العدد

162 :

الجمعة, ديسمبر 5, 2008 - 11:42 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

«الإيكولوجيا والروحانيات» تظاهرة عالمية في باريس

في انتظار تبلور تيار «إيكولجي» إسلامي

 

محمد طالب ×

تميزت التظاهرة العالمية «الإيكولجيا والروحانيات» التي نظمتها جامعة دارما (البوذية) في هضاب «السفوا» في الجنوب الفرنسي، بمشاركة إسلامية مهمة، من خلال شبكة العبر المناهجية العربية «بيت الحكمة».

وهي المشاركة التي تمت إنطلاقاً من ثلاثة أسباب:

أولها: الوضع الأيكولجي الكارثي الذي يعيشه اليوم العالم العربي والإسلامي بشكل عام، وذلك بالقياس إلى حجم المسافة بل القطيعة بين معدل النمو الديمغرافي العام، ومصادر الطاقة من جهة، وبين المكان بالمعنى الجغرافي وبينه كمكان اقتصادي.

وهنا يمكن قراءة هذه الخريطة من خلال نماذج البلدان العربية الغنية، بل الفاحشة الغنى، لكن النسبة الديمغرافية لسكانها استمرت ضئيلة وبطيئة النمو، مقابل بلدان عربية فقيرة، جدا، تضم بين جنباتها معدلا ديمغرافيا مأهولا يشارف الانفجار السكاني. كما يمكن قراءة ذلك من خلال عصف «التصحر» بالمساحات الخضراء من المضارب العربية، والذي يترجم على المستوى الإنساني بتدفق الهجرة «الرعوية» نحو المدن، وتفاقم إشكاليات تكدس الأحياء السكنية البائسة، الفاقدة لكل مقومات الحياة الصحية أو الحاجات الضرورية، حول هذه المدن، سواء الكبرى أو الصغرى على امتداد الوطن العربي.

كما يمكن أن نقرأ هذا على المستوى الإيكولجي، ووفق غياب سياسات وقائية ضرورية وعاجلة من خلال فقدان الأرض للخصوبة الحيوية، بتكرار توظيف الأرض دون أدنى برمجة «إيكولوجية» ضرورية، وبالتالي زحف «المعادن» على مساحة «النبات» بشكل يصعب عكسه.

أما السبب الثاني، فكان ضرورة التأكيد على العناية الفائقة التي يوليها الدين الإسلامي (رغم غياب الترجمة الفعلية لهذا الجانب العقائدي المهم في السياق العملي داخل المجتمع الإسلامي في الوقت الحاضر)، للبيئة ولحماية البيئة. بل لتقدير و«تقديس» الطبيعة وفق تلك الآيات الرائعة التي يجعلنا الخطاب القرآني نطل من خلالها على عظمة الخلق والوجود، من تأمل السماء أو الأرض أو الحث على الحرث والزرع أو ري الأرض، وحفظ الماء وتنظيم السقاية...أولم يقل نبينا بأنه لو قامت القيامة وبيد أحدكم فسيلة فليزرعها؟.

كما أن العديد من اقطاب الفكر العربي الإسلامي قد توقفوا بكثير من الإجلال أمام الطبيعة ليترجموا الخطاب القرآني عبر نظريات علمية وفلسفية ناطحت سموات الفكر الإنساني بأسره، منها على سبيل المثال لا الحصر نظرية وحدة الوجود عند إبن عربي، رغم كل إشكاليات تفسير هذه الفكرة الفلسفية المهمة خلال حركة الفكر الإسلامي في ما بعد. حيث كثيرا ما فهمت نظرة إبن عربي للطبيعة بشكل خاطئ من قبل الكثير من المفسرين الذين توقفوا أمام فكر «الشيخ الأكبر». وتم تصوير فكرته عن وحدة الوجود بأنها تنحو للتوحيد بين العالم وبين الخالق جل جلاله. رغم أن تأكيد ابن عربي قد كان  كبيرا على مطلق التنزيه (للأحادية الإلهية)، في كامل شروحاته للعلاقة «الوجودية/ لصيرورة (طبيعية انبثقت عن كينونة كان أمره بشأنها: «كن فيكن»)، من خلال التأكيد على الطابع الحيوي الروحاني لديناميكية الخلق ذاتها، وهو الأمر الذي يضفي على الطبيعة في رأيه شيئا من روح الله، أولم يخلق الله كل شيء، وإنا لله وإنا إليه راجعون؟

أما السبب الثالث الذي كان وراء هذه المشاركة الإسلامية في هذه التظاهرة الإيكولوجية العالمية، فقد كانت غياب أو تغييب الحضور الإسلامي عن مثل هذه التظاهرات بالذات، وكأن المسلمين غير معنيين بشؤون البيئة أو مستقبل الطبيعة وحياة الأرض، بخاصة وأنه قلما يتم تمثيل الإسلام في هذه المناسبات الفكرية التي تتعرض بصورة خاصة للإيكولجي والروحانيات. بحيث كان من الضروري الحضور وتقديم قراءة روحانية مواكبة للنص القرآني في حديثه عن الطبيعة .

من ناحية أخرى، وبالقياس إلى انتماء أغلب الدول العربية والإسلامية إلى فضاء العالم الثالث، كان من الضروري طرح وجهة نظرها، باعتبارها أطرافاً معنيةً بمسألة القطيعة بين الإنسان والطبيعة، بأن هذه الإشكال نفسه لا يمكن أن يفصل عن إشكاليات القطيعة بين الشمال والجنوب، أو بين الدول الصناعية الغنية ودول العالم الثالث الفقيرة حيث يصعب فهم البيئة بكل هذه الإشكاليات التي تعصف بها، بمعزل عن إشكاليات العولمة الرأسمالية. هذه العولمة تسعى لأن تعمم على الأرض نموذجا  واحدا للتطور، نجده يتعارض في كثير من الأحيان مع مصالح  بقية شعوب الأرض وطبيعتها، بل مع  حق الأرض.

حيث أن حضور وجهة النظر الإسلامية في هذه المناظرات العالمية هو تأكيد على وجهة النظر الإسلامية المعاصرة، التي تسعى لتأكيد تيار إيكولوجي إسلامي هو جزء أساسي وفاعل من حركة النقد العالمي المقاوم لهذه العولمة الغربية التي يتم السعي لفرضها على سكان الأرض.

وهذه العلاقة الوجودية بين الروحاني/ والإيكولوجي، ونقد الرأسمالية، تمثل في واقع الأمر واحدة من أهم الحقول الفكرية الجديدة التي أخذت في تفعيل الحوار، وخلق آليات جديدة للفعل الموحد والمتكامل بين التيارات المقاومة المختلفة في العالم الثالث، والتي يوجد بعضها في الغرب كذلك.

ونذكر من هذه التيارات المقاومة، الحركة الفكرية التي يقودها في الهند الفيلسوف الهندي فان دانا  شيفا، أو تلك التي يقودها في الفيلبين المفكران ميكارو برلاس، وولدن بيلوه أو تلك التي يقودها في البرازيل عالم اللاهوت الشهير «ليوناردوا بوف، وغيرهم من هذه الرموز التي صارت تفرزها فضاءات العالم الثالث.

وحتى الساعة لن نتمكن من وضع اسم عربي، أو التأكيد على وجود تيار عربي إسلامي محدد يذهب في هذا الاتجاه بالذات، وهو ما يجعلنا نطرح السؤال في سياق ملح ومحرض؛ لماذا؟

 ومتى يمكن لهذا التيار أن يأخذ طريقه للتأكد أو التحقق؟ أمام كل هذه التهديدات التي تقف على رأس البيئة العربية ومستقبل الوجود الإنساني في المنطقة؟

الجواب في واقع الأمر يكمن في حجم المسافة التي تباعد وتفرق بين الأزمة الأيكولوجية ذاتها في منطقتنا العربية، والوعي الاجتماعي العام بهذه الأزمة بالدرجة الأولى. ثم هو يكمن ثانيا في المسافة التي تفصل بين الخطاب العربي الرسمي، والذي يوظف مفاهيم «الأيكولوجي»، والتطور المستدام وخلافه من مفردات «علم حماية البيئة»؛ وبين الممارسة العملية الرسمية، أو الفعل السياسي الحقيقي باتجاه حماية البيئة، من طرف هذه المؤسسات العربية الرسمية.

وذلك رغم وجود مئات الآلاف من العلماء والخبراء العرب الذين يملكون مستويات عالية جدا من القدرات العلمية المتخصصة في علوم الزراعة أو النبات أو الجيولوجيا أو حماية البيئة ورغم وجود مئات الآلاف من مراكز الأبحاث والمعامل التي تنصب على هذه العلوم في جامعات الوطن العربي والإسلامي ومؤسساته بل وجود الكثير من المنظمات والجمعيات المدنية العاملة في مجال حماية البيئة على مساحات الوطن العربي المختلفة (ونحن هنا نحيي بالمناسبة صدور أول مجلة عربية مهتمة بشؤون البيئة هي مجلة «الأيكولوجي» الصادرة في بيروت).

ورغم وجود، وبشكل موازٍ لهذه القدرات «الإيكولوجية»، بطبيعة الحال حياة ثقافية نشطة وقوية قائمة على ذلك الوعي والموروث الإسلامي الذي جعل للبيئة والطبيعة مكانة مهمة، بل أساسية في تفاصيله.

أي رغم وجود كل المعطيات الأساسية القادرة على خلق، بل تفجير حركة أيكولوجي إسلامي على مستوى من الفاعلية، ولكن دون توحد هذه الأطراف أو تفاعلهما معا حتى الآن.

وإذا ما استطعنا توحيد هاتين القوتين، سيكون في متناول أيدينا شبكة رائعة تجمع بين المدني والسياسي والروحاني، كما المؤسساتي، قادرة على الدفع بذلك التحدي الإيكولوجي في العالم العربي والإسلامي الذي صار يلح كقضية تخص مستقبل الوجود الإنساني بأسره.

 

× خبير الدراسات الإسلامية ومدير سلسة النشر «الأيكولوجي والروحاني»، في دار النشر الفرنسية المعروفة «فيار» - باريس





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع