العدد

162 :

الأربعاء, نوفمبر 19, 2008 - 22:48 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

عددهم يناهز سبعة ملايين نسمة

المسلمون في الولايات المتحدة
سيرة الهجرة وخريطة التوزع الديمغرافي

دمشق: م . ك

 يمثل المسلمون الذين يعيشون اليوم في الولايات المتحدة اتجاهات وهويات متنوعة: مهاجرون ومواطنون أصليون، سنة وشيعة، محافظون وليبراليون. وفي حين يصعب التحديد الدقيق للعدد الحالي للمسلمين بين سكان الولايات المتحدة، فإن أكثر من نصفهم من أفراد الجيل الأول أو الثاني أو الثالث من العائلات المهاجرة.

ومع أن بعض المسلمين كانوا من بين العبيد الأفارقة الذين جاؤوا للعمل في المزارع في الجنوب الأميركي في  القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فإن قلة منهم  احتفظت  بالهوية الإسلامية. لذلك يركّز معظم علماء الدين الإسلامي اهتمامهم على المسلمين المهاجرين الذين جاؤوا إلى غرب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر.  وقد حدثت هجرات المسلمين هذه إلى الولايات المتحدة خلال ما يمكن اعتباره سلسلة من الفترات الزمنية التي يمكن تمييزها، وتسمى غالباً «موجات» على رغم أن المؤرخين لا يتفقون دائماً حول ما الذي يُشكّل موجة هجرة معينة.

جاء أوائل المهاجرين بين العام 1875و1912 قادمين من لبنان وسوريا والأردن وفلسطين. وكان معظم هؤلاء من المسيحيين مع أن بعضهم كان من مجموعات إسلامية. كانوا في معظمهم رجالاً غير متزوجين في معظم الحالات مندفعين بالحاجة الاقتصادية، وهم اشتغلوا عمالاً وتجاراً وكانوا ينوون البقاء فقط فترة محدودة من الوقت لكسب ما يكفي من المال لإعالة أسرهم في أوطانهم الأصلية. وكان من بينهم  هاربون من التجنيد الإلزامي في الجيش التركي. وبصورة تدريجية، بدأوا يستقرون في المنطقة الشرقية، ومنطقة الغرب الأوسط من الولايات المتحدة، وفي المناطق الممتدة على ساحل المحيط الهادي.

 

القانون الأميركي وموجات الهجرة

ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى وظهور نظام الانتداب في المنطقة العربية، واندلعت قلاقل وحروب فيها، ما  دفع عدداً من السكان إلى الهجرة بنية البقاء في الخارج. وقررت أعداد من المسلمين الانتقال إلى الغرب، لأسباب سياسية واقتصادية. وانضم الكثيرون منهم إلى أقاربهم الذين وصلوا في وقت سابق ورسخوا وجودهم في الولايات المتحدة.

وما لبث ان قلص قانون أميركي جديد للهجرة صدر العام 1924 هذه الموجة الثانية من الهجرة من خلال تسريع «نظام الحصص حسب الأصول القومية»، الذي وضع حدوداً لعدد المهاجرين استناداً إلى الأصول القومية لما كانت عليه تلك الأصول من سكان الولايات المتحدة المولودين في الخارج في العام 1890 (تغير التاريخ بعد ذلك إلى العام 1920). وخلال ثلاثينات القرن الماضي وبموجب هذا النظام، تباطأت حركة هجرة المسلمين إلى الولايات  المتحدة بدرجة كبيرة. وتحددت الهجرة خلال تلك الفترة إلى حد كبير بأقارب الأفراد المقيمين فعلاً في الولايات المتحدة بما أنهم يتمتعون بالأفضلية بموجب أحكام هذا النظام وبدأ الكثيرون من المقيمين في الولايات المتحدة يدركون أن أحلامهم في العودة إلى الوطن ربما لن تتحقق، وانهم لذلك بحاجة للدعم والتنظيم اللذين تزودهم بهما أسرهم.

شهدت الفترة الثالثة للهجرة، التي يمكن تحديدها بين عامي 1947 و1960 ، أعداداً متزايدة من المسلمين القادمين إلى الولايات المتحدة، ولكن من بلدان تتجاوز بعيداً منطقة الشرق الأوسط. وعدّل قانون الهجرة والجنسية الأميركية لعام 1953 صيغة الحصص المخصصة لكل من دول المنشأ. ولأن القانون استند على النسبة المئوية للسكان منهم في الولايات المتحدة، كما كانت عليه في العام 1920، جاء معظم المهاجرين خلال هذه الفترة بصورة أولية من أوروبا الغربية. رغم ذلك، بدأ المسلمون يأتون إلى الولايات المتحدة من مناطق من العالم مثل أوروبا الشرقية (بخاصة من يوغوسلافيا وألبانيا والاتحاد السوفيتي السابق)، وهاجر عدد قليل من المسلمين من الهند وباكستان، بعد تقسيم شبه القارة الهندية العام 1947. وبينما انتقل العديد من المهاجرين المسلمين الأوائل إلى مناطق ريفية وحضرية في الولايات المتحدة، كانت غالبية أفراد هذه الموجة الثالثة من المهاجرين من خلفيات حضرية واستقروا بصورة حصرية تقريباً في المدن الرئيسية مثل نيويورك وشيكاغو. كان بعضهم ينتمي إلى أسر النخبة السابقة في الخارج. وكان توجههم الثقافي غربياً أكثر، كما كانوا مندفعين أكثر من الذين سبقوهم وجاؤوا على أمل الحصول على التعليم والتدريب المهني الإضافي في الولايات المتحدة.

وحدثت الموجة الرابعة والأكثر حداثة لهجرة المسلمين بعد العام 1965، السنة التي رعى فيها الرئيس ليندون جونسون تشريع قانون الهجرة الذي ألغى نظام الحصص على أساس الأصول القومية الذي دام طويلاً. وبموجب النظام الجديد منحت أفضلية الهجرة إلى أقارب المقيمين في الولايات المتحدة والى الذين يملكون مهارات مهنية خاصة مطلوبة في الولايات المتحدة. وكان القانون الجديد حدثاً بارزاً في التاريخ الأميركي، إذ جعل من الممكن لأول مرة منذ أوائل القرن العشرين، دخول فرد إلى البلاد بغض النظر عن أصله القومي. وبعد العام 1965، بدأت الهجرة من أوروبا الغربية تتراجع بدرجة كبيرة تقابلها زيادة في أعداد القادمين من الشرق الأوسط وآسيا. خلال هذه الفترة الزمنية كان اكثر من نصف عدد المهاجرين إلى الولايات المتحدة من هذه المناطق من المسلمين.

إذاً، وحتى العقود الأخيرة من القرن العشرين، كان غرض معظم المسلمين الذين قدموا إلى الولايات المتحدة تحسين وضعهم الاقتصادي أو الدراسة، إضافةً إلى ان البعض منهم كان قد هاجر بعد الحرب العالمية الأولى بسبب الاضطرابات السياسية في بلده. وقد شكّل الاضطراب السياسي في بلدان المهاجرين الأصلية حافزاً أولياً للكثير من القادمين حديثاً من المسلمين إلى الولايات المتحدة. ومن بين الأحداث المحددة التي أدّت إلى قدوم المهاجرين واللاجئين إلى الغرب كان الفرار والبحث عن ملجأ آمن بسبب الهزيمة العسكرية للدول العربية على يد الإسرائيليين في العام 1967، والحرب الأهلية في لبنان وما تبعها من نتائج. ودفعت الثورة الإيرانية ووصول الإمام الخميني إلى السلطة سنة 1976، التي تبعها حوالي عقد كامل من الحرب المدمرة بين العراق وإيران، دفعت بعض الإيرانيين إلى الهجرة باتجاه الغرب. حيث استقر العديدون منهم في الولايات المتحدة، واختار الكثيرون من بينهم الإقامة في ولاية كاليفورنيا. ويُقدر وجود حوالي مليون إيراني في الولايات المتحدة اليوم. ومنذ احتلال العراق للكويت وحرب الخليج، هاجر عدد كبير من الأكراد إلى هذه البلاد. ونتيجةً لأسباب الاضطرابات السياسية والحروب الأهلية، أتت حديثاً أعداد من المهاجرين من الصومال والسودان ودول إفريقية أخرى وأفغانستان، كما وصل لاجئون مسلمون هاربون من عمليات التطهير العرقي في يوغوسلافيا السابقة.

لعقود طويلة، شجعت الأشكال المختلفة من الاضطرابات في الهند وباكستان العديد من شبه القارة الهندية على البحث عن بيئة اكثر هدوءاً في الغرب. وشكل الباكستانيون والهنود والبنغلادشيون قسماً صغيراً من المهاجرين المسلمين إلى الولايات المتحدة طوال القرن العشرين، فإن أعدادهم قد ازدادت بدرجة مهمة على مدى العقود الأخيرة، ويبلغ عددهم اليوم ربما أكثر من مليون نسمة. ولعب الباكستانيون والهنود المسلمون، وكثير منهم من المتخصصين المهرة كالأطباء والمهندسين، دوراً مهماً في تطوير المجموعات السياسية الإسلامية في الولايات المتحدة، وفي ظهور زعامات علمانية للجاليات المنظمة للمساجد. واليوم تصل أعداد متزايدة باستمرار من المسلمين القادمين من دول مثل إندونيسيا وماليزيا. ويتحلى الكثير من هؤلاء المهاجرين بتدريبات عالية وغالباً ما يحتلون مراكز قيادية في المجتمع المسلم الأميركي.

 

جالية معقدة التركيب

يستمر المسلمون العرب، من السنة والشيعة، في تشكيل نسبة مهمة من الجالية الإسلامية في الولايات المتحدة. وبصورة متزايدة، بات المسلمون الأميركيون من ذوي التحصيل العلمي العالي كما أنهم على درجة كبيرة من الاحتراف والاختصاص بنجاح، ويعملون أيضاً كقياديين في تطوير جالية إسلامية في الولايات المتحدة تتجاوز الحدود القومية والإثنية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الأتراك والأوروبيين الشرقيين والمهاجرين من العديد من الدول الأفريقية، بضمنها غانا وكينيا والسنغال وأوغندا والكاميرون، وغينيا وسيراليون وليبيريا وتنزانيا، ودول عدة أخرى، هم أعضاء بارزون جداً من الجالية الإسلامية المعقدة التركيب التي تُشكّل الأمة الإسلامية الأميركية. ولا يسعى المسلمون المهاجرون إلى معرفة كيفية الترابط والعمل مع بعضهم البعض بصورة فعالة وحسب، بل يواجهون أيضاً مسألة كيفية الالتحام بأعضاء الحركات المختلفة للمسلمين الأميركيين الأفارقة. اذ يجد المهاجرون الأفارقة القادمون حديثاً أن التركيبة المكونة من الدين والاثنية معقدة بشكل خاص.

فخلال الأيام المبكرة للهجرة العربية إلى الولايات المتحدة عند نهاية القرن التاسع عشر غالباً ما اغتنم العديد من المسلمين - مثل الجيل الأول للمهاجرين من جميع الجنسيات - الفرصة لتحسين أوضاعهم من خلال الأعمال البسيطة، كتجار صغار، أو عمال مناجم. وامتهن الكثير من المسلمين العرب مهنة البيع المتجول وهي لا تتطلب الكثير من المهارات اللغوية، أو التدريب، أو رأس المال. وانضم آخرون إلى فرق العمال كتلك التي اشتركت في مشاريع إنشاء خطوط السكة الحديدية المتوسعة بسرعة إلى الغرب. ومع بدء انضمام النساء المسلمات إلى الرجال الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة، وجدن لهن غالباً عملاً في المعامل والمصانع حيث كن يعملن لساعات طويلة تحت ظروف عمل صعبة جداً.

كانت هذه السنوات المبكرة صعبة جداً للمسلمين في الولايات المتحدة، وعانى الكثير منهم الوحدة والفقر، ومن عدم معرفة اللغة الإنكليزية وغياب العائلة والأخوة في الدين. ولكن بصورة تدريجية، ومع بقائهم لمدد أطول، أدركت الأعداد المتزايدة باستمرار من المسلمين أن الرجوع إلى الوطن لم يعد احتمالاً ممكنا، وبدأوا يستقرون ضمن المجتمع الأميركي. تزوجوا بطريقة أو بأخرى حيث لجأ الشبان الذين لم يتمكنوا من إيجاد شريكات مسلمات إلى جلب زوجاتهم من أوطانهم الأصلية، أو في بعض الحالات، تزوجوا نساء من خارج دينهم. بدأوا يجدون عملاً في شركات تجارية دائمة اكثر ويعتمدون غالباً على مهاراتهم التقليدية لتأسيس المطاعم والمقاهي والمخابز ومحلات البقالة. وتعلموا اللغة الإنكليزية وبدأوا يحققون استقلالاً اقتصادياً أكبر ويسعون لإيجاد مسلمين آخرين بغية تشكيل جاليات يمكنهم فيها بدء التعليم الديني لأولادهم.

ولكن نادراً ما وجد المسلمون الحياة في الولايات المتحدة سهلة. يقال غالباً أن الولايات المتحدة هي «دولة مهاجرين»، و«بوتقة صهر» لجميع الأجناس والهويات الاثنية. ولكن التمييز العرقي، بخاصة خلال الفترة التي سبقت ظهور حركة الحقوق المدنية في ستينات القرن الماضي، كان يُمارس بالتأكيد. لذلك، ولسنوات عدة، كانت ردة فعل من المهاجرين المسلمين محاولة إخفاء هوياتهم الدينية والاثنية، وتغيير أسمائهم لجعلها تبدو أميركية أكثر والامتناع عن المشاركة في ممارسات أو ارتداء ملابس تجعلهم يبدون مختلفين عن المواطن الأميركي العادي.

 بصورة تدريجية، ومع ازدياد عدد أفراد الجالية الإسلامية المهاجرة، أصبحت الجالية اكثر تنوعاً، وأفرادها اكثر ثقافة، وتوضحت أكثر مفاهيمهم الذاتية ومهّدت محاولات الاندماج في المجتمع الأميركي الطريق إلى إجراء مناقشات اكثر تعقيداً حول أهمية العيش في الولايات المتحدة مع الاحتفاظ بالوقت نفسه بشعور الفرد بانتمائه إلى ثقافة دينية خاصة به. وفي سياق هذه المناقشات تشكلت الجاليات الإسلامية، عبر الريف الأميركي والمدن الأميركية، وخلال سنوات اكثر حداثة، تشكلت منظمات إسلامية على الصعيد القومي الأميركي تجمعات دينية وسياسية ومهنية واجتماعية.

 

الاستقرار عبر الولايات المتحدة

قلما تجد اليوم في الولايات المتحدة منطقة لا يقطنها مسلمون، فهم يعيشون ويعملون ويرسلون أطفالهم للدراسة في المدارس العامة، وظهرت في مرافق ومعالم يمكن التعرّف على هويتها منها مخصص للعبادة الإسلامية (مساجد، ومساكن مُعاد تجديدها)، ومنها واجهات محلات مميزة تنتشر في كل مكان.

 استقرت أولى الجاليات الإسلامية في الولايات المتحدة في منطقة الغرب الأوسط من البلاد. في ولاية نورث داكوتا. ونظم المسلمون حقوقهم لأداء الصلوات في أوائل القرن العشرين. وفي ولاية انديانا، باشر مركز إسلامي نشاطه سنة 4191؛ وفي مقاطعة سيدار رابيدس بولاية ايوا، اقدم مسجد إسلامي لا زال المصلون يؤمونه حتى اليوم. وظلت بلدة ديربورن بولاية مشيغان، الواقعة خارج مدينة ديترويت، لمدة طويلة، مكاناً يقصده مسلمون من السنة والشيعة قدموا من أنحاء عدة من الشرق الأوسط، للسكن والإقامة. جذبت هذه البلدة العديد منهم بسبب توفّر العمل في مصانع شركة فورد للسيارات الموجودة فيها. وبعد أن كونوا جالية انضم إليهم مسلمون آخرون. وهكذا صار مسلمو ميشيغان، إلى جانب مهاجرين مسيحيين قدموا من دول شرق أوسطية مختلفة، يُشكّلون أكبر جالية اميركية عربية في البلاد.

برزت مدن أميركية رئيسية أخرى كمناطق مفضلة للسكن من جانب المسلمين المهاجرين إلى الولايات المتحدة. وفّرت أحواض السفن في مدينة كوينسي، بولاية مساتشوسيتس، في ضواحي مدينة بوسطن فرص العمل للمهاجرين المسلمين منذ أواخر القرن التاسع عشر. واليوم يضم مجمع المركز الإسلامي لنيو انغلاند، (الذي كان حلم مجموعة صغيرة من العائلات التي استقرت هناك خلال أولى سنوات القرن العشرين)، مسجداً رئيسياً ومرافق تخدم رجال أعمال ومعلمين ومهنيين آخرين كما تجاراً وعمالاً.

كان الإسلام حاضراً وظاهراً في مدينة نيويورك لمدة تزيد عن قرن كامل. في معظم فترات تاريخها، كانت أكبر مدينة في الولايات المتحدة مقراً لمجموعة متنوعة كبيرة من الجماعات الاثنية، وكان من بين سكانها المسلمين، بحارة وتجار وأصحاب أماكن تسلية وحرفيون وموظفو شركات وأصحاب مشاريع تجارية.

ويتألف المسلمون في نيويورك من مجموعة واسعة من الجنسيات من كل بلد في العالم تقريباً. ازدهرت أعمال بناء المساجد في نيويورك ووجدت المنظمات الإسلامية القومية المدينة بأنها مكان مفيد بشكل خاص لتوسيع نشاطاتها، وتنشأ اليوم في أحياء المدينة كافة أعداد كبيرة من مدارس ابتدائية وثانوية إسلامية كما تقوم محلات ومتاجر وشركات تجارية يملكها مسلمون.

وكانت مدينة شيكاغو في ولاية الينيوي، مكان سكن مُبكر للمهاجرين المسلمين، ويدعي البعض انه كان يقطنها عدد من المسلمين في أوائل القرن العشرين اكثر من عدد المسلمين في أي مدينة أميركية أخرى. واليوم فان المسلمين في شيكاغو هم من المهاجرين القادمين من الشرق الأوسط والهند وآسيا الوسطى والجنوبية ومناطق أخرى من العالم. ينشط هؤلاء المهاجرون في الترويج لدينهم ويزودون سلسلة من الخدمات إلى الجالية الإسلامية، ويتفاعلون مع بعضهم بعضاً كما مع غير المسلمين. وتستقر اكثر من اربعين مجموعة إسلامية مختلفة في منطقة شيكاغو الكبرى.

بصورة مماثلة، وجد المسلمون في مدن لوس أنجلوس وسان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا بيئة مناسبة للازدهار. يمثل هؤلاء أيضاً معظم مناطق العالم الإسلامي، وقد أضيف إليهم حديثاً جداً الأفغان والصوماليون ومواطنو دول إفريقية أخرى. والمركز الإسلامي لكاليفورنيا الجنوبية هو أحد اكبر المؤسسات الإسلامية في الولايات المتحدة.

يواجه المسلمون كمقيمين في الولايات المتحدة تحديات، ويعالجونها عبر طرق متنوعة. وهذه التحديات تشمل مسائل الهوية والعمل واللباس والتبادل الثقافي تشمل ايضاً العلاقات بين المجموعات الإسلامية العرقية والاثنية المختلفة  ومع أميركيين مسلمين آخرين؛ وتتعلق بكيف وأين يجب تزويد التعليم الإسلامي لأطفال المهاجرين؛ والأدوار وفرص العمل المؤمنة للنساء المسلمات. وبصورة مستمرة ينتقل العديد منهم من مرحلة الانعزال عن التيار العام للحياة الأميركية إلى مرحلة المشاركة الأكثر نشاطاً في المجالات السياسية والاجتماعية. ويبدو أن الأميركيين المسلمين بدأوا ينتقلون إلى مرحلة أخرى من تحديد هويتهم بحيث تتم مواجهة هذه الأنواع من المسائل وحلها بطرق جديدة مبتكرة. من الممكن جداً أن تكون نتيجة ذلك بدء ظهور إسلام أميركي حقيقي، جاء نسيجه من أقمشة العديد من الهويات القومية والعرقية والاثنية.

من الصعب جداً تقدير العدد الدقيق للمسلمين الذين يعيشون حالياً في الولايات المتحدة. يميل المسلمون إلى رفع العدد نوعاً ما عن العدد الذي وضعه علماء وديموغرافيون غير مسلمين، و هناك أسباب عدة لتباين هذه التقديرات. أولاً، لأن الدستور الأميركي ينص على فصل الدين عن الدولة ويعكس ذلك في القوانين الأميركية، إذ لا تطلب استمارات الإحصاء السكاني التي يوزعها مكتب الإحصاء السكاني في الولايات المتحدة من مستلمي هذه الاستمارات ذكر انتمائهم الديني. كما أن دائرة الهجرة الأميركية لا تجمع معلومات حول دين المهاجرين. وهناك مساجد في الولايات المتحدة ليس لها سياسات رسمية لتحديد عضويتها ونادراً ما تحتفظ بأرقام دقيقة لعدد الذين يؤدون الصلاة فيها.

 

 التجمع الاسلامي في اميركا الشمالية

- التجمع الإسلامي في أميركا الشمالية هو أحد المؤسسات الإسلامية في العالم الغربي ويقوم بدور كبير في حياة المسلمين المقيمين في هذه المجتمعات وتأسس العام 1413 هـ - 1992. وقد انتفع عدد كبير من المسلمين وغيرهم بمشروعات التجمع وإصداراته، وبالأعمال المتنوعة التي يرعاها،  مثل خط الفتوى المجاني ومكتبة السجين. وهناك التجمع السنوي الذي يوفر الجو الإسلامي ويساعد على التبصر بقضايا المسلمين، وهناك مساجد ومراكز تنظم اللقاءات والمخيمات لتحقيق التواصل وتصدر عن هذا التجمع مجلة المنار الجديد ومجلة العصر الإلكترونية وموقع طريق الإسلام التي تعرض خدماتها وموادها للمسلمين على شبكة الإنترنت ليستفيد منها المسلمون من مختلف البقاع وعلى مدار اليوم.

 

 مسلمون أميركيون يتحدثون

«لا أصنف نفسي من خلال هويات منفصلة. إيماني هو المقياس الذي أعتمده. وكل شيء آخر يجد المكان المناسب له. هويتي هي أنني أميركية فلسطينية أعتنق الإسلام».

 الدكتورة ليلى المراياتي، عضو اللجنة الأميركية حول الحرية الدينية الدولية.

  

«لا أشعر بالفخر بأني أميركي فحسب، أحمل جواز سفر أميركياً وأستطيع أن أسافر إلى أي مكان في العالم، لكني أشعر أيضاً أن في إمكاني أن أكون ذاتي، مسلماً أمارس كل شعائر ديني، وبالأخص في أميركا. يعني ذلك أني أستيقظ في الصباح دون خوف وأعود إلى منزلي في نهاية اليوم دون خوف».

الإمام يحيى هندي، إمام جامع جامعة جورجتاون، واشنطن العاصمة

 

«أعتبر نفسي محظوظة لعلاقتي بالحضارتين كلتيهما. يتذكر أولادي الروابط الوثيقة لعائلتنا الموسعة في اسطنبول، لم يكن لدينا أي جهاز تلفزيون وكنا نتشارك في كل إحساس. أما في الولايات المتحدة، فإن الخصوصية الفردية تلقى الاحترام. وإني أتمتع بخصوصيتي وبخلوتي وبحرية الصحافة وبالتعبير السياسي».

       نجوى أوزغور، رئيسة مدرسة، باسادينا، ولاية كاليفورنيا

 

«تظهر الأبحاث أن الفتيات يملن بصورة عامة إلى الابتعاد عن الرياضة، وبالأخص إذا كان عليهن منافسة الفتيان. لكننا نعمل للتأكيد على تعليم الفتيات مهارات رياضية دون شعورهن بالإعاقة بسبب ملابسهن المحافظة. نريد منهن أن يشعرن بأنهن جزء من الحياة الأميركية العادية وليس كفتيات غريبات الأطوار. إن والدة لاعب كرة القدم المسلم التي تجلس حول الملعب مرتدية الحجاب لمتابعة مباراة ابنها، يجب أن لا تشكل حدثاً نادراً بل حدثاً اعتيادياً»،

      سيمين عيسى، معلمة

 

«عندما يقول الناس إنهم لن ينتخبوا أبداً أي مسؤول حكومي أميركي مسلم، أقول لهم: «تذكروا أنه سبق أن قيلت هذه الأشياء نفسها حول رجل كاثوليكي اسمه كينيدي رشح نفسه لرئاسة البلاد».

      سهيل خان، موظف في الكونغرس الأميركي

 

«ينظر المسلمون في كافة أنحاء العالم بآمال عالية إلى مجتمع أمة الإسلام في الولايات المتحدة وكندا. فالنشاط الفعال وأساليب العمل المبتكرة والمستجدة، والبحث الأكاديمي المستنير والنمو المطرد، كل ذلك يعطيهم الأمل في بروز نهضة إسلامية تشمل العالم»

       مراد ولفريد هوفمان

 

 1200 مسجد بتصاميم إسلامية رائعة

استناداً إلى عملية مسح أجريت خلال القسم الأخير من تسعينات القرن الماضي، تم إنشاء ما يزيد عن 1200 مسجد ومركز إسلامي في الولايات المتحدة الأميركية، كان أقل من مئة منها مصمماً في الأصل ليكون مسجدا. وكشفت عملية المسح أن معظم التجمعات الإسلامية في الولايات المتحدة بدأت تمارس العبادات في مبانٍ شُيدت لأغراض أخرى، كمحطات إطفاء الحرائق والمسارح والمستودعات والمتاجر.

 ولكن الوضع تغير بعد العام 1965 عندما وصل إلى الولايات المتحدة أول دفق واسع من المسلمين القادمين من دول مختلفة. بوشر بعدئذ ببناء مبانٍ خصيصاً لخدمة الجاليات الإسلامية كمراكز للعبادة والتجمع. وينعكس التنوع الكبير في التجمعات والإثنيات بين المسلمين الأميركيين على تنوع تصاميم الأبنية وتنظيمها.

ويشرح الدكتور عمر الخالدي، المصور الفوتوغرافي والمؤرخ لفن عمارة المساجد وكبير علماء الأبحاث في برنامج الأغا خان للهندسة المعمارية الإسلامية في معهد مساتشوستس للتكنولوجيا في كيمبريج، الأشكال الثلاثة لهندسة المساجد المنتشرة حالياً في الولايات المتحدة. ويشير إلى أن «هناك أولاً المساجد التي تجسد التصميم التقليدي المنقول من بلد إسلامي واحد أو أكثر. وهناك، ثانياً، مساجد تمثل إعادة تأويل للتقاليد المتوارثة والتي تدمج أحياناً بعناصر الهندسة المعمارية الموجودة في الولايات المتحدة، وثالثاً هناك تصاميم مبتكرة بالكامل كتلك التي اعتمدت في بناء المركز الرئيسي لجمعية أميركا الشمالية الإسلامية في مدينة بلاينفيلد، بولاية انديانا».

وتستخدم معظم المساجد من هذه الفئات الثلاث أيضاً كمدارس ومكتبات ومراكز اجتماع ومتاجر كتب وغرف طعام وقاعات اجتماعية وحتى كشقق سكنية. وهناك اعتبار مهم آخر في الهندسة المعمارية للمساجد هنا يتمثل بالمساحة المخصصة للنساء. وفي الولايات المتحدة، تشكل النساء بوجه عام جزءاً متكاملاً لنشاطات المسجد ويلعبن دوراً نشطاً للغاية في الجالية الإسلامية. ففي العائلة الأميركية المسلمة النموذجية يذهب أفراد العائلة كافة إلى المسجد لتأدية الصلاة ما يفرض توفير مساحة منفصلة للنساء تكون عادة في الطابق المتوسط للمبنى. و في حالات عدة تعكس هندسة المساجد في أميركا الشمالية تصاميم البناء السائدة في المنطقة المحيطة بها، ولكن  الدكتور الخالدي يتكهن بأنه «بمرور الزمن سيتطور تصميم نموذجي يمثل مزيجاً ناجحاً بين الحنين إلى الوطن والابتكار والمساجد التي تُشاد حديثاً في الغرب هي اكثر بكثير من مجموعة قبب ومآذن».





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع