|
ادب الحوار
القرآني
المجادلة بالتي هي
أحسن أقصر الطرق الى قلب الخصم
حازم الحلي
هل لك عزيزي القارئ في رحلة نتنقل فيها في
حدائق القرآن الكريم؟ وسألفت نظرك وانت تتجول معي في هده الرحلة
الى ازهار في هذه الحديقة تكون بين يديك وعن جانبيك فوّاحة العبير
رائعة شذية ساحرة بجمالها تأخذ بمجامع القلب حتى ترى اي سر عظيم في
هذا الكتاب الخالد الذي يعطي كل قاصد اليه مقدار ما يتمكن ان يحمل
منه. لنبحث في هذه الحديقة الغنّاء عن ادب الحوار القرآني. فإن
اتفقنا فعلى بركة الله.
وُجد الحوار منذ اقدم العصور فتاريخه موغل في
القدم، فقد جرى الحوار بين الله سبحانه وملائكته قال تعالى: «واذْ
قالَ ربُّكَ للملائكةِ إنِّي جاعلٌ في الارضِ خليفةً قالوا اتجعلُ
فيها مَن يُفسدُ فيها ويَسفِكُ الدماءَ ونحنُ نسبّحُ بحمدك ونقدسُ
لكَ قال اني اعلمُ ما لا تعلمون»(البقرة:03).
وجرى بينه سبحانه وتعالى وبين ابليس «قال ما
منعَكَ الاَّ تسجُدَ اذْ امرتُكَ قال انا خيرٌ منه خلقتني من نارٍ
وخلقتَهُ من طين0 قال فاهبِط منها فما يكونُ لكَ ان تتكبّرَ فيها
فاخرُجْ انَّكَ مِنَ الصاغرين0 قال أَنظِرني الى يومِ يُبعَثون0
قال انَّكَ من المُنظَرين0 قال فَبما اغويتَني لأقعُدَنَّ لهم
صراطَكَ المستقيم0 ثمّ لآتينَّهُم من بين ايديهِم ومن خلفهِم وعن
أيْمانِهِم وعن شمائِلهِم ولا تجِدُ اكثرَهُم شاكرين0 قال اخرُجْ
منها مذءوماً مدحوراً لمَن تبِعَكَ منهم لأملأنّ َجهنم منكُم
اجمعين»(الاعراف:21ـ 81)
ودار الحوار بين الله سبحانه ورسله، وبين الرسل
واقوامهم على ما سنرى في هذا البحث.
للحوار اسماء مختلفة
وحصول الحوار امر طبيعي جداً لاختلاف وجهات
النظر . فكل مخلوق يختلف عن بني جنسه، فالواحد لا يتكرر، فكما
تختلف بصمات ابهام الانسان ورائحة جسده وقزحية عينيه وملامح وجهه
وبشرته يختلف تفكيره ولا يستطيع احد منع الانسان من التفكير، فإذا
فكر اختلف في وجهة نظره مع غيره فبدأ الحوار، ومن الخطأ نزع افكار
الآخر بالقوة، ولكن نسلك معه سبيل الحوار. وللحوار اسماء مختلفة عن
بعضها قليلا او كثيرا فمن اسمائه:
1ـ الحوار والمحاورة
وهو المُرادّة في الكلام، ومنه التحاور(المفردات في غريب القرآن -
حور - 241) ومراجعة المنطق والكلام في المخاطية(لسان العرب - حور
-).
وقال تعالى «واللهُ يسمعُ
تحاوُرَكُما»(المجادلة:1). وتحاروا: تراجعوا في الكلام بينهم
(القاموس المحيط - حور-).
2ـ الجدل وهو المفاوضة
على سبيل المنازعة والمغالبة واصله جدلت الحبل اي احكمت فتله، ومنه
الجديل. وجدلت البناء احكمته والاصل في الجدل الصراع واسقاط
الانسان خصمه على الجدالة وهي الارض الصلبة (المفردات في غريب
القران - جدل- 79). والجدل اللَّدَدُ في الخصومة والقدرة عليها.
جادله فهو جدِل (القاموس المحيط - جدل-). والجدَل مقابلة الحجة
بالحجة والمجادلة المناظرة والمخاصمة (لسان العرب - جدل-). قال
تعالى:«وجادلهُم بالتي هيَ احسنُ» (النحل:521) «وإن جادَلوكَ فقل
اللهُ اعلمُ بما تعمَلون» (الحج:86) «ولا جدالَ في
الحج»(البقرة:791) «ما ضَرَبوه لكَ إلاّ جَدلا» (الزخرف:85).
3ـ الامتراء: ويراد به
المحاجة فيما فيه مِرية، والمرية التردد في الامر وهو اخص من الشك.
واصله مريت الناقة اذا مسحت ضرعها (المفردات في غريب القرآن : مرى
- 96). قال تعالى: «قولَ الحقِّ الذي فيه يمْتَرون» (مريم:43) «افَتُمارونَهُ
على ما يرى» (النجم:21) «فلا تُمارِ فيهِم إلاَّ مِراءً ظاهراً»
(الكهف:22)
4ـ المناظرة وهي
المباحثة والمباراة واستحضار كل ما يراه الانسان ببصيرته والنظر:
البحث وهو اعم من القياس، لأن كل قياس نظر (المفردات في غريب
القرآن: - نظر- 005) وتناظرا تقابلا (القاموس المحيط: - نظر-)
والمناظرة ان تناظر اخاك في امر اذا نظرتما معا كيف تأتيانه (لسان
العرب: - نظر-).
المنهج السليم
يذكر ان اول من وضع قواعد الجدل ارسطو (ت
223ق.م) وقد اطلق على كتابه الجدل. ويعد الفخر الرازي (ت 606 هـ )
وركن الدين محمد بن محمد المحيدي (ت016هـ) من اقدم من الّف في
المناظرة (وفيات الأعيان: 4/75،وآداب البحث والمناظرة: 3 وما بعدها).
ويعلم القرآن الكريم رسول الله (ص) ومن اتبعه
من المسلمين المنهج السليم في ادب الحوار والجدال بقوله تعالى:
«ادعُ الى سبيلِ ربِّكَ بالحكمةِ والموعِظةِ الحَسَنةِ وجادِلهُم
بالتي هي احسنُ»(النحل:521). ذلك هو سبيل الدعوة الى الله والحوار
السليم قال تعالى: «ولا تجادلوا أهل! الكتاب الاّ بالتي هيَ احسن»
(العنكبوت:64)
قدّم لنا القرآن الكريم اسلوبا حواريا قائماً
على سمو الخلق مترفعا عن الانحدار الى القذف والاسفاف والتراشق
ببذيء القول، واراد القرآن ان يترفع المسلمون في حوارهم مع اهل
الكتاب عن اسلوبهم المنحط وان يقابلوا خشونة اخلاقهم بالصدر الرحب
المترفع عن الانحدار الى مستواهم.
ولا تجدن منصفا في الحوار بعيدا عن التعصب
كالقرآن الكريم. قال تعالى: «وإنّا أو إيّاكُم لعلى هدىً أو في
ضَلالٍ مُبين» (سبأ:42). فقد اراد القرآن من المسلم عدم التعصب
لرأي تبناه مسبقا والا يستهجن الرأي الآخر بل يقول لخصومه نحن
نتحاور وإنّ احد الطرفين على هدى والآخر على الضلال ولم يحدد المحق
مسبقا ولم يعين المبطل، ويطلب من المسلمين ان يتحلوا بأعلى درجات
الاخلاق وضبط النفس مع اعتى خصومهم.
إنّ هذا المنهج من الحوار لهو ذروة العدل
والانصاف ومنتهى الحكمة وهو من ارقى ادب الحوار والجدل، لأن خصمك
عندما يجدك مسبقا متعصبا لرأيك الذي تبنيته وتحكم عليه بالزيغ
والضلال سينفر منك ولا يفتح لك اذنه ويوصد باب قلبه ولا يستمع الى
حديثك ويهاجمك بكل ضراوة وعنف.
لقد علمنا القرآن الحوار السليم بقوله تعالى
«قل لا تُسألونَ عمّا أجرَمنا ولا نُسأَلُ عمّا تعمَلون0 قلْ
يَجمعُ بينَنا ربُّنا ثمَّ يفتَح بينَنا بالحقِّ وهو الفتّاحُ
العليم»(سبأ:52ـ 62). يطلب من المسلمين مخاطبة خصومهم خطابا ليناً
هادئاً حكيما، يقول لهم: هَبوا اننا اجرمنا فإنكم لن تسألوا عن
جريمتنا ولن تتحملوا اوزارنا «ولا تَزِرُ وازرةٌ وِزْرَ أُخرى»
(الانعام:461،الاسراء:51، فاطر:81، الزمر:7). لقد اعلنها القرآن
صريحة «ولا تزر وازرة وزر اخرى» مؤكداً ان هذا في صحف ابراهيم
وموسى (ع) بل لا يحمله عن صاحبه احد «ولو كان ذا قُربى»(فاطر:81)،
بله الخصم الذي لا يتحمل وزر خصمه، وطلب القرآن من المسلمين الا
ينسبوا لخصومهم الجريمة بل يقولوا لهم «ولا نُسأل عمّا
تعملون»(سبأ:52) يسميه عملاً حتى لا يستفزّهم.
إنّ هذا جانب آخر من جوانب اعجاز القرآن الذي
نزل على رجل يعيش في مجتمع لا يعرف الا لغة السيف وتتحكم فيه شريعة
الغاب، فيفتك قويهم بضعيفهم ويعمل احدهم بقانون:
وهل انا الا من غَزية إن غَوَتْ
غَويتُ وإن تُرشَدْ غزيةُ أُرشدُ
(والبيت لدريد بن الصمة
من قصيدة يرثي فيها أخاه عبد الله: الاغاني:01/01-21)
ويعمل بمنهجية:
اذا بلغ الفطام لنا صبيا تخر له الجبابرة
ساجدينا
(القصيدة لعمرو بن
كلثوم من معلقته: شرح المعلقات السبع: 911-391)
واذا بهذا المجتمع يفاجأ بأسلوب حواري هادئ
سَمِح سماحة الاسلام، متزن عقلاني. فمن اين جاء الورد ونبت بين
الاشواك؟! وكيف تغلب في النهاية الورد على الشوك؟! والقاعدة تقول:
واذا نبت ُ البطاح اختلفا غلب الشوك على
الورد الجني
(البيت للشاعر العراقي
السيد محمد سعيد الحبوبي من موشحة له)
جاءهم رسول الله (ص)
يحمل لهم في حواره معهم قول الله تعالى:«وإن كذَّبوكَ فقل لي عملي
ولكم عملَكُمْ أنتُم بريؤونَ ممّا اعملُ وأنا بريءٌ مِمّا
تعمَلون»(يونس:14). انها دعوة الحق فلا يجد خصمه الا الاذعان لها
او المكابرة.
الانصاف والوعي
من ادب الحوار القرآني الابتعاد عن التعالي على
الخصم «قل اللهُ يُحييكمْ ثمَّ يُميتُكمْ ثمَّ يَجمعُكُم الى يومِ
القيامةِ لا رَيْبَ فيه»(الجاثية:62).
انه الحوار المهذب البعيد عن السباب والفحش
والطعن «قل يجمعُ بيننا ربُّنا ثمَّ يفتحُ بينَنا بالحقّ وهو
الفتاحُ العليم»(سبأ:62).
انه الانصاف والهدوء او اخذ الخصم بالأسلوب
الليّن الحكيم والابتعاد عن السخرية والهمز واللمز «ويلٌ لكلِّ
هُمَزةٍ لُمَزةٍ»(الهمزة:1).
ويريد القرآن للحوار ان يصدر عن علم ووعي اذ ان
المتحاور يجب ان يكون ذا دراسة وثقافة والمام بالموضوع الذي يتحاور
فيه قال تعالى:«يا أهلَ الكتابِ لمَ تُحاجّون في ابراهيمَ وما
أُنْزِلَتِ التوراةُ والإنجيلُ إلاّ من بعدهِ أفلا تعقِلونَ0 ها
أنتم هَؤلاءِ حاججتُم فيما لكم به عِلْمٌ فلمَ تُحاجّون فيما ليسَ
لكم به علمٌ واللهُ يعلمُ وانتمْ لا تعلمون»(آل عمران:56ـ66).
والمتحاور مُطالب الالتزام بالحوار العلمي فإن
كان ناقلا فيلتزم الامانة العلمية في صحة النقل، وان كان مدّعيا
فعليه تقديم البينة وان يبتعد عن التضاد مع دعواه ولا يتناقض في
اقواله مع مُدّعاه.
وهناك ثوابت يتفق عليها الطرفان يجب الاذعان
لها والتسليم بها من قبل الطرفين. والمحاور الحصيف العالم يقبل
بالنتائج التي يفضي اليها الحوار. يعلمنا القرآن كيف نتحاور حوارا
علمياً هادئا مستعملين اللين مع الطرف الآخر مهما كان. قال تعالى:
«قلْ يا أهلَ الكتابِ تعالَوا الى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينَكمْ ألا
نعبُدَ إلا اللهَ ولا نُشرِكَ به شيئاً ولا يتَّخذُ بعضُنا بعضاً
ارباباً مِن دونِ اللهِ فإنْ تَوَلَّوا فقولوا اشهدوا بِأنّا
مُسلِمون»(آل عمران:46). انها دعوةٌ لتوحيد الله، وهي دعوة
الانبياء جميعاً والاّ نطيع الاحبار والرهبان بما حرفوا من كتب
السماء (فإن تولوا) عن التوحيد وجنحوا الى الشرك فقولوا لهم لزمتكم
الحجة فاعترفوا بأننا مسلمون دونكم واعترفوا بأنكم كافرون بما نطقت
به الكتب وتطابقت عليه الرسل (الكشاف: 1/892، وتفسير
البيضاوي:1/461). انها دعوة كريمة لخير حوار وانصفه واهدئه يسير
على نهج: «ادفع بالتي هي احسنُ فإذا الذي بينَكَ وبينَهُ عَداوةٌ
كأنّهُ وليٌّ حميم»(فصلت:43).
هكذا علمنا القرآن ان نتحاور مع اهل الكتاب
فكان من باب اولى ان يكون الحوار مفتوحا بيننا نحن المسلمين ولكن
الحاصل غير هذا فالمسلم يقاطع اخاه المسلم ولو انتهى الامر عند
القطيعة لهان علي ما القى ولكن تعالوا وانظروا بمن ابتلاني!!
هناك كتب تؤلف ـ مع الاسف ـ لشتم المسلمين يشتم
فيها المسلم اخوانه المسلمين ويرميهم بكل شنيع فإذا الّف كتابا
كهذا حسب انه فتح فتحا مبينا كأنه لم يسمع قوله تعالى: «ولا
تجادلوا اهلَ الكتابِ إلاّ بالتي هي احسن»(العنكبوت:64) وكأن هؤلاء
المسلمين اقل شأنا من اهل الكتاب.
قواعد عامة
لقد وضع القرآن القواعد العامة في الحوار كما
وضع القواعد العامة في الاخلاق، قال تعالى:«خُذِ العفوَ وامُرْ
بالعُرفِ وأعرِضْ عن الجاهلين»(الاعراف:991). انها مكارم الاخلاق
يوجه بها القرآن رسوله(ص) ومن ورائه المسلمين بالحلم والعفو وكظم
الغيض بل دعاهم الى ان يتَّسِموا بالاحسان الى من اساء اليهم وهذه
صفة ا لمحسنين الذين قال تعالى عنهم: «والكاظمينَ الغيظَ والعافينَ
عن الناسِ واللهُ يحبُّ المحسنين»(آل عمران:431).
تجد في القرآن ادباً حوارياً لا تجده في غيره
وتجد هذا النمط من الحوار مع فرعون الذي وصفه بأنه طغى وعلا في
الارض وجعل اهلها شيَعا وكان من المسرفين ومن المفسدين، قال تعالى:
«اذهبْ الى فِرعَونَ إنّهُ طغى0 فَقلْ هلْ لكَ إلى أنْ تزَكَّى»
(النازعات:71-81) «إنَّ فرعَونَ علا في الارضِ وجعلَ أهلَها
شِيَعاً»(القصص:4)، «وإنَّ فِرعَونَ لَعالٍ في الارضِ وإنَّهُ لمنَ
المُسرفين»(يونس:38)، «إنَّه كانَ منَ المُفسدين»(القصص:4). مع هذا
كله فإن الله سبحانه وتعالى ترك له باب التوبة مفتوحا عسى ان يتوب
الى رشده فيهتدي. وبعث اليه موسى وهارون (ع) واوصاهما بأن يكونا
لينين معه: «اذهبا الى فِرعونَ إنّهُ طغى0 فقولا لهُ قَولاً
ليِّناً لعلَّهُ يتذكَّرُ أو يخشى»(طه:34 ـ44). ان هذا لهو المثل
الاعلى في ادب الحوار، هكذا يريد الله سبحانه وتعالى ان يكون
الحوار حتى مع اعتى طواغيت الارض.
وهكذا علم القرآن رسول الله (ص) وعلمنا ادب
الحوار مع المشركين ومع اهل الكتاب يرقى الى ذروة الادب في الحوار
فلا يستخف بهم ويسفه احلامهم ولا يشتمهم. وجرى الحوار حتى مع
الشيطان كما رأينا.
وهكذا سار الرسل في حوارهم مع اقوامهم على
المنهج الذي رسمه الله سبحانه وتعالى ، فهؤلاء قوم عاد بأسلوبهم
الخشن مع نبيهم هود(ع) واسلوبه الهادئ معهم: «قالَ المَلأُ الذينَ
كفروا من قَومِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ منَ
الكاذبينَ0 قالَ يا قومِ ليسَ بي سَفاهةٌ ولكنِّي رسولٌ من ربِّ
العالَمين0َ أُبَلِّغُكُمْ رسالاتِ ربي وأنا لكم ناصِحٌ أمينٌ0
أَوَ عَجَبتُمْ أنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ من رَبِّكُمْ على رجُلٍ منكُمْ
لِيُنذِرَكُم واذكروا اذْ جعَلَكُمْ خُلَفاءَ من بعدِ قومِ نوحٍ
وزادَكُمْ في الخَلْقِ بَسْطةً فاذكروا آلاء اللهِ لَعَلَّكُمْ
تُفلِحونَ»(الاعراف:66 ـ 96) وكان المنتظر ان يستجيبوا لنبيهم لو
كانوا يعقلون، لكنهم ركبهم الشيطان والغرور بدافع جهلهم واستحوذ
على قلوبهم الشيطان لذلك «قالوا أجِئتَنا لِنَعبُدَ اللهَ وحدَهُ
وَنَذَرَ ما كان َ يَعْبُدُ آباؤنا فَأْتِنا بما تعِدُنا إن كنتَ
من الصّادقينَ»(الاعراف:07).
هكذا هو شأن الجاهلين يريد الانبياء ارشادهم
الى طريق الخير فيأبون الا الضلال.
عند نوح
وعلى هذا المنهج الذي وجه الله به انبياءه سار
في الحوار شيخ الانبياء نوح (ع) كما يقصه القران الكريم «لقد
ارسلنا نوحاً الى قومِهِ فقالَ يا قومِ اعبدوا اللهَ ما لكم من
إلهٍ غيرُهُ إني أخافَ عليكُم عذابَ يومٍ عظيم» (سورة الاعراف:95).
فبماذا قابلوا هذه الدعوة المخلصة لإنقاذهم من
عذاب الله؟
لقد انحازوا الى جهلهم وطغيانهم ونسبوا الضلال
الى نبيهم نوح (ع) «قال الملأُ من قومهِ إنّا لنراكَ في ضلالٍ
مبين» (سورة الاعراف:06). فكيف قابل شيخ الانبياء جهلهم هذا؟ قابله
بالاسلوب الهادىء الرصين «قال يا قومِ ليسَ بي ضلالةٌ ولكنّي رسولٌ
من ربِّ العالمين0 اُبلِّغُكم رسالاتِ ربي وأنصحُ لكم وأعلمُ من
الله ما لا تعلمون» (سورة الاعراف:16-26).
فماذا كانت النتيجة؟ هل استجابوا لنداء العقل
وسمعوا قول المرشد الناصح؟ كلا بل «قالوا لئنْ لم تنْتَهِ يا نوحُ
لتكوننَّ من المرجومين» (سورة الشعراء:611) أرأيت كيف يرفض الضالون
الهداةَ ويقولون لهاديهم الداعي الى دين الله اذا لم تترك دعوتنا
«لتكونن من المرجومين»، واكثر من هذا فانهم يستعجلون العذاب «قالوا
يا يانوحُ قد جادلتَنا فأَكْثَرْتَ جدالنا فأْتِنا بما تعِدُنا إن
كنتَ من الصادقين» (سورة هود: 23)، فقابل نوح ذلك التعنت بالحلم
«قالَ ربِّ إن قومي كذَّبونِ0 فافتح بيني وبينَهفم فتحاً ونجّني
ومَن معي من المؤمنين» (سورة الشعراء:711-811).
عند ابراهيم
وعلى هذه السنن سار ابو الانبياء ابراهيم(ع) في
حواره مع قومه كما نقل القرآن الكريم «واذكر في الكتاب ابراهيمَ
انهُ كان صدِّيقاً نبيا0 اذ قالَ لأبيهِ يا أبتِ لمَ تعبدُ ما لا
يسمع ولا يُبصر ولا يُغني عنك شيئا0 يا أبت إني قد جاءني من العلم
ما لم يأتِكَ فاتَّبعني أهدِكَ صراطاً سويّاً0 يا أبت لا تعبدِ
الشيطانَ إنّ الشيطانَ كان للرحمن عَصيَّا0 يا أبتِ إني أخافُ أن
يمسَّكَ عذابٌ من الرحمنِ فتكونَ للشيطانِ وليّا» (سورة
مريم:14-54)، انه خطاب هادىء يعلوه الاحترام ويزينه الادب ويحفه
الخضوع وهو يخاطب آزر(×)، قال تعالى: «واذ قال ابراهيم لأبيه آزر
أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين» (سورة
الانعام:47)، وكان يخاطبه بعبارة: يا أبت، حتى كررها أربع مرات لما
فيها من الاستعطاف عسى ان يستميله الى طريق الحق، فقال: «اني اخاف
ان يمسّك عذاب من الرحمن» عسى ان تشمله رحمة الرحمن بدلا من عذابه.
هل سمع آزر صوت العقل فأجاب دعوة الداعي وقبل نصيحة الحريص عليه؟
لا أبداً بل «قال أراغبٌ أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنتهِ
لأرجُمنَّك واهجرني مليّا» (سورة مريم:64) فهو أنذر ابراهيم بالرجم
إن لم يتركه. انه لم يستجب لهذه الدعوة الصالحة، ولم ينته من شركه
ولكنه يطلب من ابراهيم أن يترك ايمانه. سبحان الله!! ويأبى ابراهيم
الهادئ الرقيق الا الرفق به: «قال سلامٌ عليك سأستغفرُ لك ربي إنه
كان بي حفيّا» (سورة مريم:74) سلام عليك بما أنت عليه من جهل
وضلال، هكذا هو ادب الحوار في القرآن: «ادفع بالتي هي احسن إاذا
الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم» (سورة فصلت:43).
يلهم الله سبحانه وتعالى انبياءه وعباده
الصالحين الاجوبة القاطعة في حوارهم مع الطواغيت وغيرهم.
قال تعالى: «المْ ترَ الى الذي حاجَّ ابراهيمَ
في ربِّهِ أنْ آتاهُ اللهُ الملكَ اذْ قالَ ابراهيمُ ربِّي الذي
يُحيي ويُميت قالَ أنا أُحيي وأُميت قالَ ابراهيمُ فإنَّ اللهَ
يأتي بالشمس من المشرقِ فأت بها من المغربِ فبُهِت الذي كفرَ
واللهُ لا يهدي القوم الظالمين»(البقرة:852) لقد كان الحوار
القرآني هادئا وبأدب وبحجة قاطعة لم تترك للطرف الآخر الفرصة
(فبهت) لأنه ما كان يتوقع ان يفاجأ بمثل هذا السؤال. ولو تتبعت
حوار موسى مع فرعون وحوار لوط وشعيب مع اقوامهم وكذلك سائر
الانبياء لوجدت الحوار يجري وفق هذا المنهج. انهم يمثلون قمة الادب
في الحوارويقابلهم الفراعنة بالطغيان واقوامهم بالجهل. لقد جاء
موسى (ع) يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر الذي كانوا يرتكبون
«قالوا اخرجوهُمْ من قريتِكمْ إنّهم أُناسٌ يتطهّرون»(الاعراف:28)
ذنبهم انهم يتطهرون، انظر كيف انقلبت الموازين! بل اكثر من هذا
«قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكوننَّ من المُخرجين0 قال إني
لِعَمَلِكم من القالين0 ربِّ نجني واهلي مما يعملون»(الشعراء:761 ـ
961)
عند خاتم الانبياء
اما خاتم الانبياء والمرسلين محمد (ص) فقد
تحمّل من قومه من الاذى ما لا يصبر له إلا من اوتي مثل ارادته
وصبره، فقد جاءهم يدعوهم الى التوحيد ونبذ عبادة الاوثان فقال الله
تعالى لهم: «لقد جاءكم رسولٌ من انفُسِكمْ عزيزٌ عليه ما عنِتُّمْ
حريصٌ عليكم بالمؤمنينَ رؤوفٌ رحيمٌ» (التوبة:821). لقد ابتلي
رسول الله (ص) بالمشركين وباليهود الذين جاوروه في المدينة
وبالطابور الخامس من المنافقين. وقد بعثه الله رسولا للناس «يتلو
عليهم آياتِهِ ويُزكّيهم ويعلِّمُهُمُ الكتابَ والحكمةَ»
(الجمعة:2) فكان يدعوهم الى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة
ويدفع بالتي هي احسن والقرآن معه يقول: «قلْ لا اقولُ لكم عندي
خزائنُ اللهِ ولا اعلمُ الغيبَ ولا اقولُ لكم إني مَلَكٌ إنْ
اتَّبِعُ إلا ما يوحى إليَّ» (الانعام: 05). ما كان يريد ان يتبعوه
من اجل المال ولا يريد خداعهم بادعاء علم الغيب فهم لا يملك
مفاتيح خزائن الارض ولا يعلم الغيب وليس من الملائكة انما هو بشر
يوحى اليه فحاربوه واتهموه بالجنون وبأنه ساحر او شاعر فقالوا «يا
ايُّها الذي نُزِّل عليه الذِّكْرُ إنَّك لمجنون» (الحجر:6)
وتألبوا على حربه بكل الوسائل «إنَّهم كانوا إذا قيلَ لهمْ لا إلهَ
إلا اللهُ يستكبرونَ0 ويقولونَ أَئِنّا لَتاركوا آلهتِنا لشاعرٍ
مجنون» (الصافات:53-63) كذبوه وآذوه فما اساء لهم في حواره معهم
وكان القرآن يوصيه «فأعرِضْ عنهم وعِظهُم وقلْ لهم في أنفُسِهِم
قولا بليغا»(النساء:36) ولما اتهموه بأنه على ضلال قال له القرآن
«قلْ ربّي اعلمُ مََن جاءَ بالهُدى ومَن هوَ في ضَلال ٍ مُبين»
(القصص: 58) وما قال لهم انتم على ضلال وانا على هدى «وإنْ
كذَّبوكَ فقلْ لي عملي ولكم عملُكُمْ انتُم بريئونَ مما اعملُ وانا
بريءٌ مما تعمَلون» (يونس:14) انه الحوار الهادئ الخالي من
الانفعال انها دعوة الحق التي قابلها المشركون بالعناد واتهموه
بانه افترى القرآن «أَمْ يقولونَ افتراهُ قلْ إنِ افْتَرَيتُهُ
فعَليَّ إجرامي وأَنَاْ بريءٌ مما تُجرِمون»(هود:53) هكذا يقتضي
الانصاف فأنا اتحمل وزري وانا بريء من شرككم ثم يقطع عليهم الطريق
في الاحتجاج بما علمه الله «فإنْ حاجّوكَ فقلْ اسلمتُ وَجهيَ للهِ
ومَنِ اتَّبَعَني» (آل عمران: 02)، «قلْ كفى باللهِ شهيداً بيني
وبينَكُمْ إنَّهُ كانَ بعبادِهِ خبيراً بصيراً» (الاسراء: 69). قد
انصفهم غاية الانصاف في حواره معهم بما وجهه القرآن «قلْ يا أيُّها
الكافرون0 لا اعبُدُ ما تعبُدون0َ ولا انتم عابدونَ ما اعبدُ0 ولا
أَنَاْ عابدٌ ما عبَدتُّمْ0 ولا أنتم عابدونَ ما أعبدُ0 لكمْ
دينُكُم وليَ دينِ» (الكافرون:1-6)، ولكنهم لم يثوبوا الى رشدهم
ولم يرجعوا الى عقولهم ولم يأخذوا سبيل الرشاد الذي دعاهم اليه
رسول الله (ص) في حوار هادئ رصين.
وفي حواره مع اليهود يوجهه القرآن ليقول لهم:
«قل يا ايُّها الذينَ هادوا إنْ زعَمتُم أنًَّكُمْ اولياءَ للهِ من
دونِ الناسِ فتمنَّوا الموتَ إن كنتَم صادقين» (الجمعة:6). وعندما
سأله النصارى عن المسيح(ع) قال له القرآن: «إنَّ مَثَلَ عيسى عندَ
اللهِ كمَثَلِ آدمَ خلقَهُ من تُرابٍ ثمَّ قالَ له كنْ فيكونُ0
الحق"ُّ من ربِّكَ فلا تكنْ منَ المُمتَرينَ» (آل عمران:95-06)،
فلما انكروا عليه ذلك قال له: «فمَن حاجَّكَ فيهِ من بعدِ ما
جاءَكَ مِن العلمِ فقلْ تعالَوْا ندعُ أبناءَنا وابناءَكُمْ
ونساءَنا ونساءَكُمْ وأنفُسَنا وأنْفُسَكُم ثمَّ نَبْتَهِلْ
فنجْعلْ لعنةَ اللهِ على لكاذبين»(آل عمران:16) فأسقط في ايديهم
ولم يجدوا امام هذه الحجة القاطعة الا الموافقة على المباهلة، فلما
جاءهم محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي (ع)
يمشي خلفها (71) ورأوا الايمان على تلك الوجوه الطاهرة طلبوا منه
عدم المباهلة واذعنوا وسلموا الجزية وهكدا انتصر الحوار الهادئ
المتزن.
|