|
المد الإسلامي في
فرنسا بين الإسلاموفوبيا والتأثير السياسي
عادل قسطل
لا يشتكي المسلمون من مؤامرات تحاك ضدهم في
دهاليز السلطة لطردهم أو قمعهم بقدر ما يعانون من الاتهامات
الدائمة المعتمدة على خلفيات قد لا تكون لها علاقة بالواقع الفرنسي
أساسا. أما عمليا، فإن مظاهر الإسلاموفوبيا وكراهية المسلمين
حقيقية ومقلقة.
تعامل وزير الداخلية السابق نيكولا ساركوزي مع
ملف تنظيم المسلمين بصرامة جعلته يحقق ما عجز عن تحقيقه سابقوه وهو
إنشاء «المجلس الفرنسي للدين الإسلامي». وقارنه بعض المهتمين
بتاريخ الأديان في فرنسا بالإمبراطور نابوليون الذي استدعى ممثلي
الجالية اليهودية الى اجتماع تاريخي في 1807 وفرض عليهم تنظيما
كانت له انعكاسات ملموسة إلى اليوم.
الجالية اليهودية أقدم من الجالية المسلمة، وهو
ما يفسر -جزئيا- المشاكل التنظيمية التي يعاني منها المسلمون. لقد
فرضت وزارة الداخلية على «المجلس الفرنسي للدين الإسلامي» رئيسا
غير منتخب هو دليل أبو بكر، عميد مسجد باريس. وحقق ذلك التعيين
للسلطات الفرنسية أهدافا غير معلنة كتطويق «اتحاد المنظمات
الإسلامية في فرنسا»، أقوى التنظيمات الإسلامية. ويتعلق الأمر
بتنظيم قوي وقادر على تجنيد أفراده بدوافع نضالية بحتة.
غياب الاحصاءات
لا توجد أرقام رسمية تحصي المسلمين في فرنسا
لأن الإحصائيات القائمة على أساس ديني هي مخالفة للقانون الفرنسي،
وآخر عملية إحصاء على هذا الأساس تمت في العام 1872. بعد ذلك، صدر
قانون 1905 الذي يفصل بين الدولة والدين. وإذ ترفض فرنسا إضفاء
صبغة رسمية على الأديان، فإنها بنت للمسلمين مسجد باريس الكبير
العام 1926 اعترافا بالتضحيات التي قدموها خلال الحرب العالمية
الأولى. وكان الجزائريون خلال الحقبة الاستعمارية يسمون "الفرنسيون
المسلمون". أكثر من خمسة ملايين مسلم يعيشون اليوم في هذا البلد
الذي يضم أكثر من 1500 مسجد ومصلى. ووزارة الداخلية هي المسؤولة عن
الأديان وغالبا ما تعامل الإسلام بمنهجية تنظر الى الديانة الثانية
لفرنسا على انها محل شكوك ومخاوف دائمة.
تنظيم المسلمين
بدأت المحاولات الرسمية لتنظيم المسلمين العام
1989 بمبادرة من بيير جوكس وزير الداخلية في الحكومة الاشتراكية
آنذاك، وظهر حينئذ «مجلس التفكير حول الإسلام في فرنسا». وفي 1993،
أراد وزير الداخلية الديغولي شارل باسكوا تأسيس «المجلس التمثيلي
لمسلمي فرنسا» برئاسة دليل أبو بكر عميد مسجد باريس الكبير، لكنه
ظل مجرد حبر على ورق وتبعته نزاعات داخلية بين المسلمين اختلطت
بالأحداث السياسية والأمنية في سياق ميزته تفجيرات في باريس نسبت
لـ«الجماعة الإسلامية المسلحة" الجزائرية. وعندما أصبح جان بيار
شوفينمان وزيرا للداخلية في حكومة ليونيل جوسبان الاشتراكية، قرر
في العام 1999 إجراء استشارة واسعة وفرت لخليفته الديغولي نيكولا
ساركوزي أرضية عمل حقيقية سمحت له في كانون الأول - ديسمبر- العام
2001 بالإعلان عن انتخابات لتأسيس «المجلس الفرنسي للدين
الإسلامي». وجرت تلك الانتخابات فعلا في نيسان - أبريل- وأيار-
مايو- العام 2003 لكن رئيس الهيئة الإسلامية الجديدة، دليل أبو
بكر، عين مسبقا من وزير الداخلية بينما تم انتخاب فؤاد علوي من
«اتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا» ومحمد بشاري من «الفيدرالية
الوطنية لمسلمي فرنسا» نائبين له.
لم يأت دليل أبو بكر الى هذا المنصب بشعبية
كبيرة له لدى المسلمين في فرنسا، فهو ليس مرجعا دينيا وعلاقته
بمسجد باريس وراثية _إن صح القول- اذ كان والده، حمزة أبو بكر
عميدا للمسجد أيضا. لكنه يتمتع بثقة الحكومتين الجزائرية والفرنسية
ومنصبه دبلوماسي قبل كل شيء.
«المجلس الفرنسي للدين
الإسلامي» يجمع إذاً أهم التيارات التي تتوزع عليها الجالية
المسلمة: الجزائر، والمغرب و"الإخوان المسلمون". كأن السلطات
الفرنسية كانت تريد صورة أوضح عن تلك التيارات وتحركاتها فأنشأت
لها تنظيما يسهل التحكم فيه، اذ ان الرؤية التي تعامل بها السلطات
الفرنسية هذا الموضوع بوليسية قبل كل شيء تغذيها مخاوف الأصولية
والتطرف. وليس أدل على هذه الرؤية من عمليات الطرد التي تعرض لها
بعض الأئمة مؤخرا.
الأئمة الاجانب
وأدلى ساركوزي عندما كان وزيراً للداخلية
بتصريحات عبّر فيها عن رفضه للأئمة الأجانب غير المرغوب فيهم، بل
طرح فكرة «تجريد الأئمة المتهمين بالإرهاب من الجنسية الفرنسية».
وقال في السياق نفسه أنه سيفرغ 200 موظف من وزارة الداخلية
للاستخبارات المتعلقة بالإرهاب. وتركيز ساركوزي على موضوع الأئمة
بلهجة التحذير والتخويف يتناقض مع دراسة أعدها «معهد الدراسات
العليا للأمن الداخلي» التابع لوزارة الداخلية التي خلصت إلى
الطابع الأخلاقي للخطب الملقاة في المساجد الفرنسية وابتعادها
عموما عن التحريض والإثارة. اذ لم تتضمن أغلبية الخطب المدروسة
تحريضا على الجهاد بل تجنب فيها الأئمة الموضوعات السياسية. ومن
الأمثلة التي وقف عليها الدارسون خطبة "صيفية" ربط فيها أحد
الأئمة بين عطلة نهاية السنة و"الرحيل الأكبر" بعد الموت بينما ذكر
آخر "الامتحان الأكبر" في خطبة موجهة للشباب المقبلين على امتحانات
دراسية، وهكذا دواليك. وكشفت وزارة الداخلية في العام 2001 أن
أربعين في المئة من الأئمة في فرنسا من أصل مغربي وتسعة في المئة
منهم حاصلون على الجنسية الفرنسية بينما كانوا لا يتجاوزون الاربعة
المئة العام 1994. أما الأئمة المولودون في فرنسا (أبناء الجيل
الأول من المهاجرين) فيشكلون أقلية صغيرة جدا وهذا ما يصعّب مهمة
وزير الداخلية الذي قاوم فكرة استقدام أئمة من الخارج. وتعترف
جمعيات إسلامية أن التكوين الديني لا يزال ضعيفا في فرنسا بل يفسر
البعض رغبة بعض الشباب في السفر إلى باكستان وأفغانستان وغيرهما من
الدول المسلمة بحرصهم على تعلم الدين بتكاليف أدنى من التي تطلب
منهم في فرنسا.
اعتداءات
لكن التخويف من التطرف يؤدي أحيانا إلى تصرفات
انتقامية ضد المسلمين. اذ تعرض مسجد في بلدة بيلي في جنوب شرق
فرنسا للحرق بواسطة سيارة مسروقة اقتحم بها مجهولون مدخل المسجد
فاشتعلت فيه النيران. حدث ذلك في 16 آذار - مارس- 2001، أي قبل
تفجيرات نيويورك وواشنطن. وفي 26 نيسان- أبريل - 2002، ألقيت
قارورة كوكتيل مولوتوف على مسجد مدينة نيم في الجنوب. وقال مسؤول
في المسجد انه تلقى تهديدات بالموت. وكاد مسجد في مدينة ابري سان
جيرفي في الضاحية الشمالية لباريس أن يحرق أيضا. وقام شابان
بمحاولة مماثلة ضد مسجد في مقاطعة مارن في وسط فرنسا، وعندما
اعتقلتهما الشرطة قالا انهما كانا يريدان «تحذير الجالية المسلمة».
وفي مدينة فالونس في الجنوب الشرقي كتب مجهولون بالخط العريض على
جدار مسجد: «أحرقوا المسلمين». وتلقى مسؤولو مسجد في مدينة
باربينيان الجنوبية طردا بريديا من مرسل مجهول فرفضوا استلامه
وأعادوه لمصالح البريد وهناك انفجر بين يدي موظفة. وأطلق مجهول
النار على مسجد فيلبانت في الضاحية الشمالية لباريس.
لماذا لم يستنجد المسلمون رسميا بالسلطات
الفرنسية رغم كل هذه الاعتداءات مثلما فعلت التنظيمات اليهودية؟
لأن المسلمين غير مهيكلين في إطار هيئة تحصي تلك الاعتداءات. وهناك
عامل آخر يفسر هذا الغياب هو كون أغلبية المشرفين على المساجد من
الرعيل الأول للمهاجرين وهم لا يحملون الجنسية الفرنسية ويخشون من
رفع دعاوى قضائية. لم تثر تلك الاعتداءات ضد الإسلام والمسلمين في
فرنسا التعليقات والتنديدات نفسها التي أثارتها الاعتداءات على
المعابد اليهودية مثلا. زار الوزير الأول جون بيير رافاران مسجد
باريس يوم الجمعة 17 تشرين الأول -أكتوبر- الأخير، وهي أول زيارة
لمسؤول بهذا المستوى، رفقة وزير، للداخلية نيكولا ساركوزي وندد
بالإسلاموفوبيا وشدد في الوقت نفسه على رفضه للمظاهر الدينية في
المدارس. وجاءت هذه الزيارة وسط جدل حاد حول إمكان سن قانون ضد
الحجاب في المدارس والإدارات العمومية. صوّت البرلمان على ذلك
القانون الذي لاقى إجماع اليمين واليسار، وسيطبق في المدارس ابتداء
من العام الدراسي المقبل. |