|
معرض فرانكفورت:
الثقافة أهم من السياسة؟
ابراهيم عبد المجيد *
قبل ان ينتهي معرض فرانكفورت الدولي للكتاب كانت
كوريا الجنوبية، ضيف المعرض للعام القادم، قد عرضت في جناحها، برنامجها
للعام القادم، بينما برنامج حضورنا العربي هذا العام لم يكتمل الا في
اليوم التالي لوصولنا أي يوم افتتاح المعرض!! والسبب طبعا، ليس تفوق
كوريا، ولكن تعدد الدول العربية والاختلافات السياسية التي القت بظلها
على المشاركة العربية في معرض فرانكفورت هذا، والتي جعلت دولة مثل
الكويت لا تشترك ودولة مثل ليبيا تشترك في اللحظة الاخيرة. عدم اشتراك
الكويت طبعا بسبب عقدة امين الجامعة، عمرو موسى، وعدم مشاركة ليبيا،
لان هذا طبع في النظام الليبي، اما عدم مشاركة المغرب فبحسب كلام وزير
الثقافة المغربي الشاعر محمد الاشعري كان بسبب ان المعرض يستضيف كل
عام دولة واحدة فما معنى وضع الدول العربية كلها في سلة واحدة؟! ألا
تساوي أي دولة عربية ثقافيا دولة مثل البرتغال ضيف العام السابق؟
والحقيقة ان القائمين على معرض فرانكفورت أرادوا
افساح الفرصة للثقافة العربية ان تقدم نفسها للعالم، وفي وقت قياسي، في
وقت يتعرض فيه العرب والمسلمون لهجوم كبير في الغرب والشرق، وبالطبع لم
يكن في ذهن هؤلاء القائمين على المعرض أن الدول العربية ليست شيئاً
واحداً رغم انها جميعاً اعضاء في جامعة الدول العربية.
السياسة من البداية كانت وراء اشتراك العالم
العربي، والسياسة في النهاية كانت وراء الاخطاء التي حدثت. لقد انفق
المنظمون لهذا الحضور، فيما يبدو، وقتاً في اقناع الدول العربية اكثر
من الوقت الذي قضوه في تنظيم البرنامج. لذلك حدثت أخطاء كان من الممكن
ان تنسف المشوار كله لولا حسن تصرف الادباء والكتاب وحسن ادراكهم، وهم
الذين كان اختيارهم من قبل بلادهم اختياراً حقيقياً الى حد كبير جداً،
وانا بحكم خبرتي ومعرفتي بالثقافة العربية والادب العربي المعاصر
استطيع ان ازعم ان التمثيل في الدول العربية كلها كان تمثيلاً لا تشوبه
شائبة.
وقد شارك هؤلاء الادباء والكتاب في البرنامج الذي
يبدأ من العاشرة صباحا لينتهي في السابعة في المعرض ليستأنف في بيت
الادباء حتى منتصف الليل، وهكذا كان هناك عمل حافل للجميع، ولحسن
اختيار الكتاب بشكل عام لم يتوقفوا كثيرا عند الكتاب المطبوع
بالانجليزية والالمانية والعربية ويضم تعريف بالكتاب فإذا به يضم اخطاء
فادحة ويتجاوز عن انجازات كثير من الكتاب، كذلك قصور المترجمين
المعينين من قبل اللجنة المشرفة عن ترجمة الاعمال المرسلة اليهم قبل
المعرض بوقت كاف، لقد فوجئ الكثيرون أنه لا ترجمة لما يقرأون من شعر او
قصة، وانسحب بعضهم لهذا السبب مثل الشاعر عقل العويط من لبنان وتضايق
بعضهم جدا مثل الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي.
وبالنسبة لي ولخبرتي بهذا الزحام، اخذت معي روايتي
«البلدة الاخرى» المترجمة الي الالمانية، وروايتي «لا احد ينام في
الاسكندرية» المترجمة للانجليزية، ووجدت ان النص الذي ارسلته من البلدة
الاخرى بالالمانية موجودة، ولما قرأت من رواية لا احد ينام في
الاسكندرية لم اجد ما ارسلته بالعربية والانجليزية مترجما فلم اغضب حيث
استعنت على الفور بالنسخة الانجليزية بعد أن سألت الحاضرين من الالمان
ما اذا كانوا يحبون سماع الانجليزية فوافقوا.
وبعيداً عن القراءات الشعرية والروائية والقصصية
شهد المعرض مناقشات مهمة في موضوعات الارهاب والاسلام وتقبل الاخر ورغم
ان الجميع ذهبوا ينفون عن الاسلام صفة الارهاب.
وقع حادث فندق طابا الذي كان من الممكن ان يلقي
بظله على المناقشات لولا ان الاعلام الغربي لم يركز عليه كثيرا، كذلك
وقف وزير ثقافة ليبيا، التي انضمت مؤخرا جدا، ليعلن استعداد بلاده لشنق
أي ديمقراطي بأقصاء أخر ملك على الأرض كما جاء في الكتاب الاخضر!! فعاد
يفسد كل شئ، ابتداء من كلمة عمرو موسي في الافتتاح وكلمة سوزان مبارك
في اليوم التالي، وجهود كل المثقفين الموجودين.
طبعا لم يخل المعرض من مماحكات صهيونية، فقامت
احدى المنظمات اليهودية بتنظيم مظاهرة صغيرة على ابواب المعرض ، ثم طاف
بعض اعضائها على الناشرين العرب وتوقف احدهم عند دار ميريت وكنت
بالصدفة موجودا بالدار فسألني عن كتاب "اليهود واليهودية" وهو كتاب
ألفه يهودي وترجم في غزة ونشرته دار ميريت في مصر، وكان الكتاب امامنا
فاطلعته عليه واوضحت اليه المعلومات التي تفيد كلها بان الكتاب ليس
مصريا ولا مؤلفه مصري، بل يهودي من اسرائيل، وكان قدم نفسه الي كصحافي
الا انني احسست بأنه ليس كذلك، وكان الزميل محمد هاشم صاحب الدار غير
موجود ثم حضر عند نهاية النقاش فسأله الرجل عما اذا كان البوليس قد اتى
لمصادرة هذا الكتاب أم لا؟ ولم يكن شيئا من ذلك قد حدث و بان الامر
كأنه تهديد مبطن، وبالفعل تقدمت هذه المنظمة اليهودية للنيابة في
المانيا لمصادرة الكتاب وغيره الا ان شيئا من ذلك لم يحدث.
لم يكن الاقبال الالماني كبيرا في الايام الاولى
لان المعرض لا يفتح ابوابه للجمهور الا في اليومين الاخيرين، وحتى في
اليومين الاخيرين لم يكن الاقبال الالماني كما هو متوقع، وهذا قصور في
الدعاية بلاشك، فلا يكفي ان يستضيفنا المعرض فيأتي الينا الناس، كان
لابد من النفاذ للصحافة قبل المعرض بزمان اقصد الصحافة الالمانية وليست
العربية، ولقد حدثني الزميل محمد بغدادي عن عشرات الالاف من الملصقات،
ونتائج المكتب والمحافظ الصغيرة التي صنعت خصيصا للمعرض، والتي تولي هو
تنفيذها، ولم توزع الا في اليوم الاخير، كما لم يتم توزيع الكتاب
التذكاري عن الثقافة العربية والالمانية الا في اليوم الاخير ايضا، ولا
أعرف ما هو تفسير اليوم الاخير هذا؟!
وفي النهاية لابد من الاشارة الي التعاون الطيب
الذي ظهر من البيت المصري في المانيا والذي يضم كافة الاندية المصرية
للمغتربين هناك، ولقد قاد الدكتور ثروت قادس مهمة ذلك البيت بنجاح فيما
يتعلق بالثقافة والاعلام، والمهم الآن استمرار قوة الدفع طوال العام
القادم ولعل الفنون البصرية التي لاقت اكبر اقبال تكون موجودة هناك
دائما، كما لابد من الشروع بسرعة وباسلوب علمي حقيقي في مشروع الترجمة
من العربية الى الالمانية وان يمتد ذلك الى كل اللغات كما انه يمكن
تعويض النقص الذي بدا في عدم التقاء الادباء العرب بادباء المان
ببرنامج جديد يستمر خلال العام يتم خلاله استضافة ادباء عرب والمان هنا
وهناك.
ان العبرة الوحيدة التي تخرج بها من هذه البعثة
الثقافية هي ضرورة ان تكون هناك لغة ما بيننا وبين العالم، وهذه اللغة
هي التي يتحدث بها الاخرون، فكما ننقل ثقافتهم الى لغتنا علينا ان ننقل
ثقافتنا الى لغاتهم، فهذه الامة لا تملك حقيقة الا الثقافة والفنون
والآداب، وعلى السياسة ان تبتعد عنها، بل تترك لها المكان الصحيح، وفي
المقدمة.
بهذا فقط يكون لدينا ثقافة وسياسة معا. وبغير ذلك
تتأخر مجتمعاتنا اكثر مما هي عليه.
*روائي مصري
|