العدد

157 :

الجمعة, ديسمبر 5, 2008 - 10:57 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

هل يجد النزاع المستمر من 30 عاماً حلاً نهائياً؟

المغرب وقضية الصحراء...

 سياسيون يؤكدون «للنور» على ضرورة الحل السياسي

الرباط ـ الطاهر الطويل

في نهاية نيسان ـ أبريل ـ الماضي، منحت الأمم المتحدة الأطراف المعنية بنزاع الصحراء المغربية (المغرب، الجزائر، البوليساريو) مهلة جديدة تنتهي في تشرين الأول ـ أكتوبر ـ المقبل، للوصول إلى حل دائم لهذه هذه القضية المستمرة منذ نحو  ثلاثين سنة. ولم يتردد المغرب في إعلان موقفه الحاسم بقبول منح الأقاليم الصحراوية صلاحيات محدودة للتسيير الذاتي في إطار السيادة المغربية، ورفض أي طرح للانفصال وتقرير المصير من أجل الاستقلال. ولاستطلاع موقف النخبة السياسية المغربية من التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان حول هذا الموضوع والرد المغربي الرسمي عليه، واستقراء آفاق هذه النزاع وإمكانيات حله، التقت «النور» ثلاثة سياسيين معنيين بالموضوع: المحلل المختص والكاتب الصحافي محمد أحمد باهي، والأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية الوزير السابق إسماعيل العلوي، والنائب البرلماني والكاتب الصحافي حسن عبد الخالق.

فشل خيارات ومبادرات سابقة

يقول محمد أحمد باهي: «أعتقد أن القرار الأخير لمجلس الأمن رقم 1541 لا يغير كثيرا من معطيات القرار السابق رقم 1495 الذي قدم خطة جديدة لجيمس بيكر، من أجل تقرير المصير في الصحراء الغربية. وأرى أن وصول بيكر لخطته الجديدة التي تسمى «الحل الخامس»، جاء نتيجة فشل خيارات ومبادرات سابقة منذ العام 1988، وهي سنة شكلت محطة لتغيير مسار قضية الصحراء التي بدأ الصراع حولها منذ العام 1975 ففي العام 1988 وضعت الأمم المتحدة خطة للتسوية تعتمد على وقف إطلاق النار بين الأطراف وتنظيم الاستفتاء لتقرير المصير.

وافق المغرب على الخطة ومنذ الجانب المتعلق بوقف إطلاق النار، وتعثر الجانب الثاني المتعلق بتنظيم الاستفتاء نتيجة الخلاف حول المشاركين فيه. فالمغرب قدم لائحة للمصوتين تضم 200 ألف مواطن من قبائل وأصول صحراوية، وقدمت البوليساريو  لائحة من حوالي 34 ألف مواطن. ووضعت  عراقيل عدة من جانب الجزائر والبوليساريو حول تسجيل عدد من الأشخاص والقبائل  في لوائح الاستفتاء. واضطر الأمين العام السابق للأمم المتحدة بطرس غالي سنة 1995 إلى تجميد الخطة وسحب بعثة الأمم المتحدة (المينورسو) من الصحراء.. وحين قام خلَـفُه كوفي عنان بتكليف المبعوث الشخصي جيمس بيكر، وجد هذا الأخير أمامه مشكلة اللوائح والقبائل المشاركة في الاستفتاء. فعقد اجتماعات ضمّت المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا، وانتهت بـ«اتفاق هيوستن» الذي أقرّ حق جميع القبائل التي كانت تعترض عليها جبهة البوليساريو في المشاركة. ومع ذلك، لم يتم احترام اي من «اتفاق هيوستن» أو مخطط التسوية الذي تقرر الاستغناء عنه نهائيا والبحث عن بديل جديد».

الاتفاق الإطار وخطة تقرير المصير

ويضيف ساهي: «البديل قدمه المغرب سنة 2000 خلال اجتماع ضم الوفود المعنية في برلين، وتمثل الاقتراح المغربي الذي اعتبر خطوة كبيرة نحو الأمام في مفاوضات مباشرة مع البوليساريو لإيجاد الحل. وبناء عليه قدم جيمس بيكر ما سمي «الاتفاق الإطار» الذي يعطي سكان الصحراء حكما ذاتيا موسعا في ظل السيادة المغربية، واعترضت الجزائر والبوليساريو عليه. وقدمت الجزائر اقتراحا بديلا يمنح الأمم المتحدة صلاحية تقسيم الصحراء بين المغرب والبوليساريو. ورُفض هذا الاقتراح، مما اضطر عنان إلى التهديد بسحب بعثة «المينورسو» من الصحراء، في حين أن مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومختلف دول العالم المعنية بنزاع الصحراء لا تريد اللجوء إلى سحب بعثة «المينورسو»، لأن في ذلك تهديدا للمنطقة وتأكيدا على عجز الأمم المتحدة عن حل مشكلة جهوية (إقليمية) يمكن التغلب عليها.

أمام هذه الوضعية، قدم جيمس بيكر اقتراحا جديدا يعرف بخطة «تقرير المصير» التي رفضها المغرب وقبلتها الجزائر والبوليساريو.

الفرق بين الحل الخامس الذي هو خطة جيمس بيكر الأخيرة، والحل الثالث الذي هو الاتفاق الإطار (الحكم الذاتي) أن الحل الخامس منح ما يسمى سلطات الصحراء صلاحيات تصل إلى مستوى السيادة في المنطقة، وهو ما يرفضه المغرب. كما منحها، في ظل مرحلة انتقالية، إمكان الاستفتاء للاختيار بين ثلاثة اقتراحات: الاستقلال عن المغرب، أو الاندماج فيه، أو الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية. التعديل الذي قدمه المغرب يقضي بإلغاء المرحلة الانتقالية واختيار الاستقلال، والإبقاء على الحكم الذاتي أو الاندماج. ويعتبر أن الحل النهائي يتمثل في إعطاء صلاحيات للأقاليم الصحراوية في ظل حكم ذاتي موسع، لا يعقبه الاستفتاء. أما الجزائر وجبهة البوليساريو فتتشبثان بإقامة حكم ذاتي وتحديد مرحلة انتقالية للإجراء الاستفتاء والخيار بين الاستقلال أو الاندماج».

ويوضح باهي «أن مجلس الأمن لم يستطع أن يفرض حلا على الأطراف، وهذا هو الخلاف الذي ظهر منذ سنة، أي هل يمكن لمجلس الأمن أن يفرض حلا على الأطراف؟ لقد اختلف الأعضاء حول المسألة، إذ رأى بعضهم أن فرض الحلول يختلف مع مبادئ الأمم المتحدة، وظلت المناقشات تدور في حلقة مفرغة. وأعتقد أنه لا القرار 1541 ولا القرار الذي بعده ولا تمديد الفترة الجديدة لبعثة «المينورسو» إلى  تشرين الأول ـ أكتوبر ـ 2004 سيؤدي إلى أي حل. ما دام كل طرف من الأطراف الثلاثة (المغرب والجزائر والبوليساريو) متشبثا بوجهة نظر مختلفة عن الآخر».

تدويل القضية أم حلّها جهويًا؟

ويتابع: «من المعروف أن المغرب يتشبث بما يسميه المشروعية الدولية والإجماع الوطني، وهذا شيء أساسي؛ لكن هذا الإجماع الوطني الداخلي كان ـ بالنسبة لنا ـ ورقة رابحة في منتصف السبعينات وخلال الثمانينات من القرن الماضي. وبسبب تردد السلطات المغربية والمنظمات الدولية وبخاصة الأمم المتحدة، اضطررنا اليوم للعودة إلى الوراء ووقعت هفوات ديبلوماسية يستغلها خصوم المغرب من أجل تدويل القضية، حتى لا تصبح قضية جهوية تعني طرفين أو ثلاثة أطراف في المنطقة. والتدويل هدف تسعى إليه الجزائر لتوريط المغرب أكثر. فعندما استرجع المغرب الصحراء سنة 1975 بعد تنظيم «المسيرة الخضراء»، كانت القضية جهوية (خلاف مغربي ـ جزائري) بعدما كانت خلافا إسبانيا ـ مغربيا. وقد سعت الجزائرـ خلال عهد الرئيس المرحوم هواري بومدين أو خلال الحكومات التي أتت بعده ـ إلى تدويل الملف، دعت في منتصف الثمانينات إلى عقد مؤتمر دولي، على غرار مؤتمر مدريد الخاص بالقضية الفلسطينية، وذلك من أجل توريط المغرب وتمييع القضية وفرض حلول خيالية، حتى البوليساريو أو سكان مخيمات تندوف لم يعودوا مقتنعين بها. فحلم قيام «الجمهورية العربية الصحراوية» لم يعد حتى أعضاء البوليساريو مقتنعين به. والدليل على ذلك أنه يوجد الآن في المغرب أكثر من 3000 عائد من مخيمات البوليساريو بمن  فيهم قادة مؤسسون ومسؤولون في الجيش وكوادر عليا. يضاف إلى ذلك المشاكل التي شهدتها قيادة البوليساريو خلال المؤتمرات التي تعقدها كل أربع سنوات. ومعروف أن الرجل القوي في جبهة البوليساريو البشير مصطفى السيد الذي كان يعتبر الرجل الثاني (وهو شقيق مصطفى السيد مؤسس الجبهة) على خلاف حالياً مع القيادة، ويرفض الاتجاه الذي تسير فيه باعتبارها توجه مباشرة من لدن الجزائر. والجدير بالذكر أن أحد أعضاء الجبهة المؤسسين، وهو عضو اللجنة التنفيذية القائد العسكري أيوب الحبيب عاد مؤخرا إلى المغرب إثر خلافات كبيرة داخل القيادة التي يتمنى معظم أعضائها الاحتفاظ بـ«الحكم الذاتي» كمكسب مضمون حاليا، في انتظار أي تعديلات حوله.

تقرير المصير بين القبول والرفض

بخصوص سؤال حول رفض المغرب لاستفتاء تقرير المصير حاليا بعدما كان قبله، يجيب باهي: اضطر المغرب لقبول مبدأ الاستفتاء أو تقرير المصير تحت ضغط أصدقائه، من أجل إيجاد توازن في علاقاته مع العالم العربي والإسلامي وأميركا، وكذا من أجل إرضاء الجزائر التي كانت تشكل قوة في العالم الثالث وخاصة في دول عدم الانحياز، فاعتقد كثير من القادة أصدقاء البلدين أن الحل الوسط للتقارب بين المغرب والجزائر هو اللجوء إلى الاستفتاء. وكان الملك الحسن الثاني رحمه الله مقتنعا بأن الاستفتاء سيكون تأكيدا لمغربية الصحراء. كما أن المغرب كان لديه اقتناع تام بأن الصحراويين لا تحركهم نزعة انفصالية، رغم أنه يمكن أن تكون من بينهم فئة متطرفة أو مدعومة من لدن الجزائر.

حين قبل المغرب مبدأ الاستفتاء سنة 1981 رفضته الجزائر، وطرحت فكرة إجراء مفاوضات مباشرة بين الرباط والبوليساريو. ما عطل ذلك الاقتراح إلى سنة 1988، حيث كان الرئيس الجزائري هواري بومدين قد انتقل إلى عفو الله، ووقعت انتفاضة تشرين الأول ـ أكتوبر ـ التي عصفت بجبهة التحرير الجزائرية وبنظام بومدين بما فيه أجهزة المخابرات. وأعتقد أن من بين الأسباب التي اطاحت بالرئيس الشاذلي بن جديد هي قضية الصحراء. ففي سنة 1989 اقتنع الرئيس بن جديد بأن حل هذه القضية لا يمكن أن يتحقق إلا في إطار المملكة المغربية، وهذا كلام قاله بن جديد لقيادة البوليساريو. وكانت الخطوة الإضافية هي قيام اتحاد المغرب العربي وتوقيع اتفاقية مراكش في شباط ـ فبراير ـ 1989، ما  أعطى إشارات من  الرئيس بن جديد أن الحل سيكون في إطار المغاربي بشكل من الأشكال.

وحصل الشيء نفسه مع الرئيس الراحل محمد بوضياف، الذي قضى في المغرب زهاء 30 سنة في منفى اختياري. وعندما دخل إلى بلاده اعتبر أن قضية الصحراء ليست قضية الجزائر، وبل قضية شخصية للرئيس الراحل بومدين. وجرى بين بوضياف والحسن الثاني لقاء غير معلن في مدينة إيفران (وسط المغرب)، ويبدو أنه كان من بين مواضيعه قضية الصحراء وحلها بطرق في إطار المغرب العربي.

أما القيادة الجزائرية الحالية فاقترحت صراحة تقسيم الصحراء  بين المغرب والبوليساريو، علما بأن الجزائر كانت تدافع سنة 1974 عن نظرية «الأرض الخلاء التي لا مالك لها» خلال النقاش الإسباني- المغربي حول قضية الصحراء. لكن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية نفى ذلك، مؤكدا وجود روابط البيعة بين القبائل الصحراوية وملوك المغرب على امتداد قرون عديدة.

مواقف دولية مختلفة

أما عن مواقف  بلدان أجنبية عدة من نزاع الصحراء فيحددها فهي على النحو التالي:

فرنسا تؤيد الموقف المغربي وتدرك حقيقة الخلاف بين المغرب والجزائر، وقد قامت بدور لفائدة المغرب خلال الدورات الأخيرة لمجلس الأمن.

إسبانيا تربطنا بها معاهدة مدريد التي وقعها البلدان سنة 1975 التي تم بموجبها استرجاع الصحراء، وهذه المعاهدة مسجلة في الأمم المتحدة كوثيقة رسمية. الآن، الحكومات الإسبانية تتراجع وتتردد وتتجاهل هذه المعاهدة تجاهلا مطلقا، والسلطات المغربية وكثير من  المغاربة المعنيين بالشأن السياسي يذهبون ضحية مناورات خصوم المغرب التي تسعى إلى تدويل القضية.

بعد مرور حوالي ثلاثة أشهر على الانتخابات التشريعية وعودة الحزب الاشتراكي إلى الحكم، يظهر أن إسبانيا تضع رجلا في الجزائر وأخرى في المغرب. فالتصريحات الأخيرة للحكام الإسبان ترضي البلدين كل على حدة، ولكن ليس فيها منطق واحد واضح وحاسم. ولا ننسى أن المجتمع المدني الإسباني (توجد حاليا في إسبانيا حوالي1000 جمعية غير حكومية) يدعم جلّه طرح جبهة البوليساريو. وحكومة مدريد لا يمكنها أن تكون ضد مجتمعها المدني. وبالتالي، أعتقد أن الذين يراهنون على الموقف الإسباني مخطئون، وستظهر الأيام ذلك.

الولايات المتحدة لها، أيضا، موقف متذبذب، فهي حائرة بين مصالحها الاقتصادية في الجزائر، ومصالحها الاستراتيجية في المغرب وعلاقاتها به التي تمتد إلى أكثر من قرنين. ولا ننسى أن جيمس بيكر ونائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني من أصحاب شركات استثمار النفط في الجزائر، ولا ننسى كذلك أن أميركا طلبت مؤخرا إقامة قاعدة عسكرية في وهران، وأن العلاقات العسكرية بين الجزائر وواشنطن ذهبت بعيدا. وظهر هذا من خلال اقتراحات جيمس بيكر ومواقف الحكومة الأميركية التي تميل إلى حل يرضي المغرب والجزائر، ولكنه غالبا لصالح الأخيرة.

ويعرب باهي عن اعتقاده بأن تدويل القضية «ليس في صالح المغرب، كما أن إدخالها إلى منظمة الوحدة الإفريقية لم يكن في صالح المغرب. فقد اضطر المغرب للانسحاب من المنظمة بسبب ذلك. والحمد لله أنها لم تدخل إلى الجامعة العربية، فقد حرص الملك الراحل الحسن الثاني على أن لا تدخل إلى الجامعة، وإلا لكان المغرب أو الجزائر قد انسحبا منها أو لتشتت الجامعة نفسها».

ويستطرد قائلا: «الدول الإفريقية اعترفت في وقت سابق بالبوليساريو. ولكن بعد زوال المعسكر الاشتراكي وانهيار أسعار النفط في العالم، عملت كثير من الدول الإفريقية ـ أكثر من 25 دولة ـ على سحب اعترافها بما يسمى «الجمهورية الصحراوية». ولا ننسى الدور الليبي، فليبيا كان لها موقف متطرف ضد المغرب خلال سنوات سابقة، ثم تراجعت، وتراجعت معها كثير من دول القارة عن مواقفها السابقة. الدول الإفريقية تعاني من مشاكل سياسية وإثنية (عِرْقية) داخلية ومن أزمات اقتصادية وحروب داخلية، ومن ثم يمكن لأية جهة ـ انطلاقا من إمكانات مالية أو عسكرية ـ أن تكسب مواقفها وأصواتها، فأصوات الدول الإفريقية رخيصة جدا في المنظمات الدولية».

من جهة أخرى، لا يتردد باهي في التعبير عن رفضه اعتماد نظام فيدرالي في المغرب كأسلوب مقترح من أجل الوصول إلى حل نهائي لقضية الصحراء، ويقول إن النظام الفيدرالي يتطلب تعديل الدستور المغربي ويفترض إجراء تعديل أساسي في تركيبة الدولة المغربية باعتبارها دولة موحدة وليست دولة فيدرالية كما هو الحال في الدول التي تتكون من ولايات تتمتع باستقلال ذاتي إداري وسياسي.

ويشير إلى أن الخلل الذي قد يصيب التركيبة السياسية لأية دولة موحدة يكون ذا نتائج غير محمودة العواقب. البديل الذي اقترحه الحسن الثاني منذ الثمانينات هو اللامركزية والجهوية، والجهوية نظام إداري واجتماعي واقتصادي وتشريعي مندرج في إطار منظومة موحدة يضبطها دستور البلاد. وإذا أصبحت هناك حكومات جهوية ذات استقلال سياسي وبرلمانات يمكن أن تضع تشريعا، فهذا يقضي بالانفصال. وهذه مغامرة غير محمودة العواقب بالنسبة لدولة كالمغرب.

الحاجة إلى تعبئة شعبية شاملة

ما الحل إذنْ إزاء هذه الوضعية المعقدة؟

يجيب: «أعتقد أن وضعيتنا سنة 1975 كانت أكثر توترا ودراماتيكية مما هي عليه حاليا، ففي تلك الظروف كنا نواجه نظام الجنرال الإسباني الديكتاتور فرانكو، وكنا أمام أكثر من 75 ألف عسكري في الصحراء، كما كنا أمام قوة عسكرية ضاربة في جزر كناريا أعدها فرانكو لمواجهة المغرب. ومع ذلك، استطعنا بالخطط السياسية واللجوء إلى محكمة العدل الدولية الفوز بنقطة إيجابية لصالح قضيتنا، إذ كسبنا رأيا استشاريا من هذه المحكمة، أضعف الموقف الإسباني في الأمم المتحدة. ثم كان الإجماع الوطني الشعبي بالمسيرة الخضراء التي تعتبر حدث القرن العشرين في المنطقة.

حاليا، بعد هذه السنوات الثلاثين من الضياع والمناورات. من المفروض العودة إلى تعبئة وطنية يستعد لها جميع أفراد وهيئات ومنظمات الشعب المغربي. إنني أعتقد أنه لا يمكن حل قضيتنا في الصحراء عن طريق مقررات مجلس الأمن  ولا عن طريق مناورات الجزائر. حلنا الوحيد هو العودة إلى القاعدة الشعبية والقيام بتعبئة وطنية يشارك فيها الجميع بحماس وقوة وشجاعة. إذ ذاك نستطيع كسب قضيتنا الوطنية. والصحراويون جميعا، الموجودين في المخيمات أو في الأقاليم الجنوبية المغربية، على رأي واحد. فالزيارات التي تقوم بها العائلات الصحراوية عن طريق المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، تعطي الدليل على رغبة الصحراويين في ما تسميه الأمم المتحدة «العودة الطوعية للاجئين». إن هذه المنظمة لم تستطع تطبيق قراراتها، وأولها العودة الطوعية لجميع اللاجئين بعد المواجهات العسكرية، فعندما تنتهي الحرب، يكون لجميع اللاجئين خيار العودة الطوعية. ومن المفترض أن تسأل الأمم المتحدة سكان مخيمات اللاجئين: هل لديهم الرغبة في العودة الطوعية أم لا؟ وستجد أن جميع الصحراويين سيعودون إلى ديارهم وأهلهم

الحل السياسي بين المعنيين مباشرة

يقول إسماعيل العلوي (الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية) في تصريح لـ«النور»:

إن مصير الشعب المغربي ليس بين يدي الأمم المتحدة، وإنما هو بين أيدي أبنائه. وبالتالي، يمكن للأمم المتحدة أن تقرر ما تشاء. ولكن إصرار المغاربة على الدفاع عن وحدة أراضيهم هو الأهم. ومن هنا، أؤكد أنني لست متخوفا أو متشائما، لأن إرادة الشعب لن تقهر أبدا.

في ما يخص تطور هذه المعضلة التي تعاني منها شعوب المغرب الكبير منذ 30 سنة، أعتقد أن الجميع أصبح يعي بأن هناك مشكلة مفتعلة نشأت في ظروف تاريخية معينة، وحاول البعض ـ ولا سيما الجيران، مع كامل الأسف ـ أن يمططوا فيها وأن يحولوها إلى شيء يستحيل تجاوزه، بينما يبين التطور الموجود في العالم وداخل المغرب ولدى الجيران أنه ـ مهما طال الزمن ـ سيصل الجميع إلى الخلاصة التي وصل إليها الجنرال الجزائري خالد نزار، عندما قال إن هذا الأمر شيء مصطنع ويجب أن نجد له الحل.

وبذلك، أعتقد أن المَخْرج يكمن في الحل السياسي بين المعنيين مباشرة، أي بين الجزائر والمغرب. فإذا أراد المغرب والجزائر وسكان المنطقة برمّتها أن يتجاوزوا هذه المعضلة التي أنهكت قوى تاريخية ـ وإذا أرادوا أن يتبوّأوا المكانة المطلوبة نتيجة تطور العالم ـ فعليهم أن ينظروا إلى الموضوع بمنظور جديد، أي بمنظور الاندماج المغاربي، عوض التشبث بالموقف الذي لن يجدي أبدا. إننا، نحن المغاربة، لسنا مستعدين أبدا لأي حل يضع وحدة أرضينا وسيادة بلادنا في الميزان.

التسيير الذاتي في إطار الوحدة

أما بشأن حل الحكم الذاتي، كما يتصوره جيمس بيكر، فيعتبره العلوي غير مقبول، لأنه ـ باعتقاده ـ عنصر زعزعة، ليس فقط بالنسبة للمغرب، وإنما بالنسبة للمنطقة برمتها. ويشرح: «وجود كيان في أراضينا الجنوبية الغربية سيجعل المنطقة معزولة باستمرار، كما أن ذلك الكيان ليست له المؤهلات الضرورية لتكوين دولة بمعنى الكلمة. وبالتالي، ستكون بؤرة لنزاعات ولتضارب مصالح ذاتية وجماعية. وهذا الأمر لن يكون في صالح أحد في المنطقة. وعلى سبيل المثال، حتى لو تقرر إجراء استفتاء لسكان واشنطن عما إذا كانوا يريدون الانفصال عن الولايات المتحدة، فيمكن أن نجد من يتجه إلى هذا الاختيار. أعتقد أن هذه المسألة يجب أن تعالج بمنظور سياسي جيو ـ استراتيجي، وليس بالمنظور الضيق البدائي الذي يخلط بين الديمقراطية وتقرير المصير.

من جانب آخر، أرى أن التسيير الذاتي ممكن في إطار الوحدة المغربية، فنحن ـ منذ حوالي عقد من الزمن ـ دخلنا فترة تكريس الممارسة الديمقراطية وتعميقها، مما يحتم على كل المجموعات البشرية المكونة لشعبنا أن تدبر أمورها بنفسها. إننا نؤكد على ضرورة توسيع صلاحية الجهات (الأقاليم) وإعادة النظر في تركيبتها وتنظيمها، حتى تكون منسجمة ولها ركائزها التاريخية والبشرية والاقتصادية والاجتماعية، والكل يتمتع بالمزيد من الديمقراطية ومن التسيير الذاتي للشؤون المحلية.

ومن هنا، أقول إن تصورنا يختلف تماما عن تصور  بيكر. فهذا الأخير يتصور أن المغرب يجب أن يكون على منوال الولايات المتحدة الأميركية، بمعنى ان هناك ولايات لها كيانها وحكمها وقضاؤها وبرلمانها، وهذا شيء غير مناسب بالنسبة لنا. يمكن أن نصل إلى أكثر من ذلك، ولكن ليتركونا نَـقُـمْ بتجربتنا نحن، وليس لهم الحق في أن يفرضوا علينا أي شيء.

نعم للمزيد من الديمقراطية بالنسبة لكل أنحاء وأبناء الوطن. نعم لحل معضلة الصحراء. نعم لتكوين مغرب كبير. ولكن، لا بد أن تحترم إرادة الشعب المغربي الذي كاد كيانه أن يمزق في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، واستطاع أن يجمع شمله نسبيا، وضحى بحقوق كثيرة، لا نريد أن نعود إليها. لكن، حذار من المبالغة في النبش في إحساس شعبنا.

الطريق إلى التكامل

لا أعتقد أن هناك دولا أجنبية لها مصلحة في استمرار نزاع الصحراء المفتعل، فحتى أوروبا ككيان ينادي بعض أقطابها بتكوين كيان ذي وزن في المغرب العربي. ولذلك، فموقف الجزائر لن يذهب بعيدا مهما يكن من أمر. صحيح أن الجزائر تتوفر على خيرات طبيعية تمكنها من مراكمة الأموال بفضل ارتفاع ثمن البترول. ولكن وحدة المغرب العربي ووحدة العرب ـ إن كُتب لها أن تتحقق في يوم من الأيام ـ لن تكون على نمط ألمانيا، فلا نقبل أن نخضع لإرادة مملكة "تروتسية» كما كان الحال في ألمانيا. لا بد أن نجد طريقنا بوسائلنا الخاصة لتحقيق الوحدة والتكامل، بخاصة أننا لاحظنا من خلال التجربة الأوروبية أن شعوبا يفرقها الدين واللغة والتاريخ، استطاعت أن تجمع شملها وأن تكون كيانا أصبح يضم 450 مليون نسمة. ومن هنا، لا أفهم  أن شعوبا لها الجذور والدين واللغات والتقاليد نفسها لم تستطع أن تجعل حلا لهذا النوع من التوتر المصطنع. وأتمنى أن يكون القادة الجزائريون قد عادوا عن غيّهم، وألا يعتبروا أن ما يقومون به يعد ربحا للوقت، بل العكس، هو ضياع للوقت وللفرص بالنسبة لشعوبنا وضرب في جوهر طاقاتنا وإمكاناتنا، وعلى أن نكون شعوبا قادرة على مجابهة التحديات التي تواجهنا، إنْ على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي».

متسامحون ولكن

أما عن رأيه في النظرة التشاؤمية التي طرح بها جيمس بيكر قضية الصحراء، وتصوره لإمكانية الحل، فيجيب العلوي: «أنا لا أقنط من رحمة الله، وأعتقد أن صمود شعبنا هو مفتاح كل حل. ونرى كيف أن الأمم المتحدة لم تستطع أن تحل قضية كشمير أو قضية يوغسلافيا أو القضية الفلسطينية وغيرها من القضايا التي ما زالت عالقة. وبالتالي، فالأمم المتحدة عبارة عن «جوقة»، فلتقم الجوقة بعزفها إن هي أرادت. أما نحن فمصرّون على الدفاع عن شعبنا وكياننا. ونحن متشبعون بروح التسامح مع الجميع. ولكن، على الجميع ألا يظن بأن التسامح هو ضعف من طرف شعبنا.

مواقف متناقضة وغير منسجمة

في تصريح لـ»للنور» يقول حسن عبد الخالق (نائب برلماني عن حزب الاستقلال):

يندرج التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان الذي قدمه أمام مجلس الأمن في سياق تقاريره الأخيرة المطبوعة بالتناقض وعدم الانسجام مع ما سبق أن أعلنت عنه الأمم المتحدة في حزيران ـ يونيو ـ 2001، عندما أكد عنان في تقريره أن المخطط الأممي للاستفتاء في الصحراء أصبح من الصعب تطبيقه مقترحا مقاربة الحل السياسي. وفي نظرنا، إن فشل تطبيق المخطط الأممي للاستفتاء يعود بالأساس إلى المواقف المتعنتة للبوليساريو وللجزائر اللتين كانتا تطمعان في إنجاز استفتاء على المقاس بحرمان عشرات الآلاف من الصحراويين من حقهم المشروع والثابت في الاستفتاء؛ بينما كان المغرب يؤكد على إشراك كل الصحراويين في الاستفتاء. وعندما سجلت الأمم المتحدة صعوبة واستحالة تطبيق خطة الاستفتاء التي قدمتها في نهاية الثمانينات، سجلت في الوقت نفسه أنه يجب البحث عن حل سياسي. وانطلاقا من هذا الموقف أعلن المغرب أنه مستعد للبحث عن أي حل سياسي لقضية الصحراء في إطار احترام سيادته الوطنية على أقاليمه الجنوبية.

وتعزيزا لهذه الرؤية التي تقدمت بها الأمم المتحدة، نشر كوفي عنان في حزيران ـ يونيو ـ 2001 الخطة التي أعدها مبعوثه الشخصي جيمس بيكر. وقد اعتبر المغرب أن هذه الخطة أساس لمفاوضات من أجل الوصول إلى حل سياسي. وفي المقابل، رفضتها الجزائر والبوليساريو. وكان من المفروض أن تعمل الأمم المتحدة على طرح هذه الخطة للمفاوضات، عوض أن تساير مواقف الجزائر والبوليساريو.

ومع كامل الأسف، تقدم  بيكر في بداية 2003 بخطة أخرى مطبوعة بالتناقض، ومن تجلياتها أنها تعيد إلى الواجهة مخطط الاستفتاء الذي سبق لعنان وبيكر أن أعلنا أنه صعب التطبيق. وبطبيعة الحال، كان موقف المغرب هو التحفظ من هذه الخطة، مؤكدا نزوعه نحو البحث عن الحل السياسي المتوافق عليه والذي وصفته الأمم المتحدة بـ»الواقعي» و»الدائم». وكانت هناك نغمة في الأمم المتحدة تردد أن المغرب يتحصن فقط بالرفض دون أن يقدم مقترحات أو خططا بديلة. ولقطع هذه التأويلات المغرضة، تقدم المغرب أخيرا برد رسمي يقدم فيه رؤيته للحل السياسي للنزاع المفتعل حول الصحراء؛ هذا الحل يقوم على توسيع النظام الجهوي، وفي الوقت نفسه حدد الحل بمواقف ثابتة، وفي مقدمتها أن المغرب يرفض أية مفاوضات حول سيادته على أقاليمه الجنوبية وحول سلامته الإقليمية.

كنا نتمنى أن تكون الأمم المتحدة منسجمة مع مواقفها، وأن تأخذ بهذه المقاربة وتطرحها للتفاوض. لكن كوفي عنان يحاول أن يسوّق خطة بيكر التي هي مرفوضة أساسا من المغرب. وعلى كل حال، هناك ما يشبه إجماعا دوليا على أنه لا يمكن فرض أي حل في هذه القضية، وهذا شيء أساس.

وبالنسبة لنا، نعتبر أن هذا النزاع مفتعل من لدن الجزائر، وأن المغرب أثبت، على مدى أكثر من ربع قرن، أنه في أرضه وأنه مستعد لتفويض عدد مهم من اختصاصاته على المستوى المركزي إلى سكان المنطقة من أجل تدبير شؤونهم في إطار نظام جهوي وديمقراطي ولا مركزي وفي إطار السيادة الوطنية للمغرب.

تقسيم الصحراء ضد تقرير المصير

ويتابع عبد الخالق: سجلنا مواقف للجزائر تتناقض مع ما تدعيه من تقرير المصير. من ذلك أن المبعوث الشخصي للأمين العام، أكد بشكل رسمي أنه تلقى اقتراحا من الرئيس الجزائري عبد العزيز  بوتفليقة بتقسيم الصحراء. مما يؤكد أن هذا الاقتراح هو في العمق ضد تقرير المصير، وأن دفاع الجزائر عن هذا الحق ما هو إلا شعار من أجل تغذية النزاع المفتعل، بهدف تغطية أطماعها وأهدافها الاستراتيجية في المنطقة.

وبخصوص رأيه في اقتراح قيام نظام فيدرالي في المغرب، يقول:

نحن مع الحل السياسي الذي يثبت وحدة المغرب وسيادته الوطنية على الأقاليم الصحراوية المسترجعة. ونرفض أية مقاربة خارج هذه الرؤية، علما بأن النظام الجهوي قابل لاحتضان كل أشكال التدبير مثلما هو موجود في دول متقدمة جدا في البناء الديمقراطي. لنأخذ على سبيل المثال إسبانيا، ففي إطار وحدة الدولة، هناك مناطق عدة يدبر فيها السكان شؤونهم الاقتصادية والاجتماعية وغيرها بشكل مطلق. وكذلك الأمر في الولايات المتحدة الأميركية، فالنظام يسمح للولايات بقدر كبير من الاستقلالية، وهناك أجهزة تجسد وحدة الدولة، مثلا مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة المخابرات الأمريكية.

أطروحة الانفصال تتآكل

وعن تصوره لآفاق القضية، يجيب قائلا:

أطروحة الانفصال تتآكل يوما بعد يوم، ودليلنا في ذلك أن الكثير من الدول تراجعت وسحبت اعترافها بالبوليساريو. وهناك، حتى على مستوى الحوار الأور ـ متوسطي، دول تدعو إلى توحيد المواقف وإلى لمّ شمل المغرب العربي. هذا التوجه لا يمكن إلا أن يجعلنا نتفاءل، لأن عصر التكتلات والتجمعات الكبرى يجب أن يكون حافزا لنا على التخلص من المشاكل الهامشية بدل ترويج الانفصال وإنشاء كيانات قزمية في المغرب العربي، فضلا عن أن هناك ثقة المغرب والشعب المغربي في قدراته الذاتية في الدفاع عن قضيته الوطنية التي يعتبرها قضية أساسية، بينما لا تعتبر كذلك سواء لدى الجزائر أو لدى أفراد البوليساريو الذين عاد أكثر من 5000 منهم إلى المغرب، لإدراكهم أن الحل يكمن في المغرب الموحد وليس في تسويق أطروحة الانفصال.

 

 




 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع