|
كتاب في القاهرة يدعو إلى سقوط سيبويه
اللغة العربية
بين القداسة وازدواجية المعايير
الكتاب: لتحيا اللغة العربية، يسقط سيبويه
المؤلف: شريف الشوباشي
الناشر: مكتبة الاسرة - القاهرة 2004
صدر في القاهرة عن مكتبة الاسرة كتاب «لتحيا
اللغة العربية.. يسقط سيبويه» للكاتب شريف الشوباشي، وهو الكتاب
الذي أثار من حوله ضجة كبيرة وحواراً ساخناً في الحياة الثقافية
المصرية ما زالت تتداعى حول الكتاب. فقد أقيمت الندوات والحوارات
التليفزيونية المعارضة والناقدة له، وألف كتاب للرد على ما جاء
فيه. ذلك ان الكتاب جاء كالعاصفة غير المتوقعة ناقداً للغة العربية
داعياً إلى التخلي عن قواعد النحو عند سيبويه.
ونعرض هنا للكتاب و للكتاب الذي ألف رداً عليه
وهو «دموع الشوباشي بين يدي سيبويه» للمؤلف د. محمد محمد داود.
يقول مؤلف كتاب «لتحيا اللغة العربية... يسقط
سيبويه» في مقدمته:«ان اللغة وعاء للفكر، والفكر مضمون اللغة وان
التخلف الفكري يؤدي إلى اضمحلال اللغة، والتخلف اللغوي يعوق العقل
عن التطور».وينقسم الكتاب الى محاور عدة.
المحور الأول: هل هناك لغة عالمية؟
يقول الكاتب «ان الإنكليزية هي اللغة المهيمنة
على عالمنا اليوم، اذ انها اللغة الرائدة في مجالات العلم والفن
والإعلام والصناعة، لذا تصدرت لغات العالم واصبحت اللغة المتداولة
بين الصفوة وفي المعاملات الدولية والندوات السياسية والعلمية
والثقافية الدولية، فما سبب نجاح الإنكليزية في الهيمنة والسيطرة
بلا منازع لتصبح لغة التعامل الدولي في نهاية القرن العشرين وبداية
القرن الحادي والعشرين، وهل السبب الأوحد هو القوة الأميركية او
القوة العلمية او باختصار: قوة اهل هذه اللغة؟ ما نريد أن نستخلصه
من الحديث عن لغة عالمية هو ان سيطرة الانكلو أميركية لا تأتي فقط
من كونها لغة الدولة المهيمنة في عالم ما بعد الحرب الباردة، وإنما
- أيضاً - لإنها لغة سهلة طيعة، يتطلب تعلم مبادئها جهداً أقل من
أي لغة أخرى في العالم وبالتالي فإن من يتقنها يصل إلى المعرفة من
أقصر الطرق على عكس اللغة العربية».
ويدعو الشوباشي علماء اللغة العربية الى«القيام
بإنتفاضة تحديثية عاجلة وثورة على قواعد سيبويه، لأنهم إن لم
يفعلوا فإن العربية ستتحول إلى لغة لا يعرفها سوى العلماء
والمتخصصين، ويتعلمها الناس لقراءة القرآن الكريم فقط، وإن تيار
الجمود الذي لا يريد أن يتغير هو الذي يعرض العربية لأكبر الأخطار
لأنه يرفض التغيير، بل الثورة. إن اللغة العربية هي الوحيدة على
وجه الأرض التي لم تتطور قواعد نحوها وصرفها منذ ألف وخمسمائة عام
وهي اللغة الوحيدة التي أصر الناطقون بها على تحنيطها».
ويطرح الكاتب على «حراس الضاد» كما يسميهم،
جملة من التساؤلات:
هل الخطأ في الشباب المتعثر في العربية أم
الذنب - كذلك - يقع على تحجر اللغة وعدم ملاءمتها لمتطلبات العصر.
وهل الحل في فرض اللغة التقليدية من دون تجديد لأن أي مساس بها
عدوان على الدين والمقدسات؟ هل آن الأوان لتطويع وتطوير اللغة
لتطويرها لتناسب العصر؟ثم هل اللغة العربية مقدسة؟
المحور الثاني: هل اللغة العربية مقدسة؟
يقر المؤلف «ان اللغة العربية تدين بإستمرار
وجودها حتى بداية القرن الحادي والعشرين للقرآن الكريم، فلولا
القرآن ما ظلت العربية لغة متماسكة يتحدث بها أكثر من 270 مليوناً
من البشر في العالم أجمع. ومن هنا فإن علاقة اللغة بالدين من أخطر
القضايا وأكثرها حساسية. وقد أسهمت بعض الافكار الجامدة التي تقف
بالمرصاد في وجه أي تطور إلى تحنيط اللغة وعزلها عن مجاراة العصر.
وتصب هذه الأفكار في قالب واحد وهو الربط المباشر بين العربية
والدين».
ويضيف: «يزعم أصحاب هذه الأفكار ان العربية
ليست فقط اللغة التي نزل بها القرآن، ولكنها لغة الدين نفسه
وبالتالي فهي محاطة بقدسية خاصة ترفعها إلى مرتبة تجعل المساس بها
نوعاً من انواع الكفر، ومن هذا المنطق ظهرت نظرية تصف اللغة
العربية انها لغة (توقيفية) أي انها منزلة من السماء، وبالتالي فهي
متوقفة بجوهرها عن أي إضافة أو حذف أو تعديل بين البشر. وفي مواجهة
هذا التيار ظهرت نظرية أخرى ساندها أصحاب العقل تقول ان العربية
مثلها مثل باقي لغات العالم لغة (اصطلاحية) أي ان الناس اصطلحوا
على كلمات ومعان من واقع ثقافاتهم وتجاربهم المتراكمة ووضعوا قواعد
لضبط لغتهم».
ويعتقد الشوباشي ان «فكرة قدسية اللغة
وانتماؤها إلى عالم يسمو فوق مستوى عالم الإنسان قديمة قدم
التاريخ. ان كل الأفكار حول قدسية اللغة العربية لا أصل لها في
القرآن ولا في السُنَّة، فهل يفهم من أي كلمة من القرآن أو
السُنَّة ان العرب هم أفضل الشعوب؟ أو ان العربية هي افضل اللغات؟
وهل هناك أشارة إلى أنه يتحتم على جميع الناس تعلم اللغة
العربية؟».
ويضيف: «القول بأن العربية لغة توقيفية أي
منزلة من السماء وبالتالي فهي لغة مقدسة لا يجوز المساس بها هو قول
يناقض صحيح الدين الإسلامي، فلو كانت العربية مقدسة وتسمو فوق كل
لغات العالم لكان العرب قادرين من خلال استعمال هذه اللغة لبلوغ ما
بلغه القرآن من إعجاز، فالعرب في عصر الدعوة كانوا متمكنين من
العربية تمكنا مدهشاً وكان بينهم ملوك البلاغة والبيان من فطاحل
الشعراء والرواة وقد تحداهم القرآن في أكثر من آية بأن يأتوا بآية
واحدة مشابهة لكلام الله فعجزوا عن ذلك. ولو كانت العربية مقدسة
فما الذي أعجزهم؟ ولو كانت اللغة مقدسة وهابطة من السماء لكان
الاعجاز في ذاتها؟ وكل هذا يؤكد لنا ان الاعجاز ليس في اللغة
العربية وإنما في القرآن وحده، فكيف نقول ان العربية لغة مقدسة؟
ومحاولة إحلال الاعجاز القرآني في اللغة التي نزل بها هو خلط لا
يسانده المنطق ولا صحيح فهم الدين. ولو كانت العربية لغة مقدسة
لكان الدين الإسلامي للعرب وحدهم وللذين يجيدون لغة الضاد دون
غيرهم من البشر، وهذا يناقض صلب الدين الإسلامي الحنيف. ولو كانت
العربية لغة مقدسة لكان لا بد لكل مسلم من إجادتها كشرط مسبق
لدخوله الاسلام ولاكتمال ايمانه ولفرضها الرسول (ص) على غير العرب
وهو ما لم يحدث.
واليوم فإن غالبية المسلمين في الأرض لا يعرفون
العربية، ومع ذلك لا يمكن التشكيك في إسلامهم وفي صحة إيمانهم، بل
ان نسبة المسلمين غير العرب أكبر كثيراً من نسبة العرب المسلمين،
فحسب آخر التقديرات هناك في 1.25 مليار مسلم في مقابل 240 مليون
عربي تعد العربية لغتهم الأم، بينهم اكثر من عشرة ملايين من غير
المسلمين، اي ان نسبة المسلمين الذين تعد العربية لغتهم الام تمثل
19.2 في المئة من مجموع مسلمي العالم».
ويخلص المؤلف الى أن فكرة اللغة المقدسة التي
أنزلت على شعب مختار هي فكرة غريبة عن ديننا وإن كانت موجودة في
ديانات أخرى، ومنطق ان العرب هم الشعب المفضل لله تعالى هو منطق
ينافي أعظم تعاليم الإسلام حول مساواة أبناء آدم عليه السلام،
وبلغة عصرنا فإن دعاوى تفوق العرب على غيرهم من الأجناس واحتقار
اللغات الاخرى غير العربية هي دعاوى عنصرية تحمل كل أفكار نظريات
التفوق الجنسي التي ينبذها العالم الحديث.
المحور الثالث: المتنبي يخاف من الإعراب
يتساءل الكاتب: «لماذا هجر العرب الحديث باللغة
العربية على الرغم من عشقهم لها وتمسكهم بها؟». ويقول «لا يوجد
عربي واحد في المشرق أو في المغرب يتعامل بالفصحى بتلقائية، ومن
يتحدث بالفصحى يتكلف ما ليس في طبيعته، ذلك لأن العربية من الصعوبة
والتعقيد بحيث جعلت العرب يعرضون عنها».
ويرى ان «الإجابة المنطقية لإعراض العرب عن
الفصحى - مهما كانت قاسية على النفس - هي أن الفصحى لا تلائم
التفاهم ونقل المعلومات وتفسير حقائق العالم الذي يعيش فيه العرب
سواء في مصر أو السعودية أو سوريا أو الجزائر أو أي بلد عربي آخر،
وظهرت اللهجات كبديل تلقائي على لسان الشعوب العربية».
ويعتقد المؤلف «ان النسبة القادرة على قراءة
الشعر العربي وفهم التراث لن تزيد بحال من الأحوال عن واحد في
المئة من أبناء الشعوب العربية في أحسن التقديرات. وأن مشكلة صعوبة
العربية ليست مقصورة على العصر الحديث فقط، بل تعود إلى أزمنة
بعيدة، ولنأخذ مثالاً من شعر المتنبي يقول:
وكلمةٍ في طريقي خفت أعربها
فيهتدى لي فلم أقدر على اللحنِ
لذلك فإن الشعوب العربية ليست جاهلة وعاجزة عن
استيعاب لغتها الأم، لكن ما أستخلصه هو ان اللغة العربية لم تتطور
كما ينبغي لتلائم العصر الذي نعيش فيه، وأنه آن الأوان لتحديثها،
ومن العبث فعلا التمسك برفض التغيير على أساس دعاوى واهية تلعب
دوراً رئيساً في تخلف العقل العربي».
ويقول الشوباشي: «هذا يقودنا إلى وجود
شيزوفرينيا لغوية لأن الوضع بين الفصحى والعامية غير طبيعي، و
يكلف العقل العربي جهداً كبيراً يحط من قدراته كما يشتت ملكاته
الفكرية وإن العربي مهدد بإنفصام في التفكير بسبب مشكلة الفصحى
والعامية: هل يفكر بالفصحى أم بالعامية؟
وهناك مشكلة أخرى تتسبب فيها ازدواجية
الفصحى/العامية وهي ان العربي الطامح للتقدم في العملية التعليمية
وتطوير قدراته يضطر إلى اجادة لغة اجنبية كالانكليزية مثلاً، لأنها
لغة العلم. وتعدد اللغات، وإن كانت له إيجابيات كثيرة، إلا أنه
يشتت الانسان عن صلب المعرفة، بخاصة عندما يضطر إلى تعلم لغتين
لممارسة حياته العادية، كما هي الحال بالنسبة لنا نحن العرب، وفي
هذا الاطار هل تصبح اللغة العربية الفصحى مثل اللاتينية تفرخ لغات
أخرى من باطنها، لكنها لا تستخدم في حد ذاتها وتتحول إلى لغة ميتة؟
علينا ألا نكتفي بالقول بأن العربية هي لغة
القرآن وبالتالي فلا يمكن ان تمس، وسيظل العرب يتحدثون بها إلى
الأبد، فهذا لا يكفي وإنما علينا ان نعمل جاهدين على تطويرها. اننا
كلما ابتعدنا زمنياً عن اللحظة الفاصلة، وهي لحظة نزول القرآن،
ابتعد الناس عن الفصحى لحساب اللهجات، نعني ان اللهجات قد انتشرت
كلغة للتعامل اليومي حتى في مكة المكرمة. فلماذا هجر العربي الفصحى
في كل زمان ومكان، ولجأ إلى لغة أخرى للتعامل اليومي؟!! ذلك لأن
الفصحى - بشكلها الحالي - ليست لغة صالحة للتعامل اليومي نظراً
لصعوبتها وتعقيداتها».
ورأى «ان وراء انتصار العربية على لغات البلاد
المفتوحة عوامل كثيرة، ولكن المهم هو ان العربية لم تنجح في فرض
نفسها كلغة تعامل، وانتشرت اللهجات وفقاً للعادات في كل منطقة،
وهذا ما اطلق عليه الجاحظ لغة المولدين والبلديين، ومع الوقت أصبح
اللحن والخطأ في العربية هو القاعدة بالنسبة لعامة الناس.وأيا كان
موقفنا من هذا الوضع اللغوي فإن حالة الشيزوفرينيا التي نعيشها
معرقلة للتقدم ومعطلة لطاقات العقل العربي، والعرب - في هذا المجال
- هم حالة لغوية فريدة ووحيدة في عالم اليوم، فاذا كان لا بد ان
ننفرد بشيء، فالافضل ان ننفرد بما هو نافع ومتميز، وليس بما هو ضار
ومعرقل».
المحور الرابع: ضد تحنيط العربية، مقترحات
ميتة
في هذا المحور يؤكد المؤلف «ان مشروع الاصلاح
اللغوي حريص على ضرورة الحفاظ على اللغة الفصحى وعدم استبدال
اللهجات بها. فهدف التطوير هو تخليق لغة وسط بدأت تظهر بالفعل من
خلال الصحافة. ومن أمثلة هذا التطوير:
أول مفارقة جديرة بالعلاج في اللغة العربية هي
ان الكلمة تأخذ معناها من التشكيل وليس من موقعها في الجملة،
فالأصل في العربية هو الجملة الفعلية، مثل: ضرب الشابُ الرجلَ، ضرب
الشابَ الرجلُ.
إن الجملة في اللغات الحية الحديثة هي جملة
اسمية وليست فعلية، لأن الجملة الفعلية تجر التباساً كبيراً لدى
القاريء أو السامع، مع أن المنطق يقول ان الفعل لا يأتي إلا بفاعل،
فالفاعل هو الذي يسبق الفعل وله أولوية عليه.
النقص في حروف العلة، وفي مقابل ذلك هناك وفرة
مشكوك في ضرورتها في الحروف الساكنة، وإذا قارنا بين العربية
والانكليزية وجدنا عندنا ثلاثة أحرف علة مقابل خمسة لديهم، وعندنا
26 حرفاً ساكناً في مقابل 21 حرفاً لديهم على عكس كل لغات العالم
الحديثة، وما يضاعف المشكلة ان كلمة واحدة يمكن ان تشكل جملة كاملة
في العربية، وهذا ليس موجوداً في غالبية اللغات الأخرى باستثناءات
نادرة مثل فعل الأمر.
فعندما تقول: كتبت فالفعل يحتوي على الفاعل
وبالتالي فقد اكتملت أركان الجملة في عبارة واحدة، وقد يجد البعض
ذلك قوة مضافة للعربية، لكن الممارسة تثبت العكس، فلو أخذنا كلمة
قتلت نجد أن لها عشر دلالات ملتبسة على الاقل وفقاً لنطقها أو
تشكيلها فهناك: قتلتُ وقتلتَ وقتلت وقُتلتُ وقُتلتَ وقُتَّلتْ
وقَتَّلتَ وقتَّلتِ.
فهل من الطبيعي أن تكون لكلمة واحدة تكتب
بطريقة واحدة اكثر من عشر دلالات؟ الا يؤدي هذا إلى فتح باب اللبس
والغموض في المعنى، والحيرة والتأويلات المختلفة؟ وربما كان ذلك
أحد الأسباب وراء الخلافات التقليدية بين أبناء لغة الضاد، فهم
أحياناً غير قادرين على الاتفاق على معاني اللغة التي يتحدثون بها
فما بالنا بمضمون هذه الكلمات وفحواها؟
ومن المشكلات الخاصة باللغة العربية جمع المؤنث
في العربية، لماذا عزل الرجال عن النساء؟ ألسن بشراً مثلهن مثل
الرجال ان المؤنث من اعقد التركيبات التي لا لزوم لها لفهم
المعنى».
الكتاب: دموع الشوباشي بين يدي سيبويه
المؤلف: د. محمد محمد داود
الناشر: شركة يمامة للانتاج الاعلامي
والتسويق القاهرة 2004
كتاب دموع الشوباشي بين يدي سيبويه
يعتبر كتاب دموع الشوباشي لمؤلفه د. محمد محمد
داود أبرز الكتب التي ردت على كتاب الشوباشي، ويمثل خلاصة الآراء
الناقدة للكتاب، اذ لم يترك شيئاً لم يرد عليه، وهو يدور على أربعة
محاور رئيسة أيضاً، تعقيباً على ما جاء في الكتاب:
المحور الأول: تعقيب على: هل هناك لغة
عالمية؟
أولاً: ان اللغة التي لها المقدمة في العالم هي
لغة أهل العلم والحضارة وهي الانكليزية الآن، هذه حقيقة أكدها علم
اللغة الحديث، فقوة اللغة من قوة أهلها.
ثانيا: ان الانكليزية لغة سهلة، فهي سهلة بسبب
الجهود الضخمة التي بذلت لتيسير سبل تعليمها ونشرها في أرجاء
المعمورة وربطها بجوانب الحياة المختلفة والحركة المعجمية الضخمة
للانكليزية، كل هذه الجهود أدت إلى تيسير هذه اللغة.
ثالثا: ان سهولة الانكليزية مرتبطة بمستعمل
اللغة، وما بذله من جهد في تيسير وسائل تعليمها وتنميتها، ولكن
ليست السهولة في اللغة نفسها، ولو بذلت في سبيل العربية نصف الجهود
التي بذلت للرقي بالانكليزية ونشرها لكان للعربية شأن آخر.
إذن مسألة ان الانكليزية سهلة والعربية صعبة
تعود إلى مستعمل اللغة وليس إلى اللغة نفسها، ولعل مسألة صعوبة
العربية - في ذهن المؤلف- ناتجة عن تصور ان اللغة العربية الفصحى
هي النحو فقط، وهذا وهم وخطأ اضر باللغة العربية، فاللغة أصوات
وكلمات وتراكيب ودلالات.
واما عن تطوير الانكليزية لقواعد الكتابة بحيث
تكتب الكلمات كما تنطق ففي كل لغة استثناءات في قواعد الكتابة،
وثمة صعوبات وأوجه نقص كثيرة في نظام كتابة اللغة الانجليزية تفوق
تلك الصعوبات الموجودة في الكتابة العربية ومنها:
1- الإتيان بالرمز الكتابي دون مقابل منطوق له
وقد يقع ذلك في أول الكلمة أو وسطها أو نهايتها نحو:
know- debt- comb
وقد يقع هذا النهج مرتين في الكلمة الواحدة:
Psychology- knight
كما قد يتكرر الرمز الكتابي في مقابل منطوق
مفرد: Coffee - supper
2- وقد يحدث العكس حيث ينطق الصوت وليس له ما
يقابله وان كان مقصوراً على الحركات، كما في نحو:
centre في الكتابة
المسماة بالبريطانية British.
حيث لا مقابل كتابياً للحركة التالية للصوت (T)
وقد عالجت الكتابة الأميركية مثل هذه الحالة فأثبتوا رمز هذه
الحركة (center).
وهذه الامثلة من القصور الكتابي في الانكليزية
بالِغة الكثرة ومنتشرة انتشاراً واسعاً بحيث يصعب حصرها أو الوقوف
عليها.
المحور الثاني: تعقيب على هل العربية لغة
مقدسة؟
ان القضايا التي أثارها المؤلف حول هل العربية
مقدسة أو أفضل اللغات وهل هي اصطلاحية أو توقيفية فرع منها العلم
الحديث واصبحت تدرس الآن في المعاهد والجامعات، لكن لا مانع من
توضيح الحقائق المتصلة بهذه القضايا.
العربية لغة مقدسة في القرآن الكريم، اما خارج
القرآن شأنها شأن كل اللغات تسمو إلى القمة على لسان من يحسنها،
وقد تهبط على لسان من لا يحسنها واثارة هذه القضية تحصيل حاصل.
اما هل العربية أفضل اللغات، فقد جرت عادة أهل
كل لغة ان يمجدوا لغتهم، وليس أهل العربية بدعاً في ذلك، لكن في
إطار علم اللغة الحديث وبعد ان صارت علما له مناهجه ونظرياته لم
يعد لهذه الاشكالية وجود عند العرب ولا غيرهم. اذن من حقائق علم
اللغة الحديث انه لا توجد لغة هي افضل اللغات وإنما الافضلية تأتي
من أهل اللغة حيث يكونون أهل العلم والحضارة، تكون المقدمة لغتهم
وهذه قضية حسمها علم اللغة الحديث واثارتها مضيعة للوقت ولا طائل
من ورائها.
اما التساؤل: هل العربية لغة توقيفية أم
اصطلاحية؟ فهذه قضية حسمها ابن جني من القدماء كما حسمها العلم
الحديث بأن اللغة اصطلاح.
اما قضية الربط بين العربية وبين الدين
والقرآن، فهذا واقع موجود ولا يمكن فصل العربية عن القرآن، والربط
الموجود في الواقع اللغوي ربط ايجابي يدفعنا إلى حب العربية والحرص
على تعلمها والاعتزاز بها.
اما التساؤل: هل من الضروري ان يجيد كل مسلم
العربية، فالإجابة: ان هناك قدراً يسيراً ينبغي على المسلم تعلمه
من العربية، وهو القدر الذي يمكنه من النطق بالشهادتين وأداء
الصلوات، وهذا قدر يسير جداً (الجزء الذي يتعلق بالعبادات) أما بعد
ذلك فكل على قدر رغبته واستطاعته، يعني ان المسلم لا يشترط لاسلامه
تعلم العربية. ولكن القرآن الكريم أعطى للالفاظ العربية التي
استعملها شهادة خلود أبدي.
المحور الثالث: تعقيب على المتنبي يخاف من
الإعراب
يدور هذا الفصل - الكلام لمحمد داود عن كتاب
الشوباشي- حول دعوى صعوبة العربية واتهامها بالعجز والقصور وانها
لا تلائم مقتضيات التفاهم ولذلك هجرها العرب!!
أولا: العرب لم يهجروا الحديث باللغة العربية،
فلازالت العربية تُسمع في نشرات الأخبار وفي منتديات الشعر
والمحافل العلمية وقاعات المحاضرات وفي خطب الجمعة والدروس الدينية
وتلاوة القرآن الكريم وعلى المستوى المكتوب: نجد الكتب والصحف.
ونحن - وكل العقلاء واللغويين- نرغب في المزيد
من التواصل مع العربية الا ان رغبتنا هذه لا ينبغي ان تتحول إلى
تحامل على العربية.
ثانيا: أما عن دعوى صعوبة اللغة العربية التي
يكررها في كل فصل، فهي من المفاهيم الخاطئة التي أشاعها أعداء
العربية ونحن في الواقع نعيب لغتنا، والعيب فينا، فليست اللغة
الفصيحة باللغة الصعبة إذا توافر لها المناخ المناسب ووسائل
التعليم الميسرة ودخلت حياتنا العامة والخاصة، وليست العامية
باللغة السهلة اذا كانت تُكتسب عن طريق التعلم والدراسة وليس عن
طريق التقليد والمحاكاة.
ان الحل في تيسير تعليمها واتباع وسائل معاصرة
والاستفادة من مناهج تعليم اللغة الوطنية الاجنبية التي حددها علم
اللغة التطبيقي.
ومن أكبر الأوهام ما يدعيه الشوباشي من ان
الفصحى لغة جامدة متحجرة تعكس اهتمامات وخبرات عفى عليها الزمن،
وهذا كلام يصطدم مع انجازات علم اللغة الحديث الذي يقرر ان اللغة
مرآة العقل وهي انعكاس لانجازات اصحابها الحضارية وان اللغة لا
تنمو من فراغ وانما تنمو نتيجة نمو اصحابها وتزداد ثروتها اللغوية
بازدياد خبرات اهلها وتجاربهم.
والتاريخ يثبت لنا نجاح لغتنا العربية في
استيعاب كل جديد، وإنها لم تقف عاجزة في يوم من الأيام بخاصة أبان
عصر الترجمة النشط خلال حكم العباسيين، كذلك في العصر الحديث رأينا
الحملة الأنكلو أميركية على العراق.
كيف ان العرب قد عجزوا ولم تعجز العربية التي
استوعبت على الفور هذا التدفق المتلاحق من المصطلحات والتعبيرات
والالفاظ لدرجة جعلت اللغويين يتوقفون أمام قدرة العربية في حرب
الكلمات التي دارت بين العسكريين على المستوى الاعلامي.
لقد قدم المؤلف اكثر من استشهاد في غيرموضعه
ومن هذه الاستشهادات البيت الذي استقى منه عنوان الفصل وهو قول
المتنبي:
وكلمة في طريقي خفت أعربها
فيهتدى لي فلم اقدر على اللحن
فقد اورد البيت في سياق التدليل على ان الناس
في عصر المتنبي (القرن الرابع الهجري) لم يكونوا يحسنون العربية!
ان معنى البيت كما شرحه ابو العلاء المصري:
رب كلمة خفت في اظهارها فلم اقدر على ان ألحن
فيها لاني مطبوع على الصواب في الاعراب.
بعد هذا الايضاح تسأل: هل كان المتنبي يخاف من
الإعراب؟!!
أما بخصوص الفصحى والعامية هو إننا أمام أمر
ينبغي أن نفصل له، هو إننا لسنا أمام لغتين مختلفتين كما تخيل
الشوباشي، ولكننا أمام مستويين داخل لغة واحدة، والفهم لا يتعسر
أبداً على العامة إذا ما سمعوا الفصحى، فهم يسمعون خطب الجمعة
والدروس الدينية بالفصحى والمسلسلات بالفصحى ويفهمون اللغة العامية
فهي غنية بقدرتها التعبيرية عن الحياة بكل ما فيها من تناقضات
وفوارق في المعنى المتجدد الحي، لا التناقضات أو الفوارق التي
تحتاج إلى اعمال الفكر وإجهاد العقل للوصول إلى دلالاتها المحددة،
وذلك ان إعماله هي تعبير عن العامة وعقولهم العامية، وهي لهذا
السبب قاصرة عن أداء التخيلات والافكار العميقة، فالمعاني والافكار
العامية يناسبها التعبير عنها بلغة عالمية، ولا تستطيع العامية ان
تعبر عن الافكار الفلسفية والخيالات ذات الصبغة الشمولية فلن
تستطيع الالفاظ العامية ان تجاري الفصحى في وصف هذه المعاني.
واللغة العامية تختلف باختلاف الشعوب، وتختلف
في الشعب الواحد باختلاف مناطقه، والعامية لغة حديث وليست لغة
كتابة على عكس الفصحى. ان التشويش الذي ذكره المؤلف ليس ناشئاً عن
وجود الفصحى والعامية وإنما التشويش الحقيقي في تكوين الطفل منشؤه
مزاحمة اللغات الاجنبية للغة الأم العربية في سنوات التعليم الاولى
وفي تدريس العلوم المختلفة بالانكليزية أو غيرها من اللغات
الاجنبية للتلميذ العربي فتحدث من جراء ذلك عملية تغريب للغة
العربية وللعقل العربي.
المحور الرابع: تعقيب على مقترحات ميتة
أولاً: ان التشكيل الداخلي للكلمة «ضبط البنية»
وهي حركات ثابتة، أما حركة الحرف الأخير من الكلمة «ضبط الاعراب»
وهي حركات متغيرة.
للحركات الثابتة في العربية دورها في المعنى
وهو تحوير المعنى الرئيس وتعديله لأن المعنى الرئيس للكلمة في
العربية يرتبط بالحروف الأصول «الصوامت» كما في هذه الامثلة:
الخَصلة: خلق في الانسان.
الخُصلة: الشعر المجتمع.
الخُطبة: الحديث
الخِطبة: طلب المرأة للزواج.
وهناك المئات من الكلمات المتشابهة على هذا
المنوال السابق ولا يفرق بينها الا بهذه الحركات الداخلية الثابتة،
ويترتب على هذه الحركات اختلاف في المعنى واغفال الحركات الثابتة
يؤدي إلى إنهيار كامل لجزء كبير في المعجم العربي.
ثانيا: العلامة الاعرابية على أواخر الكلمات
تدل على موقع الكلمة في التركيب للإبانة عن المعنى الوظيفي لها
والدرس اللغوي الحديث يتعامل مع اللغة في اطار المنهج الوصفي الذي
يصف الظواهر من خلال السلوك اللغوي الفعلي بعيداً عن التأويل
المنطقي المفروض من خارج اللغة.
فالاعراب لون من سعة المعنى للألفاظ في العربية
حيث تدل العلامة الاعرابية على المعنى الوظيفي للكلمة (المعنى
النحوي)، والاعراب مظهر من مظاهر مرونة العربية ويميزها عن كثير من
اللغات، فعن طريقه يتم الإبانة عما في النفس من معان فوق معاني
الالفاظ.
أما في خصوص النقص في أحرف العلة فلم نفهم هنا
مقصده، فأحرف العلة في العربية كافية للوفاء بحاجات المعنى، وامر
صاحبنا الشوباشي غريب في نماذجه التطويرية الاصلاحية. فحين يجد
أمراً موسعاً يحاول تضييقه، وحين يرى أمراً موجزاً يحاول توسيعه
فالأمر في القلة والكثرة - في أي لغة - بحسب ما يفي بالتعبير عن
المعاني والاغراض المختلفة.
إن اللغة العربية تميز بين الذكر والمؤنث سواء
في العدد أو في غيره، وتسير العربية على عنصر المخالفة للتمييز بين
المؤنث والمذكر في العدد، وليس في هذا تعقيد ما دام هناك نظام مطرد
فليس هناك تعقيد يا صاحبي، التعقيد حين يضطرب النظام، والتعقيد
الذي يقصده انما مرده إلى البشر الذين لا يريدون ان يبذلوا جهداً
يسيراً في ممارسة لغتهم.
ان اللغة ليست منطقاً. اللغة استعمال، ولو كانت
اللغة منطقاً لأصبح الناس في كل يوم في وضع جديد.
فهل ادركت - يا صاحبي- ان الازمة ليست في
اللغة، لكنها أزمة استعمال ووسائل تعليم اللغة، وهكذا يتأكد لنا ان
العيب فينا وليس في فصحانا.
|