|
الوجود الإسلامي
في أميركا
ودوره في تشكيل
مستقبلها السياسي والاقتصادي
أحمــد أبوزيد ×
ظهرت في أميركا في السنوات الأخيرة بوادر
اهتمام باشراك المسلمين في الحياة السياسية، وذلك استجابة للوجود
الإسلامي المقدر في هذه البلاد، والدور الذي يلعبه المسلمون على
المستوى الاقتصادي والاجتماعي من دون أن يصل الأمر حتى الآن الى
تكوين لوبي اسلامي على غرار اللوبي اليهودي.
وحضور الاسلام في الولايات المتحدة الأميركية
حضور مبكر يعود الى ما قبل قيام هذه الدولة، حيث هناك من يرى أن
البحارة المسلمين ساعدوا في اكتشاف هذه القارة قبل كريستوفر
كولومبس. وهناك من الوثائق ما يبين أن المسلمين قد دخلوا أميركا
منذ العام 1300م، وان أفواج القبائل العربية بدأت بالوصول إلى هذه
البلاد منذ مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، وأن المؤتمر الأميركي
الأول للأديان الذي عقد العام 1893م حضره شخص مسلم واحد هو محمد
الكسندر، بينما المؤتمر الثاني الذي عقد في العام 1993م حضره 500
ممثل للجالية الإسلامية في أميركا.
وهجرة المسلمين الى أميركا بدأت من غرب أفريقيا
في وقت مبكر. وفي أوائل القرن العشرين بدأ عدد من الأفارقة والزنوج
المقيمين في أميركا في اعتناق الاسلام، ثم نشطت الهجرة الى أميركا
بعد الحرب العالمية الثانية من بعض بلدان العالم العربي مثل فلسطين
وسوريا ولبنان وغيرها من الدول العربية والإسلامية.
واذا تجاوزنا أحداث 11 أيلول ـ سبتمبر ـوما
ترتب عليها من تداعيات على المستوى المحلي الأميركي وعلى المستوى
العالمي، فإن واقع المسلمين اليوم في أميركا وعلاقتهم بالمجتمع
الأميركي والتي تمتد على مدى عقود عدة تنبئ عن الدور الكبير الذي
سيلعبونه على الساحة في السنوات المقبلة بعد أن سجل لهم التاريخ
المعاصر العديد من الإسهامات والإنجازات الملموسة في الحياة
الأميركية.
فعدد المسلمين في أميركا يتراوح وفق التقديرات
المختلفة بين 6 الى 10 ملايين مسلم، وتقول تقديرات أخرى أن عددهم
يصل الى 15 مليوناً نتيجة الاقبال المتزايد من الاميركيين على
اعتناق الاسلام، وأكثر من 60 في المئة من المسلمين مواطنون
أميركيون محليون عاش أجدادهم في أميركا ما يزيد على قرنين من
الزمان، وأغلبهم من أصول إفريقية وأوروبية وتاريخهم كأميركيين يسبق
هجرة اليهود الكبيرة إلى أميركا في أوائل 1955م. ويوجد حاليا في
أميركا حوالي 3000 مسجد، وأكثر من 300 مدرسة، كما ان 50 ألف أميركي
يدخلون الإسلام سنويا، ويوجد 15 ألف مسلم في الجيش الأميركي.
ولا شك في أن مستقبل الوجود الإسلامي في أميركا
يتطلب الحفاظ على الهوية الإسلامية، وتنشيط العمل الدعوي من خلال
مضاعفة جهد المنظمات العاملة في حقل الدعوة، وتصحيح المفاهيم
الخاطئة التي تروج لها الجهات المعادية للإسلام في المجتمع
الأميركي، وربط قضاياهم بعالمهم الإسلامي باعتبارهم جزءا منه،
والقيام بدور مؤثر في الساحة السياسية الأميركية للتأثير على
القرارات الأميركية المرتبطة بقضايا المسلمين. فمن المعروف أن
جماعات الضغط «اللوبي» تلعب دوراً حاسماً في صناعة القرار
الأميركي، والمسلمون اليوم بما لهم من قوة فاعلة علي المستوى
الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الأميركي يمكنهم تشكيل «لوبي
إسلامي» يؤثر في القرار الأميركي.
فخلال السنوات الأخيرة ظهرت في أميركا بوادر
اهتمام باشراك المسلمين في الحياة السياسية وذلك استجابة للوجود
الإسلامي المقدر في هذه البلاد.وسنناقش قضية الوجود الإسلامي في
أميركا ودوره الفاعل لإحداث التغيير في هذا المجتمع بما يخدم قضايا
المسلمين والعالم الإسلامي، من خلال محاور ثلاثة:
المحور الأول: يتعلق بالمبشرات والإنجازات التي
حققها المسلمون على الساحة الأميركية، والتي تبرز قوتهم وفعاليتهم.
المحور الثاني: يتعلق بالتحديات والعقبات التي
تواجه الوجود الإسلامي في أميركا.
المحور الثالث: يتعلق بالضوابط والمقترحات
المتعلقة بتصحيح المسار ومواجهة التحديات.
المسلمون قوة فعالة
المحور الأول يتعلق بالمبشرات والانجازات التي
حققها المسلمون على الساحة الأميركية، والتي تبرز قوتهم وفعاليتهم.
فقد أكدت تقارير إعلامية أميركية وبريطانية أن عدد المسلمين في
الولايات المتحدة سيزيد على عدد اليهود خلال عشرة أعوام فقط في
تحول من شأنه أن يؤثر في السياسات الأميركية الداخلية والخارجية.
وذكرت صحيفة «اندبندنت» البريطانية أنه مع حلول العام 2010م، فإن
تنامي نسبة المسلمين في عدد سكان الولايات المتحدة الأميركية والتي
زادت من 0.4 في المئة إلى 1.4 في المئة سيؤدي إلى زيادة عددهم على
عدد اليهود الأميركيين. فاليهود الذين كانوا يشكلون نسبة 3،3
بالمئة من مجموع سكان الولايات المتحدة في منتصف السبعينات
سيتراجعون إلى نسبة 2 في المئة خلال ثلاثة أعوام. أضافت الصحيفة
أنه مع حلول العام 2010م أن الإحصاءات التي تقدمها المؤسسات
اليهودية والإسلامية في الولايات المتحدة تشير إلى أن نقطة التقارب
العددي قد حدثت فعلا ، حيث تقول كل جالية أن عدد أفرادها ستة
ملايين نسمة.
وعلى رغم أن دائرة الإحصاءات الأميركية لا تدرج
الدين ضمن إحصاءاتها إلا أن المسؤولين الأميركيين بدأوا يدركون
التغيرات الديمغرافية في أوساط الأقليات الدينية والعرقية. ونقلت
الصحيفة عن إحدى المشرفات في دائرة الإحصاءات الأميركية قولها «إن
على العرب في أميركا أن يدركوا ضرورة استغلال قوتهم العددية من
خلال عملهم على تشكيل هوية إسلامية أميركية محلية وليست وافدة،
وذلك خلال المشاركة بالتعداد السكاني».
قوة انتخابية واقتصادية كبيرة
وقالت مجلة« نيوزويك» الأميركية، إن المسلمين
الأميركيين بدأوا يشكلون قوة انتخابية واقتصادية كبيرة يجب أن تؤخذ
في الحسبان. وأن هذه الاتجاهات الديمغرافية في تزايد عدد المسلمين
لاحظها البيت الأبيض. ففي نهاية شهر رمضان الماضي أرسل الرئيس
الأميركي رسالة تهنئة للمسلمين الأميركيين وللدول الإسلامية
بمناسبة عيد الفطر وعيد الأضحى المبارك. كما قام الجيش الأميركي
منذ سنوات بتعيين مفت مسلم في الجيش استجابة لاحتياجات المسلمين.
واذا نظرنا الى مشاركة المسلمين في الجيش
الأميركي نجد أنه منذ الحرب الأهلية الأميركية قبل اكثر من مائة
عام والى يومنا هذا يشارك المسلمون في صفوف القوات المسلحة
الأميركية وشاركوا في حروبها. المسؤولون الاميركيون بتعدد
العقائد، والاجناس في قواتهم، ولايفوت الرئيس الأميركي مناسبة الا
ويتباهى بمثل هذا التعدد.
وقوات الولايات المتحدة بلغ قوامها مؤخرا مليون
واربعمائة ألف عسكري (من بينهم نحو مائتين وعشرين الف امرأة). اما
العسكريون المسلمون فلا تتوافر عن اعدادهم احصائيات دقيقة، حيث انه
ليس هناك تتبع عن كثب لديانة كل عسكري في القوات المسلحة، سواء كان
مسلما او مسيحيا أو يهوديا، فهي ليست من الأمور الرئيسية التي
توليها القيادة الاهتمام، لذا لاتتوفر ارقام حول اعداد المسلمين
او اليهود أو أي طائفة اخرى.
وقف مسلسل يسيء إلى الله
وعلى الجانب الآخر أدت جهود جماعات الضغط
والمنظمات الإسلامية في أميركا منذ سنوات عدة إلى توقف عرض مسلسل
أميركي جديد يسيء إلى الذات الإلهية، ويعرضها بصورة ساخرة، وكان
مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (Cair)
قد قاد الحملة ضد المسلسل والتي تهدف إلى دفع القنوات التلفزيونية
والشبكات الفضائية الأميركية إلى وقف عرض هذا المسلسل، مما أسفر عن
استجابة سبع محطات كبرى للضغوط، وقامت بمنع عرض المسلسل في الوقت
الذي مازالت فيه الضغوط تتزايد على المحطات التلفزيونية الأخرى.
واستند المجلس الإسلامي في حملته إلى أن
المسلسل يجرح مشاعر المؤمنين الأميركيين على اختلاف دياناتهم، وأن
تقديمه لا يحمل إضافة جديدة بقدر ما يسيء إلى الله، حيث يقدم الذات
الإلهية في صورة شبيهة بالممثل الهزلي جيري غارسيا، الذي قام
ببطولة فيلم الموت العظيم، بل وتبدو هذه الذات وهي تلبس نظارة
سوداء شبيهة بنظارة ذلك الممثل طوال الوقت.
ويعد هذا النجاح الذي أحرزه مجلس العلاقات
الإسلامية الأميركية استمرارًا لنجاحات عدة تحققت في السنوات
الماضية، فيما يعد خطوة إيجابية باتجاه وضع المسلمين في دائرة
الضوء داخل المجتمع الأميركي، وتقديمهم كمواطنين أميركيين لهم
ثقافة متميزة لا بد من احترامها.
النجاح في مجال الدعوة
وعلى المستوى الدعوي لا يمكن انكار الجهود التي
بذلها المجتمع المسلم في الولايات المتحدة من أجل نشر الوعي
الإسلامي، فالمؤسسات الإسلاميةـ مثل المساجد والمدارس الإسلامية
بالإضافة إلى المعاهد والمراكز الدعوية ـ ليست بخافية على أحد.
ويكفي أن نشير إلى عدد تلك المؤسسات الموجودة حاليًا على الأراضي
الأميركية الذى وصل إلى ما يقرب من ألفي مركز، أما عدد المدارس
الإسلامية فيقدر بالمئات، هذا بالإضافة إلى المؤسسات الإسلامية مثل
المجتمع الإسلامي (ISNA)
والدائرة الإسلامية في أميركا الشمالية (ICNA)،
ولا نغفل بالطبع دور المنظمات الإسلامية في ترسيخ مبدأ الدعوة
لحماية الهوية الإسلامية من الانسلاخ.
وقد أكد الداعية الإسلامي الأميركي سراج وهاج
إن الدعوة الإسلامية داخل المجتمع الأميركي لها طبيعة خاصة ومن أجل
نشر هذه الدعوة يحتاج الدعاة إلى الإحساس جيداً بالشعب الأميركي
وتفهم مشاعره لكي يكونوا قادرين على تقديم النصح والإرشاد له.
ودعا الإمام سراج وهاج - في تصريحات لمجلة
المجتمع الكويتية - إلى وجوب بذل المسلمين المقيمين في أميركا
الجهد لفهم السياسة الأميركية ومساراتها حتى تسنح لهم الفرصة
لإحداث التغيير. وقال: «إننا نحن المسلمين مازلنا غير ناضجين
سياسياً بما يكفي وقد حان وقت النضج» مشيراً إلى أن بعض المفكرين
المسلمين يسعى حالياً لوضع أجندة سياسية للعالم الإسلامي، ومن أجل
إيجاد هذه الأجندة يجب على المسلمين أن يعرفوا مدى الحاجة إلى
التغيير وإلى أسلمة المجتمع ولا بد أن يعوا جيداً ما يحدث حولهم
حتى تصير لديهم الحساسية الكافية لإدراك احتياجات الشعب الأميركي.
التعددية والتنوع
أما المحور الثاني والذي يتعلق بالتحديات
والعقبات التي تواجه الوجود الاسلامي هناك، فيأتي على رأس هذه
التحديات والعقبات مشكلة التعددية والتنوع والانشقاق والتشرذم،
فالمجتمع الأميركي المسلم يتسم بالتعددية والتنوع والاختلافات،
وقد تغيب هذه الحقيقة عن كثير من الأذهان، بالرغم من أنها تمثل
عاملاً مهمًّا وأساسيًّا في رصد القضية.
وقد نتجت تعددية المجتمع الأميركي المسلم عن
الهِجْرات المتعددة من أقطار العالم إلى الولايات المتحدة، تلك
الهجرات التي أتت بوفود من جنسيات وثقافات مختلفة. وبالإضافة إلى
الهجرة ـ في تشكيل تعددية المجتمع الأميركي المسلم - يأتي الإقبال
المتزايد على الإسلام من قبل الشعب الأميركي نفسه.
وهذه التعددية والتنوع جعلت المجتمع الأميركي
المسلم يتحول ـ وبسرعة ـ إلى صورة مصغرة عن الأمة الإسلامية في
تشعبها وتشرذمها.
فالمجتمع الأميركي المسلم يتشكل من وفود مسلمة
جاءت من شتى بقاع الأرض لتعيش على الأراضي الأميركية، وقد أدى
ازدياد أعداد تلك الوفود المختلفة إلى ظهور انشقاقات داخلية كثيرة،
أو بمعنى آخر جماعات منشقة، وتتكون كبرى هذه الجماعات من مسلمي
العالم العربي ومنطقة جنوب آسيا. وكل جماعة من هؤلاء تبذل كل جهدها
لتحقيق أهداف طائفية ومتعصبة ـ ضيقة الهدف والمنظور ـ بدلاً من
تبني القضايا الأولية التي تخدم المجتمع الأميركي المسلم ككل.
وبالرغم من ذلك، فقد يوجد ما يخفف من قتامة
الصورة ـ ولو بقدر قليل ـ ألا وهو: جود الكثير من الزعماء
الأميركيين المسلمين الذين يؤمنون بضرورة تماسك المجتمع الأميركي
المسلم وتلاحمه، وقد كان لهؤلاء الزعماء فضل كبير في منع انقسام
ذلك المسلمين في اميركا.
ولعل أكبر مَثَل لتلك الجماعات المنشقة
المُنَظَّمة: المجتمع الباكستاني الأميركي، فلدى هذه الجماعة عدد
من لجان النشاط السياسي ما يوازي عدد نظائرها في المجتمع الأميركي
المسلم كله، وقد نجد هذه الجماعة تتصرف كعضو جزئي يتكامل مع بقية
أعضاء المجتمع الأميركي المسلم في المسائل المتعلقة ببناء المساجد
والمدارس الإسلامية. أما في ما يتعلق بالمسائل السياسية، فنجد هذه
الجماعة تسعى بجدية لتخطيط أجندتها المستقلة والمنفصلة عن بقية
الجماعات المسلمة.
ويمكننا فهم ذلك الموقف السياسي من خلال إدراك
التحديات السياسية التي تواجه الدولة الباكستانية، ومن ثَمَّ
تأثيرها على الباكستانيين بخاصة، أكثر من تأثيرها على بقية
المسلمين. ولذا، فإن الجماعات الباكستانية الأميركية لن تستطيع
أبدًا أن تُضيع وقتها في انتظار تحول الأميركيين المسلمين إلى قوة
فعالة ومساندة لكل القضايا السياسية التي تهم الباكستانيين
وجماعاتهم المنشقة. وبالتالي، فهي ترسم لها طريقًا منفصلاً عن بقية
الجاليات المسلمة، الأمر الذي يؤثر تأثيرًا سلبيًّا في مصالح
المجتمع الإسلامي بأكمله.
مشكلة العمل الجماعي
وإذا انتهجت كل الجماعات المنشقة ـ في أميركا ـ
المنهاج الباكستاني في الانفراد والانعزالية، فلن يؤدي ذلك فقط إلى
إضعاف المجتمع الأميركي المسلم، وإنما سيؤدي أيضًا إلى منع ظهور أي
نوع من التماسك أو التجانس بين الأميركيين المسلمين.
وفي الحقيقة، إن التحدي الذي يواجه الأميركيين
المسلمين يتمثل في المشكلة التقليدية التي ظل المسلمون بصددها
لسنوات طويلة، ألا وهي: مشكلة العمل الجماعي. فلو كانت تلك
الجماعات المنشقة تفطن إلى ضرورة العمل الجماعي وأهميته، لما تمسكت
بتحقيق طموحاتها الشخصية على حساب المصلحة العامة للمجتمع الأميركي
المسلم. ولو كانت تلك الجماعات تقدر فاعلية العمل الجماعي لسارعت
إلى توحيد جهودها في سبيل إنشاء مؤسسات فعالة ذات ثِقَل سياسي قوي.
الدور السياسي للمسلمين
أما في محيط السياسة الأميركية فلا نجد جهدًا
ملحوظًا من قبل الأميركيين المسلمين؛ فحجم تأثيرهم في السياسة
الأميركية، بعامة، لا يتواكب مع عددهم ولا مع إمكانياتهم. وبالرغم
من النمو المتزايد للمنظمات الإسلامية التي تعمل على توعية وإعداد
المسلمين سياسيًّا، فإنها لم تنجح حتى الآن في قطف ثمار أية مكاسب
أو انتصارات سياسية، والسبب في ذلك يَكْمن أولاً في البيئة
السياسية الأميركية التي تفرض حواجز عالية ومعوقات مفرطة في وجه كل
من يريد أو يحاول حتى اختراقها، كما إن مسلمي الولايات المتحدة
متحدون في ما يخص الأمور الدينية، ولكنهم متفرقون في كل ما يخص
الأمور السياسية؛ ولذا فإن كل المحاولات التي تبديها الجماعات
المنشقة للانسلاخ من الاتجاه السائد حول الأمور السياسية لا بد أن
تقاوم مقاومة شديدة في سبيل المصلحة الكبرى للمجتمع الأميركي
المسلم. ويمكن القول بأنه إذا فشل المسؤولون والقادة الأميركيون
المسلمون في منع انسلاخ تلك الجماعات المنشقة و«تمردها» على
المجتمع الأميركي المسلم الأكبر، فسيتحول الأخير إلى مجتمعات
متناثرة بدلاً من مجتمع واحد متماسك يضم شتى الأجناس.
إن مهمة تحقيق وحدة سياسية في المناخ الأميركي
المسلم ليست بالشيء الهين أو البسيط، فالمصالح متنوعة وكثيرة
ومتعددة مما يؤدي بها في بعض الأوقات إلى التنافس والتناصر؛ ولذا
فإنه من الصعب جدًّا أن يجتمع كل مسلمي الولايات المتحدة على أهداف
سياسية واحدة. ولن يتحقق ذلك إلا إذا التف المسلمون في الولايات
المتحدة حول هوية واحدة، ووضعوا أنفسهم في إطار واحد ينتمون إليه؛
وهو أنهم جميعًا أميركيون مسلمون.
إذا أراد مسلمو أميركا أن يكون لهم موقف سياسي
موحد، فيجب عليهم أن ينتموا إلى الهوية الأميركية المسلمة، أما إذا
استمروا في التمييز بين بعضهم البعض على حسب جذورهم الأصلية؛ فيقال
مثلاً هذا عربي أميركي، وذاك أفريقي أميركي وغير ذلك، فسينتهي بهم
الأمر إلى السعي وراء مصالح مختلفة وسيبقى المجتمع منقسمًا على
نفسه.
تعزيز دور المسلمين في المجتمع الأمريكي
أما المحور الثالث، الذي يتعلق بضوابط ومقترحات
تصحيح المسار ومواجهة التحديات، فأهم هذه الضوابط والمقترحات تعزيز
الدور الاسلامي على الساحة الأميركية، ولتعزيز دور المسلمين في
المجتمع الأميركي تعكف مجموعة من العلماء والأكاديميين المسلمين في
أميركا منذ فترة على دراسة مشروع لتعزيز إسهامات المجتمع المسلم في
الحياة العامة في الولايات المتحدة الأميركية، ويشارك في هذا
المشروع عدد من العلماء البارزين في أميركا وفي المجتمع المسلم؛
من بينهم: البروفيسور جون إسبوزيتو ـ مدير مركز التفاهم الإسلامي/
المسيحي ـ الذي يعمل منسقًا عامًا للمشروع والبروفيسور سليمان
ينابخ والبروفيسور زاهن بورهاري والأخيران هما الباحثان الأساسيان
في المشروع، الذي عقدت ندوات في واشنطن ولوس أنجلوس وشيكاغو حوله.
وقد عقّب د. بورهاري على فكرة هذا المشروع
الطموح وأسبابه قائلاً: إن المجتمع الأميركي المسلم يمرّ بمرحلة
انتقالية من الانغلاق والتردّد إلى المشاركة والفعالية، وهنا جاءت
فكرة إسهام المسلمين في الحياة العامة.
ومن أهم أهداف هذا المشروع :
1ـ بحث وجمع معلومات عن مشاركة وإسهامات
المجتمع المسلم في الحياة الأميركية المدنية وتحليل هذه المعلومات
والبحث عنها.
2ـ إنتاج قائمة إرشادية للمنظمات الإسلامية
والمراكز والمساجد وطبعها ووضعها على موقع المشروع على شبكة
الانترنت.
3ـ إجراء استطلاع عن رواد مجتمع المركز
الإسلامي، وعن تجمعات المسلمين وتنسيق ندوات إقليمية.
4ـ الاستفادة من خبرات المسلمين المتخصصين
الراغبين في المشاركة في هذا العمل.
المسلمون وإحداث نُقطة تحول
وعلى المستوى السياسي يحدد ريتشارد كوريتس،
رئيس تحرير واشنطن ريبورت الخيارات الممكنة التي يستطيع المسلمون
وكذلك العرب الأميركيون أن يتخذوها ليؤثروا في الانتخابات
الأميركية كما يؤثر فيها اليهود. وهي:
1- تصفية الأجواء مع الإدارة الأميركية:
فالتحدي الذي يواجه المجتمع الأميركي المسلم وكذلك العرب المسيحيون
إنما يكمن في أمرين:
أولاً ـ إيجاد ما يوازن أو يعادل تلك الجماعة
اليهودية الضاغطة
ثانيًا ـ إطلاق سراح صُناع السياسة الأميركية
لكي يسعوا وراء المصالح القومية الأميركية، التي تنادي بالاستقرار
في العلاقات الدولية ، والتي تنادي كذلك بإنشاء علاقات إيجابية
وودية مع جميع الدول الإسلامية.
2- عدم مُهاجمة اللوبي اليهودي: فبعض المسلمين
المقيمين في أميركا يرون أنه - في سبيل تيسير الاندماج في الحياة
الأميركية بالصورة التي تحفظ هويتهم كمسلمين وفي الوقت نفسه لا
تفقدهم تواصلهم مع أصحابهم وجيرانهم الأميركيين - لا ينبغي على
الإطلاق مهاجمة اللوبي اليهودي. إن مهاجمة ذلك اللوبي - كما
يعتقدون- هي آخر خطوة يُمكن أن يلتجئوا إليها.
ويرى اللوبي اليهودي في وجود المسلمين
الأميركيين خطورة جسيمة على موقف إسرائيل تجاه السياسة الخارجية
الأميركية، بمعنى آخر إن هؤلاء المسلمين يمكن أن يخففوا من السيطرة
أو القبضة الإسرائيلية على السياسة الخارجية الأميركية الأمر الذي
يثير خوف اللوبي اليهودي.
وأكثر ما يخيف اللوبي اليهودي هو ازدياد أعداد
المسلمين في أميركا وتناميها بصورة مفزعة سواء من خلال الهجرة أو
من خلال الحالات المتزايدة في اعتناق الإسلام، أو من خلال نسبة
المواليد المرتفعة. إذ أن عدد المسلمين في الولايات المتحدة الذي
اليوم يتراوح بين 6 - 8 مليون يتجاوز عدد اليهود الأميركيين الذي
يصل عددهم إلى خمسة ملايين فقط، حتى ولو لم نضف المسيحيين العرب
(1.5 - 2 مليون) إلى مجموع المسلمين، فسيكون الأخير متجاوزًا لعدد
اليهود.
3- تنسيق الجهود بين المنظمات الإسلامية داخل
الولايات المتحدة. من الخطوات التي اتخذها المسلمون في الولايات
المتحدة: تنسيق الجهود في ما بين المجلس الأميركي المسلم للتنسيق
السياسي (ِAMPCC
) وبين مجلس رؤساء المنظمات العربية الأميركية. هاتان المنظمتان
تعتبران من أكبر المنظمات التي تضم جماعات الممارسة السياسية داخل
المجتمعين: المسلم والأميركي.
وبالنسبة للجماعات المسلمة وحدها، فإن الوقت لم
يعد متأخرًا حتى يبدأ المجلس الأميركي المسلم للتنسيق السياسي
بإرسال وفوده لكي تبلور المواضيع والنقاط التي يجب مناقشتها مع
المرشحين المتطلعين للرئاسة. وقد تم ذلك في العام 1996 حيث قدم كل
من المجلسين أو المنظمتين طلبات عدة في لجان الحملة الانتخابية
التي كان يقودها كل من كلينتون ودول.
وكانت هذه الطلبات تتلخص في التالي:
1- تأييد الحقوق المدنية للمسلمين.
2- الاعتراف أن الولايات المتحدة لديها اليوم
إرث يهودي - مسيحي - إسلامي.
3- فتح المفاوضات مع كل الدول المسلمة.
4- تأييد السياسات المنصفة والعادلة في الشرق
الأوسط.
ويوجد بعض المسلمين الناشطين حزبيًا، سواء
أكانوا جمهوريين أم ديمقراطيين، وهؤلاء يعملون داخل أحزابهم الخاصة
ليحدثوا تغييرات في البرنامج السياسي للحزب لجذب صوت المسلمين.
وإذا أظهر المسؤولون والرواد المسلمون في
الولايات المتحدة مقدرتهم واستطاعتهم على تحويل أعضاء المجتمع
المسلم إلى صناديق الاقتراع، فسيقدرون بدون شك على فرض المجتمع
المسلم على الخريطة السياسية الأميركية، ومن ثم سيتخذون خطوة
إيجابية تجاه معادلة اللوبي اليهودي الذي يرغب دائمًا في إبقاء
المسلمين والعرب الأميركيين على الهوامش.
× كاتب وصحفي مصري |