|
- قضايا معاصرة في علم الجينات
والهندسة الإلكترونية والمعلوماتية
- الإنسان بين الولادة الطبيعية والاستنساخ
الاصطناعي
«الإنسان لا يتم له كماله إلا بعد أن يحصل له ما
قبله... والموجودات أنواع متعاقبة يتصل آخر كل نوع بأول نوع الذي
يليه». ابن مسكويه
الحسـن المصدق *
لعلنا لا نبالغ البتة لو قلنا أننا في عالم تتبدل
معاييره بشكل غير مسبوق، ويسيطر عليه المصطنع وغير المتوقع وغير
المعهود وغير العادي وحالة من التحلل والتبدد والذوبان، بحيث أُدمج
الإنسان في بيئة مصطنعة من الألف إلى الياء، لا يتصل ولا يتواصل سوى
بلغة التقنية وأدواتها، حتى أصبحنا على الرغم من تذمرنا وصراخنا ضد كل
هذه الأعراض، لا نستطيع عنها فكاكا. بل نعيش في ظلها مرغمين صاغرين.
ومن أبرز التداعيات الصارخة لهذا الوضع، أن أصبح
الإنسان يتوق بيأس إلى الإمساك بشيء يتعلق به في جو الإيقاعات
المتسارعة والمنفلتة وتدمير الحدود الجغرافية والوطنية والقومية. عالم
من سماته القدرة على كل شيء عدا الرسوخ والثبات والاستقرار. إذ اكتسح
عصر التقنية جميع حدود الجغرافيا والأوطان وجميع حدود الأمم المادية
والروحية، بل جميع حدود الطبقات والأيديولوجيات. ولا يجادل أحد في أن
الطفرة التكنومعلوماتية مصحوبة بوعي كوني، لها القدرة على أن تنفذ إلى
الأقطار المختلفة التي تتوزع بين ثقافات عدة.
ولا شك أن آليات تكنولوجيا الاتصال من خلال
محتوياتها التواصلية قد أثرت إلى حد كبير في القيم والعادات والموروثات
وما زالت آثارها متواصلة، بحيث عملت على تحجيم الخصوصيات المحلية لصالح
«مجتمع المعلومات» الكوني، إذ أن المعلومات في هذا الإطار ليست قابلة
للاستهلاك والتحلل والاندثار، كما نفعل بالمواد الزراعية والصناعية
والاستهلاكية في مجتمع الطفرة الزراعية والطفرة الصناعية، بل من سماتها
التراكم وخلق فائض قيمة معرفية، بفضل التجميع وعبر مشاركة الجميع في
التخزين والتبويب والإحصاء والتوزيع، ما دامت شبكات المعلومات المختلفة
وبنوك المعلومات لا تقدم حقيقة واحدة في مجال محدد بالذات، بل سمتها
إعداد أصناف عدة من الحقائق دفعة واحدة، وفقاً للعوالم المختلفة، التي
تحيط بنا، تاركة حرية الاختيار والاستعمال لمستهلكيها.
عصر الطفرة المعلوماتية
ما يهمنا من هذا الرصد أن انتقال المجتمع البشري من
عصر الطفرة الصناعية إلى عصر الطفرة المعلوماتية، يدفع في اتجاه وعي
كوني مرتبط بالحواسيب الآلية والأنظمة الرقمية، إن لم يكن يعمل بخطوات
حثيثة من أجل تشييد نمط واحد للوجود يجمع كل المجالات والقطاعات في
أنظمة رياضية متخصصة ومغلقة. وبما أن قوة الطفرة التكنومعلوماتية لا
يستطيع جنس أو جماعة إثنية أو دينية أو دولة من الدول أن يوقف تغلغلها،
فإن الكون ينقاد صاغرا صوب نمط واحد للوطن بفضل فكر تقاني لغاته هندسية
ومنطق حساباته رياضية. وبهذا النزوع نحو الكونية أصبحت الطفرة
التكنومعلوماتية عصرا مكتمل الأوصاف: تقنيات العصر أصبحت عصر التقنية.
مؤدى هذا الوعي الكوني تجاوز كل أنواع الوعي
السابقة عليه كالوعي الوطني والوعي القومي والوعي الديني، بمعنى أن
سائر هذه الأنواع والأنماط في تحول تدريجي من مصادر وعي رئيسية إلى
مجرد أنماط وعي فرعية. وهذا إذا كان لا يعني اندثارها وتواريها عن
الأنظار كليا من الساحة العمومية، فلأنها ستستمر من دون القوة
والمركزية اللتين كانت تحظى بهما.
وسائر أنماط الوعي الوطني والقومي والديني، كما
نعلم، مرتبط بالحدود الجغرافية والإقليمية وباللغات الوطنية، أي أن
استقلالية الوعي الإنساني تحققت في نشأة الدولة الليبرالية الحديثة
سليلة عصر الأنوار. في حين ما نشهده اليوم، يؤكد أن الطفرة
التكنومعلوماتية وأنظمتها الرقمية لا تخاطب الإنسان كلون وثقافة ولغة
أو دين أو كحدود، بل يكفي أن نفكر كيف تتم علاقتنا بالبريد الإلكتروني
وشبكة التواصل بوصفها إحدى الوسائط التي تؤمن الاتصال خارج حضور الجسد
واللون واللغة والانتماءات الدينية والأقوامية، لنرى كيف ينسحب الجسد
في إطارها من كل علاقة كاللون والجنس والصوت أو علامة رمزية كالدين
والثقافة أو اللغة، والإنسان نفسه لن يفلت من هذا التشكيل الجديد، بل
أن ذوقه وحاجاته ورغباته وإحساساته وميوله أصبحت مصطنعة ومنمَّطة.
وبهذا المعنى تكون الطفرة التكنومعلوماتية متجهة
إلى إعادة تشكيل العالم والإنسان معا، أو قل ان أنساقها تقذف فيه نوعا
من التحلل والتجدد المتسارع على نطاق يتسع باضطراد، يفقد به أي تناغم
وتناسق بين مجالاته، وأملا في الإمساك بشيء واسع وغامض ومنفلت. فعملية
الرصد التي ستساعدنا جميعا على معرفة ما حل بنا في عصر يولد هبَّات
متفجرة في جميع ميادين الحياة الشخصية والاجتماعية، يحتم علينا الوقوف
عند ثلاثة مستويات نراها كفيلة بأن تخضع هذه الفرضية لمحك الملاحظة
الدقيقة والعيانية:
أ ـ مستوى المكان، ب ـ مستوى الزمان، ت ـ مستوى
الأشياء. ويمكن فحص هذه الظواهر كالتالي: فعلى مستوى الفضاء تَعوْلم
المكان وتوحدت جميع المستويات وتشابكت إلى حد تداخل فيه الكوني بالمحلي
والعام بالخاص، إذ انتفت الحدود الجغرافية بين مشارق الأرض ومغاربها.
أما على مستوى الزمان فقد أصبح العالم يعيش في ظل أحداث يتم رصدها بشكل
غير منقطع، تتوارد من مكان حدوثها لحظة وقوعها وفي توقيتها الحقيقي.
إلا أن ما يثير اهتمامنا هو هذا الطابع غير المتوقع وغير المعهود
والمنفلت في الأشياء التي تتمدد حتى تحيل قارات من الصخور الصلدة إلى
مزق ونتف صغيرة يصعب الإمساك بها، بحيث يشخص ذلك كله حالة من تزايد ثقل
المُصْطنع في شتى مناحي الوجود الإنساني، حتى عدنا نحن أنفسنا حالة من
السديم والفوضى.
لا نهائية التقنية والحاجة للإستقرار
وهذا المصطنع يتبلور، على وجه الخصوص، في تزايد
ثقل الأداتية التي تطبع التقنية ودور التقنيات المتعاظم في حياتنا.
فالحافز الذي يدغدغنا هو اللانهائي. واللانهائي وتيرته متضاربة
ومستعجلة وانقلاباته سريعة وعنيفة، يحبل بالمتعة والانتشاء كما الألم
والرعب، والمفارقة الساخرة أن سحرها الفتان قد ينقلب على الساحر. وفي
خضم كل هذه التحديات سلسلة طويلة من المعارك التي خاضها الإنسان، أسفرت
عن بروز نظريات فكرية وفروع علمية لم تكن موجودة قبل ربع قرن. لذلك
يمكننا القول إن الإنسان منذ القدم حاول أن يخضع تطوره للتقنية. فمن
أول فأس بدائية إلى حفارات الأنفاق العملاقة، يمكن فهم تطور أدوات
السيطرة على الطبيعة والبيئة، وكذلك في آليات التدبير والتسيير في
الحكم والسلطة، ومن ثم تدابير المحافظة على النوع البشري (تنظيم النسل
والحد من التزايد الديموغرافي)، إلى وسائل التبادل الثقافي والرمزي،
كلها تقنيات بامتياز ساعدت الانسان لكي يحفظ نوعه من الانقراض
والتلاشي.
إن كل هذه الأدوات والآليات والتدابير والوسائل
مجرد أشكال للتقنيات المختلفة، التي اعتمدها الانسان منذ أن سكن
المغاور والكهوف وبنى الحظائر والحدائق والبيوت. غير أن ما يميز
مرحلتنا المعاصرة وجود ثلاثة عناصر جديدة:
أولاً: إن قدرة الإنسان أن يتخذ من ذاته موضوعا
للفعل الإنساني يفوق اليوم كل ما كان بحوزته من قدرة عبر العصور، وما
نستطيع اليوم أن نفعله في ميادين عدة كالصحة مثلا، أو في ميدان الآراء
والأفكار والمعتقدات وتنظيم النسل وتحسين الإنجاب يفوق كل ما كانت تحلم
به الإنسانية.
فعلى مستوى التغذية والصحة والإنجاب وتنظيم النسل
أصبحنا قاب قوسين أو أدنى من كل شيء، بما فيه غير المتوقع. ولعل ما هو
أكثر إثارة للدهشة، المدى الذي وصل إليه الإنسان في هذا المجال بالذات،
حيث يمكن أن يختار الآباء والأمهات خَلَفهم وفق توقيت معلوم لذلك،
ويمكنهم بواسطة تقدم الهندسة الجينية أن يلدوا في المستقبل أطفالا على
قدر عال من الصحة والكمال البدني والذهني. ثانياً، إن الإمكان المفتوح
أمام الإنسان أن يغير من طبيعته شكلا ومحتوى بواسطة التقنية، وأن يرسم
لسلوكه اتجاهاً أداتياً محضاً بغاية النجاعة والتألق، لم يعد ضربا من
التنجيم ولا من باب الخيال، وإن حاولنا أحيانا ادعاء النقيض بدعوى حجم
الدور المتعاظم للتقنيات في حياتنا وبرودتها ولا إنسانيتها.
بديهي أن ترعب هذه الأجواء حياتنا ويكثر القيل
والقال حولها، لكن المهم شئنا أم أبينا ذلك، أصبحنا نتسابق في شراء
الفيتنامينات والمسكنات والمقويات والمهدئات والمنشطات، والبحث المحموم
عن سكينة ضائعة.
ثالثاً، أصبح العالم يئن تحت أقدامنا من كثرة
الرهانات في كل لحظة وحين، فالعقل أصبح رديفا للتقنية ونمطا لإثبات
الذات في العالم، لكنه يحمل معه في الوقت نفسه قناع النفي أو التيه
الذي ينذر بالموت والتلوث واستنزاف الطبيعة. فبالقدر نفسه الذي استطعنا
تنظيم العالم بغية الرفاهية والعيش الرغيد، وصار بوسعنا التنقل بسرعة
فائقة من أقصى العالم إلى أقصاه، لم تعد الحدود القابلة للاهتزاز
والتكسير تخص حدود جغرافيا الدول والشعوب والأوطان فحسب. بل تعدت ذلك
إلى كل مناحي الحياة: الإنسان والآلة، الإنسان والحيوان.
غير أن ما هو أشد بعثا على القلق وعدم الارتياح في
الوقت نفسه، وقوف الإنسان مشدوها لحجم الثمن الذي يجب أن يدفعه مقابل
ذلك، فحرارة الكوكب في تصاعد وغطاء الأوزون مثقوب والأبقار أصيبت
بالجنون والبعض منا يموت بالتخمة والتلوث. فمع متعة الثورة الدائمة
والاقتحام والتمرد، حوَّل الإنسان العالم في مظهره الخارجي إلى قبر
مُزين بالفسيفساء، تنخر جسمه وروحه ديدان ما بعد الحداثة وثعابينها
وأفاعيها، وتلك الثعابين لم يعد ممكنا حصرها أو التحكم بها. بل هي تحطم
وحدة الثقافة والأخلاق وتجهز على وحدة الجسد والروح، وكل ما كان منتظما
بين المكان والزمان. والأشياء من معانٍ.
مراكب التقنية في بحر لجيّ
وفي ضوء ذلك كله، يطرح السؤال بحدة: إلى أين
تحملنا سفن ومراكب التقنية؟ وإذا كان هذا السؤال يخفي في طياته
استنكاراً قوياً لحياد التقنية، فإن هناك من يستنكر مشروعية هذا
التساؤل، قائلا: ليس السكين المسؤول عن الجريمة، وإنما القاتل!
ولكي نتمثل معالم الطريق الجديد الذي ستسير في ركبه
البشرية في الألفية الثالثة، ننطلق من ثلاث مجالات تقانية جديدة، حيث
يمكن أن ينتج التفاعل بينها عن موجة رابعة، تتفوق في آثارها على الآلة
البخارية والميكانيكا والكهرباء والبترول والطاقة النووية والحواسيب
قاطبة.
وتبعا للتقارب المحتمل بين الهندسة الجينية (إعادة
برمجة الكائن الحي بيولوجيا) وعلم الربوتيكا (الذي يمكن أن يضاف إليه
تنشيط إواليات الانتقاء الطبيعي بفضل الحياة الاصطناعية) والذرة (خاصة
على مستوى البيولوجيا الإحيائية التي تعنى بالتدخل في صلب المادة
وتركيبتها الذرية وإعادة تشكيلها بطريقة صناعية ناجعة على نحو ما يقع
في الانشطار الخليوي). يمكن أن نطرح بحق قضية السيطرة التامة والكاملة
على الطبيعة، ما دام أن المعرفة وصلت إلى صلب المادة، أي إلى عمق
تشكيلتها الذرية، كما إلى نواة الكائن الحي بعد فك شفرة الخارطة
الوراثية (الجينوم)، وإلى منطق الذكاء نفسه بفضل إمكان إعداده وتركيبه
عبر آليات الذكاء الاصطناعي.
ميدانياً، سيسمح التداخل والتفاعل بين هذه العلوم
أن يوفر عناء قرون بأكملها، لِما هو قادر عليه من الجمع بين الملاحظة
الدقيقة والمعلومات، وبين حصر كل المعلومات الممكنة والافتراضات وجل
الافتراضات وتطبيقاتها، وكل الإجراءات الاستنتاجية والتجريبية
والتصنيفية. وأول الكوابيس التي تقض مضجع فلاسفة العلوم، تحقق إنسان «السيبورغ»
(Cyborg) بشكل غير
قابل للمزايدة. وهو إنسان بمواصفات نصف آلية ونصف آدمية، بعد الجمع بين
مخ الإنسان ورقاقات إلكترونية عدة عن طريق عملية الزرع.
وبغض النظر عما يمكن أن يؤول إليه إنسان بهذه
المواصفات، فإن ذلك يضفي تحولات خارقة على مستوى الحس والوعي معا.
وليس ذلك ضربا من الخيال، بعد أن قام الباحث
الإنكليزي كينيث وارويك (Kenneth Warwick)
بزرع رقاقة الكترونية في جسده تفتح له باب منزله وتتعرف على كلمة السر
عندما يريد فتح حاسبه الآلي. وصرح الباحث الفرنسي الكبير جويل دو روزني
أمام الملأ بأن زرع رقاقات مذوبة في بروتينات (أو هيولينات) الجسد لها
القدرة على التواصل في ما بينها أصبح ممكنا. بمعنى أن القدرة على تغيير
الإنسان لذاته ممكن حدوثه بفضل الإلكترونيات الصغائرية التي من غايتها
خلق علب تُخزن الإلكترون والمعلومات البيولوجية. وهذه الإلكترونيات
الصغائرية ستحل يوما محل السلسيوم، لأنها كيماوية ولها قدرة التطابق مع
الصغائر البيولوجية. أما آفاقها التطبيقية فلا حصر لها، منها مثلا على
سبيل الحصر، إعادة النظر والسمع إلى المكفوفين والصم.
ولعل ما يمكن أن نقدمه كمثال بعيد عن الروايات
الخيالية والخيال العلمي الجامح، ما أشار إليه العالم الأميركي فودور(Fodor)
المختص في العلوم الذهنية وعلم النفس اللغوي، حول إمكان تبادل
المعلومات والقيام بعمليات حسابية بين مخ مركزي من ناحية وحاسب آلي
مدمج من ناحية أخرى بطريقة قياسية. وهو ما يعني أن أطول الإعدادات
والاجتماعات والتدخلات والمناقشات الماراثونية التي تجرى على مستوى
الجامعة العربية، يمكن أن يتم إعدادها وتبادلها وتخزينها في أقل من لمح
البصر!
الأمر الذي يعني المرور من حالة الإنسان الطبيعي
إلى وضع إنساني اصطناعي، وإذا زرنا الموقع الإلكتروني
http://www.alcor.org سنجد
أن اثنين من كبار الباحثين إريك ديكسلر، وم. مينسكي، ينتميان إلى
الهيئة الاستشارية العلمية لإدارة ألكور(Scientific
Advisory Board d'Alcor)، معقل المحافظة على
الخلايا الحية والبويضات والأجنة والنطاف بواسطة تقنيات التثليج
والهليوم السائل، يتبنيان مسلمات فيلم سورين إركمان (Suren
Erkmen) الخيالي: «موت الموت» التي تعني
إطالة عمر الحياة بواسطة العلوم الدقيقة (Nanotechnology)،
أي أن الفراعنة إذا أمكنهم تحنيط أجساد الموتى والاحتفاظ بها متخطين
حاجز الزمن أملا في انبعاث لاحق، فإن ما تعنيه إطالة الحياة هنا تحنيط
جميع المعلومات التي يحتويها الذهن في أقراص ورقاقات إلكترونية،
وتثبيتها من جديد في أي مخ أو على أية أعمدة وركائز نريد.
مبعث ذلك كله أن الإنسان أدرك أن التقنيات التي
تساعده في ترويض الطبيعة قادرة أيضا على مده بقوة مضاعفة للسيطرة عليه
نفسه، وتوفير فهم أفضل للأسئلة التي قضت مضجعه منذ زمن: من أين أتى
وأين يذهب؟
التحكم بالنسل ونوعه
هذه الخطوات الجبارة هي ما يميز الطفرة
التكنومعلوماتية على العصور الأخرى، فهي في الوقت نفسه كالشمس إن
ابتعدت أضاءت بنورها الكون، وإن اقتربت أحرقت كل مسلّماته التي دأبنا
عليها منذ زمن. فهي طفرة مهووسة بالحلم المستحيل، وفي الوقت نفسه تحمل
شروط تدمير العالم وإعادة تفصيله وخلقه من جديد.
ومن سمات هذا العصر اتخاذ الذات أداة للممكن
والاحتمالي، والممكن هو اللا مستحيل، أيا كان شكله ومحتواه، أي أن
الجسد الإنساني دخل مرحلة كمونية، ليس له من طبيعة قارة لا تتغير. بل
هو مجموع ما هو كامن في عالم الممكن، بعد ما صرنا نتحكم في مزاجنا
وآلامنا وأفراحنا، نداوي الروح والجسد ونبحث عن ما يقويها ويسندها
ويمسح التجاعيد وما يعكر المزاج ويبطل الألم ويمدنا بالقوة والنشاط،
وما يعطل الشيخوخة ويبعث على الحيوية ويساعد على المرح، ويهدئ الألم
بواسطة المسكنات والمهدئات والمنشطات والمقويات والمخدرات.
وفي خضم كل ما تقدم من أشكال الفعل، هناك شيء جديد
لا يعني الجسد ولا الروح. لكن يعني الإنسان برمته وأشياء في غاية
الخصوصية بالنسبة لحياته نفسها: إنها مسألة التناسل والإنجاب. فإذا كان
لا بد من ذكر وأنثى لضمان نجاح سير هذه العملية، لم يكن يعرف أحد منا
كيف سيشب الخلف عن الطوق ويحقق استقلاليته، حتى اعتبر البعض ذلك من
حكمة الطبيعة وعدالتها. أما اليوم فقد دخلنا مرحلة إعادة النظر في ما
اعتقدناه طويلا طبيعة أبدية، فالتناسل والإنجاب أصبح اليوم يخضع شيئا
فشيئا للاصطناعية، ومع الاستنساخ لم تعد العلاقة الجنسية ضرورة حتمية
لهما، بل وسيلة من وسائل أخرى لاستمرار الجنس البشري.
لقد حاز الإنسان معرفة غير مسبوقة بتقنيات الإنجاب
والإجهاض ومعالجة حالات العقم وتحديد النسل والولادة السريرية والدراية
الكافية بطرق الإنجاب/ المبرمج بجميع أشكاله: كالتخصيب الاصطناعي وزرع
الحيوان المنوي مباشرة في البويضة والتشخيص الوراثي للجنين وانتقاء
الأجنة وتحديد خارطة الجنين الوراثية و، لِم لا، الاستنساخ الطبي.
فكلها إجراءات عملية مباشرة تكفل التدخل المباشر للإنسان في ذاته بصفة
خاصة، وفي الجنس البشري بصفة عامة. وهذا ما دفع ببعض علماء الأجنة الى
المطالبة برفع المنع المسلط حول التحديد المسبق لخاصية أو خصائص وراثية
عدة ليتمكنوا من معالجة الأمراض الجينية الوراثية ويضمنوا سلامة جميع
الأفراد المنحدرين من السلالة نفسها.
أول من قال بالاستنساخ
وحتى الآن ما زال صوت المعارضين قويا بخصوص التدخل
في الطاقم الوراثي للجنين أو طريقة اختياره، ويمكن أن نطرح بعض القضايا
الشائكة التي تقض مضجع العقلاء منا: هل من كارثة للبشرية إذا كسَّرنا
وأجهزنا على الأسرة بالمفهوم المتعارف عليه، أي كنواة أولى للحياة
والاندماج الاجتماعي؟ ها هنا يتعين علينا فهم الاستنساخ أولا، وما محل
الكائن المستنسخ من الإعراب اجتماعيا؟
في أصل كلمة الاستنساخ:
يرجع لعالم النبات هربرت فيبِّر أول استعمال لكلمة
«الاستنساخ» في سنة 1903 لتحديد خصائص أعضاء تولدت بفضل إوالية إعادة
إنتاج لم تتم جنسيا ودون علاقة جنسية. وإذا كان الإنسان يتوالد ويتناسل
بطريقة جنسية، فإن هناك من الأعشاب والنبات ما يحيد عن هذه القاعدة
ويمكن توليده من جنسه بطريقة كيميائية وطبيعية.
والاستنساخ في حد نفسه إذا نجح، يعد تحطيما للجدار
الفاصل بين عالم النبات وعالم الحيوان (الإنسان حيوان ناطق). لكن حتى
نتبين أصل هذا الفصل يجب الرجوع إلى أصل هذه الكلمة التي حظيت بشهرة
واسعة النطاق بعد أكثر من قرن من صدورها. ولا بأس من العودة إلى ما
قاله هربرت فيبر بشأنها: «لكي يتم تداولها وتتعمم وتذيع، يجب أن تكون
الكلمة قصيرة، متناغمة، سهلة النطق والكتابة ومختلفة عن أي كلمة أخرى
لنتجنب إثارة أي معنى آخر غير المقصود بها».
ولعله يفيد في هذا المجال التذكير بحقيقة علمية وهي
أن الفصل القائم بين عالم النبات وعالم الحيوان، لا سيما في شخصه
الأرقى (الإنسان) يعود إلى عدم إمكان الحصول على النسل دون علاقة جنسية
أو عبر خلايا زوجية من الطينة نفسها تنتمي فحسب إلى الذكر أو الأنثى.
والمقصود أنه لا يمكن للذكر أو الأنثى أن يقوما بإعادة انتاج لجنسهما
بمعزل عن بعضهما بعضاً، أو من دون تلاقح نطفهما المتمايزة.
إلا أن هذا السور الصيني غير موجود في عالم
النبات، بحيث يمكن توليد نباتات من الفصيلة نفسها ودون الحاجة إلى
خلايا متمايزة، خاصة عبر ما يعرف بتقنية الافتسال
Bouturage. والسؤال الذي
يثير اليوم احتباس حناجر العديد من العلماء وبمرارة: هل تلك الحدود
الفاصلة والمعروفة بين عالم النبات وعالم الحيوان أصبحت حدودا قابلة
للسقوط؟
ففي أواسط ستينيات القرن الماضي، كان جون غوردون (اJohn
Gurdon) أحد الخبراء في البيولوجيا التطورية
يقوم بدراسة على فصيلة الضفادع، بحيث حاول أن يفهم كيف يبدأ البرنامج
الجيني (الوراثي) نشاطه في البويضة، بمعنى هل هناك من خاصية أساسية
للجينوم بعد التخصيب، أو هل هناك معلومات مخزنة في محيط نواة الخلايا
المعروف بالحشوة (Cytoplasme)
تتحكم في بدايات برنامج التطور والنمو؟ وعلى سبيل التجريب قام جون
غيردون بزرع نواة خلية بالغة في بويضة ضفدعة أزيلت منها نواتها
الأصلية، فحصل على شرغ سنة 1962. لكن الوقت كان مبكرا للحديث عن
الاستنساخ، ولم يثر نشر نتائج أبحاثه سنة 1968 في مجلة
Scientific American
الواسعة الانتشار أية ردود فعل خاصة.
بذلك أثبت هذا العالم للمرة الأولى إمكان
«الاستنساخ» تطبيقيا، واعتبر أن أي فشل في هذا المجال بعد ذلك ستعزى
أسبابه فقط لظهور شذوذ ـ مرحلي ـ في الكروموزومات، واعتبر ذلك الشذوذ
نتيجة لعدم قدرة الأنوية البالغة أن تتطابق ووتيرة إعادة الانتاج
المفروضة من طرف حشوة البيضة. وهذا ما يعني علميا أن حشوة البيضة هي من
تحدد للجينوم برنامج كيفية العمل ومراحله الأولية. غير أنه بعد سنتين
من ذلك عرف الرأي العام الدولي مغزى هذا الاكتشاف الباهر، بعد أن أثار
كتاب «صدمة المستقبل» للكاتب ألفين توفلر ضجة منقطعة النظير. إذ يعد
أول من تكلم عن إمكان «إنتاج صور بيولوجية طبق الأصل للشخص نفسه»، وهو
ما يعني أن إمكان التوالد والتناسل عبر مُولَِد إلى زوال، بحيث أصبح
الاستنساخ وارداً وممكناً، بل أكثر من ذلك إن الحصول على نسخة طبق
الأصل حقيقة قائمة وليس من وحي الخيال، مثل ما حدث تماما من استنساخ في
الهندسة الإلكترونية لملايين الحواسيب الآلية وذلك قبل أن تستنسخ
النعجة الشهيرة دولي.
الاستنساخ بين الأدب والعلم
لقد أصبحت شروط هذه المراجعة ممكنة في عالم الهندسة
الجينية، وهذه المراجعة طالت أيضا الأدب والفن منذ أن كتب الروائي
ألدوس هيكسلي (Aldous Huxley)
روايته الذائعة الصيت: أحسن العوالم، التي تمثَّلت روائيا أعمال
الفيزيولوجي الإنكليزي جون هلدان (John Haldane)
عند ابتكار «إجراء بوكانوفسكي» الذي يكرر نسخا من الأطفال التوأم بلغ
عددهم 96 حالة مماثلة، قبل أن يحولهم في ما بعد إلى معادلات ومتواليات
رياضية تتكرر بفضل تكييف خارجي يجمع بين البيولوجي والتربية، كما يربي
المزارع تماما الدواجن.
عقب هذه الرواية الخيالية اختلط الحابل والنابل
وكثرت الإشاعات على نحو غير مسبوق وأطلق الخيال عنانه في كل الاتجاهات،
بل أصبحت التهويمات والأفكار الشائعة المغلوطة حول الاستنساخ تحقق
رواجاً كبيراً. وأصبح موضوع الاستنساخ محور سيناريوهات هيتشكوكية،
بخاصة الحصول على «نسخة طبق الأصل» أو إعادة إنتاج مشابهة تمام التشابه
أو ما يطلق عليه بعملية المحاكاة الكاملة في المحيا والشعر ولون
العيون، التي تحمل حمولة أيديولوجية خطيرة، مفادها أن إعادة إنتاج
الجينوم أو نسخه يؤدي إلى إنتاج «صورة طبق الأصل» للإنسان.
سببت هذه التخاريف إحراجا مأساويا لعلماء الهندسة
الجينية، فكان إما الحفاظ على برودة الدم وروح المبادرة والاكتشاف
والسرية، أو مسايرة هذه التخاريف التي تساهم في زرع الفوضى والبلبلة،
والخياران أحلاهما مر. ولا بد أن نشير في هذه المناسبة إلى أن احتجاج
رجال الدين من جميع الديانات السماوية زاد في تعقيد المسألة أكثر مما
قدم فرصا أفضل لفهمها. علاوة على أن التهويمات تحمل في طياتها منطقاً
سحرياً لا يقبل به العلم، ويجب التذكير في هذا المجال أن التوأمين
اللذين يشتركان معاً في خصائص بيولوجية وفيزيائية عدة منذ المراحل
المبكرة من تكوينهما في الرحم، هما في الواقع شخصيتان غير متشابهتين
ومختلفتان في الحقيقة عن بعضهما بعضاً. لذلك فالقول ان إعادة إنتاج
الجينوم على المنوال نفسه يعني في الأخير الحصول على «نسخة طبق الأصل»
للفرد مناف للصواب على أكثر من صعيد. وهو منطق يُسيِّد العامل
البيولوجي ويقتصر عليه، ضدا على العامل الثقافي والتاريخي.
الجينوم خزّان معرفي كوني
وبإيجاز يمكن القول أن الجينوم إن أتاح الاستنساخ
فذلك لن يتم بمعزل عن حركة التاريخ والثقافة اللذين يتداخلان على طول
الخط في هذا التكوين منذ البدايات الأولى سواء داخل الرحم أو خارجه.
لذلك فالاستنساخ حسب مجمل الاعتقادات الشعبية عبارة عن هوس وتهويمات
وخيالات جانحة، الأمر الذي يعيق علم البيولوجيا التطورية عن الخوض في
موضوع الاستنساخ بالجدية والعلمية المطلوبتين ودون الإثارة والتهويل
الإعلامي المفتعلين، وهذه التهويمات التي يروج لها جهلة تذكرنا بالمسخ
والتشويه المبتذل الذي تعرض له العالم الكبير داروين حين حاول تفسير
مراحل التطور البيولوجي الذي مر به الإنسان!
وإذا كان من المقرر اليوم أن الجينوم خزان معارف
كوني، ويكدس طاقمه الوراثي كل المعلومات التي تمس تطور النوع البشري
منذ ملايين السنين، فإن آخر محاولة لتشخيص ذلك عمليا، تم عبر تشكيل فأر
عبرـ جيني (transgénique)
زُرِعت في خلاياه الجينية بكتيريا اللاكتوز (Lactose)
لتقوم بتوجيه الجينة. وهذا التشكيل بهذه الطريقة أتاح لهذا الفأر ذي
اللون الأبيض أن يتحول إلى اللون البني عند تناوله لمادة اللاكتوز. ما
يبين قدرة الجينوم على التكيف مع المستجدات الطبيعية المتوقعة وغير
المتوقعة. إذ يُمكِّنُنا الجينوم من التكيف مع الظروف المختلفة، بحسب
إجراءات منتقاة من تطور الإنسان نفسه، لأن الجينوم يختزن في حد نفسه
مليارات المعلومات التي مر بها تطور الإنسان نفسه. غير أنه لا يمكن
الاقتصار على إجابة تستند على منطق التفسير التجريبي فحسب، لأن
الإجابات المختلفة الممكنة تأتي أيضا عبر السياق التاريخي والثقافي
والبيئي الذي نحيا وسطه. فكلها عوامل تلعب دورا كبيرا وتتفاعل مجتمعة
في تحديد مسار الإنسان.
ويمكن أن نقول أن ملايين من السنوات الضوئية ما
زالت تفصلنا عن أي فهم كامل للإواليات والميكانزمات الخاصة بكل هذه
الاحتمالات، وعما إذا كان ممكنا في يوم من الأيام أن نحلم بتوفر إجابة
عن هذا الموضوع أصلا. وفي انتظار ذلك، إن الاعتقاد في النسخ والقدرة
على الاستنساخ التام ما زال قويا بالاعتقاد الشائع نفسه بإمكان «تحسين»
الخصائص الجينية للفرد. غير أن ذلك لا يستقيم بل يقوم على أفكار
واعتقادات خاطئة، خاصة تلك التي توحي بأن أية جينة تحدد ومسؤولة عن طبع
ما، واختيار سلسلة من الجينات «الحسنة» الطابع (كالذكاء والمناعة ضد
المرض..) سيتيح الحصول على طبائع «حسنة» عبر استنساخها أو عبر عملية
تحسينها في المولود نفسه.
الجينة جزء من شبكة معقدة
فهذه القراءة مبتذلة للكائن الحي وليست جديدة في
حد نفسها لأن أصلها موغل في التاريخ. والطريف في الأمر أن هناك، منذ
أمد غير بعيد، من كان يعتقد بأن الخير والشر والنزعة الإجرامية كما
الحمق والذكاء تعزى إلى العامل البيولوجي، ومردُّه العطب الحاصل أو عدم
تطور بعض الخلايا العصبية في المخ بما فيه الكفاية. فالجينة ليست
وحدها، والجزء منها المسؤول عن هيُّولينة (Proteine)
معينة، هو في الحقيقة عبارة عن عربة في قطار طويل. وكل عنصر من هذا
القطار يؤثر في توقيت التعبير الذي تقوم به الهيولينة ومكانه ودرجاته،
وقد يطال ذلك بنيتها ذاتها. فالهيولينة عبارة عن صيغ، بعضها جاهز
للتعبير والبعض الآخر ما زال في طوره الأول وينتظر. وقد تختار التفاعل
مع موضع دون موضع أو التفاعل مع الجزيئات والصغائر البيولوجية (molecules)
دون أخرى. ما يؤكد أن الجينة جزء من شبكة معقدة من التفاعلات، التي،
بفضل انسجامها، تنتهي إلى وظيفة معينة يمكننا ملاحظتها.
وهذا ما يجزم بصعوبة أن نحدد على وجه الحصر وظيفة
دون أخرى لجينة ما. وحتى إذا تأملنا مليا بعض الأمراض التي نعرف بأنها
ناتجة عن تحولات وراثية معينة تنتقل من جيل إلى جيل داخل العائلة
نفسها، سنلاحظ أن العديد من التحولات والتبديلات قد تطالها. بل ربما
يصبح الموضوع في غاية الصعوبة عندما تكون هذه التحولات التي تطرأ على
جينات مختلفة مصدراً لحالات مرضية متشابهة وغير متشابهة أحياناً. وهو
في حد نفسه علامة على التعقيد البالغ الذي تشتغل به خلايانا.
بين انتاج الجينات وتحسين النسل
وما نود الإشارة إليه أنه لا يجب الخلط بين الخلل
والوظيفة، فالتحولات التي تطال جينة ما عبارة عن عقبات قد تعترض مثلا
الطريق بين المغرب والجزائر عبر وجدة ووهران، ما يسبب دون شك اضطرابا
في التنقل عبر الحدود الشرقية. لكن هذا لا يعني أن حركة التنقل بين
المغرب والجزائر تتوقف على هذه الطريق فقط. وذلك هو حال الجينات في
الجسم أيضا.. لذلك يوصي علماء البيولوجيا بأن الجينة غير أحادية. إلا
أن هناك للأسف من لا يزال يعتقد من العامة بأن سبب تفوق هذا الطفل عن
ذاك في الرياضيات أو الفيزياء مرده امتلاك هذا الطفل دون أقرانه جينات
معينة، وهذا التفسير الخاطئ الذي كنا نفسر به في الماضي النبوغ الرياضي
أو الفيزيائي كان يرتكز بالأساس إلى وجود منطقة للرياضيات في المخ أكبر
حجما عند هذا من ذاك.
ربما يرجع اللغط السائد في مجال الاستنساخ إلى عدم
التفريق بين مجال إنتاجية الجينات من جهة ومجال "تحسين النسل» من جهة
أخرى، كما تعمد البعض الخلط بين قضايا بيع جينات تحت الطلب على مستوى
الكم والكيف كما قد يحصل قريبا في عالم الحيوان من ناحية، والإشكالية
الأخرى التي تمس استنساخ الإنسان وتهدد بتغيُّر أو تغيير طبيعته: أي
التصور الذي يوحي بنسل جديد ـ مواليد ـ يتمتع بطبائع ومواصفات جسدية
محددة سلفا وتحت الطلب، بعد شرائها من سوق الهندسة الجينية.
وهذا ما يطرح الأسئلة العلمية التالية التي ضربت
عرض الحائط:
لماذا لا نستطيع القول أن الاستنساخ في حد نفسه محض
استراتيجية تبحث بالأساس عن الميكانيزمات (الإواليات) الخاصة التي
تمكننا من معرفة الكيفية التي تُعبِّر بها الجينات؟ ولماذا لا نعتبر أن
الدخول إلى عالم الجينة هو أيضا تحطيم السور الذي يفصل بين عالم
الأموات وعالم الأحياء بالكشف عن أسرار ملايين وملايين السنين الذي
تفصلنا عن بداية الخلق الأولى وما تلاها؟
وكذلك لفهم نوع العلاقات الموجودة بين جينات نواة
الخلية ومحيطها المكون من الحشوة (Cytoplasme)
والوسط الذي تتموقع فيه. علاوة على معرفة كل أصناف الفيروسات
والبكتيريا المصاحبة للإنسان في محيطه أو داخله. فما نشاهده اليوم من
جدل دائر، يذكر ببساطة أن الموضوع خرج من دائرة أهل الاختصاص، بحيث لم
يعد النقاش مقتصرا على تلك الأسئلة العلمية، بل تعداه كثيرا. على الرغم
من أن إمكانية إعادة إنتاج نسخة «طبق الأصل» مجرد هلوسة وشعوذة ينفخ
فيها المعادون للحداثة والتقنية.
|