العدد

157 :

الثلاثاء, يناير 6, 2009 - 9:38 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

ما لم يحجبه الحجاب

بدي ولد ابنو×

ليس مستبعدا أن يكون الفيلسوف الفرنسي آلين باديـــــو قد سجّل من خلال مقاله «خلف القانون اللحافي (يقف) الخوف» (لوموند 22 شباط- فبراير 2004) أهم المواقف التي أنجبها ما يمكن أن نسميه «أدبيات الحجاب الفرنسي». بل قد يكون مقاله أحد النصوص القلائل التي لن تنمحي عندما تنتهي هذه الضجّة. وكان الفيلسوف الغريب الأطوار رجـــيس دوبــري قد نشر في الفترة نفسها كتابا بعنوان «ما يحجبه عنا الحجاب» لم يهتم فيه ـ على النقيض مما قد يوحي به عنوانه ـ سوى بترديدٍ «مؤنسقٍ للأفكار النمطية الحجابية نفسها» التي تملأ الصحافة الفرنسية منذ بدايات ربيع السنة الماضية والتي تدور كلها حول الأقانيم  الثلاثة التقليدية: الخطر الاسلامي والطائفي  والعلمانية المهددة والاندماج الجمهوري المعطل.

عدوى الاسلاموفوبيا

 لم يأت مقال باديـــو رداً ضمنياً فقط على «صديقه» القديم دوبـــري، ولكنه أراد أن يكون مرافعة شاملة في وجه كل الأصوات التي ركبت هذه الموجة والتي لم يتردد في نسبتها إلى من عدّدهم بسخرية لاذعة: «شيراك والاشتراكيين والنسويات ومثقفي الأنوار الذين أصابتهم عدوى الاسلاموفوبيا». والحق أن هذا المقال الموزع على 23 فقرة مرقّمة لا يكف عن استعمال كل صيغ السّخرية من هؤلا ء الذين وجدوا «أخيرا لفرنسا مشكلة على قدرها: اللحاف الذي تضعه بضع فتيات على رؤوسهن»، سخرية من «الغيظ المشتعل الذي تحتفظ به أعداد من  النسويات للقلة الملتحفة إلى الحد الذي أخذن معه يترجين السوفياتي شيراك المنتخب بـ 82 في المئة أن يعيث باسم القانون، في الوقت الذي يتم فيه ابتذال الجسم الأنثوي، وتعرف فيه الصور الخليعة الأكثر إذلالا للإنسان تسويقا كونيا». سخرية من الاستدلالات المتّبعة،  من هذا الاهتمام المنقطع النظير بالحجاب إلى درجة وضْع علْم منطق عجيب خاص به، «منطق المنطلقات المتجددة»، حيث يتم تغيير أسس الاستدلال بحسب الحاجة. «فينبغي مثلا تحريم الحجاب لأنه يعطي سلطة للذكور، للأب أو للأخ الأكبر، على هؤلاء الفتيات أو النساء. فليتم إذن إبعاد اللواتي يصررن على ارتدائه. في الخلاصة: هؤلاء الفتيات أو النساء مضطهدات فليعاقبن، كأن يقال مثلا: هذه المرأة تعرّضتْ للاغتصاب فلنسجنها. (...) أو على العكس: إنهنّ هنّ اللواتي اخترن بحرية أن يرتدينه، هذا الحجاب اللعين، الخارجات، المنحطات (...) فينبغي أن ينزع لا ئكيا».

قد يبدو باديــو أحيانا مبالغاً في استفزاز الرأي العام الغربي والفرنسي، وقد تبدو بعض العبارات اختزالية: «في الواقع فإن القانون اللحافي لا يعبِّر إلا عن شيء واحد: الخوف. الغربيون بشكل عام والفرنسيون بشكل خاص لم يعودوا سوى فصيل مرتجف من الفزعين. ممن يخافون؟ من البرابرة كالعادة. (...) لماذاَ يخافون ؟ لأنهم مذنبون ولكنهم يدعون البراءة أمام أنفسهم. (...) لكل حَرْبه التي يستحقّ. في هذا العالم الذي يخدّره الخوف فإن كبار الأشرار يقصفون بلا رحمة البلدان المنهكة، والأشرار الأقل شأنا يمارسون الاغتيال الموجّه لمن يزعجونهم. أما صغار  صغار الأشرار فيصوغون قوانين ضد الحجاب. سيقال إنّ ذلك أقل جسامة. فعلا. إنه أقل جسامة. أمام الفقيدة محكمة التاريخ سنمنح شروط التخفيف: أخصائي في تصفيف الشعر. لم يلعبْ في القضية سوى دور صغير».

النقدية الفرنسية

 ولكنّ ما يعلل لهجة آلين باديــو هو إصراره البيّن من خلال تكثيف وقْع مرافعته على تأجيج رغبة الفرنسيين في استعادة القدرة النقدية التي ميزت أبرز ما قدمتْه ثقافتهم الحديثة. ومن ثم فلا ينبغي في نظرنا الإصغاء إلى صوته كشهادة شاهد من أهلها بل كنموذج لما يعنيه ويتغياه النقد الذاتي. إنه تقريع الضمائر حتى تنظر في المرآة النقدية وتقاوم البدائية القبلية التي يمثلها رفض الآخر بما هو آخر. همّه هو تخفيف أثر المغناطيس الدعائي والإعلامي لهؤلاء الذين ظل الراحل بييـــر بورديــي يسميهم «بالدكازفة» أي بمحبي المسبقات ويعني بهم المافيات «الفلسفية» الاعلامية التي يجسّد «الفلاسفة الجدد»، أو من كانوا قد أطلقوا هذا الاسم على أنفسهم منذ أزيد من عقدين،  قطبها الأكثر شراسة.

جاء صوت باديــــو الأقوى والأكثر صراحة وجرأة ربما بحكم المكانة المركزية التي يتمتّع بها بين الفلاسفة والكتاب الفرنسيين دون أن يعني ذلك أنه الوحيد الذي وقف في وجه التيار الاسلاموفوبي الجارف ولا الوحيد الذي لم يحجب عنه الحجاب الأهداف التي لم تعد يخفيها بعض المافيات الاعلامية المتنفّذة في فرنسا، فقد كادت تتعادل في الصحافة الفرنسية الأصوات المناهضة لمنع الحجاب والأصوات المؤيدة لتقنين المنع. هذا بالرغم من أن ميزان القوى الراهن مال ومازال يميل لصالح الأخيرة. هكذا كانت ميزة مقال باديــو الذي أثار ويثير تعليقات إيجابية متزايدة هو الجرعة النقدية المركّزة التي تصدى من خلالها للنغمة التمجيدية ذات اللهجة العاطفية. إذْ أن هذه الأخيرة تمثل الرصيد الأساس الذي تستثمره العناصر الاسلاموفوبية النافذة في وسائل الاعلام الفرنسية. وهي عناصر منحتْها قضية الحجاب فرصة نادرة لاستعادة سطْوتها على الرأي العام الفرنسي بعد أن كانت الحرب على العراق قد أبعدتْه عنها وخلقت هوة بدت لأول وهلة عسيرة الردم. بل إن عودة قضية الحجاب إلى الواجهة جاءت «معجزيا» غداة إعلان نهاية الحرب على العراق لتمكن هذه العناصر من تدارك الموقف. فلم يعد يخفى على هؤلاء منذ ظهرت قضايا الحجاب الأولى العام 1989 ما لها من قدرة على تأليب الرأي العام الفرنسي بيمينه ويساره على مسلمي «الداخل» كما على مسلمي الخارج. هذا في الحين الذي يشعر فيه هؤلاء أنهم في أمس الحاجة إلى هذا التأليب بالنظر إلى أن الاجماع ضد الحرب على العراق وتصاعد المد التعبوي للجموع الأوروبية المناهضة للحرب الأميركية وتعاظم المكانة الاعتبارية التي تتمتع بها فرنسا في العالم العربي قد سمحت كلُُّها هذه المرة للمسلمين الفرنسيين باندماج لا سابق له في الرأي العام الفرنسي مما خلق تناغما وانسجاما يتعارضان جذريا مع الاستراتيجيات الأم لاؤلئك المتنفّذين. وبالرغم من قلّة من تجاسر من الأسماء المعروفة على تأييد الحرب الأميركية على العراق والوقوف علنا في وجه الرأي العام الفرنسي إذ لم يزد عددهم على الأربعة، فإن قضية الحجاب قد أنهت موسم الاختفاء والتحرز. السؤال التلقائي والمعقّد في آن هو كيف شاءت "المصادفات» أن تطفو فجأة قضية الحجاب على السطح غداة الحرب على العراق؟ أي كيف مكّنت حادثة مؤتمر «البرجي» من جعْل الحجاب منذ تلْك اللحظة موضوع الساعة الدائم، بل موضوع الساعات الطويلة الذي لا سبيل إلى تخطيه؟

قبْل أن نعود إلى هذا السؤال الشائك في حديث آخر سنبادر ونقرّر منذ الآن دون تحفّظ أن أغلب الردود المتشنجة والانفعالية للعرب والمسلمين على قضية الحجاب كانت نوعا من الوقوع في الفخّ المنصوب مسبقا. فمعظمها جاء بلا مواربة مشاركة سخية في الاستراتيجية الإعلامية التي يحاول من خلالها أصحابها تجميد الرأي العام الفرنسي والأوروبي وفك خيوط الارتباط العربي الفرنسي الذي نسجتْه ـ بين عناصر أخرى ـ التعبئة المناهضة للحرْب على العراق بما يخول امتصاص جوهر تأثيرات تلك التعبئة. علينا إذن قدر المستطاع أن نجتنب في الإطلالة اللاحقة كل إجابة تبسيطية اختزالية في محاولتنا للتعرف على الحوافز والبواعث المنطوقة والمحجوبة لهذه الاستراتيجية.

×كاتب موريتاني مقيم في باريس

 

 




 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2009 م -  اتفاقية استخدام الموقع