|
التحالف المسيحي في الولايات المتحدة :
العقيدة الدينية
في خدمة الحرب الشاملة
فؤاد نهرا
من أراد أن يجد تفسيرا للسلوك السياسي الأميركي
في منطقة الشرق الأوسط، فليتمعن في دراسة التيارات المؤثرة في
الحياة السياسية الأميركية. ذلك أن الحرب الأميركية على العراق،
والتهديدات المتكررة لسوريا والسودان وإيران لا تجد مبررها في
المصالح الاقتصادية والإستراتيجية- العسكرية وحسب، لكن جذورها تمتد
إلى نظرة إيديولوجية إلى النظام العالمي الجديد. اعتدنا على التكلم
عن المحافظين الجدد المؤثرين على قرار البيت الأبيض، لكننا هنا في
صدد مجموعة متنوعة من التيارات العقائدية. فليس كل المحافظين الجدد
«أصوليين مسيحيين» اذ منهم: أنصار الدولة الرأسمالية المحررة من
القيود، ومنهم أنصار الصهيونية المتشددة، ومنهم أصحاب اللوبي
الصناعي-العسكري وما إلى ذلك من مجموعات الضغط.
وتلا شك في ان كل هذه التيارات التي شهدت
انتشاراً سريعاً منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي ودعمت ترشيح
رونالد ريغان للانتخابات الرئاسية، في دورتين رئاسيتين العامين
0891 و4891 تقدمت بأطروحات مشتركة نذكر منها:
- المطالبة بتفكيك الدولة الراعية التدخلية
لصالح رأسمالية بلا قيود.
- المطالبة بالعودة إلى القيم التقليدية وفرضها
بقوة القانون.
- اعتماد سياسة خارجية هجومية وأكثر تشددا تجاه
أعداء الولايات المتحدة.
لكن بعضها فقط اتسم بطابعه الديني المتشدد.
وابرز مجموعات الضغط التي أثرت في القرار السياسي منذ التسعينات من
القرن الماضي: التحالف المسيحي الذي تأخر انتشاره بالنسبة إلى
المجموعات الأخرى، كحركة الأغلبية الأخلاقية (التي قادها رجل الدين
جيري فالويل لكن هذه الأخيرة امتدت إلى غير المسيحيين الذين شاركوا
هؤلاء في اعتمادهم المبادئ التقليدية التي أضعفتها الحداثة.
أما التحالف المسيحي، الذي لم يكن في
الثمانينات من القرن الماضي سوى أقلية ناشطة، فأصبح اليوم أقوى
مجموعة منظمة قادرة على التأثير على الحزب الجمهوري. فهو دائم
النشاط ولا يغيب بعد انتهاء الحملات الانتخابية، وجماهيري الطابع
لا ينحصر في بعض النخب السياسية، وحامل لعقيدة متكاملة لا يفرط
فيها ولا يتنازل عنها.
وهي عقيدة معتمدة على نظرة لاهوتية مسيحية
وإنجيلية للنظام العالمي. لكن ليس كل البروتستانت في الولايات
المتحدة من أنصار وجهة النظر هذه. ثم إنها إسقاط مزدوج لهذه النظرة
اللاهوتية ولمفاهيم الحرب الباردة على فهم وتحليل مختزلين
للصراعات السياسية في العالم، فهي حركة تنتظر مجيء المسيح، وتندد
بانحلال المجتمعات الغربية الحديثة، وتقسم العالم بين الخير والشر
في نظرة ثنائية واضحة المعالم. لكن قوى الشر هي اليوم بنظرها
متمثلة في العالم الإسلامي، وهي قادرة على التأثير بوضوح على إدارة
الرئيس بوش الراهنة، بكل ما لديها من قوة عقائدية، ومن مندوبين
ومرشحين وأعضاء في الكونغرس.
نشأة التحالف المسيحي وتطوره
يعتبر التحالف المسيحي من أقوى جماعات التأثير
داخل الحزب الجمهوري، لكن اتساع نفوذه أتى نتيجة لنشاط مستمر بدأ
في ستينات القرن الماضي. ويرد الكثير من المؤلفين الأميركيين تسييس
هذه المجموعة إلى مبادرة أولى قام بها رجل الدين بات روبرتسن، الذي
استهل نشاطه في التبشير، بعد ان مارس وظيفة رجل الدين في الكنيسة
البروتستانتية المعمدانية، عبر وسائل الإعلام المرئي والمسموع،
فقام بإدارة برامج دينية في شبكة البث المسيحية (Christian
Broadcasting Network) منذ العام 1961
ثم أسس جمعية نادي السبعمائة (the 700 club)
الذي حصل على دعم جهات مختلفة وتمويلها من الميسورين الحريصين على
مواجهة تيار التحديث داخل المجتمع الأميركي.
وفي حين حصص النادي المذكور نسبة مهمة من
نشاطاته للتبشير ولتدريس العقيدة المسيحية البروتستانتية ونشرها،
إلا أن نشاطه اتسع ليشمل القضايا الاجتماعية والعمل السياسي
لمواجهة الإصلاحات الليبرالية والعلمانية داخل المجتمع الأميركي.
ونتيجة لنهوض تيار «اليمين المسيحي» أثناء
السبعينات والذي ساهم في فوز المرشح الجمهوري رونالد ريغان العام
1980 امتد نفوذ جماعة روبرتسن داخل الفعاليات السياسية، لا بل صار
هذا الأخير ممثلا للتيار المسيحي المحافظ والمطالب بعودة المجتمع
الأميركي إلى القيم المسيحية التقليدية. ومن اجل تحقيق هذا الطموح
دخل روبرتسن في سباق حملة اختيار المرشح الجمهوري للانتخابات
الرئاسية للعام 1988 لكنه لم يوفق، إذ انه همش بسبب خطابه الديني
الشديد وكذلك بسبب موقع جورج بوش المتقدم.
وأدى ذلك إلى تأسيس التحالف المسيحي (Christian
Coalition) في بداية التسعينات
بالاعتماد على إمكانات نادي السبعمائة، وكذلك على الجمهوريين
المحافظين الذين سبق لهم ان دعموا ترشيحه في المرحلة التمهيدية
للانتخابات الرئاسية.
ويعتبر تأسيس هذا التحالف لحظة تحول جوهرية في
العمل السياسي لليمين المسيحي. إذ انه اعتمد على العمل السياسي
الجماهيري، ورسم أهدافا بعيدة المدى لم تعد تقتصر على العمليات
الانتخابية. أما الغايات السياسية، فاتسعت إلى معظم القضايا
الاجتماعية والثقافية ذات العلاقة بنصرة القيم المسيحية.
اتسع نفوذ التحالف المسيحي بشكل مطرد حتى أصبح
يحظى في حدود العام 2000 بدعم أكثر من ثلث مندوبي مؤتمر الحزب
الجمهوري في حين لم تبلغ نسبة مندوبي التحالف أكثر من 15في المئة
من مندوبي الحزب العام1992 . وفتح التحالف أبوابه أمام النشاط
الجماهيري، حتى ادعى مديره التنفيذي رالف ريد العام 1994 ان عدد
أعضائه بلغ 1.9 مليون شخص، موزعين على ألفي قسم .
إستراتيجية التأثير في السلطة السياسية
يتمتع التحالف المسيحي بمكاسب عدة منها تمكنه
من الحصول على ثقة عدد من الكنائس البروتستانتية، لا سيما الكنائس
الإنجيلية الراديكالية والمستوطنة في جنوب الولايات المتحدة
وغربها. ونذكر منها الكنيسة المعمدانية (Baptist)
وكنيسة العنصرة (Pentecotist)
وكنيسة عودة المسيح (Adventist).
ويعود ذلك إلى تجاوزه للخصوصيات المذهبية وللانتماءات الفرعية من
اجل الذود عن القيم والمبادئ الجامعة للمسيحية المحافظة. وقد أصر
روبرتسن على ضرورة ألا تتحول الجماعات المتتالية التي ترأسها إلى
مذاهب دينية جديدة، لان المقصود هو جمع المسيحيين وليس الاستقلال
بمجموعة دينية جديدة.
لكن هذا الدعم اقتصر حتى بداية التسعينات على
الكنائس الإنجيلية المذكورة، التي تميزت بشدة لهجتها وبرفضها لما
تسميه بالقيم الليبرالية، في حين ان ممثلي الكنائس البروتستانتية
التقليدية ابدوا تحفظا نسبيا، بسبب اعتدالها في القضايا الاجتماعية
والسياسية، وذلك بالرغم من خروج العديد من الأساقفة المحليين على
هذا التحفظ.
يبقى أن الكاثوليك ونسبتهم تتجاوز الأربعين في
المئة داخل المجتمع الأميركي لم يتعاطفوا مع روبرتسن، بل رأوا انه
يسعى في مشروعه السياسي إلى هيمنة البروتستانتية والى تهميش دور
الكنيسة الكاثوليكية. لذلك وجدنا الكثير من الأساقفة الكاثوليك
يتصدون لانتشار التحالف، فذهب البعض إلى حد حظر منشوراته منه ما
دفع رالف ريد إلى مزيد من الانفتاح عليهم. إلا أن المحاولة باءت
بالفشل، بسبب اتساع الهوة بين الكنيسة الكاثوليكية من جهة وبين
الكنائس الإنجيلية الراديكالية التي تصطاد على أراضيها من جهة
ثانية.
أما العائق الثاني فيكمن في انحصار جماعات
روبرتسون في الأميركيين ذوي الأصول الأوروبية، ولا سيما
الانكلوسكسونية حتى نهاية الثمانينات. فقاعدتها الشعبية تمثلت في
الفئات الأميركية الأشد تمسكا بتاريخ الولايات المتحدة وبتراثها
الأوروبي الانكليزي، والأكثر ترددا في انتقاد ممارسات الإبادة
والاسترقاق التي لازمت تاريخ الجماعات الأوروبية في البلاد. لكن
رالف ريد أجاد في إدخال نسبة ضئيلة من الزنوج في التحالف خلال
التسعينات، من خلال تضامنه مع الكنائس الإنجيلية في المناطق ذات
الأغلبية السوداء.
أما موطن القوة الثاني للتحالف فيكمن في
الأهداف التي يطمح إلى تحقيقها. وهي ليست اهدافاً انتخابية قصيرة
المدى، لكنها تتجاوزها إلى غاية بعيدة المدى تمثلت في إرادة تغيير
المجتمع الأميركي بنى وثقافة، حتى يخضع هذا الأخير لمبادئ
المسيحية. واثر فشل روبرتسون في السباق على ترشيح الحزب الجمهوري
للانتخابات الرئاسية العام 1988 تأسس التحالف ليكون قوة ضغط مؤثرة
في الحياة السياسية، تحدد الرؤية العامة للمجتمع، وكذلك تكشف عن
لائحة من المطالب السياسية والثقافية، وتدلي بها إلى أهل القرار
سواء في البيت الأبيض أو في الكونغرس.
وتعتبر أهداف التحالف «ثورية» على حد قول
الاختصاصيين في علم اجتماع الأديان في الولايات المتحدة، لأنه يهدف
إلى الانقلاب على الواقع الاجتماعي والثقافي الراهن، وكذلك إلى
تغييره تغييرا شاملا، من اجل بناء مستقبل يستعيد القيم المسيحية
التي فقدها بسبب الإصلاحات التي أعطت الأفراد حرية مفرطة على حساب
حقوق الأسرة، وكذلك على حساب القيم التقليدية.
وفي هذا الميدان اعتمدت الحركة إستراتيجية
مواجهة المرشحين الذين تتناقض برامجهم مع تطلعاتها السياسية
والدينية والعمل على اسقاطهم. فعلى سبيل المثال ساهمت في إسقاط
مرشحين لمجلسي النواب والشيوخ كانوا يقرون بالحق بالإجهاض أو يصرون
على فصل الدين عن الدولة، أو يعارضون إدخال التبشير والتعليم
الدينيين في المدارس. ثم انها استطاعت أن تؤثر في أقلية قوية من
مندوبي الحزب الجمهوري، من خلال التبشير أو الترغيب أو الضغط عليهم
من خلال تعبئة قاعدتهم الشعبية في الولايات الأشد ميلا لـ «اليمين
المسيحي».
ثم انها آثرت ألا تعتبر نفسها حزبا سياسيا،
وألا تميل كل الميل إلى الحزب الجمهوري. غير ان هذه الفكرة ظلت
موضوع جدال. لم يمتنع التحالف عن تأييد المرشح الديمقراطي في
الحالات النادرة التي رأوا في المرشح الجمهوري عدوا لقيمهم
المسيحية. لكن الحزب الجمهوري ظل هو الآلة الانتخابية الأقرب إليه
والتي تضمنت غالبية المرشحين التابعين له عقائديا وتنظيميا. ما
دفعهم إلى التدخل السافر لصالح المرشح الجمهوري في الانتخابات
الرئاسية. فهي ايدت جورج بوش بدون تحفظ ودعت إلى الحذر من
الديمقراطي جون كيري الذي يعتبر مفرطا بهيبة أميركا (بسبب موقفه من
حرب العراق)، ومحبطا للقيم المسيحية (بسبب تأييده للحرية الجنسية
وللحق بالإجهاض ولمطالب مثليي الجنس).
وجعلت استقلالية التحالف وقدرته على الانقلاب
على مرشحي الحزب الجمهوري منه قوة ضغط مؤثرة إلى حد كبير، لأنه
قادر على تعبئة قاعدته الجماهيرية لإسقاط المرشح الأكثر جرأة على
مواجهة رؤيته للمجتمع الأميركي. وعلى حد تعبير بعض المحللين
الصحافيين، أدى ذلك إلى انعطاف في خطاب الحزب الديمقراطي في
الانتخابات الرئاسية السابقة العام 2000 اذ ان المرشح آل غور صرح
بوجوب إعادة الإيمان والمعتقد الديني في صلب الحياة السياسية،
والى التطلع إلى علاقة أكثر ايجابية مع الكنائس المسيحية.
أما عامل القوة الآخر، فيتمثل في سعي التحالف
إلى استعمال الثروات والطاقات السياسية كافة لتحقيق مشروعه. فبسبب
طبيعته الثورية الانقلابية، يسعى إلى تعبئة شرائح المجتمع كافة في
الميادين كافة:
1- فهو يجمع بين المثقف ورجل الأعمال وصاحب
النفوذ السياسي والمناضل المنتمي إلى القاعدة الجماهيرية. فأصبح
تيارا جماهيريا ذا دعم قوي من النخبة الاقتصادية والسياسية.
2- ثم انه يجمع بين الدين والثقافة والسياسة،
فينطلق من التعبئة الدينية ومن التبشير بالعودة إلى الدين، ليجد
الآذان الصاغية في ميدان العمل السياسي. ويربط هذا الأخير بمضمون
ثقافي أعمق، في حين ان غالبية مجموعات الضغط لا تتجاوز مطالبها
حدود مصالح جزئية (مثال اللوبي النفطي، أو اللوبي الصناعي _
العسكري).
لهذا السبب فإن زحفه مستمر باتجاه السلطة، من
اجل تغييرها، إلى حد أصبحت غالبية أهل القرار في الإدارة الرئاسية
شديدة الحرص على استعادة القيم المسيحية التقليدية. فبات روبرتسون،
الذي لم يكن راضيا عن جورج بوش الأب لأن هذا الأخير كان بنظره يعمل
من حيث لا يدري لصالح نظام دولي شيطاني، عبر عن رضاه عن توجهات
جورج بوش الابن.
الرؤية السياسية العامة للتحالف المسيحي
يتعسر رسم ملامح واضحة لنظرة دقيقة لممثلي
التحالف المسيحي إلى الحياة السياسية، وذلك بسبب تعدد المنطلقات
المنهجية لديهم. فالبعض منهم يعتمد على تأويل للأحداث جله مستنبط
من الرؤية الدينية اللاهوتية، والبعض الآخر (أمثال رالف ريد) ظل
يعتمد منهجية أكثر واقعية واقل تأثرا بالخطاب اللاهوتي. ويبقى أن
نظرة سياسية شاملة للمجتمع تجمع بين هؤلاء. لهذا السبب آثرنا أن
نقتصر على تحليل خطاب بات روربتسن السياسي.
ينطلق هذا الأخير من نظرة إلى السياسة يمتزج
فيها التفسير الديني بالتفسير التاريخي، ويعتبر مفهوم الانحطاط
محورا لنظرته إلى التاريخ الأميركي. فالولايات المتحدة بنت مجدها
السابق على القيم المسيحية، وعلى وفاء الأوروبيين الوافدين
لعقيدتهم الدينية، التي بسببها غادر الكثيرون منهم مواطنهم
الأوروبية. لكنها تعرف اليوم عهدا من الانحطاط، بل من الانحلال.
ويرد روبرتسن الانحلال إلى عشرينات القرن
الماضي، حيث ادخل المجتمع الصناعي بيئة جديدة سيطر عليها نمط العيش
الحديث، وبدأت سطوة الكنائس تتراجع، بل وتراجع الثقل الديموغرافي
للأميركيين الواسب (البيض الانكلوسكسون البروتستانت) لصالح مجتمع
متعدد الاثنيات والمذاهب الدينية.
ويربط روبرتسون بين الانحلال وبرامج الإصلاح
الاقتصادي المتمثلة بالـ «نيو ديل» (New
Deal). ويرد قوة تأثير البرامج
الاقتصادية الإصلاحية، التي تعزز من دور الدولة التدخلية وتكرس
حقوق النقابات العمالية وتفتح الباب امام برامج التضامن الاجتماعي
لصالح الفئات الأكثر فقرا، إلى مؤامرة يشترك فيها الشيوعيون وأعداء
المسيحية من اجل الإطاحة بالقوة الأخلاقية للمجتمع الأميركي.
ثم ان حقبتي الستينات والسبعينات توجت، بنظره،
عهد الانحطاط الاجتماعي والخلقي والسياسي: فالدولة ساهمت في إضعاف
الأسرة ومنحت الحريات للأفراد، بما فيها الحرية الجنسية. ثم إنها
ساهمت في تضخيم الانحلال الخلقي لدى الطبقات الفقيرة بسبب برامج
التضامن الاجتماعي والمعونات المالية. وأخيرا أطاحت بهيبة السلطة
وكذلك بالروح الوطنية للاميركيين.
اما محور هذا الانحطاط فيكمن في فصل السياسة عن
الدين المسيحي، وفي تكريس هذا الفصل في البرامج التربوية، استنادا
إلى البند التعديلي الأول للدستور الأميركي الذي يستبعد سيطرة أية
ديانة على الدولة الأميركية. ويلتقي تشخيص الانحطاط هذا مع الرؤية
الدينية لنهاية التاريخ البشري، حيث يرى فيها علامة من علامات
الساعة، تسبق مجيء المسيح وحكمه للعدل ودحره للباطل. إلا أن
روبرتسون ظل مقتنعا أن الله سيجنب الولايات المتحدة العقاب الشديد
الذي سيلقاه الآخرون، وذلك بسبب تجذر المعتقد الديني فيها، وبسبب
عودة الكثير من الأميركيين إلى الممارسة الدينية المسيحية. وتعتبر
هذه النظرة الألفية ميزة الكنائس الإنجيلية الراديكالية.
وبالرغم من دعم روبرتسون للرؤساء الجمهوريين
أمثال ريغان وبوش (الأب)، وجد إنهما يعملان لصالح نظام عالمي
ليبرالي يعم فيه الفساد. ولكي يبرر تأييده السياسي لبوش الأب، صرح
بأنه متأكد من حسن نيته ومن عمق إيمانه، لكنه يعمل من حيث لا يدري
لنظام يغيب فيه الدين المسيحي وتنتصر فيه قيم الانحطاط.
فالنظام الأميركي الراهن يدخل في إطار نظام
عالمي تغلب فيه المصالح الفردية والقيم الاقتصادية وسيطرة المال
على القيم الأخلاقية والدينية. ثم انه يعطي الإنسان الفرد حرية
مفرطة على حساب الضوابط الأخلاقية الملازمة للعقيدة الدينية، مثل
حرية التصرف بجسده في الحرية الجنسية وممارسة حق الإجهاض والطلاق.
غير أن روبرتسون ظل يدافع عن نظرة ليبرالية
مفرطة في الاقتصاد، يدعو فيها إلى التخلي الصريح عن برامج الإغاثة
الاجتماعية والصحية كافة، من اجل إطلاق يد السوق الرأسمالية.
والجدير بالذكر أن هذه النظرة المسيحية الواسب إلى المجتمع تمتزج
بالداروينية الاجتماعية، التي بمقتضاها يتم تذنيب المهمشين
والعاطلين عن العمل في حين يتم التمجيد بالأثرياء الذين «افلحوا في
المجتمع». واكره شيء لديهم صورة الإنسان المعاني. ويشترك في هذه
النظرة مع المحافظين الجدد الآخرين.
ويكتسب خطاب روبرتسون طابعا شعبويا عندما يندد
بالبيروقراطية الحاكمة في واشنطن، التي، بنظره، تخضع المجتمع
الأميركي كله لمصالحها الخاصة، ولسيطرتها على المجتمع والاقتصاد
والسياسة. ويظل بذلك منددا بالايديولوجيا «الليبرالية الوسطية»
التي تنال من عزيمة الشعب الأميركي.
وللتحالف المسيحي مطالب محددة يدخل فيها
المعارك الانتخابية بصورة مباشرة أو غير مباشرة وهي:
- محاربة القوانين التي تحمي بعض الحريات
الفردية على حساب القيم المسيحية: مثل الحق في الإجهاض والحرية
الجنسية وتيسير الطلاق وما إلى ذلك.
- الدعوة إلى تشديد العقوبة على مرتكبي الجنح
والجنايات.
- المطالبة بتخفيض الضرائب والعودة إلى مستوى
العام 1950.
- المطالبة بإنهاء برامج المعونة الاجتماعية
والصحية لصالح الفئات الأكثر فقرا.
- المطالبة بتعزيز البرامج العسكرية.
- المطالبة بتفكيك نظام المدارس الرسمية لصالح
المدارس الخاصة الدينية.
- إعادة التعليم الديني إلى المدارس.
وتشكل هذه المطالب منطلقا لاتخاذ الموقف من
المرشحين للانتخابات العامة البرلمانية والرئاسية.
نظرة التحالف إلى اليهودية والإسلام
من يترصد تطور موقف روبرتسن من الأديان الأخرى،
يجد أن عداءه السافر للحداثة «الملحدة» لم يؤد إلى اقترابه من
الأديان الكبرى التي تشترك والمسيحية في الكثير من القيم والمراجع.
فموقفه من الإسلام ظل سلبيا واشتد عداوة بعد اعتداءات 11 أيلول
-سبتمبر- العام 2001. أما موقفه من اليهودية، فيتضمن تناقضات
ظاهرة. فهو الذي كان قد اخذ على هؤلاء عدم اعترافهم بالمسيح، ثم
صرح أنهم شعب الله المختار، فتم نسيان الأقوال السابقة.
وهو يصنف اليهود في خطابه السياسي الأخير بأنهم
شعب الله المختار. ويعتمد على مقولات العهد القديم، التي فيها
تمجيد لبني إسرائيل، وإقرار لحقهم في «ارض الميعاد» والاعتراف
بمحوريتهم في مسار الخلاص (escathologie).
ثم انه يؤمن بمحورية بني إسرائيل يوم عودة المسيح. فهم شعب الخلاص
الذي من خلاله يكمل الله تاريخ البشرية، وهو الذي سيدخل المسيحية
حينذاك.
لذلك يرى أن عودة اليهود إلى فلسطين من بعد
2500 عام من التشرد، ثم انتصارهم في المعارك كافة على العرب ليس
سوى معجزة من الله: «ان بقاء الشعب اليهودي هو معجزة من الله.
وعودته إلى ارض الميعاد التي وعد بها إبراهيم وإسحاق ويعقوب معجزة
من الله. والانتصارات الهائلة التي حققتها الجيوش اليهودية أمام
جيوش مماثلة أكثر عددا العام 1948 ثم العام 1967 ثم العام 1973
معجزة إلهية لا لبس فيها. وكذلك الأمر بالمعجزات التكنولوجية
للصناعة الإسرائيلية، وللانجازات العسكرية، وللزراعة الطيبة،
ولزراعة الفاكهة والزهور ولخصوبة الأرض. فهي كلها شهادات لعناية
الله بهذه الأمة كما انها شهادات لموهبة هذه الاخيرة».
ويأتي هذا الخطاب انعكاسا لرؤية الكنائس
الإنجيلية الراديكالية لمسار بني إسرائيل. فكنيسة عودة المسيح (adventist)
تنظر إلى هذا المسار كمحور للخلاص وذلك على عكس ما تراه الكنائس
المسيحية الشرقية. لقد اعتادت أوروبا أن تتعامل مع نظرة تاريخية
للكنيسة الكاثوليكية، تجاوزها مجمع الفاتيكان، لكنها تعتبر اليهود
مذنبين بذنب قتل المسيح. وعند اعتذار البابا يوحنا بولس الثاني
لليهود، لم يذهب هذا الاخير الى الحد الذي توصل اليه الانجيليون
الاميركيون، وانما سعى الى ايجاد نظرة متوازنة لتاريخ بني إسرائيل.
وعلى الطرف النقيض من خارطة المسيحية في العالم وجدنا إن بعض
بطاركة الكنيسة الأرثوذكسية السورية قلبوا النظرة الإنجيلية
الأميركية إلى بني إسرائيل حيث انهم شبهوا الشعب الفلسطيني
بالمسيح، وتشريده بصلب المسيح وعودته إلى فلسطين المتوقعة بقيامة
المسيح.
وانطلاقا من هذه الأسس اللاهوتية يتنكر خطاب
التحالف المسيحي الأميركي لضرورات المسار السياسي حيث انه يدعو
الإسرائيليين إلى عدم التنازل عن أرضهم مقابل السلام، لأن
الفلسطينيين لا يريدون السلام، ولأن أرضهم موهوبة من الله، ولأن
لديهم حلفاء أوفياء من الإنجيليين في العالم. ويقود هذا المنطق
الديني الصرف إلى التنكر لحقوق السياسة وللواقع السياسي، حيث يأتي
موقف روبرتسن مطابقا لموقف أقصى اليمين الإسرائيلي المتمثل في محور
الليكود- الحزب الوطني الديني.
ومن شأن هذا الموقف اللاهوتي - السياسي ان يبين
أن الدعم الأميركي لإسرائيل يتجاوز حد الحسابات الإستراتيجية، كما
انه لا يأتي نتيجة لمجموعات الضغط الصهيونية وحسب، وإنما يعكس نظرة
دينية إنجيلية شاملة يحتل فيها بنو إسرائيل محور مسار الخلاص لذا
نجد هذه التيارات المسيحية الإنجيلية أشد تطرفا في دعمها لإسرائيل
من الصهاينة ذوي الأصول اليهودية.
وتقابل هذه النظرة الايجابية إلى سياسات
إسرائيل، نظرة سلبية للغاية إلى المحيط الإسلامي: فهو محيط متخلف،
رازح تحت الظلامية والطغيان السياسي، وقيمه نقيضة للقيم
الديمقراطية الأميركية. ويبدو ذلك جليا عند تصوير روبرتسن لاسرائيل
على انها واحة ديمقراطية في محيط من الظلام.
ثم انه، عندما يذكر الأماكن المقدسة لا يعترف،
أبدا بحق المسلمين في المسجد الأقصى، لأنه يعتبر الدين الإسلامي
افتراء وبناء المسجد الأقصى اعتداء وانتشار الإسلام ظلما. ولهذا
السبب يقر بحق اليهود في امتلاك القدس القديمة كافة، وكذلك في بناء
معبد سليمان على حساب مسجد الأقصى.
لم تكن نظرة روبرتسون إلى الإسلام ايجابية قبيل
اعتداءات 11 أيلول - سبتمبر 2001 لكن المسلمين لم يحتلوا قط مرتبة
العدو الأول للمسيحية. لقد سبق وانصب جهد التحالف المسيحي على
محاربة الحداثة الـ «ملحدة»، وجماعات التأثير الليبرالية العلمانية
في الولايات المتحدة.
ولقد تمثلت النظرة السلبية إلى الاسلام في نقاط
عدة، منها:
1-القناعة بأن مصادر الدين الإسلامي افتراء،
وبأن هذا الدين الحنيف لا أساس له من الصحة. ويتبين ذلك من خلال رد
روبرتسون لمطالب المسلمين في القدس. فعلى سبيل المثال يعتقد أن
الحرم الشريف تم تشييده على أنقاض معبد سليمان، وأن المسلمين
امتلكوا زورا الأماكن المقدسة اليهودية.
2- القناعة بأن الإسلام دين لا يعترف بالسلام
ولا بالتسامح. وعلى سبيل المثال ظل النواب والشيوخ الأميركيون
المنتمون إلى هذا التحالف أو القريبون منه الى حد ما، مقتنعين بان
الأقليات المسيحية في البلدان الإسلامية مضطهدة، وبأنها ستظل كذلك
بسبب طبيعة الدين الإسلامي.و دفع ذلك اعضاء الكونغرس المحافظين إلى
تبني قانون جديد العام 1997 يدعى «قانون التحرر من الاضطهاد
الديني»، يقضي بفرض العقوبات على كل دولة تضطهد أقلياتها أو لا
تقدم لها الحماية الكافية. وانطبق هذا القانون مباشرة على السودان،
وخضعت مصر من جرائه للتهديد والابتزاز.
3- القناعة بضرورة اعتماد سياسة متشددة تجاه
الدول العربية التي لا تتنازل كليا عن مطالبها لصالح المكاسب
الجغرافية والسياسية الإسرائيلية، التي يريدونها أن تصبح امراً
واقعا جديدا وأرضية للنقاش.
يبقى أن ثمة تحولاً طرأ على نظرة هؤلاء الى
الاسلام بعد أحداث 11 أيلول - سبتمبر- 2001 اذ اصبح الإسلام في
موقع العدو الأول للمسيحية دينا وحضارة إلى حد دفع ببات روبرتسن
الى القول: «في التراث الإسلامي كل ما سيطر عليه الإسلام يعتبر دار
سلام وكل ما لم يسيطر عليه يعتبر دار حرب، وهذا معناه ان الأرض
التي تعيشون فيها اليوم هي دار حرب. إن مدينة ديترويت (مكان إلقاء
المحاضرة) هي دار حرب، لهذا السبب ستجدون جماعات تستخدم الطائرات
وتنتحر فيها للإطاحة بمبانينا. لهذا السبب لن يأخذ هؤلاء بعين
الاعتبار الأبرياء والأطفال والنساء، لأنه قيل لهم أن لهم الجنة إن
قتلوا في الجهاد، وأن لهم فيها 27 حورية جزاء لما فعلوا..».
ويستخلص من كل ذلك «إننا دخلنا في صراع أديان،
في صدام حضارات، في صدام وجهات النظر وصدام عقائد، ويجب علينا ان
نفهم ما هو الواقع الذي نتعامل معه اليوم وكيف يجب أن نتعامل
معه».
طبعاً، ليست هذه الرؤية موضع إجماع لدى النخبة
السياسية الاميركية، وليس متفقاً عليها لدى جميع الممثلين
السياسيين في الحزب الجمهوري، لكن تأثيرها متنام منذ ثلاثة اعوام،
وتعتبر عاملا اساسيا في السياسة المعادية للمسلمين.
|