العدد

162 :

الجمعة, ديسمبر 5, 2008 - 10:29 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

فشل في الوصول للبرلمان.. ولا تداول للسلطة

الأردن :  عزوف جماهيري بعد 21 عاماً على ترخيص الاحزاب

 «وادي عربة» وقانون الإنتخاب يطيحان بتطور الحياة الحزبية !

غياب بيئة سياسية واجتماعية تسمح بنمو الاحزاب

عمان _النور

طالب سياسيون وحزبيون اردنيون بإعادة تقييم تجربة العمل الحزبي في المرحلة العلنية التي دخلت عامها الثاني عشر. هذه الدعوة تأتي في وقت  تستعد  الحكومة الأردنية  لإطلاق حوار وطني موسع بهدف التأسيس لتنمية سياسية من جهة، ووسط اتهامات من جهة ثانية للحكومات المتعاقبة منذ رفع الحظر عن العمل الحزبي ويتم ذلك كله في ضوء انشطارات أيديولوجية وانعكاسات للاضطرابات الإقليمية مع تعثر تطبيق مبدأ تداول السلطة.

الأحزاب، بتلاوينها السياسية المختلفة التي زادت على ثلاثين حزبا، تكاد تجمع، بحسب قياداتها، على أن تجربتها لا تزال قاصرة عن التأثير بفاعلية في الحياة السياسية لأسباب عدة تقع مسؤولية أغلبها، وفق وجهة نظر هذه الاحزاب: «على الحكومات والأجهزة الرسمية لإحجامها عن إسناد حياة حزبية حقيقية».

وترى الأوساط السياسية أن أزمة الأحزاب الأردنية تجلت خلال حقبة العمل العلني، على امتداد التسعينات، في فشل أغلبها، باستثناء جبهة العمل الاسلامي (الذراع السياسية للأخوان المسلمين) وبعض الأحزاب الأخرى، في الوصول الى مجلس الأمة وفشل أغلب مرشحيها في أربع عمليات انتخابية نيابية جرت في الاردن منذ العام  1989.

وتبدو الأزمة واضحة في عدم تمكن أي من الأحزاب السياسية من المشاركة في السلطة التنفيذية ككتلة منظمة، باستثناء نواب الإخوان المسلمين الذين تولوا خمس حقائب في حكومة مضر بدران العام 1991 ويرجع ذلك، بحسب القيادات الحزبية، إلى الموقف الرسمي السلبي تجاه الأحزاب والى حالة «التفتيت والتشرذم والانقسامات التي أفرزت أكثر من ثلاثين حزباً إسلامياً وقومياً، يسارياً ووسطياً، من جهة واندثار أحزاب عدة لم تعمر طويلاً» من جهة أخرى.

وتبدو الأزمة اكثر جلاء في عزوف القواعد الشعبية، المفترض أن تكون ذخيرة الأحزاب، عن الانخراط في العمل الحزبي، ربما باستثناء الحالة الاسلامية، فضلاً عن فشل العديد من تجارب الائتلاف والتوحيد والاندماج بين هذه الاحزاب.

يشار الى أن أهم الأحزاب السياسية وأكبرها نسبياً ولدت العام 1992 من رحم أحزاب قومية ويسارية لها جذور فكرية وسياسية عربية أو عالمية وكانت ناشطة في مرحلة العمل السري على مدى عقود من الأحكام العرفية، اضافة لجماعة الاخوان المسلمين، التنظيم السياسي الأبرز، التي كانت تعمل بحرية الى حد كبير كجمعية خيرية على الساحة الأردنية.

يذكر أن الحكومة الأردنية حظرت الأحزاب العام 1957 بعد اصطدامها بمعارضة وطنية فاعلة واتهمت الاحزاب بالتخطيط لمحاولة انقلابية فاشلة. بين ذلك العام وولادة أول قانون أحزاب رقم 32 للعام 1992، وحدهم الإسلاميون انفردوا بالعمل العلني تحت مظلة «الجمعية الخيرية».

ورغم تأخر اقرار قانون الأحزاب السياسية نسبياً بعد الانفراج الديمقراطي الذي شهدته البلاد العام 1989، مع تنظيم أول انتخابات تشريعية خلال 22 عاماً، إلا أن ذلك لم يمنع الحركات السرية التي لها امتدادات قومية (كالبعث باتجاهيه السوري والعراقي) والأممية (الحزب الشيوعي) أو الاسلامية (تحديدا الأخوان المسلمون) من العمل شبه العلني منذ العام 1989 وترويج برامجها وأفكارها لدى قطاعات المجتمع الأردني المختلفة.

بدايات مشجعة

«بدايات مرحلة العمل الحزبي العلني كانت مشجعة»، كما يستذكر نائب أمين عام جبهة العمل الإسلامي جميل أبو بكر، ويقول ان «بدايات تلك المرحلة حملت كثيرا من الآمال والوعود المستقبلية سواء من خلال قانون الأحزاب، الذي ما زال نافذاً، أو قانون الانتخابات السابق، وقبل ذلك بتأثير الميثاق الوطني الذي شكل عقداً اجتماعياً مهماً في الحياة السياسية والاجتماعية الأردنية» لدى صياغته العام 1991.

ويؤكد أبو بكر أن الأحزاب المرخصة «طورت أساليبها وبرامجها منذ ذلك الحين وكيَّفت واقعها ووسائل عملها مع المعطيات الجديدة سواء في العمل الجماهيري أو التنظيمي أو السياسي الحزبي».

على أن رئيس المكتب السياسي لحزب الوسط الإسلامي مروان الفاعوري يقدم طرحا مغايرا حيال بداية مرحلة العلنية، إذ يقول هذا الحزبي القادم من صفوف الإخوان المسلمين أن التنظيمات وقواعدها الشعبية «استقبلت إقرار قانون الأحزاب وإفساح المجال لعلنية العمل الحزبي منذ ذلك الوقت والى الآن بنوع من الريبة وعدم الثقة».

وبحسب الفاعوري «عاد بعض الأحزاب المحظورة الى ممارسة دوره بكوادره السرية وأفكاره الانقلابية نفسها عبر استغلال حالة الانفتاح والاستفادة من العلنية وبقيت رواسب الخمسينيات عالقة في أذهان الكثيرين، كذلك فإن الامتدادات الخارجية لبعض الأحزاب رافقتها وألقت بظلالها أحيانا على عملية - الأردنة- لدى ترخيص أفرع لها في الأردن مثل الحزب الشيوعي والبعث بشقيه والناصريين» على حد قوله.

وكرد فعل على ذلك، يرى الفاعوري، نزع بعض الشخصيات الأردنية إلى تأسيس أحزاب هدفها تأكيد الحالة الأردنية في العمل الحزبي. ويشير الفاعوري بذلك الى تجارب انشاء عدد من الأحزاب التي اصطلح على تسميها بـ «الوسطية» والتي تميزت بغياب البرامج الفكرية والايديولوجية واعتمدت برنامجاً سياسياً يغلب عليه المحلي على القومي والأممي، وتشكلت أغلب تلك التجارب من شخصيات سياسية خرجت من رحم النظام السياسي والبيروقراط الحكومي كما في أحزاب العهد واليقظة والتقدم والعدالة والوطن.

فشل ذريع

ويرى الفاعوري أن أغلب هذه الاحزاب مني بفشل ذريع. ويرجع ذلك الى «غياب الاطر الفكرية المؤدلجة واعتماد هذه التجارب على (الشخص) وغياب الدعم الحكومي المنظم لأفكارها وبقاء حالة الشك وعدم الثقة بين المواطنين تجاهها». كذلك عزا الفاعوري فشل تلك التجربة الى «ابتعاد هذه الاحزاب عن إعتماد مرجعية منسجمة مع  تراث الامة وعقيدتها أو قدرتها على المزج بين الهوية الاسلامية والانتماء الأردني». هذه الاخفاقات بررت، حسب الفاعوري، لولادة حزب الوسط الأسلامي من شخصيات كانت تدور في فلك الاخوان المسلمين.

أما أمين عام حزب الوحدة الشعبية الدكتور سعيد ذياب، الذي يشكل حزبه أحد أعمدة اليسار الأردني، فيرى ان «الحكومات الأردنية لم توفر مناخاً صحياً منذ العام 1992 يمكن أن يساعد على تطور الأحزاب وانتشارها، سواء من حيث التشريعات والقوانين أو المناخ الاعلامي أو أسلوب التعامل مع الأحزاب، كل هذه العوامل مجتمعة كانت في غير صالح الأحزاب. وبالرغم من هذا المناخ غير المؤاتي بل والمعادي أحيانا فإن الأحزاب سعت الى تحقيق  حضور ملفت وفي المحطات البارزة كافة على المستوى المحلي والدفاع عن قضايا المواطنين ودعم نضال الشعبين الفلسطيني والعراقي» حسبما اضاف ذياب.

نقد ذاتي

ولا يتردد  ذياب مع ذلك في النقد الذاتي اذ يقول «انه اذا كان المناخ المحيط بالاحزاب غير مؤاتٍ فإن الأحزاب تتحمل جزءا من مسؤولية الفشل  في الارتقاء بأوضاعها سواء من ناحية عدم مثابرتها في استمرار النضال الديمقراطي لتحسين أو تطوير قراءتها السياسية للواقع الوطني والعربي أو تجسير الفجوة بين برنامجها وممارستها».

ولا يبتعد المراقب للشؤون الحزبية، الرئيس السابق لجمعية حقوق المواطن الدكتور فوزي السمهوري كثيرا عن رأي الحزبيين فيقول ان اصدار قانون الأحزاب «كان فرصة مهمة جدا لتعزيز النهج الديمقراطي وترسيخه لكن الممارسات الحكومية على أرض الواقع ناقضت ذلك من خلال اصدار قوانين وانظمة شكلت عقبة رئيسة أمام العمل الحزبي بمفهومه السياسي والاجتماعي الواسع».

واشار بشكل خاص الى تعديل قوانين الانتخاب للبرلمان والبلديات وحتى الجامعات، في اشارة لفرض نظام تعيين رئيس ونصف أعضاء المجالس البلدية ومجالس الطلبة.

ويرى السمهوري ان التجربة الحزبية العلنية واجهت عزوفا كبيراً واسعاً لدى الجماهير «نتيجة القوانين والأنظمة المعيقة والخوف الأمني من الانتساب للأحزاب».

كما أفقدت نتائج حرب الخليج الأولى واتفاقية أوسلو ومعاهدة السلام الأردنية الاسرائيلية الثقة لدى قطاع واسع من المواطنين بجدوى العمل الحزبي والسياسي . ولا يعتقد السمهوري، مؤسس جمعية حقوق المواطن، التي حلتها وزارة الداخلية العام الماضي ما اعتبر حينها قرارا تعسفيا، أنه كانت لدى الحكومات المتعاقبة «جدية وإرادة سياسية حقيقية لتعميق وتعزيز الديمقراطية، بل أرادت أحزابا ومؤسسات مجتمع مدني شكلية وبلا مضمون».

وأهم عنوان لعرقلة العمل الحزبي، كما يرى السمهوري هو «غياب مفهوم تداول السلطة». ويتساءل الناشط السياسي «ما جدوى الحزب الذي لا يمكن ان يصل للسلطة أو المشاركة بها عبر صناديق الاقتراع ليطبـق برامجـه السياسيـة والاقتصاديـة»؟!

تراجع حزبي ... واتهامات

ويؤرخ بعض الأحزاب، بخاصة المعارضة منها، لإقرار قانون الانتخاب المؤقت أواخر العام 1993 (قانون الصوت الواحد) كبداية لمرحلة تراجع الحياة الحزبية يقول الاسلامي جميل أبو بكر ان واقع الحياة الحزبية «قد تعرض لقوى وعوامل ضغط وحصار، خلال فترة وجيزة، بفعل اصدار قانون الصوت الواحد المجزوء في الانتخابات بدلا من القائمة الانتخابية في الدائرة الواحدة والذي حال دون أن تُطَور الأحزاب نفسها أو تحقق قدراً من المشاركة السياسية، وبفعل الحملات الرسمية وشبه الرسمية، واحياناً الشعبية المشككة بالأحزاب وقدرتها». كذلك تحدث أبو بكر عن «الحصار والملاحقة الامنية، التي تعاني منها الأحزاب، بخاصة المعارضة والوطنية، مع انها اظهرت صبراً وقدرات وراكمت خبراتها بشكل مقبول على الأقل طوال هذه الفترة، وعالجت اختلالات وعيوبا كانت ترمى بها».

ومع ذلك يرى أبو بكر أنه «على الرغم من غياب الارادة السياسية الرسمية لتطوير الحياة الحزبية، ولو بما يتناسب مع امكانات الأحزاب دون تدخل لاعاقة نموها وتأثيرها، فإنها أكثر نضجا وتنظيما واقتدارا للمشاركة السياسية وتحمل الأعباء الوطنية، ودعم قضايا الأمة المصيرية والأساسية».

ويرى الفاعوري انه «رغم ان الحياة الحزبية دخلت الاردن منذ وقت مبكر، الا أنها عوملت معاملة الحصار، وعومل منتسبوها بالتضييق، ما حوَّل الاحزاب الى مجرد واجهة شكلية من موجبات الصورة الديمقراطية فقط، فهمشت فاعليتها، وفي الوقت الذي كانت فيه الدولة تقدم مساعداتها المالية ودعمها المادي والمعنوي الى المؤسسات المدنية (الأندية الرياضية، المؤسسات الثقافية، المؤسسات الاجتماعية) حرمت الأحزاب من الدعم الحكومي، ما كان يجبرها على الاعتماد بالتمويل على رسوم الأعضاء أو على شخصية مقتدرة مادياً، الا انها كانت تتعرض الى فقدان ممولها في حال انسحابه أو وفاته».

كما يعتبر الفاعوري ان القوانين الموقتة «حدت من الحريات وحاصرت العمل الحزبي فتحول الى جهد ضائع لم تستطع معه الأحزاب ان ترتقي الى مستوى المأسسة في ادائها وبرامجها».

ويجزم الفاعوري أن «قوة الأحزاب في حجم مشاركتها في السلطة التشريعية، وامكان تنفيذ برامجها، التي تطرحها في السلطة التنفيذية، وللأسف ان الدستور الأردني والقانون لا ينصان ولا يهدفان الى اشراك الأحزاب في السلطة التنفيذية كما في غالبية دول العالم الديمقراطي».

ازدحام حزبي

الازدحام الحزبي الذي تشهده الساحة السياسية الاردنية هو أحد المعيقات البارزة التي تؤكد الحكومة الآن على ضرورة انتهائه وصولا لبلورة ثلاثة أو أربعة أحزاب كبيرة تتوزع الطيف السياسي والفكري القائم. الاحزاب وأن أقرت بسلبية هذا التشرذم والتعدد  المبالغ به للاحزاب القائمة فإنها ترى ان الدمج والتوحيد القسريين يعطيان  نتيجة عكسية وهما أمر مرفوض .

ويرى أبو بكر أن «وجود مثل هذا العدد لا يرجع لأسباب ذاتية في بنية الأحزاب فقط، بل في جزء منه لأسباب خارجة عن ارادتها سواء لجهة تأثير قوى نافذة أو لطبيعة المرحلة ومعطيات الواقع فإن منهجية التنافس الطبيعي الارادي، في بيئة سياسية واجتماعية، تشجع المشاركة وتحفظ الحقوق تدفع نحو التوحد، هي أفضل الخطط لتقليص هذا العدد، وأول البدايات الصحيحة والارادة الصادقة قانون انتخاب يتوافق عليه الجميع، ويهدف بجد وموضوعية الى تطوير الحياة السياسية وإحداث إصلاح سياسي حقيقي».

على ان الفاعوري لا يجد مشكلة في ارتفاع عدد الأحزاب، بل يرى انها تكمن في «غياب بيئة سياسية واجتماعية تسمح بنمو الأحزاب ويكون في نتيجتها البقاء للأصلح والخيار للناس». ويرى أن الذي ساهم في ايجاد هذه الظاهرة هو «التهميش للعمل الحزبي وغياب القوانين الناظمة له والشخصنة التي تؤدي بالبعض لمحاولة ممارسة دور ما في المجتمع من خلال تأسيس حزب».

ويوافقه الرأي ذياب الذي لا يرى ضيراً من هذا العدد الكبير ويدعو الى «الانطلاق من الحق الدستوري الذي كفل حق تشكيل الأحزاب والجمعيات وبالتالي الإقرار بمبدأ التعددية السياسية». كما لفت لأهمية التمييز بين «أحزاب لها امتدادها وتاريخها في الحياة السياسة الأردنية الى ما قبل الانفراج الديمقراطي وتلك التي ظهرت بعده». لكنه اعتبر أن «للحكومات دورا في تضخيم عدد الأحزاب ومحاولتها افتعال الوجود الحزبي بهذا الكم دون أن يعكس الواقع الاجتماعي والسياسي الاردني واحتياجاته التعبيرية الفعلية».

لكن لماذا لا يتوحد اليسار الاردني؟ يجيب د. ذياب «ان تعدد أحزاب اليسار مرتبط بتباين البرامج السياسية وفهم الواقع والتفاوت في قراءته إضافة الى بعض الاسباب الذاتية»،.معتبراً أن  تعدد اليسار «لا يختلف  عن تعدد الأحزاب القومية والدينية».

ومع ذلك، يرى  ذياب، ان الظروف تستوجب العمل  لتطوير اشكال العمل ومستوى العلاقة بين اطراف اليسار لأن هذا «يشكل المدخل الصحيح لتعزيز دور وتأثير القوى الديمقراطية».

ولا يرى المراقب السمهوري مبرراً للقول بأن العدد الكبير من الأحزاب القائمة يعيق تطور الحياة الحزبية، حتى وإن وجد بعض الأحزاب المتفقة في الأفكار والأهداف فآليات التنفيذ حسب رأيه تختلف من حزب لآخر.

ويرى أنه «لو كان هناك تداول للسلطة لاندثرت الأحزاب الضعيفة والتي لا قاعدة شعبية عريضة لها».

فشل  في اختبار البرلمان

كانت الانتخابات النيابية من المحطات الأبرز التي تقيم من خلالها  الأحزاب مدى حضورها وفعاليتها. ويرى المراقبون ان الأحزاب باستثناءات بسيطة قد فشلت في هذه المحطات الانتخابية الى حد كبير، بخلاف جبهة العمل الاسلامي والاخوان المسلمون، حيث حصد الاسلاميون العام 1989 ما مجموعه 22 مقعدا نيابيا، أي ربع عدد الاعضاء آنذاك، ثم انخفض العدد العام 1993 بعد اعتماد قانون الصوت الواحد الى 18 نائباً، وأخيرا 17 نائباً من أصل 110 نواب في انتخابات 2003، وتخللت تلك الحقبة مقاطعة اسلامية لانتخابات 1997 احتجاجا على استمرار العمل بنظام الصوت الواحد.

كما استطاع بعض الأحزاب بالاعتماد على البعد العشائري وحتى الطائفي (الكوتات) ايصال بعض مرشحيه للمجالس النيابية المختلفة كما كان الأمر مع أحزاب حشد والبعث الاشتراكي واليسار الديمقراطي والوطني الدستوري وغيرها.

ويرى الفاعوري الذي يعتبر حزبه (الوسط الاسلامي) منافساً لجبهة العمل الاسلامي في التيار الاسلامي ان «الأخوان المسلمين تمكنوا من الوصول للبرلمان لأن المجتمع مسلم ابتداءا تكسب ثقته باحترام الاسلام واعتباره مرجعية».

ويضيف ان «ذلك يعود أيضاً لاستمرار الأخوان بعملهم منذ العام 1946، ما مكنهم من التغلغل في مفاصل هذا المجتمع وشرائحه، وقد وفرت لهم الدولة البيئة الأساسية للعمل الشعبي: اقتصادياً وتربوياً واجتماعياً، عدا عن وصولهم الى بعض الوزارات والجامعة الأردنية والأوقاف، وبالتالي  عندما يتاح مجال التنافس وبعدالة التوزيع للقدرات وتتهيأ الفرص للجميع بالمقدار نفسه يصبح القياس ممكنا وعادلاً».

ويلفت الفاعوري الى «ان حزبه، الذي دخل عامه الثالث، قد استطاع ايصال نائبين من أصل عشرة في الانتخابات النيابية الأخيرة وهما علي الشطي (محافظة البلقاء في الوسط) وسليمان أبو غيث (محافظة مأدبا)».

على ان قائد  حزب الوحدة الشعبية، الذي يتحالف مع جبهة العمل الاسلامي في لجنة التنسيق لأحزاب المعارضة يخالف الفاعوري  في رؤيته لهذه الميزة النيابية للاسلاميين. ويقول ذياب «من الخطأ مناقشة مسألة الوصول الى البرلمان دون مناقشة اثر وانعكاسات قانون الانتخابات (الصوت الواحد) على الحياة الحزبية حيث يجمع القاصي والداني على الضرر الكبير الذي الحقه هذا القانون بالاحزاب وبقدرتها على الوصول للبرلمان».

ويضيف ان «تجربة انتخابات 1989، وفق نظام القوائم دلت ان معظم الأحزاب وصلت البرلمان بالرغم من ظروفها الصعبة آنذاك، كما ان الأحزاب التي خاضت انتخابات العام 1993حصلت على  اصوات عالية كان يمكن ان توصلها  للبرلمان لو اعتمد مبدأ التمثيل النسبي»

ويعتقد السمهوري ان عدم وصول الحزبيين الى مجلس النواب (باستثناء الاسلاميين ) له علاقة «بعدم المشاركة الواسعة في الانتخابات جراء اعتماد قانون الصوت الواحد». وأرجع ذلك أيضاً الى «عدم ايمان قطاع واسع من المهتمين بالعمل السياسي بدور مجلس النواب التي تنتجه القوانين الحالية بصفته تابعاً بالضرورة للسلطة التنفيذية بخاصة مع وجود مجلس الأعيان غير المنتخب».

ويرى السمهوري ان تطوير الحياة الحزبية والسياسية «يتطلب تغيير قانون الانتخاب بحيث يتم توزيع المقاعد النيابية بما يتناسب مع عدد السكان واعتماد القائمة النسبية بدلاً من نظام الصوت الواحد وترسيخ الديمقراطية باعتماد انتخاب مجلس الأعيان تعزيزا لمبدأ فصل السلطات».

معاهدة السلام وتهميش المعارضة

وتتوقف الأحزاب، بخاصة المعارضة منها التي يقودها الاسلاميون، طويلا عند توقيع معاهدة السلام الاسرائيلية الأردنية العام 1994 التي اقرت في مجلس النواب رغم معارضة الاسلاميين، وتعتبرها محطة تغيير استراتيجي في علاقة الدولة بالاحزاب ومجمل الحياة السياسية.

ويرى الاسلامي أبو بكر أن جوانب أساسية «تغيرت في الحياة السياسية الأردنية بعد توقيع معاهدة وادي عربة، والتي تصل من خلال بنودها واشتراطاتها، الى درجة التحالف والتأثير على مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المختلفة على الساحة الوطنية». كما لا زالت، يضيف ابو بكر، استحقاقات هذه المعاهدة وتأثيرها في تعاظم، وفي كل يوم نشهد تشريعاً أو موقفاً أو سياسة، تعبر عن هذه الوضعية، فقانون الصوت الواحد المجزوء كان لتخفيف ثقل المعارضة في مجلس النواب، بخاصة الاسلامية، ولتمرير المعاهدة، وتخفيض سقف الحريات العامة، وتهميش المشاركة الشعبية في الجامعات والنقابات ومحاصرة الأحزاب، وصدور العديد من التشريعات والقوانين واحداث تغييرات معينة في المناهج التربوية واهمال الميثاق الوطني، كل ذلك مظاهر ودلائل لطبيعة هذا التغيير».

ويؤيد الدكتور ذياب ما ذهب اليه أبو بكر. ويضيف «بلا شك ان الانفراج الديمقراطي الذي بدأت ملامحه العام 1989 بدأ يضيق بعد توقيع معاهدة وادي عربة، وتزايدت الضغوط في وجه أحزاب المعارضة والحد من دورها ونشاطها وفرصها في التعبير، وظهرت تشريعات وقوانين طالت دور ألاحزاب ومكانتها وكل ما يتعلق بالعملية الديمقراطية مثل قانون الانتخاب، بل يمكن القول ان اقرار القانون ارتبط بالتحضيرات لتوقيع المعاهدة وتوفير شروط اقرارها في البرلمان».

ويضيف ان الحكومات المتعاقبة «مارست، لفرض استحقاقات المعاهدة وبشكل غير ديمقراطي، كل أشكال الضغط والمنع وتضييق هامش التعبير».

 ما هو المطلوب لدعم حياة حزبية صحيحة؟! التساؤل المطروح الآن ونحن على أعتاب انطلاق الحوار الوطني والتأسيس لتنمية سياسية حقيقية عمادها، بلا شك، أحزاب قوية وفاعلة.

الاسلامي أبو بكر يؤكد أن «البداية العملية والجادة تكون في قانون انتخاب يحقق المشاركة الشعبية الحقيقية ويؤكد عملياً ان الأمة هي مصدر السلطات، وينتج مجلساً نيابياً يمثل ارادة الأمة بصدق وقادر على المراقبة والمحاسبة والتشريع، ثم توفير شروط وجود اعلام فاعل وحر، وسياسات شفافة في الادارة الحكومية،  وتوفير مناخات مناسبة لمشاركة الأحزاب وتوحدها الطوعي، على طريق تحقيق تداول السلطة، حيث لا ديمقراطية صحيحة بغير تداول للسلطة، ان المطلوب لولادة حياة حزبية حقيقية هو في يد الحكومة ومسؤوليتها في الدرجة الأولى».

ويسهب الفاعوري أكثر في تعداد ما هو مطلوب لقيام حياة حزبية حقيقية، ويرى ان «وجود ارادة سياسية شاملة توافقية وليست رغبة مرحلية، تستدعي تحديثاً للقوانين الناظمة للعمل الحزبي (الانتخاب، الاعلام وقوانين مؤسسات المجتمع المدني الأخرى كالنقابات والجمعيات والأندية) بحيث تكون الجوامع المشتركة لهذه القوانين في اتجاه عملية التحريك».

وأيضا المطلوب، حسب الفاعوري، دعم رسمي لانتقال الاحزاب من المشاركة بالعمل السياسي الى المشاركة بصنع القرار أما بالمشاورة أو المشاركة وتشجيع عمليات الاندماج أو التحالف الحزبي للخروج من حالة الضعف والشخصنة والشللية في الأحزاب، والنظر للاحزاب كمؤسسات دستورية.

وذاتيا، يطالب الفاعوري الأحزاب والحزبيين «بالبعد عن الشللية وتغليب المصالح الشخصية ونجومية الافراد على حساب المؤسسة واعتماد الديمقراطية الداخلية والابتعاد عن نمطية القيادة التاريخية».

ويؤكد ان الأمر «يحتاج لتغيير من الأحزاب نفسها بوضوح أهدافها وواقعية برامجها وعمق تحليلها وتنظيرها لمشاكل الوطن والمواطن وتقديم مساهمات ولو بسيطة لحلها وعدم النظرة دائما لخارج الحدود» على حد قوله.

ولا يختلف اليساري ذياب كثيرا في تحديده للشروط اللازم تحققها لازدهار حياة حزبية حقيقية. ويطالب بـ «توفير مناخ صحي وديمقراطي يمكن من خلاله ان تعمل الأحزاب وتنمو وتتمدد، والغاء التشريعات والقوانين كافة التي اعاقت وتعيق الحياة الحزبية وفي المقدمة منها قانونا الانتخاب والبلديات».

ودعا أيضاً لاحترام حرية التعبير للناس وصيانتها من أية ضغوط وفتح باب الاعلام المرئي والمسموع امام الرأي الآخر وأن تنتقل هذه الادوات من أصوات للحكومة الى منابر يسمع الناس من خلالها كل الآراء.

 

 





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع