|
دور البراعة
المجتمعية في الخلق التكنولوجي
تعكس التكنولوجيا الرفيعة بشكل او آخر تعقيد مجتمع
الانسان المعاصر وتداخل شبكاته وتقارب وحداته وتعمل على زيادة الشد
والربط، نتيجة المعلومات والمعارف والاتصالات، بين وحدات نسيج المجتمع
لخلق الحركة المطلوبة للتناسق مع الترتيبات الافقية لمجتمع المعرفة،
وتعمق التكنولوجيا في تفاصيل المجتمع وتطورها البالغ الأثر مع مرور
الزمن.
التكنولوجيا الجديدة جذابة ومهمة ودور الافكار فيها
أهم، غير ان البراعة المجتمعية هي الأكثر أهمية والمسببة اولاً وآخراً،
للابداع التقني. وهذا ربما يعلل قدرة بعض المجتمعات في الحركة والتقدم
وبعضها في المراوحة وحتى التراجع. وقد ينطبق داخل المجتمعات النقاش
نفسه، ففشل بعض الشركات والمؤسسات ونجاح بعضها الآخر مرتبط ببراعتها
وبطبيعة تكوينها الاجتماعي وأثرهما في حركتها وعملها.
التكنولوجيا الحديثة
توضح التكنولوجيا الحديثة، وبشكل لا يدعو للجدل،
دور الافكار وقدرتها في حل المشاكل في ابتكار الطرق لتطبيق مجموعة من
التعليمات العملية. وهذه الامور كلها تحتاج الى براعة مجتمعية تعتمد
دائماً على قدرة التصرف ببراعة ومعالجة ما يحيطها واعادة صياغته او
ترتيبه.
فالتصرف بالحالات السائلة والصلبة والغازية
كالموارد الطبيعية في باطن الارض الغازات في المحيط الجوي والمكونات
العضوية على وجه البسيطة واعادة تشكيلها الى امور اخرى يمكن ان تغير من
منوال حياة المجتمعات وتحسّن من مستواها المعاشي وترفع من وضعها الصحي
وغير ذلك.
فمكونات صناعة القطارات، على سبيل المثال لا الحصر،
هي لا اكثر من احجار وماء وغاز (هيدروكاربونات) التي تنتزع من حولنا
وتمر بخطوات طويلة ومعقدة من تعليمات صناعية وطرق تكنولوجية تشذب في
النهاية في اعادة تشكيلها على شكل واسطة نقل مفيدة.
والامر نفسه، كمثال ثانٍ، ينطبق على جهاز
الكومبيوتر، فهو لا شيء اكثر من حجر وهيدروكربونات تستخلص من الارض
وتمر بسلسلة كبيرة من التعليمات لتنتهي على هيئة جهاز يمكن ان يصبح
جزءاً اساسياً في شبكة الانترنت، والامر نفسه يمكن قوله بخصوص الربوت (Robot)
الضروري اليوم لعملية الأتمتة وسرعة الانتاجية.
التغيرات المستمرة في الحالة المائعة او السائلة
للمكونات المجتمعية فضلاً عن معدل وتيرة حدوثها وكيفية هذا الحدوث او
مرونة التعامل معها هو الذي يحدد ما نسميه بالبراعة المجتمعية.
يستطيع بعض المجتمعات التأقلم جيداً مع هذه
التغيرات بينما البعض الآخر لا يتمكن من مجاراة كل هذه التطورات
السريعة. فنجاح بعض المجتمعات في انتاج الافكار وإنزالها الى حيز
الواقع العملي لحل المشاكل المستجدة وفشل البعض الآخر في مكوناته
المجتمعية، بسبب اللامرونة الاجتماعية وعدم توفر حالة الميوعة
الاجتماعية الضرورية في تقديم الحلول المطلوبة للمجتمع.
التكنولوجيا عموماً، المتطورة بخاصة، هي غير سلبية
وغير ايجابية بحد ذاتها عند وصولها او دخولها مجتمعاً معيناً، وانما
تأخذ حركة ذلك المجتمع. وبعض المجتمعات يمتلك القدرة على التعامل مع
المشاكل الناتجة عن وصول التكنولوجيا الحديثة ووضع الحلول لها لتطوير
عملها او تدجينها مع الواقع الاجتماعي بينما البعض الآخر لا يعرف كيف
يتعامل مع مشاكلها الناتجة. فالبراعة المجتمعية وتجهيزها بالسرعة
الكامنة هي التي تحدد قدرة المجتمع على التطبيع مع سرعة التطورات
واستيعاب خطوات التغيير وافرازها بالشكل الذي يخدم حركة المجتمع
ومسيرته. والمجتمعات التي لا تمتلك براعات مجتمعية كافية ستخلق بمرور
الزمن فجوات براعات تتسع مع الزمن. والشيء نفسه، وبدرجة اقل، يمكن قوله
على المجتمع الواحد. فالمنظمات والشركات التي لا تمتلك براعات كافية
ومتوفرة لها في الاوقات والاماكن المناسبة تراها تفشل في ادائها
وعملها.
هذه التغيرات المستمرة تزيد من اتساع الفجوات بين
البلدان المختلفة وتفرز صدمات قوية على نوعية الحياة والرخاء الاقتصادي
والممارسات السياسية وغير ذلك. فطرفا الفجوة يعكس أحدهما الجانب
الإيجابي، كما في المجتمعات الناجحة، والآخر الجانب السلبي كالمجتمعات
المتخلفة ما يزيد من فقر الناس وانخفاض مستواهم المعاشي. تآكل العناية
الصحية، يسبب تأخر التعليم أو انهياره ما يسهل حالة الاستقطاب وعدم
الاستقرار او التسامح وميل للعنف وجهد للتخريب وتغيير لمعادلات القوة
في مجتمع غير مستقر وخلق ديناميكية طبيعية لصراع القوى.
البراعة المجتمعية في مجتمع مستقر تنتج الابداع
التكنولوجي ولا يمكن افراز التكنولوجيا الجديدة التي تريدها المجتمعات
اذا لم تكن هناك المؤسسات الاقتصادية الملائمة للمنتجات التقنية واسواق
عاملة او فاعلة تحتاج الى كثير من ابداعات تصميمية وحركات مستمرة
لترويج المنتجات الصناعية فضلاً عن مكافاة المستثمرين والمجازفين في
الوقت والمال لهذه المنتجات.
والحكومات والمجتمعات تثمن جهود المبدعين
والمبتكرين ما يساهم نتيجة التقييم والتثمين للابداعات على احداث
التداخل بين الاثنين.. البراعة المجتمعية والابداع التكنولوجي.
فالمكونات الطهوية للابداع التكنولوجي في اعداد
طبخات امثال القطارات والكومبيوترات والربوتات لا تتم من دون وصفات
بهارات البراعات المجتمعية في صيغها الديمقراطية والقانونية والسوقية.
فالابداع والخلق التكنولوجي لا يمكن ان يتحقق بدون
البراعة والمرونة المجتمعية.
المجتمعات الاسلامية
يتطلب الشروع في رسم أو تطوير صيغ لترتيبات
اجتماعية شفافة متلائمة مع العصر وغير متناقضة مع التقاليد والتراث
الاسلامي تكون قابلة على اسناد الفعاليات الجماعية «ان الله لا يغير ما
بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم». وهذا ما يساعد في التناسق مع التكنولوجيا
الحديثة، الجماعية بطبعها وآثارها، لفرز فوائدها على التكوينات
المجتمعية.
والأمر الثاني، وربما الأهم، هو الابتداء في عملية
وعي شاملة بضرورة الديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي وأهمية الرأي
الآخر عبر استعمال قنوات التعليم والميديا وغير ذلك.
وربما التعليم الأكثر فائدة في مجتمع القرن الحادي
والعشرين هو استعمال طرق ورشات العمل (Workshops)
بحيث يساهم الجميع في المشاركة والعمل والانتاج وبعيداً عن طرق الاصغاء
والاستهلاك.
العمل الجماعي في حلقات لورشات العمل في المدارس،
أو حلقات التدارس في المساجد، وغير ذلك سيخلق وبشكل اوتوماتيكي تقبل
آراء مختلفة وتصور وجهات نظر متعددة عن الطريقة الواحدة السائدة في
التلقين والخطاب.
الترتيبات الاجتماعية والقائمة على شبكات
الكومبيوتر ستمهد الى اللامركزية وتعطي الآخرين دوراً في المشاركة
والشعور بالمسؤولية «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». وهذا الأمر
سيساهم في التمرس للعمل على شكل مجاميع، غالباً ما تكون غائبة أو بسبب
الطبيعة الفردانية في العالم الاسلامي، والخروج برؤى وتصورات جماعية.
ويمكن ان تحدث هذه الأعمال بداية تغيرات مستمرة في
الحالة السائدة للمجتمع وتنمية البراعة المجتمعية الضرورية في ايجاد
الحلول لمشاكلها المستجدة أو وضع ابداعاتها لمعالجة تحدياتها، وتساهم
بشكل أو آخر في خلق الأرضية المناسبة لنشر أساليب الديمقراطية الموائمة
لظروف وتقاليد البلد.
د. نجاح كاظم _ استاذ جامعي والمدير التنفيذي
للمنبر الدولي للحوار الاسلامي |