العدد

162 :

الجمعة, يوليو 4, 2008 - 5:13 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
قضايا واحداث
ملفات
مقالات دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

الذاكرة والكتابة الروائية عند الأعرج واسيني

أوسع من قارة وأضيق من عين إبرة

عبد القادر شرشار×

إن بحث ارتباط الذاكرة بالكتابة الروائية في إطار هذا التساؤل يندرج ضمن مشروع  يطمح إلى دراسة فضاءات الكتابة الروائية الجزائرية بعد التسعينات وتحليلها، حيث غدت الكتابة القصصية أكثر فنية، وتحررت من الإيديولوجيات وتحولت إلى لعبة لغوية دائرية عبر استدارة النص تجاه نفسه، واستعادته لذاكرته، بحيث لم يعد الواقع الخارجي بأحداثه ومكوناته المادية سوى مجرد مسوغ للكتابة،يسعى الروائي لكسر واجهته البرانية، وتحويله إلى فضاء داخلي لنص أدبي مشروط بتقنيات فنية تؤسس لواقع خاص بالكتابة الروائية الجزائرية الجديدة،يحمل مشروعا جماليا واعدا.

وضمن هذه المغامرة يَكْتُبُ  النصُّ الروائي لـ «واسيني الأعرج» ذاكرتَه، كتناصّ داخلي مع التراث الأدبي الجزائري، والموروث الروائي العالمي، يندرج ضمن حرية يوفرها النص الحكائي في محاورة نفسه. ويشعر الدارس لواسيني الأعرج بعد التسعينات أنه أمام إنتاج نصوص تتوالد، يشاهد تجلياتها عبر تجربة روائية،تختار أن تستبطن ما يتجاوزها، عبر الوقوف على أفقها ورحلتها بين الإمكان والتحقق. إنه أفق شاعري،جمالي، يبني واقعيته على مفارقة وفاصل زمني ووجودي بينه كنصوص روائية وبين قراءاته الفعلية الواقعية. إنه على حد تعبير فريد الزاهي: «نص يحكي عن ذاته، وقراءة تقرأ ذاتها في النص»(1).

ذاكرة يريد البعض اخمادها

تمثل كتابات واسيني الأعرج الروائية ذاكرة، يريد البعض إخمادها لأنها تحمل مآس وأحداثا «في بلاد أوسع من قارة وأضيق من عين إبرة»(2). وقد يتبادر إلى ذهن القارئ أن تكون بعض هذه الذاكرة أو كلها تحيل إلى السيرة الذاتية للكاتب،غير أن قراءتها تفصح بجلاء أنها ليست سيرة فرد وإنما هي سيرة جيل بكامله، ينقرض الآن جماعيا تحت وطأة الموت البارد. وتبقى المفارقة، في هذه الكتابات الروائية  نفسها، هي أنها تبحث عن محاولة إبعاد صور المآسي "Le vouloir d'oublier"،إلا أن هناك ذاتا دائمة الحضور،تأبى طمس هذه الذاكرة،ولعل ذلك ما أراد إبرازه بيار نوفاPierre Nova )  عند ما قال: «الكتابة هي القبض على اللحظات المؤلمة»(3).

إن معايشة الكاتب واسيني هذه المعاناة الناتجة عن مفارقات غريبة، تريد البحث عن ذاكرة، تطمح إلى احتواء المكان والزمان، لا للمحافظة عليهما كما كانا في الواقع،ولكن من أجل هدم هندستهما الواقعية وبناء واقع خيالي بديل حافل بالحيوية، جعلت منه روائيا يبحث باستمرار عن أدوات فنية تحول النص من مجرد وعاء للذاكرة إلى نص منتج لذاكرة متجددة باستمرار.

إن المدى الذي يشغله فن الذاكرة في النص الروائي الواسيني غير ممثل في شيء ساكن يمتكله أي امرئ أو يحتويه، بل الذاكرة في رواياته قابلة للتركيب، وإعادة الصياغة. ويُصدِّقُ هذا الزعم جويل كاندو «Joël Candau» في كتابه: «ذاكرة وهوية»، و بيار نوفا في كتابه «بين ذاكرة وتاريخ، واماكن للذاكرة» حيث يتفقان على أن الذاكرة هي  إعادة بناء مستمر، متجدد لماض،وليست بالضرورة استعادة أمينة لهذا الماضي(4). بينما يعتبرها لويس ميلي (Louis Millet)  في كتابه:«إدراك خيال وذاكرة» بأنها «استجابة اجتماعية في ظروف غياب بعض الحقائق، ذلك أن فعل الذاكرة هو في الأصل اكتشاف إنساني،هدفه  مقاومة هذا الغياب الذي هو من خصائص الذاكرة».(5)

وينظر لويس ميلي إلى السرد (Récit) باعتباره: أثرا من إنتاج المجتمع، يقاوم به الغياب والنسيان، في حين  تحتفظ الذاكرة بنظامها الخاص المنفصل عن نظام السرد(6).

واعتمادا على ما قدمنا تكون الذاكرة عند واسيني: إطارا أكثر مما هي مضمون، رهان متواجد باستمرار،مجموعة استراتيجيات للكتابة، وكائن موجود، لا تحدد قيمته بحضوره، ولكن بما يصنع به(7).

وإذا كانت الذاكرة تسجل وتحفظ، فإنها تثبت وترسخ، بمعنى أنها ترسو بالوعي عند زمن معين، لذلك نلفي الروائي يقسم الزمان إلى مواعيد، تنظم له أوقاته،ويختار محطات يتوقف عندها، إنه يبرمج أزمنته حتى لا يتوه في مجرى ديمومة لا حدود لها، كما أنه ينصب معالمه في المكان حتى لا يفقد الاتجاه، «فالزمان سيل متصل متعاقب لا انقطاع فيه،كما أن المكان فضاء لا حد له»(8).

الذاكرة لقاء الأزمنة الثلاثة

وتتحول الذاكرة من كونها عملية استرجاع لحدث مضى في زمن سابق، أو كونها انعكاسا للواقع الحالي، إلى فضاء واسع متعدد الدلالات، لتكون لقاءً للزمن الماضي، والزمن المعيش، واستبصاراً للزمن القادم، الذي يخطط الروائي إيصال فكرته نحوه، كونه زمن التخلص من أعباء الماضي والحاضر. فيكون الروائي بذلك قد تخطى الواقع المعيش والماضي الحزين، وخلق عالما جديدا وواقعا أفضل إذا أخذنا بفكرة علاء جبر محمد في دراسته «دلالة الذاكرة في النص الروائي»(9) التي ينسجم ما جاء فيها إلى حد ما مع حالة واسيني الأعرج حول علاقة الذاكرة بالكتابة الروائية. وقد عمدت الرواية الواسينية إلى هذا النوع من أنواع الذاكرة، فكانت جزءا من بنائها السردي، وقطعة من جسدها.

كثيرا ما يرمز واسيني الأعرج إلى المكان بصورة فوتوغرافية،أو بمقطع من أغنية شعبية،كما هو الحال في وصف أحياء العاصمة «اسمع،اسمع مسكود(×) مسكين. المجنون العظيم الذي سرقوا منه مدينته الجميلة:

            وين نجي بابا سالم

            سنجاق طبول ومحارم

            وغواشي عليه ملايم

            ماذا بْنانْ ذوك السِّنينْ

            غابت النية يا فاهم

            راح ذاك الوقت الزين»(01).

إن ما يرمز إلى المكان في هذا النص الشعبي مشحون بتحديدات نفسية عدة عندما ترد إلى الذاكرة، ويزداد الصراع حولها من خلال الموقع الميثولوجي الذي يقف قبالة الموقع الجغرافي لمدينة الجزائر، حيث مشهدية المكان، والأبنية والشوارع التي تعلوها، المغشاة كلية بتداعيات رمزية، تحجب عالم الواقع الوجودي لما هي عليه الجزائر العاصمة بوصفها مدينة.

فمشهدية المكان تؤدي وظيفة ما للذاكرة الروائية الواسينية بشكل متباين عما ألفناه من تقنيات في الذاكرة الروائية لدى تشارلز ديكنز(CHARLES DICKENS) مثلا.

ويؤرخ سيمون شاما في كتابه «مشهدية المكان والذاكرة» لعلاقة التنقل ذهابا وإيابا بين مواقع جغرافية معينة والمخيلة الإنسانية، وأهم فكرة يركز عليها وبشتى الطرق المتباينة أحيانا «أن الغابات والقرى والجبال والأنهار ليست ذات حدود مشتركة مع واقع راسخ يقبع هناك، يعين هويتها ويمنحها الثبات والاستقرار. فالجغرافيا لا تحفز الذاكرة فحسب، بل تحفز الأحلام والأخيلة»(11). كانت جنازة المدينة مهولة مثل الحريق، في ميتتها البطيئة: «مسكين عبد المجيد مسكود، كان يحب مدينته، وذات صباح عندما استيقظ وجد مدينة أخرى. ماذا حصل يا ابن أمي؟لا شيء سوى أن آثار الحيطان القديمة اندثرت»(21).

وتتجه ذاكرة واسيني على الدوام إلى زمن التأسيس، تنسب إليه، وتستمد منه المعنى والدلالة. ومن هنا فإن الذاكرة تحفظ وتثبت، إنها تمثل أداة الهوية، ومن لا يتذكر لا هوية له،على حد تعبير على حرب(31).

فالذاكرة عند واسيني مستودع للخيال،ومتحف للأجساد والأشياء،تغزو المخيلة الذاكرة وتمدها بالصور وتملأ الزمان والمكان بالممكن والمتخيل معا، في تواشج وتناغم جميلين ومنسجمين.

لذلك يبدو المكان نقطة يسكن عندها ربان الوعي في كثير من النصوص الروائية عند واسيني الأعرج، ويبقى الروائي متأرجحا بين أزمنته وأمكنته، بين ذكرياته وأخيلته، بين وعيه ولا وعيه. وقد تؤول حالات التخيل القصوى بالروائي إلى فقدان الإحساس بالزمن، حيث تسيطر عليه أحلامه ورؤاه، ويتحول جسده المنهك المتعب إلى مكان خيالي، حينئذ تقوم الذاكرة الخالصة باستبعاد الجسد بما هو صورة من صور المكان، لأنه يتحول إلى عقبة تثقل الوعي فتمنعه من أن يحيا بحرية وامتلاء. وأكبر شاهد على هذه الدعوى نص «ذاكرة الماء،محنة الجنون العاري» حيث الأحداث «تجري في يوم واحد،من الرابعة صباحا حتى السادسة مساء، وعلى مدار زمن حلزوني لا شبيه له إلا الجنون العاري»(41). يسرد رجل، على حافة الموت، يحمل أعباء جسد منهك محموم، حياته قطرة قطرة، والموت ينتظره في كل زاوية من المدينة، والوطن بل العالم كله، يكتشف فجأة أن الموت سكن جسده وحوله إلى جزء منه، يدمنه كل صباح مع كأس القهوة المرة.

وشبيه حال واسيني الأعرج  بحال مارسيل بروست في عمله الروائي الكبير "البحث عن الزمن الضائع»(15)، في سؤاله عن العلاقة بين الكتابة والذاكرة،والذي تحول مع الأيام إلى هاجس أرقه طيلة حياته وذلك بالغوص إلى عمق الروابط السرية التي يمكن أن تقوم بين حياة المبدع وإنتاجه.

يصف بروست حجم التحدي الذي أوقف عليه حياته قائلا: «لقد عشت مثل رسام يصعد ممرا مرتفعا يشرف على بحيرة تخفيها عن أنظاره سلسلة من الصخور والأشجار، فجأة انفتحت فجوة أمامه فأمكن له مشاهدة البحيرة بكاملها، لكنه ما كاد يمسك بالفرشاة حتى عم ظلام ليل لن يعقبه نهار»(61).

سيرة جيل

وتأسيسا على هذه الرؤية  للذاكرة والمكان ينصرف الروائي واسيني على الدوام نحو ذاته، يحن إلى أوله،صباه في القرية، ويأتلف مع زمنه،ويستسلم لذاكرته، ولكن الذاكرة إذ هي معين لا ينضب في وجهها الأول تبدو غورا لا يرتوي،وجرحا لا يلتئم، «ومن يبحث عن نفسه في أغوار ذاكرته،يبحث عن بدء يفلت منه باستمرار،ويحن إلى أصل كلما وجده افتقده»(71).

ولا تمثل الذاكرة في المتن الروائي الواسيني زمنا فرديا،بل تحمل أبعادا زمانية جمعية أيضا،ليست ذاكرة سيرة فردية وإنما هي سيرة جيل بكامله. وإذا كانت العلاقة مع الذات أسهمت في صنع الذاكرة، فإن الصلة بالآخر تسهم بعمق في تشكيل هذه الذاكرة،حيث نلفي الصلة بالآخر تنقلنا من الفرد إلى الجماعة، ومن الرغبة إلى النسق، ومن الصورة إلى البنية، و«كما أن للفرد ذاكرته،فللجماعة ذاكرتها أيضا»(81).

وتتشكل الذاكرة الجمعية في الرواية الواسينية من السلوكات والطبائع الجماعية الثقافية، الخاصة بكل فئة اجتماعية، وقد تتحول هذه الذاكرة في بعض النصوص إلى سلوك تصوغه المحرمات والنواهي المعتقدية والحضارية والمرضية أحيانا،تنسجها الرموز والأساطير، وتغذيها المعتقدات، وتجسدها الطقوس والتقاليد، وعلى حد تعبير علي حرب «إذا كانت ذاكرة الفرد تعادل هويته الشخصية،فإن الذاكرة الجماعية تعادل هويتها الثقافية،وكل ذاكرة فردية إنما هي نسيج جمعي»(91). فالذاكرة الجماعية أقرب إلى أن تكون ذاكرة أسطورية، فهي ليست ذاكرة سردية، تستعيد الوقائع على نحو ما تفعل ذاكرة المؤرخ، وإنما تستعيد الأحداث بشكل رمزي، وتقرأ الماضي حسب منطق الرغبة، وبشفرة المخيلة والحلم.

ومن هنا تميل الكتابة الروائية عند واسيني الأعرج على الدوام إلى تقديس الأزمنة والأمكنة، والمخيال في هذه النصوص لا يحيل بالضرورة إلى التاريخ أو الواقع المعيش، وإنما هو ضرب من الكتابة الشعرية، التي تحول التاريخ إلى أسطورة، والوعي إلى توهم، والذاكرة إلى رموز، وعلى المتلقي الشغوف بقراءة هذه النصوص الروائية ألا يؤوّل الأشياء بذواتها، بل بدلالاتها.

ينحو الروائي واسيني على الدوام نحو زمن مثالي، أو فلنقل نحو لحظات صوفية، ينفلت عبرها من استلاب الزمان والمكان، قد يشبه إلى حد ما «الزمن الضائع» حسب مصطلح بروست، ذلك أن الروائي يبحث على الدوام وعبر النصوص المختلفة عن زمنه الضائع، وفردوسه المفقود، على أن الزمن في كل مرة يفلت منه، وينزلق من بين أصابعه «سيدة المقام، وأحلام مريم الوديعة، وذاكرة الماء..»(02).

وإذا كانت الذاكرة تشكل محتوى وجوهر الديمومة، فقد تكون المعبر إلى وقف الزمن من جهة أخرى ولعل هذا ما أراد "بيار نوفا" تأكيده عندما قال: «الكتابة هي القبض على تلك اللحظات المؤلمة(22). ولذلك تبدو شخصيات الرواية عند واسيني صاحبة ذاكرة رمزية تحس دائما بالنقص، والغياب، إن لم نقل بالإثم، وخير دليل على ذلك اشتغال الشخصية المركزية في نص «ذاكرة الماء» حيث تحيا هذه الشخصية زمنا ميتا، يتحول فيه الحاضر إلى أثر من آثار الماضي، تحتمي بذاكرتها، وتتماهى مع ماضيها، وتلجأ إلى مخيلتها، فيغدو الواقع ساحة للجنون، يمارس فيه الناس لعبة الحياة/الموت.

ومن هنا يكشف النص الواسيني عن نوع من التماهي بين الحدود والشرائع الفنية التي يكرسها الفن الروائي، معلنا القطيعة مع شكل فني، كان الروائي أحد أعمدته يوما قبل التسعينيات، وملوحا بكتابة روائية تعد بالكثير وتسخر أداتها الفنية لرسم ذاكرة وطن ينتحر وتسحب معها الكاتب عبر مسارات وفجوات وشقوق زمنية، تجري بسرعة البرق في زمن الكتابة.

يؤطر كل ذلك قدرة على توليد الشعر من المواقف القصصية، ورؤية ثاقبة لما يدور في الجزائر. استطاع الروائي في أعماله المتناثرة-لا المتنافرة- أن يخلص اللغة القصصية من التفاصيل، وأن يقترب بها من الشعر، إنها لغة تهتم بالإشارة أكثر مما تهتم بالجهر والإيضاح، لغة تستطيع أن تقدم عالما يوشك أن يكون عالم تجربة شعرية خاصة.

ولما كانت الذاكرة بنية روائية تستمد حيويتها من أحداث الماضي، فقد ساعدت هذه التقنية  على استثارة المتلقي ذهنيا، وشد فكره وانتزاعه من سكونه، وسحبه صوب الرواية. وقد عمد واسيني إلى طرح آلية الاستذكار في أغلب متونه الروائية،جاعلا من الذاكرة إسفنجة يمتص بها الزمن الماضي، ويقارنه بالحاضر الموجود، ويعكس عليه طموحات التغيير والسعي وراء عالم جديد يمثل حلم الكاتب.

وهكذا تبدو البيئة الشعبية وأثرها في بناء النص الروائي، عنصرا من عناصر البيئة الدينية والطقوس التي كانت تقام في القرية، برؤية طفولية، تُنْقَلُ هذه الطقوس ببراءة عبر ذاكرة تتعالق بإيقاع شعري رقراق. إنها البدايات التي صنعت ذاكرة الطفولة أو طفولة الذاكرة في النص الروائي الواسيني.

الماضي الحضاري

وتتمازج مع صور الطفولة حياة الجامعة التي هيأت للمؤلف عالم الثقافة والإيديولوجية، اكتشف الروائي من خلالها فلسفة الكتابة وشغفها،حيث تنصهر أحلام الطفولة المغتصبة لديه بفعل الدمار الذي تجلبه الذاكرة المتجددة باستمرار.

ويحول الروائي الذاكرة إلى ماض حضاري،تتآكل فيه الحروف العربية،حيث يشعر واسيني باختفاء هذا الوهج الإبداعي تحت رماد آسن، ونشعر معه بتمرد بعض الوجوه التي تعلن حضورها على الرغم من البؤس الذي تعيشه بلاد أيقن أهلها أن الجلاد يغير جلده، وسحنته في محاولة للتمويه، لكن وظيفة الاغتيال تبقى واحدة، وإن غيرت الذاكرة مسمياتها: محتل،جلاد، مغتصب، حاكم، إرهابي. تتماهي هذه الأشباح في «ذاكرة الماء،محنة الجنون العاري» و«أحلام مريم الوديعة» و«شرفات بحر الشمال»، لذلك يدعو الكاتب كل من رأى ذاكرة مشتعلة، أن يرمي عليها الماء، فإن لم يستطع فليمض منتكس الرأس، وذلك أضعف الإيمان.

وهكذا يبدو واسيني من الروائيين الذين يمنحون للنص ذاكرته الداخلية بفعل الإيقاع اللغوي الذي يمنحها طابعا خاصا، وشاعرية متميزة، ابتداء من العناوين المظللة، وانتهاء بالمعرفة التي يمنحها النص للقارئ، دون أن يشعره البتة أن هذه المعرفة تنفصل عن المتعة والجمال الفني الذي ينبغي أن يصحب قراءة كل رواية.

وقد حافظ الروائي في الحالات كلها على الصورة الفنية، والإشراقات التعبيرية، الشاعرية أحيانا داخل السرد،بالإضافة إلى قدرته على سحب أحاسيسه، وزحلقتها من زمن لآخر. ونعتبر هذه الخاصية تقنية تمثل  موقف الروائي من الزمان الماضي والحاضر، واستشراق المستقبل، وقد يتجاوز النص الزمن الذي تدور فيه الأحداث، ما يجعله نصا قابلا للتفتح على قراءات مستقبلية متعددة لا تنتهي بانتهاء جيله.

إنها رؤية فنية خاصة بواسيني الأعرج يبرز فيها دور الذاكرة في التصوير الروائي، وبناء السرد داخل الرواية.

وأخيرا ماذا نعني باستعادة الماضي أدبيا؟ وكيف السبيل إلى ذلك؟

نعتقد أن واسيني الأعرج على غرار معاصريه يعتبر الذاكرة في بعدها الأدبي-الروائي على الخصوص- لا تخضع لقانون محدد، بل إن قانونها يكمن في استحالة توقع حدوثها، ولا يضمن لحظة الخلق الفني من حيث هو تذكر أو ذاكرة إلا الصدفة كما يقول محمد الصغير جنجار(22).

 

×جامعة وهران- الجزائر

 

 





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع