تأصيل
المسرح العربي، الذي كان وما زال يشكل هاجسا مشتركا بين رجال
المسرح في كل البلاد العربية، وهي محاولات واجتهادات يمكن أن نقول
أنها بلجوئها إلى التراث الشعبي الأصيل، شكلت خطوة معتبرة في
الطريق الصحيح، ولكنها ما زالت، على أية حال، في البداية، وتحتاج
إلى المزيد من المحاولات الجادة وإلى تضافر جهود الباحثين
والمبدعين لكي تعطي ثمارها الحقيقية.
× أديب وكاتب جزائري
|