|
في حوار حول كتابه عن الامام الخوئي
طراد حمادة: نحن
في حاجة الى فكره الإصلاحي والتجديدي
بيروت -جلال حسين شريم
الكتابة عن الإمام السيد أبو القاسم الخوئي
مهمة غير عادية، نظراً الى مكانته العالية، وعلمه الغزير، ما يجعل
أي بحث قاصراً عن الاحاطة بمزايا هذه الشخصيةالفريدة. وهذا يضاف
الى الاحداث العاصفة التي واكبت مسيرة حياته، والى الظروف الصعبة
والمعقدة التي جرت فيها وفاته ... كل ذلك جعل جهد الكتابة عنه أكثر
دقة وصعوبة من أي وضع آخر مشابه.
وفي الكتاب الماثل بين أيدينا، والذي جمع مادته
وكتبه الدكتور طراد حمادة، الباحث في شؤون الفلسفة والتصّوف،
والاستاذ في الجامعة اللبنانية، والذي أشرف على تحريره الاستاذ عبد
الحسن الأمين، رئيس تحرير مجلة "النور"، نجد محاولة للدخول إلى
عالم الامام الخوئي، وسبر لأعماق تجربته منقطعة النظير.
وفي ما يأتي نص الحوار الذي أجريناه مع د.
حمادة، في بيروت، حول تجربة كتابته، ومحاولة اقترابه من الامام
الخوئي.
لماذا وقع اختياركم على الامام الخوئي بالذات
ليكون موضوعاً للدراسة؟
× استطيع القول أن هناك ثلاثة اسباب رئيسية
وراء هذا الاختيار:
السبب الأول أنه أثناء دراستي في جامعة
السوربون الباريسية أوليت اهتماماً لدراسة الفكر الاسلامي بمراحله
المختلفة، وبمدارسه المتعددة، من خلال دراسة رجالاته وأعلامه، وفق
نظرية تقوم على مبدأ:"دراسة الفكر من خلال الانسان المفكر". وكشفت
لي هذه الدراسات عن اعلام كبار ينتسبون الى العالم الاسلامي
كمنطقة، والى الاسلام كدين وحضارة. وهذا النمط من الدراسات حملني
على متابعة حركة الفكر الاسلامي والعربي حتى عصرنا الحاضر.
وبما أن سماحة آية الله العظمى العالم الفاضل،
الامام"ابو القاسم الخوئي"، علم بارز من اعلام الفكر الاسلامي
المعاصر، بل هو يمثل مدرسة بحد ذاته، فإنه لا يمكن ان يستكمل
الباحث دراسة هذا الفكر من دون أن يدرس فكر الامام الخوئي.
ومضافاً الى ذلك فإن هذا العَلَم الكبير يمتلك
صفات شخصية تقوم على كونه مرجع تقليد للمسلمين الشيعة على اختلاف
بلدانهم. وهذا ما اكتشفته منذ ان كنت فتى يافعاً، وكان جميع اهل
منطقتي، منطقة الهرمل في البقاع اللبناني، على تقليده، بحكم كون
مفتي مدينتنا حينها، المغفور له العلامة الشيخ موسى شرارة، مقلداً
للامام الخوئي. وحينها لم نكن نعلم بالضبط ماذا تعني مسألة
التقليد، وما هي شروطها، لكنني احسست برغبة ذاتية في الاطلاع، بشكل
مفصل، على ميزات هذه الشخصية التي اجمع الشيعة على تقليدها.
والسبب الثالث يعود الى الصداقة التي قامت بيني
وبين الاستاذ عبد الحسن الأمين، لتنفتح أمامي أبواب العلاقة مع
مؤسسات الامام الخوئي في لندن، ليكون الاتفاق على الكتابة حول هذه
الشخصية الفذة، واحدة من نتائج هذه العلاقة.
وهذه الاسباب الثلاث كانت المحرّك لي والمحفّز
للوصول الى هذه الدراسة.
علاقة الدين والفلسفة
- اليس في دراسة طراد حمادة، وهو المتخصص
بالفلسفة، لشخص الامام الخوئي، وهو العالم الديني، شيء من التناقض
في ظل الصراع التاريخي بين هذين المجالين، وخصوصاً مع المدارس
الفلسفية المعاصرة التي أرجعت الدين بغالبيتها الى عوامل اجتماعية
ونفسية وتاريخية، نازعة عنه صفته الغيبية؟
من موضوعات الفلسفة دراسة الفكر الانساني
بجوانبه المختلفة، والتي يمثل الدين جانباً كبيراً منها، بل لعله
الأهم بينها. ودراسة الفكر عند الفلاسفة لا تفرض أي حاجز أو مانع
على الافكار مهما كانت طبيعتها، فالفلسفة تدرس المعرفة الدينية
والعلمية والشعبية العامية على حد سواء. ولذا فليس بغريب على مشتغل
بالفلسفة أن يهتم بعالم من علماء الدين الاسلامي، بل يمكن أن نقول
أنه من واجبه أن يهتم بدراسة هذا النمط من التفكير.
ومن ناحية أخرى نستطيع القول أن هناك علاقة
وثيقة بين الفلسفة والدين كونهما يدرسان الموضوعات ذاتها تقريباً،
ويصلان الى كثير من النتائج المشتركة عقب هذه الدراسات. وانما
الاختلاف بينهما يقوم على المنهجية التي تستخدم في البحث، وهذا ما
اسماه الفيلسوف الكنْدي ب"الوسيلة"، وابن رشد ب"الطريقة". فالدين
يؤمن بالوحي، وبأن الحقيقة تنزّلت عبره على الانبياء، بينما
الفلسفة تجد في العقل ضالتها، وتتخذه سبيلاً نحو الحقيقة.
وبناء على ذلك فإننا نجد ان الدين والفلسفة لا
يختلفان كثيراً على المستوى العام، لكن توجد هناك مواقف كثيرة،
لعدد من المدارس الفلسفية من المعرفة الدينية، بدأت بالظهور في عصر
النهضة، وتركزت على رفض هذا النمط من المعرفة، وهذا تجلّى في تطبيق
سبينوزا لمقولات ديكارت على النص الديني او في تقسيمات أوغست كونت
التي رفض فيها الميتافيريقيا وانتقدها قائلاً بان المعرفة الدينية
أقرب الى الخرافة، وأيضاً عند هيغل الذي وضع الفكر الفلسفي مكان
الفكر الديني، رغم كونه فيلسوفاً متأثراً بالفكر المسيحي.
أما عندنا، في الفكر الاسلامي، فالعلاقة وثيقة
بين الدين والفلسفة بحيث لا مجال للفصل بينهما. وهذا يعود الى
السعي الحثيث عند الفلاسفة المسلمين لتوحيد الشريعة بالفلسفة،
ابتداءً من الكندي والفارابي وابن سينا ليبلغ هذا السعي أوجه مع
ابن رشد. وليتواصل في المراحل المتأخرة كما في مدرسة اصفهان. وعند
ملاّ صدرا الشيرازي، ومع ما يسمى الآن بالفلسفة الالهية... وهكذا
اصبح الدين والفلسفة على صحبة وتحابّ، حتى ان فيلسوفاً معاصراً
كالعلامة الطباطباني يقول: «انه لمن الظلم ان نفصل بين الدين
والفلسفة». وهذ النظرة تجلّت بشكل أساسي في علم الكلام، ونجدها في
كتابات"فلسفة الدين الجديدة" التي تنتشر في بلدان كثيرة في العالم
الاسلامي.
وأقول لكم انني أثناء دراستي على فكر الامام
الخوئي وجدت مصاديق وادلة تظهر هذا الامر، فهو، كأصولي متمكن كان
يستند الى التفكير العقلي كحجة في فهم الحقائق، فالعقل مقدم في فهم
حقائق الشرع ما يشكل رؤية ملفتة، ويؤكد الصلة القائمة بين الدين
والفلسفة، وعليه فإن اشتغال دارس للفلسفة على فكر الامام الخوئي هو
تطبيق عملي للعلاقة بين الدين والفلسفة، وهذه العلاقة تبرز بجلاء
في الفكر الاسلامي، وخصوصاً المرحلة المعاصرة منه، التي تتطور
فيها نظريات علم الكلام وفلسفة الدين.
جدلية «النجف - الخوئي»
- كيف تنظرون الى تأثير بيئة النجف في شخصية
الامام الخوئي، وهو الذي ارتحل اليها في يفاعته، ليعود ويؤثر فيها
ويترك بصماته عليها في رجولته؟
- عندما وصل الامام الخوئي الى النجف كان فتى
في مقتبل عمره، وكان والده عالماً فاضلاً وقد سبقه الى سكنى النجف
مرات عدة، وكان قد أنشأه على محبتها وعشق العلم. وبالتالي حضر
الفتى الى النجف وكأنه يعرفها، بعد ان زُرعت كتبها واعلامها
ومدارسها في فؤاده.
بعد هذا التأثر «القَبْلي» جاء عامل آخر ليترك
بصماته على الامام الخوئي، ألا وهو استقراره في النجف من دون
انقطاع منذ ذلك التاريخ حتى وفاته، ولم يغادرها إلا في مرات معدودة
ولفترات محدودة، وهو بذلك أقام فيها وتمكن منها تمكُّن الانسان من
مكان يعشقه، ليحصّل فيها مراحل دراسته كلها، ليكون بذلك صاحب علم
نجفي خالص، وصاحب ثقافة نجفية بحتة... ولذلك فإنني اعتقد انه من
الضروري ان نذكر مع اسمه لقب «النجفي» لأنه ابن النجف في اقامته،
وفي تكوينه الفكري.
بعد ذلك، كما كانت النجف حاضنة فكرية وثقافية
وروحية ومعنوية له، تحول الامام الخوئي الى علم من اعلام النجف،
وواحد من الذين وضعوا ملامحهم عليها، وهندسوا بناءها الفكري
المعاصر، حتى وصل الامر بنا، ان اردنا ان نتحدث عن العلم النجفي،
في النصف الثاني من القرن العشرين، أن نجد انفسنا امام «المدرسة
الخوئية». وهي المدرسة التي لن يستطيع أي من مؤرخي تلك المرحلة ان
يغفلها، لانها مدرسة: اصلها نجفي، وسيرورتها نجفية، وسياقها نجفي.
وهنا لا بد من ذكر ما كان يدور في المناظرات
والمباحثات الفكرية بين حوزة النجف الاشرف والحوزات الاخرى،
وخصوصاً حوزة قم، اذ كان الحاضرون يعتبرون الامام الخوئي «الناطق
باسم النجف»... وهكذا تحول هذا الفتى الذي نشأ في حاضرة النجف
الاشرف الى ناطق باسمها بشكل تفخر هي به، ونفخر نحن به وبتاريخه.
المعلم العامل
{ على ضوء السؤال السابق، وحسب منهجكم البحثي،
ورؤيتكم العلمية، ما هي أهم خصائص شخصية الامام الخوئي التي اهلته
لأن يترك هذا الاثر؟
- اذا اردنا ان نقدم مصداقاً واقعياً للمفهوم
الذي أُعطي للعالم في الاسلام وجدناه في شخصية الامام الخوئي لأنه
يستحق عن جدارة صفة «عالم على الحقيقة» اذ انه حصّل علمه في
الجامعة العلمية الأولى التي تصنع العلماء.
وهو الى جانب ذلك كان يجمع الدرس الى الصلاة
والايمان، ويقرنهما، ويقرن العلم بالعمل، ويقرن العبادة بالحب، حب
الله وحب الرسول وحب آل البيت (ع)... وبذلك اكتملت في حياته
العلمية كل الصفات التي تجعل منه عالماً عالمياً، لم يحتفظ بعلمه
في صدره بل بثّه حواليه كما تبث الزهرة اريجها الفواح.
وهو كان بذلك «معلماً» بالمعنى الحقيقي لهذه
الكلمة، والفلاسفة الكبار كانوا معلمين يدفعون الناس نحو معرفة
الحقيقة، وهذا هو حال سقراط وأفلاطون وأرسطو والفارابي وابن سينا.
والى هذه العوامل تضاف تقواه وحكمته وشجاعته،
واخلاقه العالية وانكبابه على القيام بوظيفته الاساسية المرتبطة
بالدعوة الى الله سبحانه عن طريق العلم. لذلك اعود واقول ان كل ما
نسبغه على العلماء من صفات يمكن ان نجد له مصداقاً في شخصية الامام
الخوئي، واني وان كنت احبه الا انني لست ابالغ في كل ما اقول بل
انني انقل ما درسته وما توصلت اليه، بل ان هناك جوانب عديدة في
حياته لم يتسن لي دراستها في هذا الكتاب لأن الاحاطة بشخصية كهذه
في كتاب واحد يعد امراً مستحيلاً. لذلك فإني آمل من الله ان يمكنني
من اداء هذه المهمة، وان لم استطع فأتمنى على الباحثين الآخرين ان
يقوموا بهذه المهمة لأن دراسة العظام تقدم مثالاً يحتذى، وسُنّة
حسنة يقتدي بها الآخرون، فهؤلاء الاعلام على حد قول برغسون، يعيشون
في كل زمان و مكان، وفق مفهوم الزمن النفسي الممتد في سياق المسيرة
الانسانية.
{ تتكلمون عن حبكم لشخص الامام الخوئي فهل اثر
هذا الحب سلباً في موضوعية البحث؟
- من ناحية النتائج واسلوب الدراسة لا اعتقد
ذلك لانني اعتمدت منهجاً بحثياً علمياً بل على العكس فقد وجدت ان
المرء عندما يكتب في أمر يعشقه، أو عن شخص يحبه فهذا حافز نحو
الابداع والاندفاع وليس الى التميز، ومجافاة الموضوعية والحقيقة.
دروس وعبر
- ما هي الدروس والعبر التي قد نستخلصها من
شخصية الإمام الخوئي ونستفيد منها في مواجهة التحديات المفروضة على
الأمة؟
- حفلت شخصية الامام الخوئي بالكثير من الدروس
التي نستطيع الاستفادة منها على الصُعُد المختلفة، سواء أكانت
دينية أم علمية أو سياسية أم اجتماعية أم اخلاقية والجانب الاساس
الذي يتناوله الكتاب هو الجانب العلمي، وهو من الجوانب التي نستطيع
الاستفادة منها بجعل الأمة تختار طريق العلم وتسير به.
والجانب الآخر في شخصيته انه كان في الواقع
«رجل اصلاح وتجديد» وهذا ما نحن بحاجة الى استكمال دراسته
للاستفادة من هذه التجربة في مواجهة التحديات التي نواجهها في
العالم العربي والإسلامي، وخاصة في العراق الحبيب.
ان الفترة التي عاشها الامام الخوئي في النجف،
منذ ثورة العشرين حتى الانتفاضة الشعبانية عام 1991م، مع كافة
الازمات التي عصفت بالعراق وبالمدينة المقدسة وبمراجعها، ترينا كيف
استطاع بحكمته وصبره وايمانه وتمسكه بالبقاء في النجف والحفاظ
عليها وعلاقته بمقلديه في العالم، وتواصله مع المؤسسات الدينية
والمراكز الاسلامية في الخارج... كل هذه المسائل يمكن ان تدرس
لنستخلص منها فكر الامام الاصلاحي واسلوبه في المواجهة وهذا مما
يمكن للأمة ان تستفيد منه في مواجهة ما يحدّق بها من مخاطر . وليس
من الصدفة ان يكون المرجع السيستاني، قائد حركة المواجهة والاصلاح
والسعي نحو اقامة عراق جديد، واحداً من تلاميذ الامام الخوئي.
لذلك اعود واكرر دعوتي للباحثين ان ينكبوا على
دراسة تراث علمائنا الفكري والاصلاحي، ومنهم الامام الخوئي بشكل
خاص، لاننا بأمس الحاجة اليه الآن.
{ بغض النظر عن مركزكم الوظيفي وخلفيتكم
البحثية، ما هي الآثار التي تركها الامام الخوئي على طراد حمادة
كشخص؟
- اسلفت القول انني نشأت في بيت متدين، متعلق
بالعلماء مقلد للإمام الخوئي، لذا نشأت على حبه وتقديره وله في
نفسي مكانة عالية. ثم جاءت دراستي الفلسفية لتعمق هذه العلاقة
وترسّخ هذا الحب، الذي مكنني من الكتابة عن شخصه وسيرته. لانه،
وكما يقول الفلاسفة، لا يمكن، مثلاً، للنجار ان يصنع طاولة جميلة
ان لم يكن محباً للخشب، ولا يمكن كذلك للباحث ان يكتب بحثاً جميلاً
عن شخص لا يحبه. وهذه الفكرة ترسخت في نفسي، فأنا احب الافكار
فأكتب عنها، واحب الاشياء فأكتب عنها، واحب الاشخاص فأكتب عنهم،
ومنهم الامام الخوئي الذي يمثّل موضوع الدراسة التي صدرت في هذا
الكتاب الذي اتمنى ان يُقرأ لانه يستحق القراءة، وكل من يقرأه
ينفتح امامه باب الدخول الى عالم الإمام الخوئي الرحب.
|