العدد

162 :

الثلاثاء, اغسطس 19, 2008 - 23:34 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

ازداد عدد المسلمين الاميركيين اربع مرات بعد احداث 11 ايلول

أضواء عن الحضور الإسلامي في الولايات المتحدة الأميركية (1870- 2004)2200 مؤسسة اسلامية معترف بها

حسن مصدق*

تعود طلائع الهجرة العربية والإسلامية إلى الولايات المتحدة إلى ما بين سنة 1870- 1880عندما وصلت أعداد كبيرة من المهاجرين من سوريا ولبنان والأردن رعايا الإمبراطورية العثمانية آنذاك. والسمة الغالبة على الرعيل الأول أنه كان من أصول عربية مسيحية، جاء أغلبه للعمل في ورشات صناعة السفن بمدينة كوينسي  في ولاية ماساشوسيتس، أو في مصانع فورد للسيارات في مدن ديربون وديترويت بولاية ميشيغان. ثم مدينة شيكاغو التي تعرف اليوم أكثر من أربعين تجمعا سكانيا للمسلمين. إلا أنه ينبغي الإشارة إلى أن تاريخ دخول الإسلام إلى الولايات المتحدة الأميركية أقدم من ذلك بكثير إذا أخذنا في الحسبان. تاريخ ترحيل وتهجير السود الأفارقة، بخاصة المسلمين منهم منذ القرن السابع عشر والثامن عشر للعمل في مزارع القطن في الولايات الأميركية الجنوبية.

 

 إذ أن العديد من الممالك الإسلامية في إفريقيا السوداء قامت ببيع العديد من عبيدها في سوق النخاسة، وقد خضع المسلمون منهم لحملات تنصير قوية وفقد الكثير منهم روابطهم الروحية الإسلامية.

 

مراحل الهجرة الى اميركا

ويمكن إجمالا الإشارة إلى مراحل عدة في الهجرة الى الولايات المتحدة:

- المرحلة الأولى (1870- 1912) استقرت الغالبية العظمى من تلك الجالية في ولاية داكوتا الشمالية، بخاصة بولاية أنديانا (Indiana) التي عرفت أول أماكن لإقامة الصلاة منذ العام 1900، تكللت بتأسيس أول مركز إسلامي العام 1914. ويمكن كذلك الإشارة إلى مدينة سيدار رابيد الواقعة في ولاية ايوا التي احتضنت تأسيس أول مسجد ما يزال قائما.

- المرحلة الثانية (1918- 1946): بعد الحرب العالمية الأولى، عرفت الولايات المتحدة موجة ثانية من الهجرة. غير أنها ارتبطت سنة 1924بإصدار قانون للهجرة إلى الولايات المتحدة الأميركية، كانت غايته وضع نسبة معينة ومحدودة خاصة بالأصول القومية والدينية. ونتيجة لذلك، عرفت نسبة الجالية العربية والإسلامية الوافدة إلى أميركا الشمالية تقلصا سنة 1930.

- المرحلة الثالثة (1947- 1960): عرفت الهجرة الإسلامية انتعاشا ملحوظا منذ أن تم تعديل قانون الهجرة سنة 1953 الذي عرف وصول مسلمي يوغوسلافيا وألبانيا والاتحاد السوفياتي، وأيضا من الهند والباكستان. عرفت هذه الفترة تأسيس أول فيدرالية للجمعيات الإسلامية في الولايات المتحدة الأميركية وكندا سنة 1950 ضمت 25 مسجدا تحت لوائها، ويوجد مركزها الرئيسي في ديترويت. وهو عدد المساجد في الولايات المتحدة الأميركية في نهاية الحرب العالمية الثانية، إذا لم نأخذ في الاعتبار المساجد الخاصة بالسود الأميركيين التي بلغت آنذاك 100 مسجد. غير أن هذا العدد تطور منذ نصف قرن ليبلغ 1250 مسجدا، ناهيك عن الوظيفة التي تقوم بها بعض الدور والمنازل التي لا تدخل في الإحصاءات الرسمية كأماكن التعبد والذِّكر وإقامة الصلاة.

- المرحلة الرابعة: يمكن التأريخ لها بداية من سنة1956، تاريخ تعديل الرئيس ليندون جونسون قانون الهجرة للأجانب الوافدين من الخارج، الشهير بنظام النسب (الكوتا). إذ فتحت الولايات المتحدة الباب على مصراعيه أمام الهجرة، حيث أقبل العديد من المهاجرين والطلاب من الشرق الأوسط وإيران وآسيا، بخاصة أن التوترات التي عرفتها منطقة الشرق الأوسط: حرب1967 وأكتوبر 1973 ثم الثورة الإيرانية 1979 دفع العديد من الأفراد الالتحاق بأميركا.

وبحسب الإحصاءات التي تقدمها بعض دوائر الحكومة الفيدرالية يبلغ عدد المؤسسات الإسلامية اليوم2200 مؤسسة معترف بها.

 

عيّنة عن تطور الهجرات

ولكي نتمثل جليا المراحل والتطورات التي مر بها وجود المسلمين في أميركا، تجدر الإشارة بإيجاز إلى تاريخ أحد المراكز الإسلامية الذي يمكن أن يشكل عينة على هذا التطور، وما مر به من صعوبات وعراقيل أحيانا أخرى.

يعد المركز الإسلامي في كوينسي (ضواحي بوسطن) في ولاية ماساشوسيتس نموذجا حيا للأشواط التي قطعها الحضور الإسلامي في أميركا- فوجوده يعود إلى بداية القرن (1900) التي عرفت مقدم سوريين ولبنانيين للبحث عن العمل في ورش بناء السفن في ولاية ماساشوسيت. ثم ما لبثت سنة 1934 أن عرفت تأسيس أول جمعية ثقافية اجتماعية لرعاية شؤون المسلمين، أطلقتْ على نفسها اسم (The Arab American Banner Society) تشير الوثائق إلى أنها استقرت بمدينة كوينسي بشارع (South Street)، موقع تجمع عدد كبير من المسلمين. ثم ما لبثت أن تكللت جهود الجالية بالنجاح عندما تم تأسيس أول مسجد سنة 1962 في هذا الشارع الذي كان إيذانا بتزايد أعضاء الجالية ثلاث مرات ما بين 1964-1974.

ونظرا للمتطلبات والاحتياجات المتسارعة عمدت الجالية إلى استقدام الشيخ طلال عيد (إمام لبناني) لتلبية هذه الخدمات، حيث درس في الأزهر الشريف وتمت تزكيته من طرف الرابطة الإسلامية العالمية. وهو فقيه متزوج له ابنتان، استطاع أن يدير شؤون الجماعة منذ حوالي عشرين سنة، وتمكن من  بناء مدرستين دينيتين في كل من كوينسي وشارون (Sharon) يستفيد منها حوالي 300 طفل من أبناء الجالية.

إلا أن مسيرة الاندماج في الولايات المتحدة الأميركية تخللتها صعوبات وعراقيل، أبرزها ما حدث سنة 1990 عندما شب حريق مهول في مسجد كوينسي، أشارت تقارير الصحف حينها أنه من تدبير أيد آثمة، وبلغت خسائره حوالي نصف مليون دولار. لكن بحث أجهزة الأمن والقضاء، لم يسفرا عن شيء وقيدت الدعوى ضد مجهول.

وعلى إثر التزايد الملحوظ في النشاط الديني والثقافي وخدمات الرعاية التي كان المسجد يقدمها لجالية تتوزع عبر 25 جنسية مختلفة، فكَّر المسلمون سنة 1991 في إنشاء مركز ثقافي إسلامي. لكن عملية شراء عمارة تقع على بقعة أرضية تبلغ ثلاثة هكتارات، تعرضت للإحباط بسبب تدخل بعض الأوساط المعادية التي صورت المركز الإسلامي في مدينة ميلتون  كمأوى سيقض مضجع السكينة والهدوء الذي تعرفه المدينة.

 ورغم محاولة القيادات الإسلامية تهدئة الوضع عبر ميان أشرف، وهو طبيب جراح يحظى بالاحترام في المدينة، إلا أن العمارة بيعت لجماعة من السكان المشكوك في انتماءاتهم المسيحية المتطرفة اشتروا العمارة بمبلغ 1،2 مليون دولار ضدا على الوعود المكتوبة والمفاوضات المتقدمة في ملف البيع.

أمام هذه الخيبة الكبيرة، لم يقف المسلمون مكتوفي الأيدي بل تابعوا جهودهم بدون كلل لايجاد مكان مناسب، وسرعان ما تكللت بالنجاح بالعثور  على مزرعة لتربية الخيول، تبلغ مساحتها عشرين هكتارا في مدينة شارون التي يبلغ عدد سكانها حوالي 15000 ألف نسمة، نصفهم يهود.

ولقطع الطريق أمام دابر العنصرية والكراهية، عمد المسلمون إلى مخاطبة الرأي العام مباشرة عبر توزيع كاسيت فيديو، يشرح جملة من الأهداف السامية التي يدافع عنها الإسلام والأنشطة التي سيقوم بها المركز مستقبلا. ثم عمدوا إلى الاتصال باليهود من أصول مغاربية الأكثر فهما للتراث الإسلامي والحضاري، لتكوين جماعة ضغط من داخل المدينة لمواجهة الاحتمالات كافة. سرعان ما اجتمع مجلس الكنيس اليهودي في المدينة الذي كان يرأسه باري ستار وأصدر دعمه ومساندته علانية وبالإجماع  لإنشاء المركز الثقافي الإسلامي في المدينة.

وبحلول سنة 1991 تم وضع حجر الأساس، وافتتح المركز الثقافي الإسلامي في إنكلترا الجديدة أبوابه سنة 1995، وهو يعتبر بحق تاريخا للحضور الرسمي والمؤسساتي للمسلمين بهذه الولاية، بعد أن حصل المركز على حق تأدية أجر عطلة عيد الفطر للعمال المسلمين في الولاية.

ونظرا للوئام والأخلاق السامية التي تحلى بها المسلمون في هذه الولاية، عمد الرئيس بيل كلينتون إلى توجيه رسالة رسمية لأبناء الجالية الإسلامية اعترافا منه لما يؤدونه من أعمال وخدمات جليلة للطوائف المختلفة واحترامهم لمعتقداتها وأديانها، الأمر الذي يشكل نموذجا حيا للتعايش السلمي مع الجاليات والطوائف المختلفة.

 

 الجالية الإسلامية: أرقام وبيانات متضاربة

نظرا للأهمية المتزايدة لأعداد المسلمين في الولايات المتحدة الأميركية، أصبح هذا الحضور محط اهتمام بالغ من طرف المنظمات والمعاهد ومراكز الأبحاث وجماعات الضغط  المختلفة ومنتديات القرار السياسي.

ولعل أهمية ذلك تبدو من خلال رغبة البعض في تحجيم نسبة الجالية الإسلامية الحقيقية، وتصويرها بأنها غير قادرة على أن تلعب دورا يذكر في الحياة السياسية والثقافية والإسلامية، أو من خلال رغبة البعض الآخر في أن يضخم العدد رغبة منه في الحصول على اعتراف رسمي يقربه من دوائر القرار السياسي، أو بِنيَّة حسنة لقطع الطريق على المعادين للجالية الإسلامية.

وبين هذا وذاك، من الصعوبة بمكان حصر عدد السكان المسلمين في الولايات المتحدة. فقبل قانون «باتريوت أكت » (Patriot Act) لم يكن الدستور الأميركي يسمح بتعداد ساكنيه على مستوى الأديان. إلا أن الأمر انقلب إلى ضده بعد احداث 11 ايلول -سبتمبر- 2001، حيث لن تتورع أجهزة الاستخبارات الداخلية من إحصاء أنفاسهم إذا تمكنت من ذلك.

وفي ضوء ما ورد في صحيفة «نيويورك بوست» (92 تشرين الأول -أكتوبر- 2001)، كإشارة إلى البيان السنوي الذي تصدره الكنائس الأميركية، بلغ عددهم 3 ملايين وثلاثمائة ألف سنة 1998. كما أن مجلة American Religious Scientific Survey ) سنة 2001 قدمت أرقاما أقل بكثير من ذلك بلغت حوالي 8،1 مليون.

 إلا أن الدراسة التي قام بها الباحث الجامعي توم سميث (جامعة شيكاغو)، والتي مولها المجلس اليهودي الأميركي! قدرت أعدادهم ب 2814000 مليون. غير أن التقديرات الإحصائية التي تتبناها عموم الجمعيات الإسلامية تشير إلى أكثر من سبعة ملايين، الأمر الذي يجعل الدين الإسلامي يحتل المرتبة الثانية بين الديانات في الولايات المتحدة الأميركية، وفي الوقت نفسه يشير  الى الدور غير المبرر الذي تلعبه الديانة اليهودية في الحياة السياسية الأميركية الى الدور (حوالي 5 ملايين على أبعد تقدير).

المهم أن مجلس مسلمي أميركا (American Muslim Council) اتهم رسميا توم سميث بإقصاء 4،5 مليون مسلم من إحصائه المزعوم لغرض في نفس يعقوب. هذا بالطبيعة من دون إغفال إحصاءات بعض الحركات الإسلامية الحركية التي تقدم أرقاما مبالغاً فيها من دون شك، بلغت ما بين 10 و12 مليوناً.

تشير كل من الباحثة إيفون حداد (أستاذة التاريخ بجامعة ماساشوسيتس في أمهرست وجان سميث (استاذة الحضارة الإسلامية ومديرة مجلة Muslim World ورئيسة معهد ماكدونالد للدراسات الإسلامية المسيحية في هارتفورد في ولاية كونيكتكيت)، كما الأستاذة ديانا إك(أستاذة وباحثة في الأديان الجديدة بالولايات المتحدة الأميركية) أن الجالية المسلمة الأميركية للأسف موزعة بين مصالح مختلفة ومنقسمة على بعضها بعضاً. فعلى رغم أعدادها الكبيرة بالقياس إلى طوائف أخرى، الا انها عرضة للانقسام بتعدد منابرها، ناهيك عن تضارب مصالح أوطانها الأصلية أحيانا. وكل ذلك يحد بكثير من تأثيرها.

 

الجمعيات والمنظمات الإسلامية الكبرى في اميركا

وفي حمأة التعدد الإثني والثقافي والديني والسياسي الكبير، لم يتأت إسماع صوت المسلمين إلا عبر تنظيمهم في محاولة منهم لكسر الطوق والحصار الإعلامي المضروب عنهم لمدة طويلة. ولا بد من الإشارة إلى أن الوعي بذلك جاء من النخبة المثقفة التي حاولت رأب الصدع وتمكينهم من أدوات تنظيمية وجمعوية تقوم برعاية شؤونهم والدفاع عن مصالحهم وإسماع صوتهم.

ولعل أولى المحاولات في ذلك، تأسيس معهد دولي للفكر الإسلامي رأى النور في جامعة فيلادلفيا، أسسه أستاذ جامعي من أصول فلسطينية يدعى إسماعيل الفاروقي، ثم تلته نشأة ثلاث منظمات كبرى حققت وجودا لا بأس به في الساحة الإعلامية والثقافية والسياسية: المجلس الإسلامي الأميركي (American Muslim Council AMC) الذي يعد إبراهيم هوبر أحد أبرز قيادييه، ومجلس العلاقات الإسلامية الأميركية ( CAIR)

 الذي يقوده عبد الرحمان العمودي، ثم جمعية الطلاب المسلمين (Muslim Student Association) التي تأسست سنة 1963.

وتقوم هذه الجمعيات بنشر الدعوة الإسلامية والذود عن مصالح الجالية الإسلامية والرد على النزعات العنصرية التي تستهدف العرب والمسلمين المقيمين في الولايات المتحدة الأميركية، لاسيما الحملات الهستيرية التي تعرضوا لها بعد أحداث 11 سبتمبر - ايلول- 2001، حيث عملت هذه الجمعيات على تكثيف وجودها في الساحة والرد بكل ما أوتيت من قوة على الخلط المتعمد من بعض الجهات بين الإسلام والإرهاب، والتشويه صورة المسلمين. ما شد أنظار العديد من المواطنين الأميركيين الذين رفض الكثير منهم أن ينجر وراء حملات العداء والكراهية لمواطنين يحملون الجنسية الأميركية ويدينون بدين الإسلام.

ولعل تصريح الدكتور رمزي، أستاذ في الجامعة الإسلامية في ساوثفيلد لجريدة لوفيغارو(21 نوفمبر- تشرين الثاني- 2001)، يؤكد أن الكيد ارتد إلى نحر مدبريه، بعد أن تزايدت أعداد الأميركيين الذين اعتنقوا الدين الإسلامي. إذ أصبح عددهم يعادل أربع مرات ما كانوا عليه من ذي قبل.

ويبدو أنه لا محيص من الاعتراف كما يذهب دانييل بيبس  أحد المختصين في القضايا الإسلامية في الولايات المتحدة الأميركية واحد صقور المحافظين الجدد بأن الاستراتيجية الإسلامية القائمة على الحوار ونبذ العنف بدأت تؤتي أكلها و«أمامها حظ كبير من النجاح». ويمكن معاينة ذلك من خلال التقدم الحاصل في أعداد المسلمين، فلقد أصبحت الديانة الإسلامية تحتل المرتبة الثانية في الولايات المتحدة الأميركية. إذ يبلغ عدد الأميركيين (أغلبهم من السود) الذين يعتنقون الإسلام كل سنة قرابة مئة ألف، بحيث إن 80 في المئة من المساجد التي وصلت اليوم الى 2200، معظمها بُني في السنين الأخيرة.

ويوجد اليوم على الأقل ما بين ستة وثمانية ملايين مسلم  في الولايات المتحدة، ينحدر 65 في المئة  منهم من الهجرة و24 في المئة منهم من السود الأميركيين. إلا أن الأهم من ذلك كله، ان ثلاثة ملايين منهم مسلمون جدد، يعدون أكبر جماعة أسلمت في العالم الغربي. ولا يقتصر ذلك فقط على السود، بل من بينهم مَن أصوله مِن أميركا اللاتينية، ومئة ألف من أصول أوروبية.

ثم ما لبث أن تعدى الأمر المشاهير والنجوم الذين اعتنقوا الإسلام كمالكوم إكس (مالك الشباز) ومحمد علي كلاي، لويس فرخان أو مايك تايسون (تكنى بعبد العزيز بعد إشهار إسلامه) إلى بعض المسلمين الجدد الذين ينتمون إلى الوسط الراقي في المجتمع الأميركي كأنطوني دو لورينزو الذي أصبح يوسف طلال، الملقب بشيخ وال ستريت، نظرا لإدارته المجلس الاستشاري الديني الذي يراقب المصارف والمقاولات والمؤسسات المالية (Shari'a Advisory Board) التي تتعامل وفق القواعد الإسلامية. وهو بمثابة رمز للمعاملات المالية التي تعتمدها المقاولات المسلمة، أو ما أطلق عليها Dow Jones Islamic market).)، علاوة على ذلك، فهو خبير مختص في باكستان ومن أعد ترجمة جديدة للقرآن. والسر في اعتناقه للإسلام وإقباله على تعلم العربية في بيروت، افتنانه بالعصر الذهبي الإسلامي في الأندلس.

كما أن سراج وهاج من الشخصيات الإسلامية وأحد أبرز زعماء مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية والجمعية الإسلامية في شمال أميركا، كان أول مسؤول يتم استقباله في مجلس الشيوخ الأميركي في تموز- يوليو- 1911، حيث قام بعرض مفهوم إسلامي وطني ومعتدل، كناية عن ارتباط المسلمين بوطنهم الذين يحملون جنسيته لقطع الطريق عن من يشكك في ولائهم الوطني. إلا أنه من الملاحظ ارتباط المنظمات والجمعيات الإسلامية الأميركية بمنابر عدة وبتيارات فكرية مختلفة في توجهاتها، كتلك المنحدرة من إفريقيا السوداء، أو تلك المرتبطة بالمجلس الإسلامي الأعلى في أميركا، وهي منظمة يقودها هشام قباني ينضوي تحت لوائها قرابة عشرين في المئة من المساجد وتختلف في منطلقاتها عن القطب الإسلامي، الذي ينحدر من الهند وباكستان وتقوده الجماعة الإسلامية، من ذوي الأصول الحنفية والديوباندية، أو الحركات المرتبطة بحركة الإخوان المسلمين.

ويمكن القول إن الظهور الإسلامي في الولايات المتحدة ينحدر من فروع وروافد متنوعة تبعا لتنوع مصادر حامليه الذين أتوا من فجاج وبقاع مختلفة تشمل أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط.

 

«أمة الإسلام» أو الإسلام ذو الأصول الإفريقية

كانت للرق والاستعباد الذي قام به الرجل الأبيض آثار جسيمة على نفسية الأفارقة السود ووضعيتهم الاجتماعية. إذ ظلت وضعيتهم دونية ومرتبطة بتاريخ العبيد المر والمأساوي على أكثر من صعيد.

لذلك شكل دين الإسلام بالنسبة لعدد غير قليل منهم مصدرا كبيرا لاسترجاع هويتهم المفقودة التي اغتالها تجار الرقيق في أدغال أفريقيا ومزارع القطن في الولايات الأميركية الجنوبية. وأساس التمايز الذي حصل كردة فعل طبيعية ضد مجتمع الرقيق الذي استعبدهم وعشش فيه التمييز العنصري أمادا طويلة، يفسر التقدم الحاصل في وتيرة اعتناق الإسلام من السود الأميركيين الذين لم يستسيغوا سكوت الكنيسة المسيحية على تجارة الرقيق والاستغلال البشع الذي تعرضوا له من طرف الإنسان الأبيض.

ويمكن التأريخ لأصول حركة السود المسلمين «Black Muslim» كحركة منظمة بالعودة إلى تيموتي دروو (Timothy Drew) الذي تكنَّى بالسيد دروو علي وتأسيس مؤسسة (Moorish American Science Temple) في نيوارك (Newark) سنة 1913، وبزوغ شمس إليجه محمد كشخصية كاريزماتية  سنة 1930 وحركة «أمة الإسلام» التي اهتمت بنشر الدعوة الإسلامية والمحافظة على التعاليم والفروض الدينية.

إلا أن هذه الحركة لم تصمد أمام التيارات التي تجاذبتها، بخاصة عندما انجرف العديد من أعضائها نحو أطروحات تكن العداء المطلق للإنسان الأبيض، وتعتبره «الشيطان الأبيض»، كما انحيازها المطلق للحضارة الإسلامية واعتبارها الحضارة الإنسانية ذات النزعة التقدمية مدينة تاريخيا لشعب الإسلام وحده دون غيره، وتنادي ايضا بوأد الإنسان الأبيض ونظمه وقيمه الرمزية.

أمام حدة الاختلافات التي عرفتها حركة السود الأميركيين، انفصل العديد من المسلمين السود عن الحركة بوفاة إليجة محمد، رافضين التمييز العنصري المضاد الذي يدعو إليه بعض السود أو أن يحظى مؤسس الحركة  بمظاهر التقديس والتبريك. ثم أسسوا مع ابنه وريث الدين محمد المنظمة البلالية الأميركية (نسبة إلى الصحابي بلال بن رباح) التي غيرت اسمها إلى الجمعية العالمية الإسلامية في الغرب ثم أخيرا إلى حركة الدعوة الإسلامية الأميركية.

رافقت هذا التعديل حركة إصلاحية في توجهات المنظمة، إذ سن وريث الدين محمد اللامركزية ومبدأ تفويض العديد من الصلاحيات والمهمات التي كانت مركزية إلى الأئمة على المستوى الجهوي والمحلي. كما شجع المسلمين الأميركيين على الدفاع عن القضايا المصيرية للأمة الإسلامية في أنحاء العالم المختلفة واعتبار دين الإسلام ديناً كونياً.

وبالرجوع إلى سيرة مالكوم إكس الذاتية (نشرت سنة 1964) التي تحولت إلى افلام عدة نجد كيف كانت لعودة الحاج مالك الشباز ـ اسمه الجديد ـ الشهيرة من مكة، أثر كبير في تحول حركة المسلمين السود، إذ استطاع أن يقنع العديد من المسلمين السود بضرورة تصعيد اللهجة وتبني أفكار راديكالية. وسرعان ما شد الأنظار بإقناعه الملاكم الشهير كلاسيوس كلاي (محمد علي) أن يعتنق دين الإسلام سنة 1965.

استمر هذا النهج مع لويس فرخان الذي حاول إعادة بناء حركة «أمة الإسلام» على قاعدة مركزية محكمة وعلى ضوء مبادئ متشددة، بعدما أضعفتها حركة وريث الدين الإصلاحية، بحيث لم تعد تمثل إلا ثلاثمائة ألف عضو في وسط ثلاثة ملايين من المسلمين السود.

 غير أن لويس فرخان استطاع أن يشد إليه الأنظار بالهجوم الشديد على وريث الدين زعيم حركة الدعوة الإسلامية الأميركية، بخاصة عندما استطاع تنظيم «مسيرة المليون الحاشدة للسود المسلمين». إلا أن قبول الحركة بتمويلات من ليبيا والسعودية وأحيانا إيران وضعها محط انتقادات شديدة داخل أميركا.

أما عن النشاط الملحوظ الذي تقوم به الحركة، فيمكن معاينته من خلال الأعمال الخيرية التي تقام وسط السجون الأميركية لرعاية حقوق السود الأميركيين من خلال تأمين وجبات غذائية حلال لهم، أو مطالبة العديد من أعضائها بأماكن للعبادة للمسلمين السود. ويلاحظ أن تلك الأنشطة تحظى بتغطية صحافية كبيرة في الإعلام الأميركي، نظرا لشخصية لويس فرخان المثيرة للجدل على أكثر من صعيد، بخاصة تصريحاته الشعبوية عن تدني حضارة الإنسان الأبيض المشؤومة  وعن المكائد التي يحيكها اليهود للسود.

وإجمالا، يمكن القول أن حركة المسلمين السود قامت ببناء العديد من المساجد وسط المدن ونهضت بالدعوة وسط الأحياء ووصلت إلى داخل السجون والأحياء المغلقة وعملت على خلق نظام تعليمي خاص بالدعوة الإسلامية على مدار التراب الأميركي، بخاصة منها ما يعرف بمدارس كلارا المحمدية (Clara Muhammad) التي حظي ستون منها بالاعتراف المؤسساتي، نظرا لجودة تعليمها وحسن تنظيمها.

ونظرا للجهود التي قام بها وريث الدين الوجه الآخر لحركة السود المسلمين، يمكن تسجيل طابعها المتسامح وعدولها عن مهاجمة الإنسان الأبيض وتشجيعها للمسلمين أن يرسلوا أبناءهم للتعلم في تلك المؤسسات التي كانت في البداية محصورة في الأفارقة الأميركيين. وما يمكن ملاحظته في هذا الإطار أن العديد من الأطر التعليمية في هذه المؤسسات مهاجرون مسلمون لونهم أبيض ذوو كفاءات تعليمية عليا، دون أن يثير ذلك امتعاض السود.

ولم يعد التعليم ينحصر في التربية الإسلامية فحسب، بل يصاحبه تعليم اللغة الإنكليزية والتاريخ والعلوم واللغة العربية منذ التعليم الأساسي.

ولعل الدور المنوط بمجموعة مدارس «كلارا المحمدية»، بدأ يحقق ثماره. إذ بدأ يحقق انصهارا بين القوميات الإسلامية المختلفة ويشي في الأمد المتوسط بظهور جالية مسلمة أميركية تشعر بوحدة المصير والأهداف، كما تقوية الروابط بين المسلمين السود من ناحية، والمسلمين من أصول مهاجرة من ناحية أخرى.

 وتشير الدوائر المختصة إلى التزايد الملحوظ في نسبة علاقات الزواج المختلط بين إثنيات وأقوام مختلفة  تدين بدين الإسلام، كانت منذ زمن غير بعيد منفصلة ومنعزلة عن بعضها البعض. ومن المؤكد أن الحدود التي كانت تفصل بين المسلمين السود ومسلمي الهجرة إلى زوال، بحيث نلاحظ أن نسبة لا بأس بها من أبناء المهاجرين الذين ولدوا في الولايات المتحدة يتزوجون من بنات المسلمين السود ـ والعكس صحيح ـ ويشاركون في المؤسسات الإسلامية نفسها ويمارسون شعائرهم الدينية في المساجد نفسها.

 

المسلمون من أصول مهاجرة

تشير الإحصائيات إلى أن أكثر من ثلثي مسلمي الولايات المتحدة الأميركية من الهند وباكستان والشرق الأوسط. تعود  طلائعهم الأولى إلى العام1800، أتت من سوريا ولبنان والأردن وفلسطين (وإن كانت في أغلبها من أصول مسيحية عربية). كما أن تجمعاتهم في البداية بدأت تتشكل حول المركبات الصناعية في جوار ديترويت وميشيغان وشيكاغو وميدويست ـ توليدو وسيدارـ رابيدس. أما وصول الحملة الثانية من المهاجرين إلى هذه الربوع فيمكن حصرها ما بين 1947- 1960، وتخللها وصول مهاجرين من الهند وباكستان والشرق الأوسط ومسلمي شرق أوروبا والاتحاد السوفياتي وإيران. نخص بالذكر منهم العديد من العرب والباكستانيين الذين ينحدرون من أوساط ثقافية عليا تنتمي إلى الطبقات الوسطى. أما الذين وصلوا مؤخرا فجاؤوا من السودان وأوغندا وبرميدا ويوغوسلافيا السابقة.

وإذا كان مسلمو الهجرة الأولى ينظرون إلى المساجد والأئمة كعناصر للاندماج الاجتماعي والثقافي توجه حياتهم الخاصة وتصونها من تأثيرات غير مرغوب فيها لتعارضها مع هويتهم الدينية، مع العمل الدؤوب على الاندماج في النسيج الاجتماعي الذي استقبلهم. فإن الذين التحقوا مؤخرا أقل انفتاحا وأكثر ارتباطا بتقاليدهم وبأوطانهم الأصلية. كما أن حساسيتهم لما يجري في الوطن العربي والإسلامي من كوارث وفواجع أكبر بكثير. ويمكن اعتبارهم محافظين وجد قريبين من الحركات الإسلامية عموما. لا سيما أن العديد منهم عانى من جبروت الأنظمة العربية سياسيا واكتوى بنارها، الأمر الذي مهد بداية لتوترات شديدة نتجت عن صعوبة الاندماج. إذ سرعان ما دعوا إلى تمثل الزي الإسلامي بالنسبة للمرأة المسلمة واحترامه، وحاربوا أنواع الاندماج في مجتمعهم الجديد. بل نادى البعض منهم بتطبيق الشريعة وامتعضوا من شروط العمل وأجوائها في المصانع والمقاولات التي لا توفر أماكن للصلاة ولا تسمح بتأدية الصلوات في أوقاتها المعلومة أو القيام بصلاة الجماعة يوم الجمعة. كما تذمرهم من الأماكن والمنتديات والإدارات والمطاعم العامة  لا تقدم خدمات أو مأكولات تتناسب مع ما ألفوه.

ولتحريك الرأي العام عمدوا إلى تكوين جمعيات حملت لواء الدفاع عن تلك المطالب. ويمكن القول أن الطلبة لعبوا دورا كبيرا في الدفاع عن تلك المطالب عبر جمعية الطلبة المسلمين التي كانت شعاراتها أكثر حركية وتحمل نبرة سياسية واضحة، بحيث تعتبر تلك الجمعية من إحدى أقوى الجمعيات وأكثرها تنظيما. بل عمدت إلى خلق العديد من المنظمات الأخرى بمجرد تزايد العديد من المتخرجين من الثانويات والمعاهد والجامعات التي انتسبوا إليها بداية، تتناسب وحقل اختصاصات مهنهم الجديدة.

 فشهدنا ميلاد جمعية الجماعة الإسلامية والجمعية الأميركية للعلوم الإجتماعية  والجمعية الإسلامية الأميركية للعلوم والهندسة ومركز التعليم الإسلامي  والجمعية الطبية الإسلامية ومنظمة الدعوة الإسلامية الأميركية...

ويمكن اعتبار تلك التنظيمات ثمرة تعاون وجهد بين حركة «الإخوان المسلمون» و«الجماعة الإسلامية» الباكستانية، يشرف عليها مجلس الشورى التابع للمجمع الإسلامي لشمال أميركا، وهو مجلس تشريعي) أوحد أكبر جماعات الضغط الإسلامية الموجودة في الولايات المتحدة.

وإلى جانب تلك المنظمات هناك العديد من المنظمات مختصة بالدعوة، منها فرع الرابطة الإسلامية العالمية، والمجمع الإسلامي في جورجيا وفيرجينيا، كما أن هناك العديد من مراكز البحوث والدراسات، نخص منها بالذكر المعهد الدولي للدراسات الإسلامية الذي تأسس سنة 1982، أو اللجنة الوطنية للعلاقات الإسلامية العامة التي كانت أولى المنظمات التي استخدمت الإعلام لتنبيه الرأي العام لما يجري في الشرق الأوسط، بخاصة القضية الفلسطينية.

وعلى المستوى السياسي نشير إلى الاتحاد الإسلامي الأميركي  والمجمع الإسلامي في هوستون  اللذين تأسسا العام 5891 وحاولا تشجيع المسلمين الأميركيين على الانخراط الفعال في الحقل السياسي، بدعم المرشحين الأقرب من القيم الإسلامية والقضايا العربية والإسلامية.

 

 جماعات الضغط الإسلامية

رفعت الجماعات الإسلامية منذ وقت غير بعيد شعار الدفاع «عن الحقوق المدنية والسياسية» للمسلمين الأميركيين، سواء من يتعرض منهم للعنصرية والتشويه، أو الوقوف ضد النزعة العدائية المستشرية في المرحلة الأخيرة بعد تداعيات 11 ايلول -سبتمبر- 2001. إذ تميز في هذا الإطار خلال السنوات العشر الأخيرة: التحالف الأميركي الإسلامي ومجلس العلاقات العامة الإسلامي وبخاصة مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية الذي يوجد مقره في واشنطن ويحظى بتأثير قوي ومتزايد، وتأسس وسنة 1994 من طرف نهاد عوض، وهو فلسطيني يحمل الجنسية الأميركية. وتتوفر هذه المنظمة على مطبوعات ونشرات دورية كما على موقع أنترنت http://www.cair-net.org))، انبرى للنضال ضد كل أشكال «تهديد الحرية الدينية للمسلمين بأميركا» وأخذ يحض الجمعيات الإسلامية أن تقدم منظورا إسلاميا سلميا بعيدا عن الغوغائية والتشدد والابتعاد عن ما قد يشوش صورته ويشوه صورة المسلمين، حتى يتمكن الرأي العام الأميركي من معرفة الدين الإسلامي والحضارة التي اقترنت به على حقيقتهما.

ويقوم مدير المجلس للإعلام إبراهيم هوبر بجولات عدة عبر الولايات الأميركية لكي يشرح للمسلمين «كيفية إسماع صوتهم في المنتدى الإعلامي والصحافة الأميركية»، وكيف يشكلون «جماعة ضغط ـ  لوبي ـ ناجحة».

بالفعل تمكن مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية منذ سنوات من لفت أنظار المتتبعين والأوساط الإعلامية، بحيث أصبح احدى الآليات التي لا غنى عنها لفهم حال الإسلام والمسلمين في أميركا، بخاصة منذ انفجار المبنى الفيدرالي في بمدينة أوكلاهوما سنة 1995 الذي راح ضحيته مائة وثمانية وستون شخصا. إذ سرعان ما تحركت بعض الجهات في عجالة لتنسب للإسلاميين مسؤولية ما حدث دون تمحيص للأحداث والتحريات اللازمة ودون تقديم أدلة إثبات ضدهم.

لكن مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية كان بالمرصاد لتلك المزاعم، حيث فند تلك الادعاءات جملة وتفصيلا، وأظهر قدرة كبيرة في الإلمام بكل جوانب القضية، إذ تضمن تقريره الشهير عنوانا لافتا للنظر «أحكام مسبقة»، وما لبث أن بين هذا التقرير بالحجة القاطعة والدليل الدامغ براءة المسلمين المتهمين ظلما وعدوانا في هذا الاعتداء، الأمر الذي أكدته المحاكم حرفيا بعد أيام قليلة.

وفي هذا الإطار قام المجلس بحملة إعلامية ناجحة، إذ عمد إلى إرسال مسودة التقرير إلى وسائل الإعلام والشخصيات السياسية الكبيرة والمؤسسات الفكرية. ثم ما لبث أن أفسح في المجال أمام مؤسس المجلس نهاد عوض في القنوات التلفزية وأصبح مخاطبا أولا في البيت الأبيض.

إلا أن مشروعية المجلس لم تتم من خلال النجاح الذي أحرزه في هذه القضية فحسب، وإنما كان ثمرة حملاته الإعلامية المكثفة ونجاحاته الباهرة في مقاضاة استوديوهات هوليوود والشركة العملاقة «نايك» التي استطاع المجلس أن ينال منها قضائيا ومن مذيعي الإذاعات وبعض القنوات التلفزية الأميركية وأعضاء من مجلس الشيوخ درجوا على النيل من الإسلام والمسلمين دون حساب، الأمر الذي بوَّأ المجلس مكانة كبيرة يحسب لها ألف حساب، من خلال حسن تدبيره للمعطيات وحسن استغلاله لها دون غلو أو تشنج في عرض دفاعه عن قضايا المسلمين ومتابعته الدؤوبة لكل من يتجرأ على المس بالمعتقدات الإسلامية.

ولعل الحملة الناجحة التي قام بها المجلس إلى جانب المجلس الأميركي الإسلامي للحد من تداعيات 11 ايلول -سبتمبر- 2001 جديرة بالتذكير، إذ قاما معاً بالتنديد بالحملات المغرضة التي استهدفت المسلمين، بخاصة الاعتداءات العنصرية التي بلغت 530 اعتداء على المسلمين وممتلكاتهم، من بينها سقوط ستة ضحايا قتلى وتسعين اعتداء بالضرب والجرح. كما حملات الاعتقال العشوائية التي طالت العديد من بينها نحو 400 حالة اعتقال لمن يفترض أنهم قريبون من تنظيم القاعدة. إلا أنها لم تحترم المعايير القانونية بحسب اللجنة العربية ضد التمييز العنصري والمجلس الإسلامي للعلاقات العامة.  ظروف الاعتقال المشينة وغير الإنسانية لمعتقلي القاعدة وحركة طالبان في معتقل غوانتانامو التي لم تحترم معاهدة جنيف.

والأهم من ذلك كله أن المجلس الإسلامي الأميركي ومجلس العلاقات الإسلامية الأميركية برزا إلى الواجهة كمنظمتين إسلاميتين معتدلتين تعتمدان الحوار السلمي، وتملكان توجهات معتدلة غايتها إبراز تعاليم الدين السمحة والدفاع عن حقوق الإنسان والحقوق المدنية، كما تعملان تلقائيا على إدماج المسلمين في حظيرة المجتمع الأميركي على غرار كل الأجناس والديانات التي تتعايش في ظله.

أما عن عدد المنابر والوسائط الإعلامية التي أصبحت في حوزة جماعات الضغط العربية والإسلامية، فيمكن القول أنها فاقت ثلاثمائة رسالة إخبارية (Newsletter) وإحدى عشرة أسبوعية وثماني مجلات شهرية وسبعة عشر برنامجاً إذاعياً وخمسة برامج تلفزيونية، تشكل قوة إعلامية لا بأس بها.

 

الانتخابات الأميركية واتجاهات الجالية العربية والإسلامية

كيف سيكون تصويت العرب الأميركيين في الانتخابات؟ سؤال يتردد على كل لسان بعد اشتداد الحملة الانتخابية، لا سيما أن العديد من العرب والمسلمين يقطنون بولايات عدة ستحدد لا محالة من سيكون رئيس البيت الأبيض المقبل.

أجري هذا الاستطلاع الأول من نوعه في الولايات المتحدة الأميركية على عينة من الجالية العربية بلغت 004 مشارك، حيث اعتمدت اللغة العربية واللغة الإنكليزية في سلسلة من الحوارات التلفونية شملت 34 ولاية من أصل 05. وأغلب المشاركين يقطنون في كاليفورنيا ونيويورك وميشيغان. أما عن تشكيلة المشاركين، فتنتمي إلى 51 بلدا عربيا، إزداد 43 في المئة منهم في الولايات المتحدة. تبلغ نسبة المسلمين منهم 85 في المئة منهم مقابل 53 في المئة من المسيحيين العرب.

وللإشارة أن مُعامل الخطأ لا يتجاوز نسبة 5 في المئة في هذا الاستطلاع حسب ما صرحت به سيندي كلوز مديرة مؤسسة (New California media) التي قدمت خلاصات ونتائج إحصاء توجهات وأصوات الناخبين العرب. إذ أجري ذلك بتعاون وثيق مع منظمة العفو الدولية التي بادرت مؤخرا بالاهتمام بوضعية الجالية العربية والإسلامية في الولايات المتحدة الأميركية.

 قام استطلاع الرأي لدى الناخبين العرب على جرد أهم القضايا المثارة في حملات المرشح الديموقراطي جون كيري ومنافسه الجمهوري.

أما عن نتائج الاستطلاع الذي قامت به مؤسسة بون ديكس (Bendeix) المختصة في سبر آراء الناخبين، تتشير إلى توقعات غير محسوبة وعلى جميع المستويات. فبحسب الاستطلاع الذي شمل 004  أميركي من أصول عربية ما بين الثاني والثامن من -آب - اغسطس الماضي، تبين أن حوالي 16 في المئة يعتبرون أن القضية الفلسطينية هي السبب في عدم استقرار وتدهور الأوضاع في الشرق الأوسط، مقابل 91 في المئة يعتبرون العراق هو السبب و3 في المئة تعتبر أن الهجمات الإرهابية في المملكة العربية السعودية وراء ذلك. في حين عبر واحد في المئة منهم أن الوضع في أفغانستان هو المسؤول وحده عن ذلك.

و بخصوص القضية الفلسطينية التي تأتي في صدارة اهتمام عدد كبير من الأميركيين من أصول عربية، يعتقد 74 في المئة منهم بإمكانية الوصول إلى حل سلمي بين الأطراف المتنازعة. غير أن 24 في المئة لم يخفوا تشاؤمهم من امكان تحقيق ذلك، في حين دعا 53 في المئة من العرب الأميركيين البيت الأبيض أن يلعب دورا أكبر لمساعدة المعنيين بالأمر للوصول إلى تسوية مقبولة. لكن 04 في المئة غير موافقين بالمرة على سياسة التدخل في هذه القضية، معتبرين أنه من الأحسن للولايات المتحدة عدم التدخل نهائيا في هذا الملف.

أما بخصوص الوضع في العراق فعبَّر 37 في المئة من العرب الأميركيين عن معارضتهم للسياسة التي نهجتها حكومة بوش في هذا الملف، في حين أن 71 في المئة اعتبر أن الحكومة الفيدرالية قامت بتضليل الرأي العام ونشر أكاذيب حول الأسباب الحقيقة لإعلان الحرب مقابل 82 في المئة منهم أكدوا أنها لم تكذب.

أما بخصوص إعلان الحرب لقلب نظام صدام حسين المخلوع، اعتبر 55 في المئة منهم أن واشنطن اتخذت قرارا غير مناسب، في حين اعتبر 82 في المئة أنها كانت على حق في ذلك. أما بخصوص توسيع الحرب إلى مناطق مجاورة، أكد 85في المئة منهم أنهم يظنون أن الولايات المتحدة الأميركية لن تتوقف عند حدود العراق وستعلن الحرب على دول أخرى مجاورة. غير أن 44 في المئة منهم يظنون أن تلك الحرب ليست موجهة ضد العرب.

أما بخصوص تعقيدات الوضع في العراق، يناصر 45 في المئة من العرب الأميركيين مغادرة فورية، في حين يرغب 81 في المئة منهم عودة تدريجية خلال مدة زمنية تتراوح ما بين ستة واثني عشر شهرا. أما 11 في المئة منهم يرون أنه لابد من مدة زمنية تتجاوز سنة بكاملها.

وعن ما إذا كانت الحرب في العراق قد قللت من حجم الهجمات الإرهابية، بخاصة في هذه المرحلة الانتخابية، يجيب 53 في المئة منهم بلا، بل يعتبرونها مدعاة لاستمرار الخطر وتفاقمه، أما 43 في المئة منهم فيعتبرون أن الخطر ظل كما هو. وتبعا لذلك يمكن القول أن ثلثي المستجوبين يعتقدون أن الحرب المعلنة في العراق لم تغير من خطر الإرهاب شيئا عكس ما صرح به الرئيس بوش مرارا وتكرارا. وفي السياق نفسه يعتبر 17 في المئة أن فضيحة التعذيب في سجن أبو غريب نالت الشيء الكثير من صورة الولايات المتحدة الأميركية في الخارج.

وحول آفاق الوضع في العراق يعتبر 25 في المئة من المشاركين أن الحكومة العراقية مجرد دمية أميركية مقابل 02 في المئة تعتبر حكومة أياد علاوي مستقلة عنه. أما عن إمكان تدبير العراقيين لشؤونهم باستقلالية، فيعتبر 34 في المئة منهم أنهم قادرون على ذلك، في حين عبر عن 14 في المئة عكس ذلك.

وإذا أمكن ترجمة هذه الاستطلاعات حسابيا في نوايا التصويت المقبل، سيصوت 94 في المئة من العرب الأميركيين الذين تم استطلاعهم لصالح المرشح الديموقراطي جون كيري، مقابل 91 في المئة منهم عبروا عن تأييدهم لبوش. أما المرشح المستقل من أصول عربية رالف نادر  فيحظى بثقة 41 في المئة من ناخبي الجالية.

والحال كذلك، يعتبر تراجعا كبيرا في الأصوات العربية التي دعمت في السابق المرشح الجمهوري، بحيث تدنت نسبة الدعم إلى مستوى متدن لم يسبق له مثيل. بخاصة أن المرشح المعني بالأمر استفاد في ما سبق بستين في المئة من الأصوات العربية.

ويمكن معاينة احدى النتائج غير المتوقعة من هذا الاستطلاع، في ما يخص وسائل الإعلام التي تحظى بثقة الناخبين العرب ذوي الجنسية الأميركية في ما يتعلق باستيفاء المعلومات ومصادر الخبر التي تهم بلدانهم الأصلية، اذ عّبر36 في المئة منهم أنهم يستوفونها من الصحف العربية والقنوات الفضائية ومواقع الصحف على شبكة الأنترنت، ما يدل على أن وسائل الإعلام الأميركية والقنوات الفضائية مثل CNN لم تعد تحظى بالثقة بالنسبة لعدد كبير من المشاركين، بخاصة في ما يخص القضايا العربية.

من دون شك سيمارس العرب الأميركيون تأثيرا لا يستهان به في الانتخابات الرئاسية الأميركية التي بطبيعة الحال لا تعني فقط الولايات المتحدة، نظرا لما تمارسه الإمبراطورية الجديدة من تأثير بالغ في العالم بأسره.

×مركز تاريخ أنظمة الفكر المعاصر. جامعة السوربون.

 

الرأي العام الاميركي موزع بين رؤيتين للعالم

يكفي أن نشير إلى عدد من استطلاعات الرأي العام في اميركا حتى نتبين أن الانتخابات الرئاسية هذه المرة، تتجاذبها العديد من التباينات والتقاطعات المعقدة، ما يظهر أن الرأي العام الأميركي والعالمي موزع بين رؤيتين للعالم. وهذا ما تشير إليه كل من مؤسسة(Chicago Council on foreign Relations) المختصة في سبر آراء الرأي العام الغربي  ومؤسسة German Marshall Fund)) المختصة في سبر آراء الرأي العام الأميركي، حيث تشير هذه الأخيرة إلى انقسام الرأي الأميركي حول السياسة الخارجية التي تنهجها حكومة الرئيس بوش الحالية. إذ يرى 81 في المئة من الديموقراطيين الأميركيين ضرورة موافقة الأمم المتحدة مستقبلا على أي عملية عسكرية كتلك التي حدثت في العراق، في حين لم يقبل بذلك سوى 20 في المئة من أنصار الحزب الجمهوري. أما الرأي العام الأوروبي فيشترط ذلك بنسبة 28 في المئة. أما إذا استطلعنا نسبة وجهات النظر في ما حدث في العراق وتكلفتها الباهظة وآثارها، فإن66 في المئة من الجمهوريين يرونها ضرورية، لتتقلص النسبة في حدود 53 في المئة وسط الديموقراطيين و41 في المئة عند الأوروبيين.

وأخيرا يعتقد 37 في المئة من الجمهوريين مقابل 84 في المئة من الديموقراطيين أن استعمال القوة العسكرية أمر لا بد منه لضمان الأمن. غير أن ذلك يتقلص إلى حدود 82 في المئة بالنسبة للرأي العام الأوروبي. إلا أن اعتبارها أحسن وسيلة ممكنة لبلوغ ذلك، فنجد 36 في المئة من الجمهوريين مقتنعا بجدوى ذلك، مقابل 82 في المئة من الديموقراطيين وفقط 12 في المئة من الأوروبيين.

وهذا ما دفع دانييل توينينغ  أحد مدراء هذا البحث في تصريحه لأسبوعية Weekly Standard)) التابعة للمحافظين الجدد، بأن هناك حزبين في أميركا: حزب أنصار أوروبا (فرنسا على وجه الخصوص) وحزب أميركا.

غير أن البحث الذي قامت به مؤسسة (Chicago council on Foreign relations)  يشير إلى أن أميركا التي يدافع عنها بوش وتيار المحافظين على الرغم من صدمة 11 ايلول- سبتمبر لا تملك أغلبية: فـ 47 في المئة من الأميركيين يحبذون وضع قوة دائمة لحفظ الأمن تحت إشراف الأمم المتحدة وليس تحت قيادة الولايات المتحدة. كما أن هناك 67 في المئة من الأميركيين يقبلون بوجود محكمة جنائية دولية على الرغم من الرفض القاطع لبوش وحزبه الجمهوري، ثم أن هناك 17 في المئة منهم يقبلون بمعاهدة كيوتو للحد من آثار التلوث على الرغم من أن الحكومة الأميركية رفضت توقيعها أيضا. وفي الوقت نفسه هناك 17 في المئة يقبلون بمعاهدة نزع الألغام، الأمر الذي حدا بفريد زكريا كاتب افتتاحيات مجلة «نيوزويك» في عددها الصادر في11 تشرين الاول - اكتوبر- الماضي، للسخرية ممن شتموا الأوروبيين بعامة والفرنسيين بخاصة الذين رفضوا السياسة الخارجية للولايات المتحدة «بأنهم مجرة قردة جبناء وآكلو الجُبن» بأن الأميركيين يأكلون أيضا الجُبن.

إذ ليس صحيحا بالمرة أن الجبناء يحبون أكل الجبن، فالعرب والمسلمون يأكلون الجبن أيضا وليسوا جبناء.





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع