العدد

162 :

الثلاثاء, اغسطس 19, 2008 - 23:14 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

«في الفقه السياسي.. مقاربة تاريخية»

معالجة تاريخية وفقهية لإفرازات الواقع السياسي المعاصر

بشرى الشقوري *

أصبح الاهتمام بالجانب السياسي من الفقه الإسلامي ظاهرة ملحوظة في الدراسات والأبحاث المعاصرة. ويأتي الكتاب الذي بين أيدينا «في الفقه السياسي.. مقاربة تاريخية» لمؤلفه محمد محمد أمزيان، شاهداً على ذلك واضافة مهمة في هذا المجال.     

تكمن أهمية هذه الدراسة في الآفاق التي تفتحها أمام الدارسين والمفكرين المعاصرين لمعالجة كثير من الإشكالات والتساؤلات التي يفرزها الواقع المعاصر. كما أنها بمثابة رد على المششككين في تاريخية الفقه السياسي، أو يتجاهلون مجال الممارسة السياسية، على أساس أن ما أنتج في هذا المجال يشكل استثناء وشذوذاً في طرائق النظر وطرق الاستدلال في النظام الفقهي الإسلامي.

والفكرة الأهم التي رمى الباحث الى بيانها في مدخل هذه الدراسة تتمثل في أن أحكام الفقه السياسي كانت تخضع لنظام استدلالي مطرد، وهذا ما يفسر التقاء وجهات نظر فقهية متباعدة من حيث انتماؤها المذهبي العقدي، كما من حيث الزمان والمكان، حول مواقف سياسية محددة.

وسلك الباحث في هذه الدراسة منهجا يقوم على استحضار البعد التاريخي في تأويل الخطاب الفقهي السياسي، أي استنطاق الحيثيات التاريخية التي أثَّرت في توجيه الصياغة الفقهية، وهي منهجية في غاية الأهمية. كما أن الكتاب يمتاز بأنه قدم مسحا لكثير من الأدبيات العربية المهمة حول موضوعه، بخاصة المناقشات العلمية المهمة حول هذا الموضوع.

منهجان في المقاربة التاريخية

وسلك الباحث في هذه المقاربة التاريخية للفقه السياسي منهجين يكمل أحدهما الآخر:

أولهما، إبراز تاريخية الفقه السياسي، أي إبراز المشكلات والقضايا التي تعبر عن الاستجابات الفقهية المتكررة للمتغيرات التاريخية الظرفية. وعلى هذا المستوى بالذات، يلاحظ الباحث أن التنظير الفقهي للمسألة السياسية ظل ملتزما بمسلكين متوازنين: الأول، التنظير المبدئي للممارسة السياسية المعتبرة شرعيا. وعلى هذا المستوى كانت المادة الفقهية تقرر شكل مؤسسة الحكم، ومسالك حيازة السلطة، وشروط التأهيل، وغيرها من المباحث النظرية بهدف تأصيلها والاحتجاج لشرعيتها. والثاني يتجلى في التنظير لواقع الممارسة السياسية القائمة تاريخيا، وهو الجانب الذي حرك فيه آلياته المقاصدية ومقولاته المنهجية المعتمدة في التكييف.

وثانيهما، التأويل التاريخي للفقه السياسي، أي التعرف على الاعتبارات الآنية والضغوط الراهنة التي كان يلحظها التنظير الفقهي، والتي ساهمت في تشكل الرؤى الفقهية المختلفة. وتظل هذه العملية التأويلية من ضرورات التعامل  المنهجي مع التراث الفقهي؛ بخاصة أن الفقه السياسي أخضع لمجموعة من القراءات الإيديولوجية الموجهة.

توزعت محاور الكتاب، على أربعة أقسام تضمنتها هذه الدراسة على النحو التالي:

الخلافة بين الشرعية والتكييف الفقهي

المحور الأول: الخلافة التاريخية والتكييف الفقهي لمسألة الشرعية. والاشكالية التي يطرحها الكاتب في القسم الأول من الدراسة تكمن في فهم الموقف الفقهي من مؤسسة الخلافة التاريخية / المستحدثة الشاذة عن المعايير الفقهية الضابطة لشكل الخلافة المعتبرة شرعيا، وهي إشكالية في غاية الحساسية والتعقيد.

ولتوضيح هذه الإشكالية، وفهم الموقف الفقهي وتنظيراته، حاول الباحث رصد أهم مظاهر التحولات التاريخية التي أطرت الحركة الاجتهادية، وحددت آليات الاجتهاد الفقهي.

بين الخلافة الشرعية والخلافة التاريخية: في الفصل الأول من هذا القسم من الدراسة حاول الباحث أن يجسد مظاهر التحولات والصراعات التي عرفتها الممارسة للسياسة على مستوى البنية القيمية، في مبحثين مهمين، أولهما على مستوى القيم؛ حيث ظل منطق الغلبة والقهر (أي انتزاع السلطة بالقوة، و تشييء القيم)، هو المنطق المؤثر في التاريخ السياسي للدولة القائمة والمتحكم في صيرورتها التاريخية، والثاني على مستوى المرجعيات، حيث نجد صراع منظومتين سياسيتين متعارضتين من حيث الأساس، منظومة أخرى نقيضة ـ في نظر الاتجاه الأول ـ، تعارضها في المرجعيات والمقاصد والأهداف، فانفصل السياسي عن الشرعي.

التكييف الفقهي لشرعية الخلافة التاريخية: في الفصل الثاني، وبعد إشارة الباحث إلى الصعوبات المنهجية التي تعترض عملية البحث في الصورة التي قد يعكسها الوعي الفقهي حول طبيعة الانقلابات التي خضعت لها دولة الخلافة، منها، بخاصة ما يعود إلى كثرة التفريعات الفقهية والتعقيدات المنهجية التي تتسم بها التأويلات الفقهية الرامية إلى تأطير النصوص تاريخيا. ضمن هذه الرؤية المنهجية ركز البحث نقاشه على أهم المسائل التي تمخض عنها التأويل الفقهي، الذي يُعَبَر من خلاله عن مستوى وعيه السياسي، منها على سبيل المثال تلك الأسس المعيارية المستحدثة، المعبرة عن وعي فقهي مبكر بطبيعة الأشكال والتنظيمات السياسية، واضعة مجموعة من الضوابط المقننة للممارسة السياسية. هذا الوعي الفقهي أفرز مصطلحات جديدة أصبحت لها مكانتها في لغة التداول السياسي حفاظا على استقلالية مصطلحاته ومضامينه عن المفاهيم التي كرستها لغة التداول العرفي، فطرحت «مسألة الشرعية» موضوعا للنقاشات والجدالات، وتراوحت المواقف بين الإثبات والنفي.

وحول الموقف المبدئي من مسألة الشرعية، يشير الكاتب إلى الصعوبة التي قد تعتري الباحث، للقول الفصل في مسألة إثبات الشرعية أو عدمها نظراً للازدواجية التي تظهرها مؤسسة الخلافة. لذلك كان التمييز ضرورياً ـ حسب رأي الباحث ـ في مناقشات الفقهاء لمسألة الشرعية في مستواها النظري، حيث التنظير لنوع الممارسة السياسية المشروعة. وهنا يسجل  الباحث الموقف المبدئي للفقهاء الذي شكل ثابتاً من ثوابت الفقه السياسي، أن الصورة النموذجية والمعترف بها شرعاً للممارسة السياسية التي تعود مرجعيتها إلى تجربة الخلافة الراشدة، وبين مستواها التطبيقي حيث الواقع التاريخي المثقل بأشكال الإكراهات والتدافعات، متروكة لتقديرات الفقهاء في ميزان الترجيح بين المصالح والمفاسد. ومن الأمثلة التي ساقها الباحث لتوضيح هذا المنهج عند المنظرين من الفقهاء، أنهم لم يقولوا بشرعية إمامة الجائر ابتداء؛ أي أنهم اعترفوا بسلطة الجائر اعترافاً ظرفياً على سبيل الاستثناء لتحقيق المصلحة العامة، ليخلص الباحث إلى أن هذا الفهم الأصولي لم يكن مجرد تأصيل نظري لقواعد أصولية، وإنما يكشف عن وعي فقهي تشكل في أحضان مشكلات عصره، وتأسس على مستندات شرعية، سواء ما تعلق منها بالنصوص الشرعية، أو القواعد الفقهية، أو السوابق التاريخية.

تداول السلطة بين الممارسة والفقه

المحور الثاني: تداول السلطة بين الممارسة التاريخية والتكييف الفقهي.

في بداية هذا المحور _ وهو القسم الثاني من هذه الدراسة- يشير الباحث إلى أن احتكار الممارسة السياسية، وإقصاء التنظير من حلبة التدافعات السياسية، حال دون بلورة أشكال تنظيمية مؤسساتية واقعية. ومن جهة أخرى تحرك النظر الفقهي لمواجهة هذه الأزمة مستعينا بكل ما يتيحه الاجتهاد الفقهي من إمكانات التطويع والتكييف، وكان الانزلاق في هذا الاتجاه التصحيحي يتم على حساب تطوير الأشكال التنظيمية التقليدية.

تداول السلطة بين منطق العصبية ومنطق القوة: يوضح الباحث في الفصل الأول من هذا القسم من هذه الدراسة، وبتتبعه للوقائع التاريخية، كيف أن مبدأ تداول السلطة أضحى يتأرجح بين منطق العصبية، حيث تحكم العصبيات أضحت سمة واضحة، ومنطق القوة حيث تغليب الخيارات العسكرية على أي خيارات أخرى. أضف إلى ذلك صورية البيعة التي تجسدت في تمظهرين أساسيين، صورية العقد وإكراهية البيعة.

ضمن هذه المعطيات التاريخية حيث ظل التوتر السياسي فيها ثابتا من ثوابتها، اتجه الفقه السياسي نحو التوفيق بين المثال والواقع، وبين المبدأ والممارسة، ومن ثم تحددت وظيفة الفقهاء في تكييف المبادئ النظرية تحت ضغط الممارسة الفعلية، دون أن يعني ذلك تنازلا عن المبادئ نفسها، ما جعل الفقه السياسي يسير في اتجاهين متوازيين: تقرير المبادئ النظرية من جهة، وتكييفها على ضوء الواقع من جهة أخرى.

تداول السلطة في ضوء التكييف الفقهي: وضمن هذه الرؤية يطرح الباحث، في الفصل الثاني من هذا المحور، جملة من  الإشكالات والأسئلة كمدخل لفهم طبيعة التنظير الفقهي لطرق تداول السلطة، من ذلك مثلا تساؤله عن سبب استمرار الكتابة الفقهية في تقرير المبادئ النظرية العديمة الصلة بالواقع؟! وظلت حبيسة المفاهيم التي أفرزتها تجربة الخلافة؟ وهل كان استصحاب الفقهاء لهذه المبادئ النظرية تجاهلا للواقع التاريخي، ومن ثم الحكم بلا تاريخية الفقه السياسي؟.

وهذه أهم الملاحظات والاستنتاجات التي قدمها الباحث هنا على شكل مباحث أربعة:

التنظير الفقهي لتداول السلطة: على مستوى الممارسة التاريخية للتنظير الفقهي، يلاحظ الباحث في مجال تداول السلطة، أن الفقه السياسي تمظهر في شكلين متعارضين: شكل نظري مبدئي وشكل تاريخي واقعي، وبقدر ما كان الشق النظري جامدا على صياغة تاريخية بعينها هي الصياغة التي تمت على عهد الخلافة الراشدة، بقدر ما كان الشق الثاني حيويا يعمل على الدوام على مواكبة الأشكال المستجدة واستيعابها ضمن رؤيته التكييفية ومنطقه المحكوم بالتوازنات والترجيح بين المصالح والمفاسد.

 فكان التنظير الفقهي في هذا المجال يسير وفق خطين متوازنين: إقرار الأساليب الشرعية من جهة، تأكيدا لاستمرارية حكمها وثباته رغم غيابها على مستوى الواقع، وإقرار الممارسات التي أفرزتها الوقائع التاريخية قصد استيعابها و«تصحيحها» من جهة أخرى.

ويسجل الباحث في نهاية هذا المبحث أن الكتابة السياسية في مجال تداول السلطة ظلت حبيسة المفاهيم السياسية التي أنتجتها فترة الخلافة الراشدة، حيث أصبحت بمثابة سلطة مرجعية حكمت العقل الفقهي في اجتهاده، وحددت سقف تنظيره في حدود ما تمخضت عنه من أشكال التداول، وما أفرزته من قواعد منظمة. وهذا ما يفسر ضآلة المادة السياسية الواردة في هذا المجال.

بيعة الإكراه في ضوء التكييف الفقهي: يخلص الباحث إلى أن الموقف الفقهي المبدئي،  يرى الإقرار ببيعة الإكراه ولا يعتبر ذلك إقرارا بشرعية الإكراه، بل عملا بمقتضى النصوص التي أوجبت الصبر على هذا الإكراه وتحمله في سبيل دفع ما هو أعظم منه فسادا.

ولاية العهد في ضوء التكييف الفقهي: يؤكد الباحث أن الموقف  الفقهي المبدئي من ولاية العهد، لم يختلف الفقهاء في اعتبارها طريقا من طرق الاستخلاف وإن كانوا قد اختلفوا في التفاصيل المتعلقة بهذا الإجراء. لذلك، فإن معارضة غالبية الفقهاء لولاية العهد التاريخية إنما كانت تراعي اعتبارات أخرى تعود بالنقض على شروطهم التي اشترطوها لضمان صحة العهد وحمايته من التسيب والتمييع، حيث نصوا على عدالة الإمام وأهلية من اختاروه للعهد. وهي الاعتبارات التي كانت مفقودة في واقع العهود التاريخية المتحيزة.

ولاية المتغلب في ضوء التكييف الفقهي: ينبه الباحث هنا إلى أن التنظير الفقهي لولاية المتغلب يجد مكانه ضمن التكييف الفقهي لواقع الممارسة التاريخية بهدف «تصحيحه»، ولا يندرج ضمن التشريع المبدئي للممارسة السياسية المعترف بشرعيتها.

ميّز الباحث بين شكلين من ولاية التغلب بحسب نوع المتغلب: الأول ولاية المتغلب المستجمع للشرائط المعتبرة، والثاني: ولاية المتغلب الفاقد لتلك الشرائط. واستعرض موقف الفقهاء من هذه الحالات المختلفة.

واقع التجزئة وصيرورة الوعي الفقهي

المحور الثالث: تفكك الوحدة السياسية بين الواقع التاريخي والتكييف الفقهي.

في القسم الثالث من هذه الدراسة يحاول الكاتب أن يرصد انعكاسات واقع التجزئة على صيرورة الوعي الفقهي والتنظيرات الفقهية وموجهاتها، ومن ثم رصد التوجهات الفقهية المتضاربة في تقديراتها، و المبررات المنطقية التي تأسست لتنظيراتها، مع ملاحظة التطورات التي حصلت في الموقف الفقهي بفعل التقادم وتباعد الفترات الزمنية.

وإذا كانت الشواهد الفقهية تشير إلى أن وجود مثل هذه التباينات أمر حاصل في الرؤى الفقهية، فإن المسألة الأهم ترتبط بنوع التفسير، الذي يمكن أن يقدم، والتأويلات التاريخية الممكنة لفهم المؤسسات المحددة لتلك الرؤى. وهذه أهم القضايا والإشكالات التي حاول الباحث رصدها في هذا الصدد:

تفكك الوحدة السياسية: خصص الباحث  الفصل الأول من القسم الثالث من هذه الدراسة كمدخل تاريخي لفهم أسباب تفكك الوحدة الإسلامية، ولرسم الإطار التاريخي الذي تحرك فيه التنظير الفقهي لمسألة الوحدة، ولرصد المتغيرات السياسية التي خضعت لها دولة الخلافة في فترة ضعفها ومدى انعكاس ذلك على وحدتها الجغرافية ومركزيتها الإدارية والسياسية. وحصر الباحث تلك المتغيرات في ثلاثة أشكال من الممارسة السياسية آل إليها الوضع السياسي:

الشكل الأول يهم مؤسسة الخلافة نفسها حيث شكل ظهور مؤسسات أخرى تحتكر حق الخلافة تحديا لمبدأ الوحدة الذي وقع عليه إجماع الفقهاء. وكان أبرزها ظهور الخلافة الأموية في الأندلس، والخلافة الفاطمية في الغرب الإسلامي.

والشكل الثاني يخص التفكك السياسي وإعلان الإمارات المستقلة ما شكل خرقا بالغا لمركزية السلطة الإدارية والسياسية الضامنة لمبدأ الوحدة. ورجح الباحث أن الاستقلال عن الخلافة المركزية تجد تفسيره في النهج السياسي، الذي سلكته دولة الخلافة والذي ارتكز أساسا على احتكار السلطة وإقصاء أهل الاستحقاق واعتماد منطق القوة وحيازة السلطة واستمراريتها. وتبقى النوازع المذهبية/ العقدية، والدوافع القومية ذات دور ثانوي.

والشكل الثالث يعود إلى ظهور الدولة السلطانية باعتبارها سلطة مركزية موازية لسلطة الخلافة ما أدى إلى ازدواجية السلطة العليا، الوضع النقيض لوضع الوحدة.

تفكك الوحدة السياسية في ضوء التكييف الفقهي: كان هم الباحث في هذا الحيز من الدراسة (وهو الفصل الثاني من القسم الثالث) أن يرصد مدى التفاعل والمرونة اللذين أبداهما المنطق الفقهي إزاء هذه المتغيرات، والصيغ القانونية الجديدة التي قدمها للتوفيق بين النموذج المثال والواقع القائم.

التكييف الفقهي لتعدد منصب الخلافة: إن المسألة التي تثير تساؤل الباحث هنا، وهو يتصفح تلك التنظيرات الفقهية المتباعدة زمنيا، تكمن في ماهية الذرائع والمبررات التي قدمها التنظير الفقهي لاستيعاب مسألة التعدد، بخاصة إذا علمنا الموقف الفقهي المبدئي من الوحدة والتعدد. ليستنتج أن المناقشة الفقهية لمسألة الوحدة والتعدد في عمومها تلتزم الصمت عن طرح المسألة في مستواها السياسي التاريخي لتنحصر في مستواها النصي النظري.

التكييف الفقهي لازدواجية السلطة: يتتبع الباحث ردود الفعل الفقهية المختلفة، التي تمت بلورتها على فترات متباعدة زمنيا، ويسجل ويقرر مدى التفاعل الفقهي مع هذه المستجدات، ومدى استجابة الردود الفقهية لضغط الواقع وتموجاته المختلفة. من ذلك مثلا: كيفية تناول الفقهاء لقضية التنظير الفقهي لمسألة الحجر على الإمام، وموقع الدولة السلطانية من التنظير الفقهي، حيث كان نظام التفويض هو المخرج الفقهي الأمثل لمشكلة الازدواجية في السلطة وغيرها من القضايا التي فرضت نفسها أمرا واقعا على التنظير الفقهي.

 ليخلص في نهاية هذا المحور إلى  التأكيد على أن استحضار هذه المتغيرات السياسية والثقافية التي طرأت على الواقع الإسلامي تجعل تلك الازدواجية، التي قد يظهر بها الفقه السياسي مفهومة تماما بالنظر إلى حيثياتها التاريخية التي أفرزتها، كما تجعل خياراتها منطقية تماما بالنظر إلى الأهداف التي كانت تسعى إلى تحقيقها. وهذا بحسب الباحث يقدم احد أقوى المؤشرات على أن الفقه السياسي ظل محكوماً بواقعية تاريخية صارمة، وحرك آلياته الاجتهادية في ضوء معطيات عصره وإملاءاته.

شروط التأهيل السياسي

المحور الرابع: شروط التأهيل بين التقنين المبدئي والتكييف الفقهي.

وهو المحور الأخير من هذه الدراسة، فقد عاد الباحث ليطرح المناقشات الفقهية لمسألة الشروط المعتبرة في التأهيل السياسي حيث أظهر الفقهاء فيها تساهلا واضحا، كانت مدخلا لكثير من الدراسات المعاصرة للتشويه والتلفيق. ومن الضروري هنا التمييز بين ما هو من قبيل المواقف المبدئية،  وما هو من قبيل التكييف للحالات التاريخية الظرفية. لذلك تناول الباحث هذه القضية في مبحثين:

 في المبحث الأول حاول معرفة الموقف المبدئي من شروط التأهيل، وبخاصة منها تلك التي كانت مدار التكييف الفقهي، من مثل: القرشية والعلم وولاية الصغير، ليستنتج أن الفقهاء لم يتساهلوا في إيجاب تلك الشروط وإنزالها منزلة الفروض. تلك الأحكام التي التمسوها في دلالة النصوص والأمور المجمع عليها.

أما على مستوى التكييف الفقهي لهذه الشروط، وهو الذي تناوله في المبحث الثاني، فلاحظ أن التنظير الفقهي كان يتحرك ضمن رؤية مقاصدية تراعي مقتضيات الضرورة ومآلات المصلحة وغيرها من المقولات المقاصدية، التي تسمح بمرونة أكثر في التعامل مع تلك المتغيرات الظرفية.

نتائج وخلاصات

وختم الباحث دراسته بجملة من النتائج والخلاصات، أهمها: أن الوعي الفقهي ظل واعيا بطبيعة التحولات السياسية رغم حجم المساحة الفاصلة بين شكل الممارسة السياسية النموذج وبين الممارسة التاريخية الإكراهية. وهكذا أفرز الوعي الفقهي مفاهيم جديدة ومبتكرة مثل الخلافة «الكاملة» والخلافة  «بالحق» تمييزا لها من الخلافة «الناقصة» أو الخلافة «بالفعل» أو الملك «الجبري» أو «العاض»، كما أنضج سلسلة من الأدبيات والأحكام والفتاوى حول بيعة «الإكراه» وولاية «المتغلب» و«الجائر» و«الفاسق» و«القاصر» و«الفاقد للشروط» وغيرها من الإفرازات التاريخية. وهي كلها عناوين ظلت تمثل في وعي الفقهاء الطرف المقابل والوضع النقيض لولاية «العادل».

كما أكدت الدراسة أن التنظير الفقهي، بخاصة القسم المتعلق منه بالمتغيرات الظرفية، كان يخضع للشروط التاريخية التي أفرزته، وجاء استجابة لها وجوابا عن إشكالاتها، ما يؤكد تاريخية هذا الفقه ومرونته وقدرته على التكيف.

 وفي الختام لا تخفى أهمية هذه الدراسة سواء من الناحية الموضوعية أو من الناحية المنهجية، بخاصة ما قد تثيره مثل هذه القضايا من آفاق جديدة أمام تفعيل البحث العلمي.

* دكتوراه في الفقه وأصوله- المغرب

 

 

 





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع