العدد

162 :

الجمعة, ديسمبر 5, 2008 - 11:32 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

نهاية الاستبداد

برهان غليون(*)

عاد مصطلح الاستبداد الذي شغل مفكري النهضة الأولى في القرن التاسع عشر كما تجلى ذلك في كتاب عبد الرحمن الكواكبي : «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، ليحتل موقعا متميزا في تجديد الفكر السياسي العربي المعاصر. وهو منذ عقدين الموضوع الرئيسي لندوات عدة كان آخر ما حضرت منها الحلقة الدراسية التي نظمها في مدينة أكسفورد البريطانية (28 آب - أغسطس - 2004) مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية.  وقد أثارت عندي النقاشات، التي دارت في هذه الندوة وهي لا تختلف كثيراً عما يجري عموماً في الندوات الأخرى، ملاحظتين:

الأولى أننا لا نزال نتحدث عن الاستبداد بصورة عمومية كما لو كان ماهية قائمة بذاتها لا تاريخ لها ولا تفاصيل في الوقت الذي يستدعي فيه الأمر اليوم، أكثر من أي حقبة سابقة، التمييز بين أشكال النظم المستبدة المختلفة ودراسة كل منها بطريقة علمية تبين، في كل حالة على حدة، العوامل الخاصة التي تساعد على نشوئها وزوالها، أي أن لا ننظر إليها كما لو كانت نسيجاً واحداً.

والثانية هي أننا نتحدث اليوم عن الاستبداد ونبالغ في ربطه بصورة اعتباطية بمصادرنا التراثية الثقافية والتاريخية كما لو كان طبيعة ثانية لنا، أو إرثاً بيولوجياً لا يمكن التحرر منه، في الوقت الذي وصلت فيه نظم الاستبداد عندنا وعند غيرنا من الشعوب إلى نهاية الشوط، وهي تعيش اليوم بالفعل أزمة تاريخية تدينها بعدم القدرة على إعادة إنتاج نفسها وتفرض عليها تعديلات تبدو سطحية لكنها ستكون حاسمة على مصيرها في المستقبل.

 ليس الاستبداد نظاماً واحداً ولا ينبع من خصائص ثقافية أو انتروبولوجية تدين هذا المجتمع أو ذاك. وليس للاستبداد قوام واحد وآليات متماثلة. وفي البلاد العربية يمكن تقسيم الاستبداد على الأقل إلى شعبتين متباينتي المنشأ والمآل معاً:

الأولى شعبة الاستبداد الأبوي القائم على استثمار نمط الشرعية التي أطلق عليه ماكس فيبر الشرعية التقليدية. وهو نمط يقوم على إلحاق الزعامة التقليدية المجتمع بها من خلال العلاقات الشخصية والعصبية وتقديس القيم التقليدية. ولا يستند في آلياته الرئيسية على العنف والقمع اليومي والدائم الموجه للفرد ولكنه يقوم على استثمار قوة الشوكة التابعة للعصبية الحاكمة والتي تمثل انتصارها التاريخي وقدرتها على عقد التحالفات متعددة المستويات مع العصبيات الأخرى، الخارجية منها والداخلية.

الثاني وهو نمط الاستبداد التسلطي والشمولي الحديث المختلف نوعياً في مصادر شرعيته وآليات عمله والنمط الثاني عرفه العديد من بلدان العالم ومنها بعض البلدان العربية وهو يعيش اليوم أزمة متفجرة بسبب تفاقم تناقضاته الداخلية وتناقض النتائج التي أسفر عنها مع أهدافه الأولية. وهكذا يتحول هذا النظام، الذي ولد في العصر الحديث واستلهم في منطق نشوئه وعمله مبدأ الفاعلية والانجاز الأقصى، إلى أكثر أنماط الحكم جمودا حتى لم يعد هناك غاية يبرر بها وجوده سوى الحفاظ على الأمن والاستقرار وتخليد النخب الحاكمة في مواقعها وتأمينها على مصالحها. وهو لا يتورع في سبيل ذلك عن استعمال أي وسيلة لتحقيق السيطرة الشاملة، من تفكيك المجتمعات وحل عرى التواصل فيها وتحطيم جميع العصبيات وأشكال التلاحم التقليدية والتحكم المباشر بعمل المنظمات والمؤسسات الحكومية والمدنية الحديثة وتعقيم الشعوب والمجتمعات، أي قتل كل ما تنطوي عليه من وعي حي وإرادة مستقلة وديناميات وتوترات ودوافع وعواطف وأفكار وقيم وسلوكات ايجابية وخلاقة تشجع على التأمل والتفكير الموضوعي والنقدي، وتشجع على التفاعل والتواصل بين الأفراد والجماعات وعلى ابداع أشكال متجددة للتعاون والتنظيم والعمل لا بد منها لانتظام أي حياة اجتماعية إنسانية طبيعية وسليمة.  وهذا النظام الذي أطلقت عليه الأدبيات العلمية اسم نظام التعبئة الجماهيرية هو الذي نشأ في سياق الفكرة الثورية، القومية والشيوعية، التي كانت تعتبر التعددية السياسية والفكرية والحريات الفردية والحوارات والنقاشات الوطنية التي طورتها الحقبة الليبرالية - على طريق بناء نظام اجتماعي سياسي قائم على المشاركة وقابل للاصلاح والتعديل من الداخل وبوسائل سلمية انتخابية - باعتباره نوعا من الترف الذي لا يمكن للمجتمعات الفقيرة أو تلك التي تريد النجاح في معركة التنافس والحداثة أن تقدمه لنفسها. وكان الاعتقاد قويا في العقود السالفة بأن مثل هذا النظام هو الأفضل للشعوب النامية لأنه يوفر الجهد والوقت اللازمين لتحقيق قفزة استثنائية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية ولبناء الوطنية الحديثة على أنقاض مجتمعات قروسطية مفككة وانقسامية.  وهو ما يتضمنه مفهوم الثورة أو ما كان يصبو إلى تمثيله.

وقامت هذه الفلسفة على الاعتقاد بحتمية التحول التاريخي في اتجاه الاشتراكية، ومن قبل الشيوعية، وبالأهمية القصوى في ربح معركة التحول هذه لبناء نخبة طليعية قيادية موحدة وملهمة ومختارة مالكة للحقيقة التاريخية وممثلة لمصالح المجتمع بأكمله، تأخذ على عاتقها توجيه الشعب المفتقر للوعي والوحدة والاتجاه، كما في آلة التحكم عن بعد الرموت كنترول Remote Controle)) وصبه في قالب واحد ليصبح كتلة واحدة تتحكم بها النخبة الطليعية وتحركها عن طريق وسائل إعلام وأدوات سياسية وإدارية تابعة للدولة ومحتكرة من قبل السلطة العمومية أو الحزب الواحد الذي يتحكم بها. لكن سرعان ما أنهار وهم التحول التاريخي والتغيير المنشود وتحولت الفكرة الطليعية إلى ذريعة ومبرر للاحتفاظ بالسلطة وما أصبح يرتبط بها من سيطرة، لا سابق لها في التاريخ، على موارد البلاد المادية والسياسية والمعنوية من قبل نخبة كرست نفسها قيادة أبدية، وبالتالي فوق إنسانية وغير خاضعة للنقاش أو للحساب، وأعادت بناء الدولة والمؤسسات والقوانين والعلاقات العامة على مشيئتها وحسب ما يضمن استمرارها وبقاءها إلى ما لانهاية، أي بصورة تضمن السيطرة الكلية على هذه الموارد واحتكار الاستفادة منها واستعمالها. 

وهكذا لم يلبث النظام الثوري الذي استلهم فلسفة حرق المراحل التاريخية، بذريعة تسريع وتيرة التغيير المنشود، حتى تحول خلال عقود قليلة إلى أكثر نماذح الأنظمة محافظة وعجزا عن مسايرة التاريخ. وأصبح تجميد الأفكار والعلاقات والنظم وتكبيل الجماعات وتقييد الحريات السبيل الوحيد لتكريس العلاقات والمواقع والمصالح القائمة وقطع الطريق على أي تغيير. وبدل أن يصبح النظام الثوري في خدمة المجتمع أصبح المجتمع في خدمة النظام، أي في خدمة الأقلية الاجتماعية والزبائنية المرتبطة به والمتخفية وراء شعارات الثورة والوطنية والانجازات والتحولات التاريخية الحاسمة والاستثنائية.

في هذا السياق تراجعت مؤشرات التطور الحضاري الانسانية والأخلاقية والعلمية والإدارية والاقتصادية والسياسية والمدنية جميعا.  فتأمين النظام ضد مخاطر التغيير أو التعديل دفع أصحابه إلى توخي الحيطة في كل ميدان وجعل الأمن وقواه وأجهزته ووسائل عمله مركز الاستثمار الرئيسي للبلاد على حساب جميع الاستثمارات الأخرى. وعمل كل ما هو ممكن لضمان استسلام الأفراد وخضوعهم وطاعتهم أدى إلى إقامة ما يشبه محاكم التفتيش القوسطرية التي تصادر الفكر وتعلن الوصاية على الوعي والضمير في سبيل تأسيس دين الخلاص الجديد المتمثل في عبادة الفرد وتأليه الحاكم. ولقطع الطريق على أي فرصة لنمو أو تبلور قوة معارضة مهما كانت محدودة للوضع القائم أبدع النظام في تطوير استراتيجيات التفتيت والتشريد والتحييد التي تهدف إلى تفريغ المجتمعات من جميع قيم التواصل والتضامن والتعاون والتنظيم، فأضاف إلى المراقبة على الضمير الحجر الدائم والقانوني على أي تضامن اجتماعي مدني أو تنظيم سياسي.

وحتى يضمن الولاء والانتماء عند كل فرد وضده معا حوّل المدارس والجامعات والمنظمات الأهلية والنقابية جميعا إلى مراكز تعبئة وتجنيد للأنصار والأزلام وإلى أدوات تمييز وتقسيم للسكان تضمن له احتواءهم وتقييد حرياتهم وتكبيلهم بالروابط ذاتها التي كان من المفروض أن تؤسس حريتهم الفكرية والمدنية والسياسية في مواجهة الدولة الحديثة المركزية. لقد أصبح اخضاع المجتمع وكل فرد هدف النظام الرئيسي وغايته الوحيدة. وصار إرهاب الناس وتقزيمهم وإذلالهم شرطا لا بديل عنه لتحقيق خضوعهم واستزلامهم. وفي موازاة ذلك لم يعد الانتاج الاقتصادي ولا الابداع العلمي ولا التطوير التكنولوجي ولا التأهيل التربوي ولا التطوير الإداري هو المعيار لتقدم الأفراد في مواقعهم المهنية وارتقائهم الاجتماعي ولكن المزاودة في التذلل والولاء والتماهي مع النظام ورموزه. وأصبح محو الشخصية لكل فرد هو الشرط اللازم والحتمي لشخصنة نظام كامل وتحويله إلى نظام عبادة مستمرة ودائمة لزعيم خالد لم يمت ولا يمكن أن يموت. إنه حاضر من الأزل إلى الأبد وخلوده لا يتحقق إلا بخلود النظام الذي أنتجه. ولذلك قد يمكن القبول بالتطوير والتحديث في آليات الإخضاع والاحتواء والتحييد وطقوس العبادة لكن لا يمكن القبول بالتغيير، لأن  التغيير يعني الخروج على القانون وتدنيس المحرمات  والكفر بالقيادة الملهمة وفوق الانسانية.  من هنا لم يعد للنظام علاقة بالمجتمع ولم يعد للمجتمع نظام سوى ما يستطيع أن يستمده من تراثه وعرفه من عناصر تضامن وانسجام والتحام.

لكن انهيار صدقية هذا النظام في موطنه الأصلي السوفييتي وتهافت الأسس الداخلية والتحالفات الخارجية التي كان يقوم عليها والفساد والفوضى العارمين الذين ولدهما خلال العقود الماضية قد فتح الباب أمام أزمة عميقة لن يستطيع هذا النظام ونموذجه في أي مكان كان أن يخرج سالما منها. ولا ينبغي لوهم الركود الظاهر على سطح الحياة السياسية لهذا النظام أن تخفي ما يجول في قلب المجتمعات التي تخضع له بعد  ثورة داخلية عميقة بدأت تطيح من دون ضجة كل المسلمات والثوابت التي كرسها نظام الحزب الحاكم منذ عقود طويلة. وبالرغم مما يبدو من جمود واضح على تفكير وسلوك نخبة النظام السياسية والأمنية والإدارية، التي تنتمي إلى عصر آخر ولا تريد أن تفتح أعينها على ما يجري في المنطقة والعالم، فإن رياح التغيير التي تهب من الداخل والخارج تعصف بجميع التوازنات التي قامت عليها سلطة النخبة الجديدة وتجعل النظام مكشوفا وعاريا أمام التحديات الفكرية منها والسياسية والاستراتيجية معا. ولا يتجلى هذا العصف من خلال التحديات المتزايدة التي يتعرض لها هذا النوع من النظم على جميع المستويات الرسمية والمدنية والأهلية ولا من خلال الانتقادات الدائمة والمستمرة التي توجه له في كل مكان في العالم ولكن أيضا وبشكل خاص من خلال الفراغ الكبير الذي تعيشه سلطة الحزب الواحد الشمولي أو الفاشي. وكل ذلك يجعل هذه الأنظمة تبدو كسفينة في عاصفة فقدت بوصلتها وهي تسير من دون وجهة واضحة ولا دليل بيّن، باستثناء ما تقدمه لها من مشورة قطاعية نخبة تقنقراطية غربية أو محلية ناشئة بالكاد سمح لها أن ترى النور ولا يزال القسم الأكبر منها يتكيء في سبيل تأمين مواقعه وتبرير وجوده على موارد ونصائح الدول الأجنبية ومطالبها الاصلاحية. 

بالتأكيد ليس هذا هو الانطباع الذي يسيطر بالضرورة على عامة أهل الحكم والنخب الحاكمة في هذه النظم التي أصبحت تعد على أصابع اليد في العالم. وهي لا تزال بعيدة جدا عن أن تشعر بهذا المخاض الفكري والسياسي والاجتماعي العميق الذي تعيشه مجتمعاتها اليوم وأن تدرك مضامينه ومآلاته لأن اهتمامها لايزال مركزا بشكل دائم لا يحيد على تأمين طرق ووسائل ضمان مصالحها وامتيازاتها نفسها والبقاء في المواقع والمناصب التي ورثتها عن سابقيها أو آبائها.  والواقع أن سياسات هذه النخب وأسلوب عملها وسلوكها ورهانها الأخير في سبيل ضمان بقائها وتأكيد شرعية حكمها على ما تملكه أجهزة الأمن من وسائل ضغط واحتواء وقمع وتخويف، تشكل اليوم ستارة تخفي هذا الاختمار العميق والواسع عن أعين السلطة نفسها والرأي العام وسدادة تمنع من ظهوره وانتقال آثاره وأصدائه إلى العالم.  وبذلك فإنها لا تكف عن تعميق القطيعة والانفصال بين نخبة حاكمة أصبحت بالفعل من الماضي ومجتمع استيقظ من ثباته وهو يعد نفسه لخوض معركة المستقبل القادمة. فليس هناك شك في أن ما يحصل من تبدلات عميقة في وعي المجتمعات وتطلعاتها وآمالها لن يبقى لفترة طويلة حبيس المكاتب والمنازل والمقاهي والمنتديات السرية أو شبه السرية، وسوف يفرض نفسه بطريقة أو أخرى على نخبة أدركت هي نفسها مدى فوات فكرها وتأهيلها وضعف مستنداتها العقائدية والسياسية وافتقارها إلى أي نمط  من الشرعية، باستثناء شرعية القوة والتفاهمات الأجنبية.

(×) استاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون ـ باريس

 





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع