العدد

162 :

الثلاثاء, اغسطس 19, 2008 - 23:19 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

جيفري لانغ ورحلة إلى الإسلام في أميركا

سلام مراد - دمشق

شهدت العقود الثلاثة الأخيرة نمواً مفاجئاً في عديد الجالية الإسلامية الأميركية، ويرجع ذلك بالدرجة الأولى إلى الهجرة إلى أميركا و إلى ازدياد عدد معتنقي الإسلام الجدد من الأميركيين والأفارقة منذ تاريخ إعلان الحقوق المدنية.

المسلم الذي يعيش في الغرب يواجه أسئلة دائمة من محيطه، وهذه الأسئلة هي جزء من الخلفية الثقافية للحضارة الغربية، أحياناً قد تكون النتيجة ضياعاً، بل قد تتعدى ذلك لتصل إلى درجة التخلي عن العقيدة، ومع كل ما ذكر تبقى عقيدة المسلم المهاجر سليمة في معظم الأحيان، وقد ينتابه شعور بسيط من زعزعة الإيمان وربما يتراجع قليلاً عن معتقده القائل: «الإسلام دين واضح المعاني» إلى موقف يقول: «الإسلام دين أكثر وضوحاً» لكن جذوة التزامه تبقى متقدة معظم حياته، وذلك لأنها متأصلة في خبرته الطويلة من كونه مسلماً، فكونه قد ولد في بيئة حيث الإسلام عملياً هو الدين السائد، وحيث كان لإيمانه الفرصة السانحة كي يتأصل وينمو دون أي عوائق، وذلك من خلال قضائه العديد من السنين من المشاركة المنتظمة والممارسة العملية لشعائر دينه في بيئة إسلامية لها قيمها، حيث الموطن والطمأنينة والكبرياء واستحضار الخشية من الله واللقاءات الروحية والتي من شأنها جميعاً أن تجعل حلاوة الإيمان أمراً أكثر واقعية وقوة من أي تحد.

أما حالة معتنقي الدين الجدد فهي أقل ثباتاً، وقد وقعت إلى حد ما نسبة عالية من حالات الردة بين صفوف هؤلاء في السنوات الأخيرة. وما إذا كان سيبقى هذا المعتنق الجديد مسلماً لمدة طويلة أم لا، أمر يعتمد عادة على السبب الأساسي الذي دفعه للإسلام من جهة، وما إذا كانت تلك الحاجة الأساسية لهذا الدين ستستمر لدرجة كافية تمكنه من الرسوخ فيه من جهة أخرى، وإذا ما خبا الدافع المحرّض الأولي ووجد المعتنق الجديد بأن هناك عناصر سلبية معينة رجحت كفتها على المنافع المدركة من كونه مسلماً، فإنه في هذه الحالة غالباً ما يتخذ قراراً بمفارقة الجماعة. والتزام المعتنق الجديد بدينه، مثله مثل المهاجر في هذه الحالة،  يعتمد على خبرات إيمانه الشخصية والعاطفية والروحية، وهذا الأمر ينطبق على الديانات كافة في الغرب، وما دام المعتنق الجديد هو في الأصل جزء لا يتجزء من المجتمع المحيط به، عرضة لانتقاداته وتحدياته الفكرية منذ الوهلة الأولى التي يدخل فيها الإسلام، فإن بعض الأسئلة حول الإيمان والعقل، قد تكون أشد وقعاً على خبراته الدينية منها على المسلمين المهاجرين. ومع ذلك فمستقبل الإسلام في الغرب، وبخاصة في أميركا لا يتعلق بالدرجة الأولى بمستقبل المهاجرين والمعتنقين الجدد، بل بمستقبل الأولاد إذ إن «نجاح» الإسلام في أوروبا وأميركا سيقاس بمقدار تقوى أبناء المسلمين وورعهم، إن أحفاد مسلمي اليوم في الغرب سيكونون بلا شك غربيين في مواقفهم وتفكيرهم، ذلك أن حياتهم تتوقف على ذلك، ولكن ما هو غير مؤكد تماماًً هو مقدار الولاء الذي سوف يكنّه هؤلاء للإسلام أو للأمة الإسلامية المنتشرة حول العالم في المستقبل.

لقد قيل: إن العائلة المهاجرة تستغرق ثلاثة أجيال لكي تذوب تماماً في المجتمع الأميركي، وبين الدكتور جيفري لانغ في كتابه (حتى الملائكة تسأل رحلة إلى الإسلام في أميركا)، أنه قابل من خلال دراسته في الجامعة عدداً لا بأس به من الجيل الثالث المنحدر من أميركيين مسلمين، ولم يجد حتى الآن شخصاً واحداً يعترف بأنه يؤمن بالإسلام، وعندما سأل هؤلاء الطلبة إن كانوا مسلمين فإن الإجابة النموذجية التي تجيبه، من قبل هؤلاء «إن والديّ مسلمان» يقول دكتور لانغ إنها الإجابة نفسها التي كان يعطيها عندما كان يسأله أحدهم إن كان مسيحياً، فهو قد أسلم لكن والديه كانا مسيحيين. ربما تكون الصورة تشاؤمية، لكن أصبح الآن ملايين من المسلمين في أميركا وكندا، وإننا نتوقع أن عدداً كبيراً من أحفاد هؤلاء سوف يعبرون عن أنفسهم بوصفهم مسلمين، رغم أنه يبقى لنا أن نرى إلى أي درجة سوف يعكس ذلك التزاماً دينياً فعالاً. فالمسلمون في الغرب ليسوا فقط من مواليد أسر إسلامية بل مواطنون من مواليد غربية أيضاً، وذلك الجيل سيكون قادراً على المزج بين كلتا الثقافتين (الإسلامية والغربية) ومن ثم من المحتمل جداً أن تعكس تعبيراتهم عن الإسلام تأثيرات قوية من كلتا الثقافتين، وهؤلاء قد يكونون على نحو نموذجي قادرين على خلق انسجام ما بين إيمانهم بالإسلام وخلفياتهم الثقافية الغربية، ولكن ذلك يعتمد بشكل كبير على انفتاح عقول ذويهم، وكذلك على سرعة تكيفهم مع البيئة ومدى معرفتهم الدينية، وكلما كانت ثقافة الوالدين صارمة في فهمهم للإسلام كانت الصعوبات التي تواجه الأولاد كمسلمين يعيشون في الغرب أشد.

إن العديد من المسلمين يرى في إحياء سيرة النبي اليومية ذي فائدة روحانية عظيمة، ولكن لهذا أبعاده السيكولوجية والاجتماعية أيضاً التي تزوّد المسلمين بتقاليد وتاريخ وثقافة مميزة، بالنسبة إلى المهاجرين هي ثقافة تربطهم بها صلات واضحة الأسباب، وبالنسبة إلى العديد من المعتنقين الجدد فإن المدهش حقاً هو قدرتهم الولوج فيها بسهولة من خلال تعلمهم للقليل من التعابير والتصرفات التي تخص هذه الثقافة. إن الجالية الإسلامية في أميركا أصبحت تقيم وزناً لمفاهيم التسامح وحرية التعبير، وتستعملها في حواراتها مع المجتمع ككل، وأنها ستدخل مرحلة جديدة من الانفتاح، ذلك أن هذه الجالية لا يمكن لها أن تستمر في تبني مبادئ التسامح وحرية التعبير، دون أن تتأثر بها وتطبقها فيما بين أعضاء هذه الجالية أنفسهم، إضافة إلى ذلك فإن الجيل التالي من الأميركيين المسلمين، والذي في النهاية سوف يتمكن من قيادة هذه الجالية، لا بد أن يكون سعيداً بتطبيق هذه الأفكار والمبادئ.

 

 

 




 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع