العدد

157 :

الثلاثاء, اغسطس 19, 2008 - 23:25 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

عِزّ الدَّين سليم

الرئيس القادم من بلدة الهوير

رشيد الخيُّون

الهوير تصغير الهور، بلدة شاخصة بجداولها ونخيلها بين أهوار القرنة وأهوار الجبايش، أي بحسب تعبير مصطفى جمال الدين «من لبة المعدان». لم يأنف من التسمية رئيس مجلس الحكم عِزّ الدَّين سليم، ولا الشاعر جمال الدين، ولا القاص فهد الأسدي، ولا الفيزياوي عبد الجبار عبد الله، ولا مدير بنك الرافدين ضياء الخيُّون، ولا الشيخ القادم من دست ميسان الحسن البصري، ولا زميله في الأسر مفسر الأحلام محمد بن سيرين، ولا كاتبها الفذ ابن بحر الجاحظ، ولا شيخه أبو الهذيل العلاف وهما من زنوجها على الأرجح. كل هؤلاء لم يأنفوا من تسمية المعدان، تلك التسمية التي حيرت اللغويين وأتعبت الآثاريين، بحثاً عن أصلها.

لكن ما لا يختلف عليه أنهم قوم لا يزالون ومنذ الدهور الخوالي يقطنون الجنوب وأهواره، فيهم ملامح من السومريين، ويُعاب عليهم أنهم مغرمون بأكل السمك اليابس المسموط بالماء المغلي، وهو عند أهله ألذ طعام في الدنيا، ذلك ما سماه الجاحظ بالسمك المشنوق، أي المجفف على الحبال تحت شمس البصرة التي أعدها الله لانضاج التمور وتمليح وجوه بناتها.

لقد أعيا أهل الأهوار، والهوير طرف منها، غبن تاريخي، رغم أنهم علموا العرب أكل التمن (الأرز لغير العراقيين)، جاء هذا من شهادة ياقوت الحموي، الرومي الأصل وليس العراقي الجنوبي حتى يُطعن بشهادته. فبعد استحسان العرب تمر البصرة، وهو جوهر من جواهر، خافوا تمنها المخزون في العنابر، فظنوه سماً تركه لهم البصريون بعد إنكسارهم، وبعد تجريبه في الحصان الذي ازداد نشاطاً فضلوه على حيسهم - طعام مركب من تمر وسمن وسويق - وثريدهم.

البصرة بوابة البحر

اسم البصرة القديم تردم، وهو اسم آرامي يعني بوابة البحر، ثم قُلبت الحروف فأصبحت تدمر. وتدمر، بعيداً عن تكهنات اللغويين واشتقاقاتهم الخاطئة، مفردة عبرية تعني كثرة التمر (معجم الكتاب المقدس 1894)، ولكثرة تمرها أطلق الاسكندر المقدوني على تدمر الشام اسم بالميرا، أي مدينة النخل. لقد أصبح واضحاً الآن لماذا سميت البصرة بتدمر؟ علاقة بالتمر لا بالتدمير، الذي لم يبق منها غير شبح مدينة. كان آخر قتلاها من قبل فاتح جديد، قيل انتحاري سوري، هو ابنها رئيس مجلس الحكم، وهو أول منصب مرتفع يصله أحد أبنائها. أما اسم البصرة الآرامي الآخر، الذي ظلت عليه فهو «بصرياثا»، ورغم ذلك هناك مَنْ يعتقد أن لا وجود للبصرة قبل دخول العرب بقيادة عتبة بن غزوان، فأخفوا اسمها الآرامي لينحتوا اسمها على طريقتهم من حجارتها الغليظة البيضاء. كانت الهوير وهي ناحية من نواحي البصرة مصنعاً للقوارب (المشاحيف)، تجد انتشار الورشات على جانبي نهيراتها. أخذ أهلها هذه الحرفة عن الصابئة المندائيين، يوم كانت البصرة إحدى حواضر هذه الديانة الضاربة في القِدم. كان مقام الهوير بين أهل الماء مقام مدن صناعة السيارات والقطارات لأهل البر، لذلك أول صناعة وتجارة تأثرت سلباً بتجفيف الأهوار هي صناعة وتجارة أهل البلدة.

قلنا هوير عِزّ الدَّين ناحية من نواحي البصرة، فإذا كانت البصرة لا تحلم في أن يتوزر لها وزير فالعجب العجاب أن يتولى ابن الهوير رئاسة مجلس الحكم العراقي. ومَنْ يدري فربما أسفرت جهود الإبراهيمي والأحزاب العراقية والأميركان أن يكون عبد الزهرة رئيساً؟ لذلك عدَّ قتله حلالاً. بعد مانع انحدار عِزّ الدَّين البلداني لتولي رئاسة العراق يبرز بقوة مانع الاسم فهو، بعد تجريده من الاسم الحركي، عبد الزهرة عثمان، والأول منبوذ عند متشددي السنَّة والثاني منبوذ عند متشددي الشيعة، وربما سمي والده عثماناً على شاكلة تسميات الأضداد. بعد هذا لم يبق لعبد الزهرة إلا التمويه بعِزّ الدَّين سليم للمقاربة بين الطائفتين حتى ظنه بعض «المحللين السياسيين الفضائيين العجائبيين» قطباً من أقطاب الأنبار السنَّية.

لم يحظ عِزّ الدَّين أو عبد الزهرة - نسبة لفاطمة الزهراء بنت النبي محمد لا كوكب الزهرة كي لا يعد من عبدة الكواكب والأجرام- بتشييع مثل تشييع موظف قناة الجزيرة، القناة التي تحصد تغنيها بالإرهاب ونفخها في صورة مقتدى الصدر لحد التضخم، وبثها لعمليات إرهابية وهمية غرضها التدريب على القتل والتفجير والتمرين على الموت انتحاراً. أقول لم يحظ موت عِزّ الدَّين وهو بمثابة رئيس البلاد بمنزلة موت حفيد صدام ونجليه عدي وقصي، ولم يعادله الإعلام الفضائي حتى بحدث لجوء رغد إلى الأردن.

مشهد حزين أن يعامل قتل رئيس مجلس الحكم العراقي من قبل الجامعة العربية وأمينها العام عمرو موسى بهذا البرود، ولذر الرماد في العيون صرح موسى أنه لا يقبل بهذا الفعل، فهو يعلم بتشجيعه لحارث سليمان الضاري عند استقباله في القاهره وبثنائه على المقاومة، التي تمكنت من تفجير عِزّ الدَّين بعد اكتشاف اسمه الحقيقي عبد الزهرة، والتعرف على انحداره غير المشرف لآل ضاري أو الزوبعيين. فتفريخ المتفجرات لا زال يركن في حي من أحياء الفلوجة، وإلا ما سر توقف التفجيرات واختفاء شراة الجنة من الانتحاريين عند حصار الفلوجة، أو الفلاليج حسب تسمية الطبري والبلدانيين لها.

أول مرة في تاريخ العراق يظهر رئيس البلاد متواضعاً تواضع التراب في الحياة والممات. لقد ضاق صدري عبرة وساحت دمعتي من عيني وأنا أرى ابن أخيه، الذي لم يبلغ الخامسة عشرة، يبحث عن محل لتكبير صورة لعمّه من أجل إقامة مأتم عائلي. إنها خيبة من خيباتنا أن نقتل ببرود، ونعتاد على مشهد الموت يومياً دون أن تهتز لمصدري الإرهاب والداعين إليه قصبة.

عِزّ الدَّين أو عبد الزهرة واحد من بقايا أمير الكوفة عمار بن ياسر، ففقر الأخير لم يسمح له، حتى بعد تسنم منصب الإمارة، أن يتخذ خادماً وداية لأولاده، ولم يترك مالاً وجاهاً غير متطلب يومه، لذا أزاله الخليفة بعد أن أكثر مهاجرو قريش إلى الكوفة من شكايته إلى الخليفة، فلم يطمئنوا لأمير يحمل عليقته في السوق، ولم يطمئنوا لأمير لم يغلق باب داره بوجوههم بحاجب وثلة حرس. ما هي النتيجة سادتي لو قارنتم بين قسوة صدام حسين واهداره لثروة العراق وبين لين وأمانة عِزّ الدَّين؟ لو قارنتم بين شرِّ علي حسن المجيد وتجهمه وبين خير عِزّ الدَّين وانبساط محياه؟ لو قارنتم بين الملايين التي حملها حسين كامل بما في بيت عِزّ الدَّين من فضلة دقيق؟ لو قارنتم سادتي بين ما نام عليه كُتاب من ثروة عراقية وبين أوجاع عِزّ الدَّين وأولاده لوجدتم العجب العجاب، ولعرفتم لماذا أوصل بعضهم الفلوجة العراقية بالفالوجة الفلسطينية، وتراه يهزأ بالبلدتين، لأن مَنْ يسخر قلمه لفضائل خير الله طلفاح، ويتشرف بصداقة برزان لا مبدأ له.

كانت الزعامة عندنا ولا زالت موروثاً مناطقياً وطبقياً، قال لي أحدهم: حاكم العراق يجب أن يكون من أرث الفتوحات؟ ومعلوم مَنْ اسمه عبد الزهرة هو بالضرورة من المفتوحين لا الفاتحين. لقد أخاف بردي وقصب البصرة، والهوير إحدى نواحيها، عتبة بن غزوان، فقال لفرسانه: أتركوها هذه ليست من منازل العرب. فتأمل كيف يكون ابن الهوير، وبلدته ليست من منازل العرب، رئيساً لمجلس الحكم!

العراق في مخيلة دعاة الإرهاب والمحتلين مبني على خصومة سَّنية وشيعية، عربية وكردية، تركمانية وآثورية. أقول العراق ليس كذلك، ولا هو مبني على المجاملات الكاذبة بين هيئة علماء المسلمين وجيش المهدي! هو واحد متنوع أرضه عامرة بالأديان والمذاهب والقوميات. حكى لي الأديب مير بصري أن الحاج عبد الفتاح جعله يصرف النظر عن شراء دار، فقد استأجر داره أكثر من خمسة وعشرين عاماً لا يراه فيها غير مرة كل عام يسلمه فيها بدل الإيجار، وكان كل مرة يقول له: يا أستاذ مير الدار أصبحت دارك، فيكفي تدفع لي بدل الإيجار! فما قيل عن خصومة بين يهود العراق ومسلميه لا صحة له، والتخطيط للفرهود ليس من صنعهم، كما بينا في مقال سابق. كذلك كان العين الشيعي محمد الصدر حاضراً في أزمات الدولة ذات المذهب الرسمي السنَّي. وربما لم يعرف العراقي مذهب  جاره ودينه طالما جاوره لسنوات، كان مثل هذا السؤال غير مقبول عند العراقيين. ولما استعد مثقفو عراق العشرينيات لتكريم الأب أنستاس الكرملي قال شاعرهم:

وعشنا وعاشت في الدهور بلادنا

                                         جوامعنا في جنبهنَّ الكنائس

وسوف يعيش الشعب في وحدة له

                                        عمائمنا في جنبهنَّ القلانس

أحدث مثال على التعاهد العراقي وصلت لندن قبل أيام فرقة مقام وغناء بغدادية، تتباين مواليد أعضائها بين الستينيات والسبعينيات، أول سؤالهم كان عن الباحث في المقام حسيقل قوجمان اليهودي وعن قارئ المقام حامد السعدي، فوجدوا صداقة وطيدة بين الباحث اليهودي الماركسي وبين القارئ المسلم المتدين، والفرقة بكاملها تنتمي لكيان اسمه العراق، فهي «أنغام الرافدين». هذه الأمثلة رغم بساطتها عامرة الدلالة، فمثلما تعاهد العراقيون في الثقافة والفن كذلك تعاهدوا في السوق ومحلات السكن والأحزاب.

يا ترى كم هو الخطب عظيم أن يستبدل عبد الزهرة اسمه بعِزّ الدَّين، وقاطن محلة الدورة الكردي الفيلي يلحق اسمه بلقب الدوري خشية من التهجير! إنه الضرب على وتر الطائفة والدين والقومية أن تبارك زوبع السنَّية جيش المهدي الشيعي، وأن يمجد مَنْ اعتبر محمد محمد صادق الصدر عميلاً ولده مقتدى، أنها أكاذيب سيذهب ضحيتها العراق. فمَنْ اختلق الخصومة بين ضريحي الإمامين أبي حنيفة النعمان وموسى الكاظم، وهما متجاوران عبر دجلة، لا يعرف علم هذا ولا يدرك فقه ذاك.

 

 





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع