العدد

157 :

الجمعة, ديسمبر 5, 2008 - 9:38 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

إطلالة على قضية المرأة من منظور اسلامي

 عفاف عبدالأمير الجمري×

هناك توجهان أولهما: التقليدي الذي يرى بأنّ الإقتداء بسيرة المعصومين(ع) غير وارد وان ليس لإحياء ذكرهم كبير أثر في واقعنا وحياتنا بحجّة أنّ أهل البيت(ع) كتب الله عليهم ذلك وهم يختلفون عنّا وما لهم ليس لغيرهم.

وثانيهما: النبيه الذي يُدرك معنى قوله سبحانه «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»(الاحزاب:12) وبأنّه سبحانه أرسل لنا بشراً مثلنا ولو شاء لأنزل لنا ملائكة لتصح عندها المقولة الأولى عليهم وأنّه(ص) قال: «إنّي مخلّفٌ فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلُّوا من بعدي أبداً»

وهذا التوجّه يتخذ من أهل البيت(ع) قدوة عملية يستمد منها كلّما مرّ الزمان دروساً وإسقاطات لا متناهية على الواقع.

المرأة والمشاركة السياسية

قال تعالى: «الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَر»(التوبة:17)

فالمؤمن قد يتسنّم منصب وزير أو نائب برلماني ويقوم بواجب الإصلاح بكلّ أنواعه «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» من باب كونه ولياً على المؤمنين والمؤمنات وقد تتسنّم المؤمنة هذه المناصب وتقوم بالعمل نفسه من المنطلق نفسه وهو ولايتها على المؤمنين والمؤمنات فالآية لم تفرِّق، وعنه(ص): «كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤولٌ عن رعيته» اللهم إلا في ما يتعلّق بالولاية العامة. ونرى في سيرة أهل البيت (ع) وهي المفسِّرة أنّ فاطمة الزهراء(ع) كانت لها مشاركة سياسية واضحة حين خرجت في جماعة من نساء قومها إلى مسجد أبيها وخطبت خطبتها الشهيرة. أما في واقعة الطف فإنّ العقيلة زينب (ع) لم تكن مشاركة فقط بل كانت القائدة للركب بأجمعه من بعد أخيها الحسين (ع) وقامت بمسؤولية القيادة بكفاءة واقتدار، من رعاية الأطفال والنساء ورعاية ابن أخيها المريض علي بن الحسين(ع)، ومن القيام بالمهام الإعلامية الهامّة التي أكملت الصورة وحقّقت أهداف ثورة أخيها(ع). ولا نرى أثراً للمفاهيم السائدة حالياً من أنّ صوت المرأة عورة وإلا لما تكلّمت الزهراء ولا العقيلة ولا فاطمة الصغرى، فالآية تقول: «ولا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ»(الاحزاب:23) ولم تقل ولا تتكلمن واصمتن، فالكلام من الرجل والمرأة لبعضهما ينبغي أن يكون للحاجة فقط، وبدون خضوع مما يبعث في النفس الريبة ويُحرّك كوامنها، ولا نرى أثراً ملموساً لما يتردّد من أنّه «خيرٌ للمرأة ألا ترى رجلاً وألا يراها رجل». نعم هو خير بالتأكيد ولكنّه ضرورة في الوقت نفسه لو تمّ ترشيدها فستسير سفينة الحياة إلى الأمام، فالإختلاط المرشّد المحكوم بضوابط أخلاقية هو ما تكلّم عنه سبحانه: «قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ»(النور:03) و«وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ »(النور:13) و«لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا»(النور:13)، ولو كان الاختلاط ممنوعاً بشكلٍ نهائي مرشّداً أو غير مرشّد فإنّه لا داعي لذكر غضِّ البصر من الطرفين ولبس الحجاب للمرأة لأنّه لن يكون هناك التقاء مطلقاً، ولما خرجت النساء إلى المسجد في زمن الرسول(ص) وحضرن درسه وخطبت الزهراء(ع) نفسها التي تنسب لها هذه المقولة، وخرجت النساء مع الحسين(ع) وخطبت زينب وفاطمة الصغرى. إنّنا لا نرى ضيراً لدى المسلمين في صدر الإسلام الأول من تسنّم المرأة لمواقع قيادية، فعائشة كانت على رأس حرب الجمل، وبغضّ النظر عن الصحّة أو الخطأ في هذه الحرب فإنّه لم يكن شيئاً مستنكراً لدى الفقه السني قيادة امرأة للحرب، ولا نقول أنّ المرأة تصلح لهذه المهمة الصعبة على تكوينها قبل كلّ شيء، ولكنّه لم يكن مستنكراً والحال هذه فإنّ تسنّمها لمواقع أخرى أقل شأناً ينبغي أن يكون مفروغاً منه، ونحن نرى أنّه سبحانه أثنى على الصفات القيادية في بلقيس وهي امرأة، وأوضح كيف أنّها برجاحة عقلها أخرجت قومها من الأزمة وأوصلتهم إلى برّ الأمان حين لجأت أولاً إلى الخبراء المحيطين بها بما يشبه مجلس الشورى فقالت: «مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ»(النمل:23) فردّوا عليها بأنّهم عاجزون وفي الوقت نفسه واثقون برجاحة عقلها: «وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ»(النمل:33) فقالت: «إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً»(النمل:43) وبعد قولها هذا تأتي جملة(آية) تعقيبية منه سبحانه يُثنّي على كلامها فيقول: «وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ»(النمل:43) والله سبحانه لا يُثنّي على أيّ كلامٍ وهو من النوادر في القرآن؛ فسبحانه شهد لها برجاحة العقل وبصفاتها القيادية، فمن أين بعد هذا تأتي أفكار من مثل حرمان المرأة من حقّ التصويت أو الترشيح أو تسنّم المناصب القيادية عدا الولاية العامّة، التي لا تعني رئاسة الدولة ولا الوزارة، ولا حتى القضاء فكلّها مناصب أقل من الولاية العامة التي تكون للرسول(ص) وللأئمّة المعصومين عند الشيعة وللخلفاء الراشدين عند السنة، ثم عند الفريقين لمن يجمع الشرائط ويحل محل المعصوم أو الخليفة.

إنّ كلّ رواية أو حديث أو نظرة تتعارض مع القرآن الكريم والسنة يُضرب بها جانباً فلا «شاوروهن ثم خالفوهن» لها أثر من القرآن وسيرة الرسول(ص) وأهل بيته(ع) ولا «ما أفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة». فها هم قوم بلقيس قد أفلحوا وهم ولّوا أمرهم امرأة، أوصلتهم إلى الخلاص، وحتى الحديث «جهادكنّ حسن التبعّل» لا يعني منع المرأة من الخروج وإنّما رداً على النسوة اللاتي ذهبن يستأذنّ الرسول(ص) للخروج للقتال لنيل شرف الشهادة، فقال لهم هذا القول من باب تقسيم العمل كلٌّ وما يُناسب تكوينه، فقدرة الرجل الجسدية تناسب القتال ونعومة المرأة ورقّتها وعاطفتها تناسب توفير الجوّ الأسري المستقر الذي ينبثق منه أفراد أصحّاء نفسياً منتجون. وحسن التبعّل لا يستهلك كلّ وقت المرأة، فماذا تفعل بالفراغ إن لم تتوجّه للمشاركة في نهضة المجتمع الذي لا يقوم بالرجال فقط، فإنّها ستتوجّه حتماً لسفاسف الأمور ولا تُلام.

 المرأة والإفتاء

نرى النساء في صدر الإسلام الأول محدّثات ومناقشات ومجادلات، ففاطمة الزهراء وقفت تناقش الخليفة الأول أبا بكر في حقِّها في الإرث فاستدلّت على منطقها بالقرآن وقالت: («وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ»(النمل:61) وقال: «وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ»(الانفال:57) وقال: «يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ»(النساء:11) وقال: «إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ»(البقرة:081) وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي ولا رحم بيننا، أفخصّكم الله بآية من القرآن أخرج أبي محمداً(ص) منها؟ أم تقولون : إن أهل ملتين لا يتوارثان؟ أولست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة؟»، إلى آخر احتجاجها. أليس هذا إفتاءً واستنباطاً؟

وفي حديث أنّ عائشة أم المؤمنين ذُكِرَ أمامها أنّ الميِّت يُعذّب ببكاء أهله عليه، أي يُعذِّبه الله، وقد ذُكر أمامها أنّه حديث عن الرسول(ص) فردّت «وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى»(الانعام:461) إذ كيف يُعذّب على جرمِ أهله حيث يعتبر أصحاب هذا الرأي أنّ البكاء على الميِّت ذنب.

إنّ التاريخ الإسلامي يذكر الكثير من المحدِّثات من الشيعة والسنّة، فهناك إضافة إلى عائشة وفاطمة الزهراء، أمّ سلمة وشهيدة بنت أبري التي كانت تدرِّس رجالاً خرج منهم رواة مثل ابن عساكر وابن الجوزي. وهناك إشارات في التاريخ لا ندري لماذا يُغضُّ الطرف عنها من أنّ سكينة بنت الحسين(ع) التي شاركت أباها في ثورته شاركت بعد ذلك في الحركة الثقافية والأدبية وكان لها مجلس أدب، وكانت أديبة عالمة تقية عفيفة لا يُنال منها ولا يتجرأ حتى الأعادي على النيل من سمعتها، خطبها أكابر الرجال لكنّها كانت متعفِّفة وهي التي من شدّة تبتّلها لقّبها أبوها بسكينة من السكينة والوقار، بعد أن كان اسمها آمنة.

إنّ تعطيل طاقات المرأة الفكرية والعلمية والأدبية تعطيل لنصف المجتمع وتمييز لا يُقرّه الشرع بل العرف والتقليد فقط.

 المرأة وقوامة الرجل

كثيراً ما يتم الخلط بين قوامة الرجل في بيته على زوجته وأولاده وقوامته في المجتمع على أيّ امرأة يتعامل معها إن كان في إطار عمل أو دراسة، أو عمل اجتماعي أو سياسي، فنرى كلّ رجل يوجد في أيّ مؤسسة علمية او اجتماعية أو سياسية مع أي امرأة يعتبر نفسه هو وغيره من الرجال قيّماً أو قيِّمين على بقية النساء بدون وجه حق. أما القوامة داخل الأسرة التي هي حقّه فهي من باب تنظيم مؤسسة الأسرة التي مثلها مثل أيّ مؤسسة أو منظّمة لا بد لها من نظام فيه رئيس وأعضاء؛ وفي مؤسسة الأسرة لا بد أن تعطى القيادة لأحد الطرفين، إما الرجل أو المرأة. وهي قيادة غير تسلّطية، وإنّما شورية تعاونية مثل أي قيادة واعية متحضّرة: «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم»(الشورى:83) وقوامة الرجل على زوجته هو فقط في ما يختص بشؤون الأسرة وليست له قوامة على إنسانيتها، ولا على أنشطتها الفكرية وغيرها خارج المنزل إذا لم تُقصِّر في حقّه وحصّتها من الواجب داخل المنزل الذي ينبغي أن يُقتسم بين الطرفين كلٌّ على حسب ظرفه، ومن هنا فإنّ فتوى السيد الخوئي(قدس سرّه) أنّ خروج المرأة من بيتها لا يجوز فقط إذا تعارض مع حقّ زوجها الخاص (الفراش) وأنّه تستأذنه فقط إذا كان الخروج متعارضاً مع حقّه. أما مبرّرات إعطاء القوامة للرجل دون المرأة فقد ذكرها سبحانه: «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ»(النساء:43) وبتأمل هذه الآيات نجد سببين للتفضيل:

أ: «بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ» حيث أنّ الرجل على الأغلب ـ ولا نقول دائماً ـ يستعمل في الأزمات وعند حسم الأمور ـ عقله أكثر من عاطفته وعلى العكس فإنّ المرأة غالباً ـ لا دائماً ـ تستعمل عند حسم الأزمات عاطفتها وانفعالها، بمعنى أنّ المرأة عاطفية أكثر منها عقلانية بحكم متطلبات وظيفة الأمومة الفطرية. وحتى القوانين الوضعية تُبنى على الأعم الأغلب لا الشواذ فكيف بالقوانين الإلهية، لذلك فإنّ المبرّر الأول هو ما فضّل الله الرجل من عقلانية غالباً إضافة للقوّة الجسدية وما فضّل الله به المرأة على الرجل من عاطفية وانفعالية غالباً أيضاً، ولهذا قد يكون أيضاً سبب وضع العصمة بيد الرجل وإن كانت المرأة تستطيع أخذ هذا الحق لو اشترطت ذلك ضمن عقد الزواج.

ب- المبرّر الثاني: «وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ»: قد تكون المرأة عاملة لكن النفقة ليست واجبة عليها بل لو أرادت توفير مالها فإنّ ذلك لها في حين أنّ الرجل عليه الحق في أن ينفق على الزوجة والأولاد حتى لو كانت المرأة عاملة، وبما أنّه هو المنفق وجوباً فإنّ هذا من مبرّرات القوامة مثل أي مموِّل لأيّ مشروع أو مؤسسة، وهذه القوامة كما ذكرنا لا تعني التسّلط وإنّما على طريقة الرسول (ص) الأسوة في علاقته بزوجته خديجة (ع) ثم بمن بعدها من زوجاته وعلاقة الإمام علي(ع) بفاطمة الزهراء(ع) التي من أمثلتها الكثيرة أنّه دخل الرسول(ص) عليهما مرّة وهما يتناقشان فطلبا منه التحكيم باقتسام الأعمال، فقال للزهراء(ع): لكِ ما دون الباب (أي داخل المنزل) وقال للإمام علي(ع): ولك ما خلف الباب (أي خارج المنزل). والجدير بالذكر أنّه لم يرد شيء نصاً على وجوب العمل المنزلي على الزوجة باتفاق الفقهاء، إنّما يأتي ذلك تطوّعاً منها وبالتفاهم والتعاون مع الزوج، لأنّ وظيفتها الفطرية الأمومة ومشقّتها تكفيها عن كلّ شيء، بل أنّه شرعاً لو طلبت الأم المرضع (في حال الطلاق) من أب الوليد قيمة الرضاعة فإنّ ذلك ـ شرعاً ـ لها.

والقوامة لا تعني فقدان المرأة لاستقلاليتها في الرأي والشخصية ولا تعني التبعية المطلقة للرجل وإن كان التفاهم مطلوباً وأساساً للحياة الزوجية المستقرّة، ولكن لا إلغاء لعقل المرأة. ولنقرأ ما ورد في كتاب الاحتجاج من أنّ الزهراء(ع) كلّمت الإمام علي(ع)، مع اعتقادها بعصمته وقوامته عليها، معاتبة له على سكوته عن حقّه وعدم نصرته لها بالمطالبة بحقِّها في فدك فقالت: «يا ابن أبي طالب اشتملت شملة الجنين وقعدت حجرة الظنّين نقضتَ قادمة الأجدل، فخانك ريش الأعزل».

 العنف ضدّ المرأة

قال تعالى: «وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ»(النساء:91)، وقال(ص): «ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم» وسيرته(ص) وسيرة أهل بيته تعكس أفضل أنواع العشرة مع النساء، أما الآية: «وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ»(النساء:43) فهي عبارة عن تدابير وقاية من الطلاق ودمار الأسرة التي هي أهم مؤسسة، وهذه التدابير على مراحل تتخذ بحق الناشز على ألا يكون الضرب مضرّاً، وكما نرى في أيّ مؤسسة ومنظمة هناك قوانين وإجراءات رادعة تتخذ قبل الوصول لمرحلة الفصل النهائي، وكما ذكرنا فإنّ السنة هي المفسّرة للقرآن، وقد رأينا تفسيرها في سيرة الرسول(ص) والأئمّة(ع) الذين لم نسمع ولم يرد ضربَ أيَّ منهم لزوجته.

المرأة والتعدّد

«فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ.....»(النساء:3)

إنّ إباحة ـ ولا نقول وجوب ـ التعدّد ما هو إلا إقراراً تشريعياً لأمر واقع حتى لو لم يُبَحْ التعدّد، فهناك حالات يندفع فيها الرجل لغير زوجته سواءً وُجد هذا التشريع أو لم يوجد، كما نرى في الغرب الذي يُحرِّم التعدّد-ولسنا من دعاته-ولكنّه في بعض الأحوال يكون شرّاً لا بدّ منه. أو كما يُقال أهون الشرّين حيث مفاسد عدمه أكبر بكثير من مفاسد وجوده، فقد يميل الزوج إلى غير زوجته التي يعزف عنها لأيِّ سبب، ولا نزكّي هذا التصرّف، ولكن لا سلطان على القلوب والحال هذه إذا لم يكن التعدّد مباحاً فإنّه سيُطلِّق الأولى بعكس لو أبقاها وتزوّج الثانية فإنّ الضرر أقل بكثير، تبقى في بيتها ومع أولادها وينفق عليهم، وعليه أيضاً أن يُعطيها قدراً من الحنان والعاطفة حتى لو كان عازفاً: «وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء(في العاطفة) وَلَوْ حَرَصْتُمْ»(النساء:921) لأنّه واجب عليه: «فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَة»(النساء:921) فكونها تبقى على ذمّته في بيته ومع الأولاد وينفق عليها وعليهم، ويعطيهم قدراً ولو يسيراً من العاطفة أرحم من الطلاق الذي ليس وراءه إلا الحرمان والتشتّت، وضياع الأولاد. أما كيف تحمي المرأة نفسها من عزوف زوجها ولجوئه لغيرها فذلك لا يكون بتحريم التعدّد؛ لأنّه حينها سيلجأ للعلاقات المشبوهة والتي أضرارها أكبر عليها وعلى المجتمع من انتشار أولاد الزنا والأمراض وغيرها، وإنّما تحمي المرأة نفسها وبيتها بالوعي الذي يقع على عاتق المؤسسات نشره بين الشباب والشابات وحنكة المرأة وحسن تصرّفها في امتلاك قلب زوجها بالحسنى لا بالشدّة، ثم بضرورة نشر الوعي بين الشباب بضرورة الإحساس بالمسؤولية تجاه الأسرة وعدم الانخراط في الشهوات على حساب الاستقرار الأسري.

المرأة والإرث 

«لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ»( النساء:11) أما ما يُشاع كثيراً من الاحتجاج على هذا الحكم فبنظرةٍ أكثر شمولية نرى أنّه سبحانه أوجب على الرجل النفقة التي لم يوجبها على المرأة، بل أوجبها لها فهي يُنفق عليها وهذا يُعوّض حصولها على نصف الميراث، ويُعوّض حصول الرجل على الضعف كونه هو المنفق، وهذه المعادلة تجعل الأمر منطقياً والله سبحانه هو الذي خلقنا وهو أعلم بالتشريع الأمثل الذي يحفظ التوازن في الحياة. وما يهمّنا هنا أنّ الحكم ورد نصاً في القرآن لا يحتمل التأويل وما علينا إلا التسليم لربّ العالمين.

إنّ ملف المرأة وحقوقها من أهمّ القضايا الساخنة التي ينبغي عدم اغفالها، وينبغي إعادة النظر إسلامياً في الكثير من الرؤى الشائعة وعرضها على القرآن والسنّة لتمحيصها، ثم بعد ذلك السعي لإيجاد السند القانوني - بعد الشرعي طبعاً ـ من استصدار قوانين للأحوال الشخصية يُشرف عليها علماء الشريعة بمساعدة قانونيين واجتماعيين وعلماء نفس ومن تطبيق الاتفاقيات الدولية التي تحمي المرأة من التمييز مثل اتفاقية «سيداو» مع تنقيتها إن كان فيها ما يتعارض مع الشريعة، والمطالبة بتخصيص حصص للمرأة في المجالس المنتخبة من برلمانات وبلديات وأحزاب وجمعيات، وكلّ ذلك إحقاقاً للحق ولنفي الظلم في المجتمع وحصول التوازن الذي هو أساس التنمية في المجتمع.

×كاتبة بحرينية وناشطة في العمل النسوي.

 

 




 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع