العدد

162 :

الجمعة, ديسمبر 5, 2008 - 11:18 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

تأصيل الجانب الوطني والإسلامي في هويتنا
من أجل عراق جديد

بهاء حمزة عباس *

يمُّر العراق بمنعطف تاريخي مهم، كان نتيجة إرهاصات طويلة دامت عقوداً كثيرة، وتدهوراً للأوضاع الأمنية والاقتصادية وضعف جلي في جميع المستويات الفكرية والحضارية، لذلك نجد المراقبين والباحثين في الشأن العراقي يحاولون إعطاء حلول للخروج من هذه الأوضاع والنهوض بالواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للبلد آخذين بنظر الاعتبار تلك النظريات والاطروحات التي كانت الأساس في ثقافتهم، وساعين إلى تطبيق حلول جاهزة حسب رؤى معينة تسعى لنشر الحداثة بأبعادها العامة دون الالتفات إلى خصائص البلد والمجتمع وثقافته وأيدلوجيته العامة.

ونجد الغرب (بخاصة أميركا) يسعى لتطبيق، بل ولتصدير، الحداثة التي مارسها في بلدانه من دون الاكتراث بهوية الأمة وتاريخها وقيمها، بل بدت بوادر الفرض والقسر للمفاهيم الاجتماعية التي يؤمن بها تدخل إلى الإعلام عبر سلسلة من الشبكات والأجهزة الصحافية والفضائية والمعلوماتية، من أجل الهيمنة على أفكار الناس حتى يتسنى له بعد ذلك السيطرة على مستقبلنا وثرواتنا.

ومن أجل الوقوف على عوامل النهضة ومعالم التنمية في بلدنا، كان علينا أن نركز على جملة من الأسس التي تحتل موقع الأولوية في عملنا الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والإعلامي، وأهم تلك العوامل:

1- الحفاظ على الهوية الإسلامية: والدفاع عنها ضد دعاة التغريب والمدنية الحديثة والعولمة المعاصرة، الذين تأثروا بالبيئات الغربية من خلال معايشة فترات تطول أو تقصر ما اثر في أمزجتهم ونأى بهم عن اصالة أمتهم ومشاريع النهضة التي تنسجم مع الواقع الاجتماعي.

إنَّ الهوية الإسلامية بكل ما تعنيه من أرث وتجربة غنية لا يمكن أن نتخلى عنها، كما ينبغي تفعيل تراثنا واستظهاره بشكل يجعله مقبولاً للناس وبخاصة الشباب بلا مساس بالأسس العامة والضوابط فنحن لا ندعو إلى عصرنة الدين، بل ندعو إلى إظهار معالمه وبناه الفكرية التي تعالج جانبين أساسيين عند الفرد المسلم، ومعرفة كيفية التعامل مع الواقع من خلال الرؤى الإسلامية، بما يجعله أكثر قدرة على الترقي في الدنيا، من دون الركون إلى الدعة والاستقرار على حال وهو ما ترفضه الحياة المعاصرة، وفي الوقت نفسه عدم إغفال جانب الروح بما يجعل الإنسان ذا اطمئنان وسكينة أمام تحديات المشاكل اليومية ويساعده أيضاً في أن يحقق دعوة الأنبياء والعلماء وما تقره الفطرة من بلوغ الدار التي جعلها الله منتهى الإنسانية ومستقرها بعد الموت. 

ان الإسلام بمعالجته لكلا البعدين في الإنسانية المادي الجسدي والروحي النفسي، يكون التجربة الناجعة القادرة على بناء الشخص الأمثل لقيادة نهر الحياة ونيل السعادة فيها، بلا خضوع لسلطان المادية والانتهازية والأنانية التي تصيّر الفرد شاذاً منحرفاً قريباً إلى الفساد والانحراف والخسران.

إنَّ دراسة تاريخ الأمة الإسلامية وفهمه ليس ترفاً فكرياً أو جانباً قومياً يعزز الشعور الوطني بل هو رؤية وإرادة لإحياء القدرات وتحقيق الإنجازات ولخلق مستقبل أفضل.

2- تأصيل الجانب الوطني لدى الأفراد: نسي المجتمع العراقي خلال عقود كثيرة حقيقة المواطنة حتى أصبحت لديه مفهوماً يرادف البعث العراقي وحكومته من خلال تلك المناهج الفارغة التي كان النظام البائد يفرضها على مؤسسات التعليم منذ المراحل الابتدائية حتى آخر المراحل الجامعية، أدى الى ضعف الحس الوطني لدى أبناء البلد حتى انك تجد اغلب أفراد الشعب وبخاصة الشباب يحاولون الفرار من الواقع من خلال السفر إلى خارج البلاد من دون سعي إلى التغيير، وقد تجلت هذه الحقيقة في الايام الاولى للحرب الاخيرة وما رافقها من أعمال نهب للمؤسسات الحكومية أمام أعين جميع العراقيين، بل وصل الأمر إلى تخريب تلك المؤسسات وتدميرها، حتى شمل المتحف العراقي الذي يمثل هوية العراقيين الوطنية وأبرز مفاخرهم التاريخية.

ومن المظاهر المهمة عدم مبالاة الكثيرين بالأحداث السياسية بل واللامبالاة بالانتخابات التي يرى البعض بأنها لا تنفع ولا توصل الأخيار إلى مراكز الحكم والإدارة، مضافاً إلى عدم المشاركة في أي تحرك سياسي جاد نحو نهضة البلد واعماره والقبول بالدعة والراحة على حساب الوطن وأمنه ومستقبله.

إنَّ هذه المظاهر تشكل واقعاً مأساوياً يعيشه البلد وسينعكس على المستقبل إذا لم تسع جميع القوى السياسية والثقافية إلى تحمل مهامها أمام تلك التحديات، ومحاولة تغيير تلك المفاهيم التي علقت بذهن الفرد العراقي وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من ذاته لا يمكن تغيرها إلا بتظافر الجهود بشكل منظم يعطي للعملية شكلها الصحيح.

ويمكن البدء من خلال ممارسة التعليم البناء وتغذية أبنائنا بالفكر الذي يجعلهم أكثر اهتماماً بواقع بلدهم ويصيّرهم أصحاب حسٍ وطني عال، وقد يتطلب هذا الإنجاز السعي السريع لإعداد مناهج تربوية تضاف إلى مواد التربية الوطنية، والتي كانت أثقل الدروس على نفوس الطلاب، وتأهيل كوادر تدريسية فاعلةٍ من خلال الدورات السريعة للنخب التربوية للقيام بهذا الدور المهم للنهوض بالمجتمع إلى خيرهِ وصلاحهِ.

3- تطوير الإعلام وتفعيله: يعد الإعلام من أهم المؤسسات المدنية التي تساهم برفد العالم المعاصر وبنائه، فما الأنظمة والقرارات السياسية والاقتصادية والعلمية إلا نتاج المعلومات المستقاة من مصادر متنوعة تقدم للناس لما فيه صلاحهم وازدهارهم وتقدمهم، مضافاً إلى الأيديولوجية التي تنتقل عبر وسائل الإعلام من أفكار وطروحات ورؤى مختلفة فتسهم في رفع تطلعات الخيرة أو في تزييف الحقائق إذا أسيء استعمالها.

إنَّ من الأخطار التي تواجه مجتمعنا اليوم أن طرق الإعلام والمعلومات كانت ومازالت حكراً على الأجهزة الغربية التي تحاول بذلك الإعلام تكريس هيمنتها على تطلعات الناس والسيطرة على مقدرات الأمم. وكل ذلك كان سبباً واضحاً لضعف العلاقات بين البلدان ونشر الأفكار المصلحية الخاصة على الرغم من دفاع أكثر الدول عن تقاليدها وعاداتها بما تمتاز به من خصائص وقيم.

إنَّ الدور الخطير الذي يلعبه الإعلام في تطوير المجتمع وتحضره ورقيه يجعله في مقدمة الأولويات التي تطمح إليها كل الشعوب وبخاصة تلك التي عانت كثيراً كالمجتمع العراقي الذي غيب عنه دوره الإعلامي البناء واستبدل بآخر كان مخصصاً لترويج النظام الظالم وتحسين صورته وإضفاء صورة العظمة والإجلال لإعمالهِ حتى العادية منها ـ مثل إعطاء المواطنين بعض المواد الغذائية ( مكارم القائد ) ـ  فالإعلام الذي نحتاجه اليوم يجب أن يهتم بشؤون العامة ويسعى إلى تشخيص مشاكلهم وتحديد حاجاتهم ووضع حلول ممكنة لتطبيقها.

إنَّ هذه الآمال كانت على رأس طموحات المثقف العراقي ولكن للأسف الشديد رصدت من قبل قوات الاحتلال الأميركي كل وسائل الإعلام ذات التمويل الكبير فتمخضت العملية الإعلامية أولاً عن قناة (نحو الحرية) التي لم تلق أي تجاوب من الشارع العراقي بل ظل المواطن العراقي ينظر إليها على أنها تعبير عن تطلعات المحتلين فقط، ما جعل المحتلين يسعون إلى قناة أخرى أسموها (العراقية) رصدت لها مئات الملايين من الدولارات ولكنها كسابقتها لم تسجل حضوراً فاعلاً لدى المواطنين بل كشفت استفتاءات عامة أجريت في بغداد وغيرها من المحافظات عن رفض الشارع العراقي لها، بسبب إهمالها للجانب التربوي والتثقيفي والإصلاحي، واهتمامها بأخبار الفنانين اللبنانيين والمصريين وطرح مشاكلهم وكأنها مشاكل الفرد العراقي المظلوم. مضافاً إلى إهمال الشعائر الإسلامية التي يدين بها أكثر العراقيين.

وكانت آخر القنوات المتغربة (الشرقية) التي أرهصت بعد عام من الاحتلال لتخرج لنا جوانب الفن من رقص وغناء في وقت كان يقتل من أبناء بلدنا العشرات يومياً تحت ضربات المحتلين والإرهابيين الذين وجدوا في العراق متنفساً رحباً لتحقيق أحلامهم السقيمة.

كل ذلك جعلنا نتأمل في تلك القنوات الإعلامية والصحافة الخاصة باعتبارها أكثر اهتماماً بمشاكل الناس وآمالهم، والتي يجب السعي الحقيقي إلى تفعيلها وإسنادها من أجل نجاحها.

فالإعلام يشكل حاجة ماسة عند كل الأمم ولكنه بالنسبة للدول النامية أكثر أهمية ليؤصل جوانب الوعي الفكري والتعامل الايجابي على جميع مستويات التقنية النافعة.

 

* مسؤول الإدارة في المركز الثقافي في قضاء الزبير- العراق

 

 




 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع