العدد

162 :

الجمعة, ديسمبر 5, 2008 - 10:53 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

أموال ناعمة وجامدة... و2 في المئة من الأميركيين يمولون الانتخابات

المال صانع الرؤساء في أميركا

واشنطن- علاء بيومي ×

يستحيل التخلص من الدور الكبير الذي يلعبه المال في التأثير في العملية السياسية في أي دولة من الدول، وفي المقابل تسعى النظم الديمقراطية للحد من احتمالية إفساد المال للسياسة من خلال فرض تشريعات لمراقبة استعمال المتبرعين والمرشحين- على حد سواء- للمال في العملية السياسية بعامة وفي الانتخابات بخاصة.

ومع حمى الانتخابات الأميركية وتمكن الرئيس جورج بوش ومنافسه الرئيسي الديمقراطي جون كيري من جمع كميات غير مسبوقة من التبرعات السياسية، وزيادة الجدل داخل الولايات المتحدة حول مضمون وأثار قوانين الإصلاح المالي للانتخابات الفيدرالية، نقدم في هذا المقال مقدمة مختصرة عن تأثير المال على الانتخابات الأميركية بعامة، وعلى انتخابات تشرين الثاني - نوفمبر- 2004 بشكل خاص.

تكاليف الانتخابات الفيدرالية الأمريكية

التحدي الأول الذي يواجهه المشرعون الأميركيون في مساعيهم للحد من التأثير السلبي للمال على الانتخابات الفيدرالية (ممثلة في البيت الأبيض والكونغرس) هو الارتفاع المستمر في تكاليف الحملات الانتخابية الفيدرالية ومن ثم زيادة اعتماد المرشحين على المال للفوز بمناصبهم السياسية.

فعلى مستوى انتخابات الرئاسة الأميركية جمع المتنافسون في العام 2000 تبرعات قدرها 825 مليون دولار، في مقابل 524 مليون دولار جمعها المتنافسون في انتخابات العام 1996 الرئاسية، بينما جمع المتنافسون في انتخابات العام 1992 تبرعات مقدارها 133 مليون دولار فقط، ما يعني أن حجم التبرعات التي جمعها المتنافسون على الرئاسة الأميركية زادت بمعدل 100 مليون دولار أميركي كل أربعة أعوام منذ العام 1992.

وجمع جورج بوش بمفرده 822 مليون دولار حتى العشرين من حزيران- ونيو - 2004 محطما بذلك رقمه القياسي السابق الذي حققه في انتخابات العام 2000 عندما نجح في جمع 391 مليون دولار أميركي، بينما لم يتمكن منافسه الديمقراطي في انتخابات العام 2000 آل غور من جمع سوى 231 مليون دولار فقط، أما جون كيري فجمع 681 مليون دولار حتى العشرين من حزيران - يونيو-  2004.

أما على مستوى انتخابات الكونغرس، فيبلغ متوسط ما جمعه كل عضو من الأعضاء الفائزين في انتخابات مجلس النواب الأميركي في العام 2002  898 ألف دولار في مقابل 791 ألف دولار فقط لكل منافس من منافسيهم الخاسرين، كما جمع عضو مجلس الشيوخ الفائز مبلغ 5،8 مليون دولار في المتوسط في مقابل مليون دولار فقط لمنافسه الخاسر.

وتعود الزيادة المستمرة في تكاليف الانتخابات الأميركية للأسباب التالية:

1- ليس هناك سبيل يمكن للمرشحين من خلاله معرفة تكلفة الفوز بالانتخابات بشكل مسبق، ولذا يحرص كل مرشح على جمع وإنفاق أكبر قدر من الأموال للدعاية لحملته حتى ولو أهدرت بعض هذه الأموال في سباق ضد خصم ضعيف ما دام ذلك سيؤكد نجاح المرشح.

2- الحملات الانتخابية ليست مجانية، وهي عملية صعبة ومكلفة لها هيئات ومكاتب متخصصة في مجال الحملات الانتخابية تقوم بها وتعمل على تطوير أدائها وأدواتها في شكل مستمر. وينبغي على المرشحين دفع ثمن الخدمات التي تقدمها هذه الهيئات وما تقوم به من أنشطة مثل تسجيل الناخبين وطبع الدعايات وتوزيعها وعقد اللقاءات الجماهيرية وعقد لقاءات جمع التبرعات انتهاء بشراء الدعاية التلفزيونية الباهظة التكاليف.

3- حجم الأموال التي يجمعها أحد المرشحين قد تمثل رادعا قويا لخصومه بخاصة إذ نجح المرشح في جمع قدر كبير من الأموال في بداية حملته الانتخابية.

4- الدوائر الإعلامية والسياسية الأميركية تنظر إلى حجم التبرعات التي يجمعها المرشحون بخاصة في بداية حملاتهم الانتخابية كعلامة مهمة على مدى جدية المرشح وقدرته على المنافسة للفوز بالانتخابات.

تأثير جماعات المصالح الثرية

أما التحدي الأكبر الذي يواجهه المشرعون الأميركيون في مساعيهم للحد من تأثير المال في الانتخابات فهو القلق من الدور الكبير الذي تلعبه جماعات المصالح الثرية في تمويل المرشحين ومن ثم التأثير في مسار الديمقراطية الأميركية. ويعود هذا القلق للأسباب التالية:

1- تأتي جميع الأموال التي تنفق على الانتخابات الأميركية في الغالب من نسبة ضئيلة جدا من الأميركيين لا تتعدى 2 بالمئة من مجموع الشعب الأميركي. فعلى سبيل المثال أنفق المرشحون والأحزاب ولجان العمل السياسية  التي تمثل جماعات المصالح 339 مليون دولار أميركي على انتخابات العام 2002 التشريعية. وأتت هذه الأموال من حوالي 046 ألف متبرع أميركي فقط، وهو ما يعادل نسبة 22،. بالمئة من مجموع الشعب الأميركي الذي يبلغ تعدداه 5.882 مليون نسمة، أو ما يعادل نسبة 3،0 بالمئة من مجموع المواطنين الأميركيين البالغين (81 عاما فأكثر).

ومن بين هؤلاء المتبرعين حوالي 252 ألفاً تبرعوا بألف دولار أو أكثر، و 5579 تبرعوا بعشرة آلاف دولار فأكثر. كما تبرع 41 متبرعاً (شخص أو هيئة) بأكثر من مليون دولار أميركي.

ووفقاً لهذه الإحصاءات تبلغ نسبة المتبرعين الذي تبرعوا بألف دولار فأكثر - والذين يبلغ عددهم 252 ألفاً تقريبا - مقارنة بمجموع الشعب الأمريكي حوالي90،0 بالمئة من مجموع الأميركيين، في الوقت الذي دفع فيه هؤلاء حوالي 977 مليون دولار وهو ما يعادل نسبة 38 بالمئة من المجموع الكلي للأموال التي أنفقت على الانتخابات التشريعية الأميركية خلال العام 2002.

      2- نسبة كبيرة من الأموال التي يحصل عليها المرشحون تأتي من لجان العمل السياسية، التي تمثل جماعات المصالح الكبرى وتركز تبرعاتها في الغالب في صالح أعضاء الكونغرس الموجودين بالفعل والذين تربطهم بجماعات المصالح علاقات قوية.

ففي انتخابات العام 2002 التشريعية حصل أعضاء الكونجرس الفائزون في الانتخابات على 34 بالمئة من التبرعات التي جمعوها من لجان العمل السياسية في حين أن المتوسط العام للتبرعات التي حصل عليها جميع المرشحين (الفائزون والخاسرون) في الانتخابات نفسها من لجان العمل السياسية هو 43 في المئة من إجمالي التبرعات التي جمعوها، وهي أيضا نسبة مرتفعة. كما حصل أعضاء مجلس الشيوخ الفائزون في الانتخابات نفسها على 5،42 في المئة من التبرعات التي جمعوها من لجان العمل السياسية، في حين أن المتوسط العام للتبرعات التي حصل عليها جميع المرشحين (الفائزون والخاسرون) في الانتخابات نفسها من لجان العمل السياسية هو 81 في المئة فقط.

ومن دون شك يترك ذلك تأثيرا شديد السلبية على درجة الحراك والتغيير السياسي في مراكز صنع القرار الأميركية، إذ تشير الإحصاءات إلى ان 69 في المئة من مرشحي مجلس النواب الأميركي الفائزين في انتخابات العام 2002 هم أعضاء سابقون، كما أن 68 في المئة من مرشحي مجلس النواب الفائزين في انتخابات العام نفسه هم من الأعضاء السابقين، وقد يعود انخفاض النسبة في مجلس الشيوخ إلى قلة عدد أعضائه من ناحية، وإلى هزيمة عدد من مرشحي الحزب الديمقراطي في انتخابات العام 2002 بعد صعود نفوذ الحزب الجمهوري ومرشحيه خلال الأعوام الأخيرة، من ناحية ثانية.

كما تحرص لجان العمل السياسية على تأييد كبار أعضاء الكونغرس ومنحهم نسباً أكبر من التبرعات من أجل التأثير عليهم. فعلى سبيل المثال جمع توم دلاي زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب الأميركي 36 في المئة من التبرعات السياسية في انتخابات العام 2002 من لجان العمل السياسية، بينما جمعت نانسي بالوسي زعيمة الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب الأميركي 8،55 في المئة من التبرعات من لجان العمل السياسية، وهي نسب تفوق بكثير متوسط ما يحصل عليه المرشح العادي من لجان العمل السياسية.

3- يلعب الأثرياء دورا شديد الخطورة في التأثير في مسار العملية الانتخابية الأميركية من خلال استعمالهم للمال الناعم.

 إذ يضع القانون الأميركي سقفا على حجم التبرعات التي يمكن أن يحصل عليها أي مرشح بشكل مباشر من كل مواطن أميركي، وذلك للحد من قدرة الأثرياء التأثير على الانتخابات، ولذا يلجأ الأثرياء لمنح تبرعات سخية تقدر بملايين الدولارات أحيانا لهيئات سياسية كالأحزاب وجماعات المصالح لكي تستعملها بصورة مباشرة لخدمة قضاياها، وبصورة غير مباشرة لخدمة مرشحيها، حتى لا تقع تحت طائلة القانون، ومن أبرز هذه الأساليب وأهمها قيام الأحزاب وجماعات المصالح بشراء إعلانات تلفزيونية مكثفة قبل موعد الانتخابات لا تذكر اسم مرشح بعينه ولكنها تروج بشكل محدد ومكثف وفي دوائر انتخابية معينة لقضية بعينها مؤثرة على مسار الانتخابات في تلك الدوائر.

وتسمى هذه الملايين بالمال الناعم لأنه يصعب رصدها ولأنها ليست محددة بسقف معين من قبل القانون ولأنها تؤثر على الانتخابات بصورة غير مباشرة من خلال دعمها لقضايا وليس لمرشحين، في حين تسمى التبرعات التي يسمح القانون للمواطن بمنحها مباشرة للمرشحين بالمال الجامد. 

وتشير أحدث الإحصاءات إلى أن الحزب الديمقراطي جمع في العام 2001 (وذلك قبل عام واحد من صدور قانون الإصلاح المالي للانتخابات لعام 2002) نسبة 45 في المئة من التبرعات التي حصل عليها في صورة أموال ناعمة، فيما وصلت النسبة لدى الحزب الجمهوري الى  34 في المئة.وهي بدون شك نسب مرتفعة توضح مدى اعتماد الحزبين الرئيسيين على تبرعات الأثرياء.

تبعات قوانين الإصلاح المالي للحملات الانتخابية

وفي السبعينات من القرن الماضي أقر المشرعون الأميركيون مجموعة من قوانين الإصلاح المالي للحملات الانتخابية والتي ظلت تنظم دور المال في الانتخابات الأميركية حتي العام 2002، ومن أهم ما أنجزته هذه القوانين تأسيس لجنة الانتخابات الفيدرالية لكي تراقب حركة المال في الانتخابات، كما وضعت القوانين سقفا واضحا على حجم التبرعات السياسية التي يمكن أن يقدمها المواطن الأميركي أو لجان العمل السياسية (التي تمثل جماعات المصالح) بشكل مباشر للمرشحين.

وحرمت القوانين على المرشحين قبول أموال من مصادر معينة بخاصة من الشركات واتحادات العمال بشكل مباشر، وطالبت القوانين الشركات واتحادات العمال بتأسيس لجان عمل سياسية تعمل بشفافية تحت  القانون في مجال جمع تبرعات ممثلي هذه الهيئات ثم توزيعها على المرشحين ضمن السقوف المسموح بها.

وسرعان ما التفت جماعات المصالح الثرية على هذه القوانين من خلال توسعها في استعمال المال الناعم للتأثير في الانتخابات بخاصة عن طريق منحه للأحزاب واستعماله في شراء إعلانات التلفزيون الباهظة التكاليف التي تروج للقضايا المؤثرة في الانتخابات.

وقد جمع الحزب الجمهوري تبرعات قدرها 196 مليون دولار في انتخابات العام 2002، كما جمع 517 مليون دولار في انتخابات العام 2000، أما الحزب الديمقراطي  364 مليون دولار في انتخابات العام 2002، و025 مليون دولار في انتخابات العام 2000. وقد أتت نصف هذه الأموال تقريبا في صورة مال ناعم.

ولذا أقر قانون الإصلاح المالي للانتخابات الأميركية لعام 2002 عدداً من الإصلاحات الرئيسية وعلى رأسها منع الأحزاب من قبول المال الناعم، والحد من قدرة جماعات المصالح على شراء الإعلانات التلفزيونية مع اقتراب موعد عقد الانتخابات.  ونتيجة لذلك لم يتمكن الحزب الديمقراطي في دورة الانتخابات الحالية من جمع سوى 411 مليون دولار، فيما جمع 652 مليون دولار.

كما زادت القوانين الجديدة من حجم الأموال التي يمكن أن يتبرع بها الأفراد مباشرة لمرشحيهم الأساسيين في صورة أموال جامدة، على أمل أن يؤدي ذلك إلى تقوية دور الفرد، وأن يحد من التلاعب خارج إطار القانون. إذ تسمح القوانين الجديدة لكل فرد بأن يتبرع بألفي دولار لكل مرشح في مقابل ألف دولار في الماضي، كما تسمح لكل مواطن بالتبرع بخمسة وعشرين ألف دولار للجنة حزبه الرئيسة، وبعشرة آلاف دولار لكل لجنة عمل سياسية أو لجنة حزبية محلية، وذلك بشرط ألا يزيد حجم تبرعات الفرد الواحد عن 59 ألف دولار كل عامين.

ويقول بعض المحللين ان القوانين الجديدة دفعت الأحزاب والمرشحين إلى الاهتمام بالوصول إلى أكبر عدد من الأفراد بعد أن منعت الأحزاب من الحصول على المال الناعم، فعلى سبيل المثال قام الحزب الديمقراطي في الشهور الأربعة الأولى من العام الجاري بإرسال 53 مليون رسالة بريدية لمسانديه طلبا لتبرعاتهم، وهو ما يعادل مجموع رسائل جمع التبرعات البريدية التي أرسلها الحزب الديمقراطي خلال عقد التسعينات من القرن الماضي.

 كما توسع جورج دبليو بوش وجون كيري في مساعيهما للوصول إلى أكبر عدد من المتبرعين بما في ذلك المتبرعون الصغار منهم بخاصة عن طريق الإنترنت، وقد نجح كل منهم في تخطي حاجز المليون متبرع حتى الآن.

 على النقيض ظهر تهديد جديد لقوانين الانتخابات تمثل في ظهور منظمات خيرية ذات طابع سياسي تعرف باسم (725) وهو رقم بند قانون الضرائب الذي ينظم عملها، ويسمح القانون الجديد لهذه الجماعات بتلقي تبرعات معفية من الضرائب وغير محدودة من الأفراد وإنفاقها للتأثير في سير العمليات الانتخابية بشرط استقلالها عن المرشحين والأحزاب.

وقد جمعت هذه المنظمات خلال العامين الماضيين عشرات الملايين من الدولارات من المال الناعم بخاصة من قبل أثرياء الديمقراطيين الساعين لهزيمة جورج  بوش، كما تلقت بعضها تبرعات من قبل أشخاص وجماعات ثرية وصلت أحيانا إلى 41 مليون دولار من قبل هيئة واحدة.

وفي المقابل رفع جمهوريون قضايا قانونية ضد هذا النوع من المنظمات بدعوى إفسادها لقوانين الإصلاح المالي للانتخابات والتي كانت تسعى للحد من تأثير المال الناعم، ومازالت هذه القضايا مفتوحة ولم تحسم بعد.

الحكم بشرعية أو عدم شرعية الجماعات الجديدة لن يضع حلا نهائيا لتأثير المال السلبي على الانتخابات الأميركية، وذلك لثقة غالبية المحللين في أن جماعات المصالح تسعى لإيجاد ثغرات قانونية في أي قانون جديد، كما يرى البعض أن الحد من قدرة أي جماعة أميركية من التأثير في الانتخابات هو تعدٍ على حرية هذه الجماعة في التعبير عن نفسها، وهذا يعني أن الإصلاح المالي للانتخابات سيبقى تحديا دائما للمدافعين عن الديمقراطية الأميركية.

مدير الشؤون العربية في مجلس العلاقات الاسلامية الاميركية (CAIR)

 




 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع