العدد

157 :

الثلاثاء, يناير 6, 2009 - 5:20 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

العقوبات الأميركية على دمشق هل تكون بداية لقانون «تحرير سوريا ولبنان»؟

دمشق - محمد الحوراني

فيما كان السوريون ينتظرون نتائج التحقيقات في الاحداث التي وقعت في السابع والعشرين من نيسان - ابريل - الماضي في حي المزة وسط دمشق، والتي اثبتت ان سوريا ليست بعيدة عن اهداف المنظمات الارهابية، وبعد اخذ ورد وتوقعات حول امكان فرض واشنطن عقوبات شاملة على سوريا خصوصاً اثر الزيارات المتلاحقة لنواب اميركيين لدمشق ولقاءاتهم كبار المسؤولين وفي مقدمتهم الرئيس الدكتور بشار الاسد حسم الرئيس جورج بوش في الحادي عشر من الشهر المنصرم هذا الأمر بمصادقته على قرار فرض عقوبات على سوريا بدعوى مساندتها للارهاب، والفشل في منع المقاتلين من عبور الحدود الى العراق وتضمنت العقوبات حظر الصادرات الأميركية باستثناء المواد الغذائية والدواء، ومنع بعض الاستثمارات الأميركية وقطع العلاقات المصرفية وتجميد اموال لسوريين محددين. وتشدد العقوبات القيود على صادرات المواد المتصلة بالأسلحة او المواد ذات الاستخدام المزدوج، وتمنع الطائرات السورية من الطيران من الولايات المتحدة واليها وافاد بيان صدر عن البيت الابيض  ان بوش سيفرض مزيدا من العقوبات ما لم تكف دمشق عن مساندة الجماعات، التي تصفها واشنطن بانها «منظمات ارهابية» وتتخلى عن سعيها الى اقتناء اسلحة الدمار الشامل، وتسحب قواتها من لبنان، وتبدأ التعاون مع المجتمع الدولي في جهوده لتحقيق الاستقرار في العراق.

ضغوط جديدة

وعقب توقيع  الرئيس الأميركي على قانون العقوبات بدأ بعض الاعضاء في الكونغرس التشاور بشأن اتخاذ قرار جديد ضد سوريا من شأنه ان يزيد الضغوط عليها، لعلها ترضخ للمطالب الاميركية لا سيما ما يتعلق منها بالمنظمات الفلسطينية والعراق. ويسعى مشروع القانون المقترح الذي يعرف بـ«قانون تحرير سوريا ولبنان» الى تعزيز الحصار الاقتصادي والسياسي وتوسيعه ليشمل اطرافا ثالثة تتعامل مع سوريا في مجال التسلح وتزودها بالتقنية  اللازمة لذلك، وهو ما يعني فرض عقوبات على شركات دولية عدة من بينها شركات فرنسية وروسية. وبالرغم من توقيع الرئيس الأميركي قانون معاقبة سوريا، الا انه ابقى الباب مفتوحا امام السوريين عندما اعلن في اليوم الثاني للتوقيع ان بلاده سترد بطريقة ايجابية في ما لو اظهرت الحكومة السورية نية حقيقية للوصول الى سلام حقيقي من خلال مواجهة الارهاب والعنف ووقف السعي لتطوير اسلحة دمار شامل، واحترام سيادة لبنان واستقلاله، وبعد ساعات من كلام الرئيس الأميركي هذا، اعلن الرئيس الأسد خلال لقائه وفداً اميركيا ضم 91 صحافيا بينهم ممثلون لصحيفتي «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» وممثلون لإذاعات وشبكات تلفزيون اميركية، رفضه للاتهامات الواردة في قانون محاسبة سوريا، مؤكدا عدم تقديم واشنطن «أي دليل» في شأن الاتهامات بتسلل اشخاص من سوريا الى العراق، ونافيا وجود قادة لكل من حركة المقاومة الاسلامية (حماس) والجهاد الاسلامي في بلاده مؤكداً ان الموجودين هم فقط ناطقون سياسيون جاؤوا بعدما طردتهم اسرائيل، ولم يكن لديهم اي مكان آخر للذهاب اليه. وتساءل الرئيس السوري «اذا طلبت منهم الذهاب، الى اين يذهبون؟ يجب ان يعودوا الى ارضهم» مضيفاً «نحن لا نطرد الناس. يجب ان يعودوا الى ارضهم».

 واذا كان الرئيس الأميركي يريد بفرضه للعقوبات على سوريا الهاء العالم عن التجاوزات التي يرتكبها وحلفاؤه بحق الشعب العراقي، والمجازر الاسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، فضلا عن تضييق الخناق على الرئيس السوري، وتهديده بقانون «تحرير سوريا ولنبان» فإن الرئيس السوري بدا غير متعلق كثيرا بمنصبه عندما قال للصحافيين الأميركيين: «بالتأكيد لا اعير اهتماماً لبقائي في منصبي، فقد افقد موقعي في اي لحظة. ولكن كمواطن سوري عليّ واجب  تجاه بلدي. انها الطريقة الوحيدة للحكم من هذا الموقع. وعندما اشعر بأنني لا استطيع ان اقدم شيئاً لوطني سأرحل».

بالرغم من تأكيد المسؤولين السوريين وغير السوريين ان هذه العقوبات لن تؤثر في الاقتصاد السوري، لا سيما بعد تأكيد السيدة لويولا دي بالاثيو نائبة رئيس المفوضية الأوروبية ان الاتحاد الأوروبي مصمم على عقد اتفاقية الشراكة مع سوريا في أسرع وقت ممكن، فإن المواطن السوري يتساءل عن مدى تأثير العقوبات الأميركية على الاقتصاد السوري، وعما اذا كانت هذه العقوبات ستجبر السوريين على الرضوخ للمطالب الاميركية. ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً لدى المواطن السوري هو: هل ستكون هذه العقوبات مقدمة لقانون «تحرير سوريا ولبنان» وهو الذي فعل ما فعله بالشعب العراقي؟ ثم هل من أثر ستتركه العقوبات هذه في عمليات المقاومة في فلسطين والعراق؟

اللوبي الصهيوني

يرى الدكتور عيسى درويش معاون وزير الخارجية السوري أن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء فرض العقوبات الاقتصادية الاميركية تتمثل في ضغط اللوبي الصهيوني على الادارة الأميركية لمعاقبة سوريا بسبب موقفها من الاحتلالين الاسرائيلي لفلسطين والأميركي للعراق.

وطبيعي أننا في ما يتعلق بالصراع العربي - الاسرائيلي نطالب بتطبيق قرارات الشرعية الدولية وعدم ازدواجية المعايير، بحيث ان قرارات الشرعية الدولية تنطبق على العرب ولا تنطبق  على اسرائيل. اضافة الى ان ما يجري في العراق من احتلال وغزو هو خارج اطار الشرعية الدولية. وايضا هناك قرارات لنقل السلطة والسيادة للشعب العراقي نأمل أن تتحقق من خلالها سيادة العراق، وأن يتم انتخاب حكومة وطنية تمثل كل اطياف الشعب العراقي، ضمن اهدافنا المعلنة في البقاء على وحدة العراق ارضاً وشعبا، واندماج العراق في محيطه العربي والدولي واستمراره في مسيرته الحضارية والانسانية. وفي اعتقادنا ان للعقوبات وجهاً معنوياً سياسياً يتمثل في النيل من مكانة سوريا في العالم الخارجي، والتأثير في قرارات  الآخرين بالتعاون مع سوريا، والاستثمار فيها، وبالتالي يؤثر في الاستثمارات الأميركية في سوريا، وبخاصة الشركات التي تستثمر في مجال النفط، اما في ما يتعلق بآثار هذه العقوبات على الصعيد العام، فنعتقد ان هذه الآثار ستبقى جانبية اذا لم تلجأ الولايات المتحدة للضغوط على الآخرين، او للسعي لايجاد ذرائع اخرى للتدخل في الشؤون الداخلية لسوريا، وممارسة الحصار الاقتصادي والسياسي عليها. ولا اعتقد ان ما يقال عن «قانون تحرير سوريا» ستكون له فاعلية، لأن الادارة الأميركية ما زالت تقول بالحوار مع سوريا، وسوريا ايضا تطرح الحوار مع الولايات المتحدة الأميركية، ونحن ايضا نريد ان تكون بيننا علاقات متوازنة يسودها الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وفي اعتقادنا ان سوريا لم تقم بأي مخالفة لقرارات الشرعية الدولية، ولم تتحد ارادة الآخرين وتستولي على اراضيهم بالقوة كما فعلت الولايات المتحدة وتفعل اسرائيل بالأراضي العربية والفلسطينية. من جهة اخرى فإن الدرس العراقي يعلم الآخرين ان غزو الشعوب والاستهانة بكرامة الأوطان لا يمكن السكوت عليه، وبالتالي فمن حق الشعوب العربية والشعب السوري، جزء من الأمة العربية، ان يدافع عن استقلاله وسيادته، ولكن نحن نريد الحوار والتعاون وان يكون هناك لدى الولايات المتحدة ارادة في هذا الحوار على ان تُلغى هذه العقوبات ولا يصعّد الموضوع، لا سيما ان كل الاقطار العربية اصدرت بيانات تستنكر هذا القانون السيئ السمعة، قانون محاسبة سوريا، ولم يكن هذا في الاقطار العربية فحسب وانما في اقطار وأوطان كثيرة، حتى في بلدان الاتحاد الأوروبي، بل وحتى ان في الولايات المتحدة هناك حكماء وعقلاء ينتقدون هذا التصرف ولا يعتبرونه اسلوبا ذا جدوى في العلاقات الدولية بين الدول والشعوب».

 عقوبات سياسية

ومن جهته يرى المفكر والمحلل السياسي السوري محمد جمال باروت ان هذه العقوبات سياسية اكثر منها اقتصادية، لأن جدواها من الناحية الاقتصادية محدود في الظاهر، لكن اذا ما ركبت الادارة الأميركية رأسها فإن من الممكن ان تؤثر في الاقتصاد السوري وان تقوم بتدفيعه الثمن من خلال تأثيرها في المؤسسات المتعلقة بالدعاية للاستثمار ونشره، وذلك من خلال ضرب السمعة الاستثمارية السورية، او من خلال تأثيرها في الشركات الأوروبية التي تمتلك الولايات المتحدة جزءاً كبيراً من اصولها. وبهذا المعنى فإن طريقة تطبيق الادارة الأميركية لهذه العقوبات يتحكم الى جد بعيد بما يعتبر انه جدوى لها. العقوبات في وضعها الحالي لا تؤثر في الاقتصاد السوري لأن سوريا تستطيع ان تشتري البضائع من السوق اللبنانية مثلا، وبالتالي فإن مغزاها الحقيقي سياسي وتكمن خطورته ليس في درجته الراهنة بل في امكانية ان يستخدم كمنصة لفرض عقوبات سياسية لاحقة قد تتطور الى استخدام ما يتيحه القانون نفسه من احتمال التدخل في الشؤون السورية بما في ذلك التدخل العسكري عبر فقرة أسلحة الدمار الشامل او يمكن ان يكون منصة تستخدمها الجماعات المعادية لسوريا في الكونغرس والادارة وخارجهما من قوى الضغط من اجل تمرير ما يسمى مشروع تحرير سوريا على غرار مشروع تحرير العراق العام 8991، وبالتالي تعكس العقوبات درجة متوترة من الشد والجذب. بين دمشق وأميركا واعتقد انها ستترافق مع ضغوط شديدة على دمشق خلال الاشهر الستة المقبلة اذ يفترض في الادارة ان تقدم للكونغرس تقريرا عن مدى اثر هذه العقوبات وفي ضوء ذلك يمكن تجديد العقوبات من الناحية النظرية او القانونية، لكن يبقى الأمر من الناحية السياسية هو الذي يحكم ذلك. وأنا أرى ان العلاقات السورية - الأميركية تسير الى مزيد من التدهور وان فرض العقوبات يشكل مؤشرا على ذلك، مع ان فرض العقوبات بهذا الشكل يشكل حلا وسطا بين جماعة البنتاغون الذين يريدون تشديد العقوبات الفعالة على وريا في اطار احتوائها التطبيقي والمحيطي، وبين أولئك الذين ينادون باستمرار سياسة الحوار معها، ولذلك نحن امام حالة فريدة، فالعقوبات  تفرض بينما توجد سفارة اميركية في دمشق وتبقى هناك بهذا الشكل او ذاك بعض صلات الحوار واللقاء. اما بالنسبة للمطالب الاميركية المتعلقة بالمنظمات الفلسطينية والعراق فإنها غير واضحة على الاطلاق، فإذا كان المقصود اغلاق المكاتب فما قيمة المكاتب؟ او قيمة اغلاق المكاتب في عصر الاتصالات!؟. في تقديري ان الأمر المطلوب من دمشق هو اكثر من ذلك بكثير، المطلوب منها هو: التخلي عن دورها الاقليمي في المنطقة والعودة لتكون دولة عادية، اي دولة ذات دور وظيفي وليست ذات دور يرسم في السياسات ويساهم فيها والخلاف الحقيقي بين دمشق وواشنطن ينصب حول الدور الاقليمي لسوريا في مجال اعادة بناء عمارة المنطقة. بعض المطالب التي تطلبها الادارة الأميركية غير معقولة، بمعنى انها لا تتناسب مع المصالح السورية، ولا نعني هنا مصالح النظام او الفئة الحاكمة بقدر ما نعني مصالح الدولة كدولة، وهذا يتعلق بموضوع  التوازن الردعي ما بين سوريا واسرائيل، وموضوع وحدة الجبهة الممتدة من سوريا الى جنوب لبنان، فلا يمكن لسوريا ابداً ان توافق على هذاالشق لذلك اتوقع ان يكون عنوان المرحلة المقبلة من الضغوط هو ما يسمى بأسلحة الدمار الشامل، ومحاولة ارغام سوريا على ان تنهج النهج نفسه الذي سارت فيه القيادة الليبية واعتقد ان من الصعب ان ترضخ لذلك، وهذا هو مدار الخلاف الراهن بينها وبين الأوروبيين والذي كان له الدور الاساس في تعطيل توقيع اتفاقية الشراكة. أما في ما يتعلق بعمليات المقاومة في العراق فمن حسن الحظ انها تعتمد على امكانياتها الذاتية، وهي ليست في حاجة الى اي دعم اقليمي مباشر، ولو وجد مثل هذا الدعم، ربما ساء وضع المقاومة. المقاومة في العراق تحتاج فقط الى الدعم المعنوي والدعم السياسي في حين ان المقاومة في فلسطين تحتاج الى الدعم المادي والمعنوي والسياسي وهي تعمل في ظروف الحصار والتطويق، اذا هذه العقوبات لا تؤثر اطلاقاً في موقف سوريا في مجال السياسات الفلسطينية وعلى صعيد دعم منظمات العمل الفلسطيني، بل انها ستشهد، وهناك مؤشرات عدة على ذلك، تقاربات اكثر اهمية وملموسية بين سوريا والسلطة الفلسطينية التي تتهم أميركا واسرائيل رئيسها بالارهاب وبأنه مصدر للارهاب. فلا اعتقد ان هذه العقوبات ستترك ادنى تأثير على موضوع الموقف السوري من المقاومة في العراق، او على العلاقة التحالفية بين سوريا والمنظمات الفلسطينية و«حزب الله» ايضاً.

بالون اختبار

وما يراه باروت يتقاطع الى حد كبير مع ما يراه الخبير الاقتصادي ووزير النفط السوري الاسبق الدكتور مطانيوس حبيب، فالعقوبات الاميركية على سوريا بحسب رأيه، ليست ذات مضمون اقتصادي بل انها عبارة عن بالون اختبار تريد الولايات المتحدة ان تختبر من خلال قدرة الادارة السورية على الصمود في مواجهة الضغوط الأميركية باعتبار ان العلاقات السورية - الأميركية اقتصاديا ليست ناشطة ولا يتجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين اربعمائة مليون دولار، ويمكن الاستعاضة عنها بالصادرات والواردات من أوروبا واليابان والصين وغيرها، لكن الوجه الخطر في عملية العقوبات هو ان الولايات المتحدة تريد ان تقول لاصدقائها في العالم وكذلك للشعب الاميركي بأن سوريا مجال مرمى لطلقات العقوبات الاميركية، ويخشى في المستقبل ان يتحول هذا الامر الى عملية، وقد بدأت تقريباً، اتهام دمشق بانها ترعي الارهاب وبأنها تطور اسلحة الدمار الشامل، وهي المقدمات نفسها التي احتجت بها أميركا لغزو العراق، يبدو ان الولايات المتحدة الاميركية تعادي الروح القومية العربية، ولذلك لم تر هدفا افضل بالنسبة لها، من فكر حزب البعث العربي الاشتراكي، بصرف النظر عن عدم امكانية المقارنة بين الحزب في سوريا والحزب في العراق، لكن الولايات المتحدة تتخذ الذرائع نفسها لتحقيق الاهداف نفسها وهي محاولة الاساءة للفكر القومي العربي وعزل الاقطار العربية الى اقطار قطرية، مبتعدة احداها عن الأخرى واعتقد ان تطور الاحداث في المنطقة هو الذي يحدد ما اذا كانت الادارة الأميركية ستسير في اتجاه اتخاذ المزيد من العقوبات على سوريا أم لا، فأنا عندما سمعت خبر اغتيال الرئيس الدوري لمجلس الحكم الانتقالي العراقي قلت مباشرة: ان ضغطاً جديداً سيتحول في اتجاه سوريا، ومع ان الادارة الأميركية متأكدة بأن لا علاقة لسوريا بالمأزق الذي تعيشه في العراق، الا انها تريد ان توجد ذريعة ما  من اجل ان تقول انها لم تنجح في العراق بسبب تحرك الدول المجاورة للعراق، لا سيما سوريا، ضدها. وبالتالي اذا ساءت الاحوال اكثر في العراق فلا بد لجورج بوش قبل خوضه معركة الانتخابات من احراز عمل ما يكسب فيه رأى الشعب الأميركي بخاصة وان الشعب الاميركي معبأ الآن ضد الارهاب ومتحسس جدا من موضوع الارهاب، وبالتالي نلاحظ ان كولن باول او كوندوليزا رايس او حتى الرئيس نفسه، يركزون على ان سوريا ترعى الارهاب وتحميه ويطالبون القيادة السورية بطرد الفلسطينيين من ارضها، علما انه ليس هناك من ارض تستقبلهم، وبالتالي مثل هذا السيناريو، اي ان ينتقل من موضوع العقوبات الاقتصادية البسيطة على سوريا، والتي لا تشكل خطرا على سوريا الى مشروع «قانون تحريرسوريا» امر وارد واعتقد ان القيادة السورية الحكيمة بما تقوم به، بما يسمى بالمقولة الشائعة «ضرب على الحافر وضرب على المسمار» لم تمتثل للأوامر والطلبات الأميركية، وفي الوقت نفسه تمد جسور الحوار والنقاش مع اميركا.

اما في ما يتعلق بالمنظمات الفلسطينية والمقاومة في العراق، ففي اعتقادي انه ليس من حق سوريا ان تتخلى عن الكفاح الوطني للشعب الفلسطيني. نحن ساندنا جنوب افريقيا ودولاً في اميركا اللاتينية ونحن جزء من حركات التحرر القومي التي ترى في انتصار اي حركة تحرر قومي نصرا رئيسياً لها، فكيف يمكننا وارضنا محتلة من قبل عدو مشترك ان نسمح بالتضحية. بمصلحة الشعب الفلسطيني، دون ان ينال جزءاً، على الاقل، من حقوقه. عندما وافقت سوريا على الذهاب الى مؤتمر مدريد اخذت وعدا من الحكومة الأميركية وبرسالة خطية، مفادها ان اسس الحوار والمفاوضات ستكون مبادرة الرئيس الأميركي «الأرض مقابل السلام» وقرارات الشرعية الدولية 242 و833. ومع هذا لم تحقق أميركا ايا من وعودها سوى توجيه التهديدات. أنا كمواطن عربي سوري، بل كمواطن في الانسانية لا يمكن ان اقبل بالتضحية بمصلحة الفلسطينيين من اجل ارضاء دولة معتدية غاصبة كإسرائيل او داعمة لها كالولايات المتحدة  وفي تصوري ان القيادة السورية مخلصة لمبادئها وان كانت تحاول ايجاد جسور مشتركة بينها وبين الولايات المتحدة اذ اعلن الرئيس بشار الأسد موافقته على المضي في مضاوفات السلام حتى نهايته، لكن اميركا واسرائيل تمتنعان عن ذلك، لانهما تريدان ابتزاز سورياوتحويل عملها ضد مصلحة الفلسطينيين وهذا امر غير مقبول انسانيا وسياسياً. في ما يتعلق بأثر العقوبات على عمليات المقاومة فأعتقد ان هذا الامر طبيعي، ليس لأن سوريا تقدم دعما لهذين الشعبين، بل لأن الشعبين العربيين في العراق وفلسطين يثمنان عاليا موقف سوريا الصامد خلافا لبقية الدول العربية، وبالتالي من اجل تخفيف الضغط على سوريا قد يتوجهان للمزيد من العمليات التي تكره اميركا على اقرار حقوق الشعبين العراقي والفلسطيني وكذلك اكراه اسرائيل على اعطاء الشعب الفلسطيني حقه. لكن كيف سيجري ذلك؟ هذا امر يقرره الشعبان العراقي والفلسطيني، لكن تأكد انه كلما ازدادت مقاومة الشعبين للاحتلال ستزداد الضغوط على سوريا. المطلوب منا في هذه المرحلة الدقيقة شعبا وحكومة وقيادة ان نحسن الاستعداد لتحمل هذه الضغوط، حتى أن اميركا قد تلجأ الى اعطاء اسرائيل الضوء الأخضر بضرب سوريا في لبنان، او حتى داخل سوريا، لكن المهم هو ان يقتنع شعبنا ان موقفنا سليم قانونيا وفق الشرعية الدولية، وان لنا حرية وكرامة يجب ألا نفرط بهما تحت أي ظرف من الظروف.

ثبات الموقف

ويرى الخبير الاستراتيجي الدكتور هيثم الكيلاني ان هذه العقوبات وما اعقبها من تهديدات اميركية وصهيونية لا يمكن ان تؤثر نهائيا في الموقف السوري، واعتقد ان سوريا ستبقى ثاتبة على موقفها المتعلق بقضايا القومية  العربية ووقوفها مع الحق العربي والمناضلين لاستعادة حقوقهم سواء في فلسطين او لبنان والعراق. وبالتالي فإن سوريا جزء من الكتلة التي تحارب الاحتلال أينما كان. ولا استبعد مطلقا ان تتبع هذه العقوبات قوانين اخرى من الممكن ان تصدر عن الكونغرس او عن الادارة لا سيما ان الكونغرس اعطى صلاحيات كبيرة بفرض العقوبات للرئيس الأميركي. الا ان ما يجهله الرئيس ان العقوبات على سوريا ستزيد من حدة الغضب العربي تجاه اميركا ومن كراهية الشارع العرب للنظام السياسي الاميركي كما انه يتوقع ان تزيد من اتساع عمليات المقاومة في كل الاراضي العربية المحتلة، سواء في فلسطين ام في لبنان والعراق».

  ومن جهته يرى الدكتور عزيز شري رئيس قسم القانون الدولي في جامعة دمشق انه «لا يحق للرئيس الأميركي ولا لأي رئيس دولة اخرى، فرض عقوبات على دولة مسالمة لم تعتد على دولته او تقوم بما يعتبر اخلالا بالقانون الدولي، وبالتالي فقانون محاسبة سوريا غير مشروع دوليا. اما مدى تأثير هذا القانون، فأعتقد ان اثره السلبي سيكون من الدرجة الأولى على الولايات المتحدة وشركاتها العاملة في سوريا مباشرة او عن طريق شركات اخرى متعددة الجنسية ولن يكون تأثيره كبيرا على الشركات السورية، لانه لا شركات سورية تعمل في أميركا، ولذلك فهذا القانون من شأنه الضغط على سوريا لا اكثر،  ولا ادل على ذلك من ان الرئيس الأميركي في اليوم الذي وقع فيه على قانون محاسبة سوريا عين سفيرة جديدة لبلاده في سوريا، وبالتالي فإن هدفه من وراء التوقيع على القانون هذا ارضاء التجمع غير المقدس بين اليمين الاميركي واللوبي الصهيوني وفي اعتقادي ان مثل هذا القانون وامثاله لا يزيدنا الا تصميما على الثبات على مواقفنا المبدئية، وسوريا على ما يبدو غير مفهومة اميركيا، فالحكومات الاميركية المتتالية وخصوصا حكومة بوش لا تفهم عقلية الشعب السوري ولا نفسيته من بين بقية الشعوب العربية، لانه كلما زاد الضغط عليه، كلما ازداد تصميما في الثبات على موقفه، واذا فرض عليه، حتى القتال، فهو تعود على الموت واقفا لا راكعاً. وفي عهد كعهد الرئيس جورج بوش الابن، لا سيما وهو محاط بهذه الفئة من اليمين الاميركي الصهيوني، لا استبعد مطلقاً ان يعمد بوش الى اعتماد قانون «تحرير سوريا ولبنان» مثلما اعتمد سابقا قانون «تحرير العراق» والذي ادى الى ما نشهده اليوم على الساحة العراقية. وفي رأيي ان هذه العقوبات من شأنها ان تزيد من حدة  عمليات المقاومة في فلسطين والعراق وستزيد من سخط الشارع  العربي اجمالا حتى الهادئ منه، على هذا الموقف الاحادي الذي يقيس بمقاييس متعددة. فأنا لا افهم ان تعاقب سوريا في الوقت الذي نشاهد اصرار اسرائيل على ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية، بل وجريمة ابادة جماعية. لو فعلت دول اخرى غير اسرائيل هذا العمل لقام العالم كله ولم يقعد، لكن اسرائيل هي الصبي المدلل لاعظم دولة في العالم، وهذا امر مؤسف، لا سيما انها تنصب نفسها مدافعة عن الديمقراطية وحقوق الانسان. أما في ما يتعلق باجراءات قانونية يمكن ان تتخذها سوريا لتخفيف الضغط عليها،فلا اعتقد ان هنا اجراءا قانونيا يمكن ان نقوم به الآن، لأن من غير الممكن ان نقبل باختصاص محكمة العدل الدولية، واميركا ذاتها قبلت باختصاصها بشروط تكاد تكون تعجيزية وليس هناك محكمة دولية اخرى غير هذه المحكمة لكن استمرار الاتصالات مع الدول الصديقة، لا سيما اوروبا ودول الشرق، قد يخفف من غلواء الموقف الأميركي، الا انني اعتقد ايضا ان الرئيس الأميركي، في عام الانتخابات الاميركية، سيستمر في تصعيد موقفه ضد العرب اجمالا وضد سوريا بخاصة. ما يراه المفكرون والسياسيون ورجال القانون في سوريا يتقاطع الى حد كبير مع ما يراه التجار في هذا البلد، حيث لا يبدون اي اهتمام لمسألة فرض العقوبات الاقتصادية علي بلدهم من قبل الولايات المتحدة.

ويرى السيد بهاء الدين حسن عضو مجلس ادارة غرفة تجارة دمشق والعضو في البرلمان السوري ان مسألة العقوبات الاقتصادية على سوريا جاءت على خلفية قانون محاسبة سوريا الذي بني على ادعاءات واتهامات باطلة بأننا ندعم الارهاب، فلو ان الساسة في الولايات المتحدة  عادوا بالتاريخ الى الوراء لوجدوا ان سوريا المتهمة حاليا من قبلهم بدعم الارهاب، كانت من الدول الأولى التي عانت من الارهاب، ودفعنا الثمن وفي العام 1891 كانت سوريا اول دولة طالبت بعقد مؤتمر دولي لمكافحة الارهاب والقضاء عليه مع التمييز بين التحرير والمطالبة بالحقوق المشروعة التي اقرتها الأمم المتحدة وبين الارهاب بجميع اشكاله. لكن للأسف الشديد كانت الولايات المتحدة اول دولة عارضت عقد مثل هذا المؤتمر، فلو اخذت بوجهة نظرنا، وقتذاك، لما وصل العالم الى مثل هذه الكوارث بما في ذلك احداث 11 ايلول المؤلمة، ان معالجة الارهاب ليس بمكافحته عسكريا لاقتلاعه كما فعلت الولايات المحدة، في افغانستان، بل كان من الافضل معالجة اسباب الارهاب ودواعيه بالطرق السلمية، نحن في سوريا نعيش امناً واستقراراً ولنا أذن صاغية لسماع الرأي الآخر ولا نسمح ان يكون فرضا وهيمنة. اما في ما يتعلق بانعكاسات العقوبات الاقتصادية الأميركية علينا، ففي اعتقادي ان هذه العقوبات فاشلة ابتداء، ولن تتأثر سوريا كثيرا من هذه الاجراءات، لانه باستعراض العلاقات الاقتصادية بين البلدين نجد ان صادراتنا الى الولايات المتحدة بلغت ما يقارب 411 مليون دولار. فيما كانت وارداتنا تقارب الـ003 مليون دولار، موزعة على حوالى 200 مادة واكثر. كماانه لا توجد استثمارات اميركية كبيرة  في سوريا سوى في مجال استخراج النفط من قبل شركتين اميركيتين بحدود 005 مليون دولار. كما انه لا توجد ودائع سورية في اميركا. ولا توجد خطوط طيران مباشرة بين البلدين. ولو عدنا الى سنين سابقة لوجدنا ان العلاقات الاقتصادية مع اميركا محدودة جدا لوجود إنكماش من قبل الساسة الأميركيين باتجاه سوريا، اخيرا أؤكد بأن سوريا لا تبغي ولا تسعى الى تصعيد الخلافات مع اميركا، وانما تريد أن تكون علاقاتنا مبنية على الحوار واحترام السيادة والقانون، وبنظرة مساواة من الولايات المتحدة ستجد يد الصداقة ممدودة للتعاون نحو عالم افضل واكثر امانا من سياسة تطبيق العقوبات التي تركت اثارا غير طيبة في نفوس كل سوري وكل عربي وحتى على المستوى العالمي وبخاصة الأوروبي. ونحن على ثقة تماما ان اللحمة الوطنية السورية قادرة على مواجهة كل التحديات بعد تطبيق هذه العقوبات ومرد ذلك الى الحكمة وسداد الرأي للقيادة التاريخية للرئيس بشار الاسد في معالجة قضايانا ومواصلة عملية البناء والتنمية الوطنية الشاملة».

 واذا كان السياسيون والمفكرون ورجال القانون والاقتصاد يؤكدون ان العقوبات الاقتصادية الأميركية على سوريا، لن تؤثر كثيرا على الاقتصاد السوري، فإن الرئيس السوري قدم دليلا عمليا على هذا بمنحه زيادة للعاملين في القطاع العام مقدارها 02 في المئة من الراتب، وكذلك باحالته مشروع اقتراح تعديل  «قانون العاملين الموحد» الى البرلمان السوري، وذلك بغية رفع سقف رواتب عمال القطاع الحكومي الأمر الذي قوبل بارتياح كبير في الأوساط الشعبية في سوريا، وعمق التفاف الشعب السوري حول قيادته، في وقت غدت اللحمة الوطنية والانسجام الداخلي اهم ما تحتاجه سوريا.

 

 




 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2009 م -  اتفاقية استخدام الموقع