|
لمن سبق
التغيير في هذه القارة «المغرورة»
الرئاسة الأميركية أو انتخابات الشرائح
الرأسمالية؟
باريس - سعاد الوحيدي
وفق سياق المعادلة غير المتكافئة لتصاعد
القوى الرأسمالية في أميركا، مقابل ما حققته الشرائح الشعبية
الأخرى من معدلات نمو، - ونحن هنا نستعمل هذه المفاهيم بمعنى
علمي مجرد من دلالاته التعبوية-، كثيرا ما تتجاهل التحليلات
السياسية المختلفة التي حاولت التأريخ لإرهاصات وصيرورة تبلور
هذه «الدولة الوطنية الأميركية»، كونها بالذات وليدة لحركة غضب
شعبي قاعدي عارم بالدرجة الأولى، وإنها نتاج مباشر وحتمي لثورة
وطنية قادتها القوى الشعبية باتجاه تأكيد حقوق «الأميركان»
الذين حفروا بأيديهم أساسات هذا «الكيان السياسي»، الذي كاد أن
ينفلت عنهم لصالح سلطات أجنبية، -كانت ممثلة في ذلك الوقت في
جيوش التاج البريطاني-. وأنه، وحتى بدايات القرن التاسع عشر،
كانت حركة العمال والكادحين بالأساس ما يحدد اتجاهات السياسة
الوطنية التي يتحتم على الدولة الأميركية أن تتخذها. وحيث يعود
الاحتفال باليوم الأول من مايو (عيد للعمال في العالم بأسره)،
إلى انتفاضة عمالية قادتها
العمالة
الأميركية نفسها. والتي نهضت للمطالبة منذ بدايات القرن التاسع
عشر، بتخفيض عدد ساعات العمل اليومي إلى ثماني ساعات، أو
الاعتراف بحق العمال في الحصول على إجازات مدفوعة. وهي المطالب
التي لم تتحقق للعمالة الفرنسية على سبيل المثال إلا مع منتصف
القرن العشرين.
مع ذلك سرعان ما سينقلب هذا الميزان،
وتتحول القوة الوحيدة المؤثرة في فضاءات هذا الاتحاد الفيدرالي
مترامي الأطراف إلى قوة رأس المال والدولار، وقوة من يملك
القدرة على الدفع أكثر، بالقياس إلى أي جدلية أو إشكال مطروح
للنقاش أو الفعل. على النحو الذي ستتحدد معه ملامح الأشياء -
من دون الدخول في التفاصيل التاريخية هنا- وفق أحادية بائسة،
ستتبلور في سياق الصراع على السلطة أو صنع القرار، كقوة مركزية
تزيح كل ما عداها، -رغم ما يبدو من تفرعها إلى بعض التيارات
المتصارعة، لعدم وجود أي خلاف جوهري يفصل بينها-، وهي أحادية
الأحزاب الرأسمالية، أو سياسة أصحاب رؤوس الأموال.
هذا الواقع السياسي الأعرج، الذي سيفرض
نفسه رغم ذلك كحارس ومروج رئيسي للديمقراطية في العالم، كان
نجح بالفعل في إزاحة التيارات والحساسيات السياسية الأخرى
المخالفة له كافة من الساحة السياسية الأميركية، رغم أن هذه
الإزاحة، ومهما كانت ضراوة فاعليها، لن تعني في منطق التاريخ
أنها قد تمكنت من إلغاء هذه الأطراف. بمعنى أن بقية التوجهات
السياسية المكسورة الجناح، في زحمة هذه المضاربات الشرسة التي
تمارسها تلك القوى الرأسمالية الكاسرة، استمرت قائمة وفاعلة في
صمت، وربما في يأس، ولكن في اتجاه معبر عن إرادة مغايرة ، هي
ما يمكن استقراؤها من خلال نسبة الممتنعين عن التصويت، التي
تعصف بمصداقية أشكال الانتخابات الأميركية المختلفة التي
يقترحها النظام الرأسمالي السياسي القائم. وهي النسبة التي
تبلغ وتفوق في أغلب الأحيان الخمسين في المئة، أي ما يعادل نصف
الشعب الأميركي البالغ، وأكثر بكثير كما سنرى، ممن لا يجدون
أنفسهم في هذه الرموز «الديمقراطية» المطروحة!
«العنف» وسيلة للتعبير عن الطبقات
الفقيرة
أكثر هؤلاء الأميركان الذين فضلوا التغيب
عن مراكز الاقتراع، مقابل أي تساؤل عن نوعية اختياراتهم
التعبيرية، نجدهم قد اختاروا منطق «العنف»، والرفض القاعدي
الغاضب، وقد نهضوا ليشعلوا النار في وجه السلطة ورموز هذه
الدولة التي قامت لتحمي مصالح، وقصور ومصانع ومسابح الأغنياء
من الأميركان! بما يجعل المجتمع الأميركي أمام حقيقة نوعية:
حوالي سبعة ملايين أميركي ، أي بما يعادل 5.3 في المئة من عدد
السكان يوجدون في السجون، أو تحت الإقامة الجبرية، الأمر الذي
يجعل من مليون ونصف طفل أميركي على الأقل بدون رعاية، لوجود
أحد والديه في السجن . وهو الرقم الذي ما فتئ يتصاعد بنسبة
ستين في المئة منذ إحصاء العام 1991. أما السجناء المحكوم
عليهم بعقوبات طويلة، بحيث يترتب عليها بقاؤهم في السجن سنوات
عديدة، فإن عددهم صار يفوق المليونين، وهي النسبة التي تعني
ارتفاع عدد السجناء من واحد إلى 812 مواطن، حتى واحد إلى 741
مواطنا خلال فترة لا تزيد عن خمس سنوات.
هذه الحقيقة جعلت بعض الولايات، في هذا
الاتحاد الفيدرالي الديمقراطي، تفخر بتمكنها من التعجيل
بعمليات بناء السجون على أراضيها، حتى أنها صارت اليوم تملك
القدرة على بناء سجن واحد على الأقل في السنة. كما هو الحال مع
ولاية الينواي. وهي الحقيقة السياسية الثانية التي تطبع مسار
هذه الدولة الفيدرالية العظمى، الملغومة بأكثر من عبوة ناسفة!
على هذا الأساس يلجأ مرشح الرئاسة في
أميركا، لدعم برنامجه الانتخابي الدعائي، التبشير بضرورة تطبيق
أحكام الإعدام بحق هؤلاء المجرمين، باعتبار ذلك الوسيلة
الوحيدة والناجعة لردع أعمال العنف في البلد، وخيار صريح
ومباشر، للاستهزاء بهذه الطبقات المسحوقة! و إعلان حرب صريحة
ضد إرادتهم في تغيير الأوضاع ، على النحو الذي لن يساهم في
أكثر من تأكيد الهوة بين طبقات الشعب الأميركي المختلفة التي
ما انفكت تتسع بصورة خرافية. وهو ما يقودنا هنا للبحث في
برنامج هؤلاء المرشحين لكرسي الرئاسة الأميركية اليوم، إذا ما
كان هناك توجه ما بشأن هؤلاء المسحوقين؟
وكل ما يمكن التأكد منه، باستثناء بعض
الملامح اليسارية في برنامج الايكولوجي، رالف نادر، ورغم الجمل
المختلفة المزركشة بألوان قوس قزح من الوعود في خطابات كل
الأطراف المتنافسة على استئجار البيت الأبيض، فإننا لن نخرج
بأي وعد انتخابي يحمل أي برنامج للتغيير، يهدف الى الخروج
بفقراء أميركا من مأزق القطيعة مع قياداتهم.
بل حتى برنامج رالف نادر، مرشح الخضر،
اللبناني الأصل، ورغم تقديم نفسه كمدافع عن حقوق المستهلكين،
فإن اعتماده على معارضة «سلطة» الشركات الكبرى متعددة الجنسية،
يجعله يبدو كمشاغب في أحضان هذا النموذج السياسي نفسه، ودون
محاولة الانشقاق عليه، أو الانقلاب ضده.
فإن ما يقف مشروع نادر للتحدي له، هو ذلك
المأزق الذي جرت السياسة الأميركية المنحازة لأصحاب الرساميل
نفسها إليه. حيث خلقت وفق هذا التوجه الأيديولوجي الرأسمالي
حفنة من العمالقة «البلياردريين»، والذين عادوا ليسحقونها هي
نفسها، أو ينفلتون كليا عن زمامها، كما حدث مع تصاعد سلطات «بل
جيت» وشركاته المأهولة، وانفراده بالسوق العالمي للمعلومات، ،
بما جعل منه أغنى أغنياء العالم وأقوى من الدولة الأميركية
نفسها. حتى أنها اضطرت لأن تعدل في قوانينها، لتتمكن من تقديمه
للقضاء ومحاسبته على هذا الاحتكار المتجبر لسوق يهم المستقبل
الإنساني بأسره. وذلك بغرض «تقليم» أظافره والحد من قواه في
هذا الاتجاه.
من ناحية أخرى ينحاز برنامج الخضر إلى
البيئة بالدرجة الأولى: الهواء النقي، المراعي الخضراء، حماية
الغابات، أو حماية الأنواع الحيوانية المهددة بالانقراض. بحيث
تنهض معارضتهم لبعض المشاريع الرأسمالية لأنها ستؤدي إلى هدم
هذه الغابة أو تلويث ذلك النهر، دون أن يسمح برنامجهم في سياق
الحديث عن الحيوانات على سبيل المثال، بمكان للحديث عن الفئران
التي تعشش في أنفاق قطارات نيويورك، أو غيرها من المدن
الأميركية الصاخبة، والتي ما فتئت تنقل آلاف الأمراض والآفات
والأوبئة، لمئات الآلاف من فقراء نيويورك من السود الذين
يفترشون الأرض في هذه الأنفاق وبين هذه الفئران هربا من صقيع
الشوارع القاتل.
إضرابات العمال مؤشر لإرهاصات تحول
سياسي جديد
شهدت السنوات الأخيرة من القرن الماضي،
تصاعد نموذج نوعي من حركات الرفض القاعدي المنظم في أميركا.
والتي أخذت تتبلور عبر صور مختلفة من الإضرابات العمالية،
وتوقف قطاعات مهمة عن العمل بناء على دعوة نقابية منظمة. كما
حدث مع عمال شركات البريد العاجل (ups)،
الذين شل إضرابهم حركة الاقتصاد الأميركي لمدة شهر كامل، وهي
الحركة التي لم تتوقف إلا بعد انتصار المطالب العمالية، من رفع
الأجور أو تخفيض عدد ساعات العمل اليومي. كذلك إضراب عمال
شركات الاتصالات الهاتفية (Verizon)،
والذي انتهى بدوره بانتصار نوعي لعمال هذا القطاع وفق مطالبهم
الأساسية التي قادت الحركة، وما يزيد عليها. أو إضراب عمال
شركة طيران نورث وست إيرلاينز، الذي شارك فيه أكثر من مئتي ألف
مضرب عن العمل، وشل حركة واقتصاديات الشركة، حتى خضوعها لمطالب
المضربين.
بل تبنت هذا النوع من الضغط القاعدي شرائح
عمالية أخرى يصعب تصور إضرابها عن العمل كما حدث مع عمال
هوليود وفنانيها أو عمال الأسواق الضخمة التي ما زالت تهز
الاقتصادي الأميركي.
والأمثلة على هذا التوجه كثيرة، وذات
دلالة، بخاصة بالقياس إلى تزايد نسبة العمال والموظفين الذين
صاروا ينخرطون في المنظمات النقابية للدفاع عن حقوقهم
الأساسية.
لكنها مع ذلك تبقى، كحركة قاعدية، خارج
الإطار النضالي المعروف لعمال العالم. بمعنى ان إضرابات هؤلاء،
ولو أنها تمت بالفعل في إطار نقابات العمال، بشروطها القانونية
المعروفة في العالم، ووفق مطالب، وحاجات قاعدية حقيقية، إلا
إنها لم ترتق في أميركا بعد إلى مستوى النضال العمالي كما في
أوروبا على سبيل المثال، أو ذلك الذي يمكن أن يندلع في بلدان
العالم الثالث.
ولا شك أن تأثيرات الحادي عشر من ايلول-
سبتمبر - 2001 على الاقتصاد الأميركي بشكل عام وعلى سير العمل
في قطاعات حيوية مهمة، وعلى رأسها شركات الطيران قد تدخلت
سلبا على صيرورة هذا التوجه النضالي.
على أن ذلك لا يعني عدم وجود هذه الشريحة
من «العمال الحقيقيين» القادرة على بلورة فعل نضالي «صاعق»، في
تركيبة المجتمع الأميركي. بل على العكس ان طبيعة الانسحاق التي
قد ينجر إليها العامل في أميركا تفوق بكثير أي نسبة يمكن تصور
حدوثها لتدني ظروف العمل في أوروبا بكل تأكيد؛ وذلك لانتماء
هذه الطبقة في أميركا بالذات إلى أعراق مضطهدة في الأساس في
هذا المجتمع. والذين هم السود أو الهنود الحمر أو المكسيكيون،
بمعنى تراكم المحركات الحاقدة بحق هؤلاء، الإبتزازية
والانتهازية من جهة، والعنصرية المزدرية، المواكبة للمشاعر
البرجوازية المتعالية التي تنظر إلى هؤلاء بعيون فوقية، مفارقة
لأوجاعهم، وعذابات يومهم الأميركي المكفهر!
هؤلاء بالذات، لا نجدهم ينتظمون في صفوف
النقابات، لأنهم لا يملكون ثمن العضوية من جهة، ولأنهم لا
يملكون في العادة فرصة الانخراط في جهات عمل قد تتيح لهم مثل
هذا الفردوس العمالي الحالم. لذلك فقد كان خيارهم، أو حصارهم،
قد دفع بهم نحو «العنف»، أو التعامل مع المخدرات، والأسواق
المحرمة، طالما أن الأسواق المشروعة قد أغلقت في وجهوهم
أبوابها!!
وهذا المدخل هو الذي سيجعلنا، رغم
مأساويته، أمام هوية أميركية جديدة، أخذت تتبلور في خضم هذا
الرفض، والعنف الفاقد للعقل، أو في إطار السجون، وهي الهوية
الإسلامية لمعذبي أميركا.
حيث وجدت الدعوة للدين الإسلامي في هذا
المناخ «الظالم» «الكافر»، تربة خصبة لنشر رسالة العدل والحق
والإحسان، والتسامح والتكافل الاجتماعي و«العرى الوثقى»...التي
يبشر بها هذا الدين الحنيف. وذلك بالقياس الى تركيز الدعاة
لجهودهم في السجون بصورة خاصة، أي في المكان الذي تقذف إليه
الدولة بمئات الآلاف في اليوم من هؤلاء اليائسين. وهو الأمر
الذي يبرز -من الناحية السياسية- كمؤشر لانبعاث تيار جديد،
قادر على تحدي البنية السياسية الراهنة، وفق مطالب إسلامية في
الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. والذي ربما سيحمل
البرنامج الذي ينتظره كل هؤلاء المعذبين الذين لم تشمل
البرامج السياسية المطروحة مطالبهم بأي وعد.
تسارع الهوة بين الفقراء والأغنياء
إذا تركنا هنا شرائح الوسط، التي تستقر
مبدئياً على أرضية اقتصادية قلقة، سيكون في إمكاننا رصد
المسافة التي تفصل بين هؤلاء الفقراء، وأغنياء البلاد، وتصور
مدى اتساع الهوة التي تفصل بينهم مع الأيام. فبناء على إحصاء
العام 1992 كان عدد المليونيرات في أميركا هو 1،3 مليون
مليونير. هذا الرقم ارتفع إلى ما يفوق الستة مليون مليونير
اليوم.
مجلة «المليونير»، المتوجهة إلى هذه
الشريحة بالذات اضطرت إلى رفع عدد النسخ التي تصدرها إلى ثلاثة
أضعاف خلال عام واحد، وذلك بالقياس إلى تزايد عدد هؤلاء
الأغنياء الذين يشير إليهم دافيد كابلان في كتابه: «وادي
الأحلام»، بأن 46 مليونيرا منهم يولد كل يوم في مجال الكمبيوتر
وحده!!
هذه الأرقام التي تبدأ من المليون في
أميركا ، في إمكاننا استعمالها بحق شريحة مقابلة ، لنجد أن
2،23 مليون من سكان أميركا هم تحت خط الفقر. بينما 9،24 مليون
أميركي لا يملكون أي ضمان صحي، والذين نجد من بينهم 11 مليون
طفل، بدون أية مظلة، ولو هزيلة للرعاية الصحية أو الاجتماعية!
أي اننا أمام مشهد بالغ الوضوح لانعدام
المساواة بين سكان بلد ما! وبشهادة دراسات مركز السياسة
الاقتصادية (EPI)
في واشنطن. حيث نجد أن 83 في المئة من الثروة الوطنية
الأميركية هي بيد واحد في المئة من أغنياء البلد. بينما لا
يملك الباقي منهم، بنسبة ثمانين في المئة من السكان إلا 71 في
المئة من الثروة الوطنية تتقاسم فيما بينهم!!
وأن نسبة خمسين في المئة من الدخل القومي
الأميركي تذهب مباشرة الى جيوب عدد من الأغنياء لا يتجاوز
عددهم عشرين في المئة من عدد سكان أميركا. أما نسبة اربعين في
المائة من قليلي الحظ من أهل البلد، فإنهم يكتفون بتقاسم نسبة
5،21 من الدخل القومي.
وحتى يمكن أن نتصور الهوة التي تفصل بين
الموظف الغني (مدير شركة متعددة الجنسية على سبيل المثال)،
والموظف الفقير، فإن راتب الأول يفوق الثاني 574 هذا، من دون
الحديث عن هؤلاء الذين لا يقبضون اي راتب، والذين ينسحقون مع
الزمن تحت وجع الفقر، وبؤس البطالة. أو عن شرائح الأقليات
القومية من الهنود الحمر، الذين يعيشون تماما خارج إحصاءات هذا
البلد. وهي اللامساواة التي أدت إلى ذلك الانفجار المفاجئ،
بالقياس إلى المؤشرات الأميركية الكلاسيكية، في انتفاضة
«سياتل» ضد رموز هذا الاقتصاد الأحادي البعد.
أين هم زعماء الرأي؟
وفق هذا الانسحاق اليومي لهؤلاء «المعذبون
في الأرض»، بحسب تعبير فرانس فانون، استحال إمكان تبلور هوية
مقاومة، تنحاز لخيارات التغيير الضروري. وذلك لما تحتاجه هذه
المحاولة من هيكلية تنظيمية، وبرنامج مقاوم، ولغة قادرة على
ترجمة المطالب القاعدية في منطق عملي محدد. حيث لم يكن بمقدور
هؤلاء في سياق تاريخ الحركة العمالية بأسرها، التعبير عن
أنفسهم إلا وفق ذلك النموذج من الانتفاضات اليائسة، النهائية
والحاسمة، عندما يفقدون كل ما عندهم، أو عندما تطاولت بعض
الحكومات على رفع أسعار الخبز الذي يمثل الرمز الوجودي النهائي
لكينونتهم المسحوقة، ولكن الموجودة.
مع ذلك، كان هؤلاء على موعد مع بعض القادة
التاريخيين، الذين أفرزهم الوعي المقاوم، بفكر متحدي، وخطاب
إيديولوجي رافض، تولد عن ذلك القهر واللامساواة. و الذين يطلق
عليهم التاريخ في العادة اسم «ضمير الشعب». وقد عرفت منهم
الحركة العمالية في أميركا، وحركات الرفض بشكل عام رموزا مهمة،
يعدد لنا المؤرخ الأميركي روسل جاكوبي في كتابه الذي أثار ضجة
كبيرة عند صدوره في نهاية القرن الماضي «آخر نماذج الإنتلجنسيا»:
كادمون ويلسون وداويت مكدونالد والفرد كازان وليونل ترلنج، على
أنه كما يقول، ان هذه النماذج قد اختفت اليوم من الساحة
الفكرية الأميركية، تاركة مكانها نماذج من الأكاديميين الذين
انفصلوا في بروجهم العاجية تماما عن حركة الشارع المتألم.
على ان انتفاضات المقهورين قد أنتجت كذلك
مالكم أكس، أو لوثر كينج في سياقات الرفض القاعدي للزنوج. بما
يجعلنا نتساءل مرة أخرى هنا: لعله الرمز «المسلم»، خاصة هؤلاء
الزنوج المضطهدين بأكثر من معنى، وبعيدا عن القراءات التعبوية
لمحركات هجومات الحادي عشر من سبتمبر، ما يبشر بانتفاضة هذا
الفكر المعاند، والذي سيكون له سبق تغيير الأوضاع في هذه
القارة «المغرورة».
|