|
القضية الفلسطينية في
فكر اليمين الاسرائيلي
أنور سعيد الحيدري ×
القضية الفلسطينية تتمثل أساساً بمسألة الصراع على
السيادة في فلسطين. وهي القضية التي عدها العرب قضيتهم المركزية
الأولى، واهتم بها العالم الاسلامي كبير اهتمام، لا سيما في ما يتعلق
بالقدس.
وكانت القضية الفلسطينية كانت حاضرة في فكر اليمين
الاسرائيلي منذ ان ظهر مع ظهور المشروع الصهيوني، وبجميع تياراته،
الاصولية والعلمانية. وظلت حاضرة قبل استلامه السلطة وبعد استلامه لها
العام 1977.
ونعني باليمين الاسرائيلي تلك القوى او التيارات
الفكرية السياسية التي اتسمت بأكثر من سمة:
- التشدد او التطرف في الرؤية والموقف من القضية
الفلسطينية والصراع العربي بشكل عام.
ـ عد الديانة اليهودية مصدراً للتشريع، او اساساً
قومياً وإيديولوجياً، أو كلاهما معاً.
ـ تبني النهج الرأسمالي واقتصاد السوق.
ويمكن تصنيف قوى اليمين الاسرائيلي الى علمانية
وأصولية. كما يمكن تصنيف الاخيرة الى صهيونية وحاريدية. ويعد حزب
الليكود اكبر قوى اليمين العلمانية، بل اكبر قوى اليمين الاسرائيلي. في
حين يعد المفدال اليوم اكبر قوى الاصولية الصهيونية واكثرها رسوخاً.
بينما يعد شاس اكبر قوى الاصولية الحاريدية، بل اكبر قوى الاصولية
اليهودية.
ولدت المشكلة الفلسطينية عندما وجد الصهاينة ان حل
المشكلة اليهودية يأتي عن طريق اقامة «وطن قومي» لليهود في فلسطين.
وجاء اختيار الصهاينة لفلسطين لأسباب تاريخية وقومية وكما كان يقول
هرتزل «...مجرد الاسم هو صرخة عظيمة جامعة».
ورغم علمانية الحركة الصهيونية فقد اعتبرت اليهودية
«الاساس القومي للشعب اليهودي». اي ان الصهيونية وجدت في اليهودية
تراثها القومي والتاريخي، لا منهجها السلوكي والتشريعي. من هنا فإن
الصهاينة جعلوا من الصهيونية مرادفاً لليهودية، ومن اليهودية صنواً
للصهيونية، والفاصل بين المفهومين هو عنصر الزمن بدرجة اساس.
فاليهودية: صهيونية دينية محافظة، والصهيونية: يهودية سياسية حديثة،
والقاسم المشترك بين المفهومين هو «القومية اليهودية». لقد ارتكزت قوى
اليمين العلمانية على القوة كسبيل امثل لتحقيق الهدف الصهيوني. وبمرور
الزمن تحولت المشكلة الفلسطينية الى مشكلة امنية بالدرجة الاساس، اما
المتسبب بالمشكلة فهم العرب، وكل رافض لفكر اليمين، ويشمل ذلك حتى قوى
اليسار الاسرائيلي.
ولكن ما هي فلسطين؟ وما هي الحدود التي طالب بها
اليمين الصهيوني؟
بداية لا وجود لمفردة (فلسطين) في فكر اليمين
العلماني، بل هناك «ارض اسرائيل» وهي غير واضحة المعالم، لكنها عموماً
اكبر مساحة من فلسطين المحتلة اليوم. واستمر اليمين ردحاً من الزمن
يطالب بشرق الاردن على اساس انه جزء من «ارض اسرائيل» اقتطعته بريطانيا
لتمنحه للعرب. اما اليوم فإن قوى اليمين العلمانية ترضى بما بين البحر
والنهر ـ فضلاً عن الجولان ـ كحدود لـ «دولة اسرائيل».
وتحظى القدس بمكانة دينية وتاريخية وقومية عالية في
فكرها. ومن هنا دعت الى السيطرة عليها العام 8491، ورحبت بضمها ادارياً
العام 7691، وقامت بضمها سياسياً العام 0891 واستثنتها من أية مفاوضات.
اما الضفة الغربية فقد عدت هي الاخرى جزءاً من «ارض
اسرائيل»، وطالبت بضمها. الا ان فكرة الضم تراجعت بعد تولي الليكود
السلطة العام 7791 لتؤجل لما بعد انتهاء مدة الحكم الذاتي، وهو ما لم
يحدث لأسباب داخلية وخارجية، الامر الذي جعل من فكرة الضم الرسمي اليوم
في حكم الخيال. ومع ذلك فإن اليمين ظل متمسكاً بفكرة السيطرة على الضفة
الغربية لأسباب امنية واستراتيجية، ولأسباب إقتصادية وتاريخية. في حين
رضخ مؤخراً للتنازل عن غزة رغم كونه يعدها جزءاً من «أرض إسرائيل»
أيضاً.
اما الاستيطان فيعد بمثابة العمود الفقري للمشروع
الصهيوني. فالمشروع الصهيوني جاء ليقيم «دولة اسرائيل» على «ارض
اسرائيل» التي كانت خالية من «شعب اسرائيل». وعليه فلا بد من نقل
(الشعب) الى (الارض). ووفق هذه الرؤية سارت قوى اليمين العلمانية،
وفضلاً عن ذلك وجدت في الاستيطان مزايا أخرى اهمها فرض الوقائع على
الارض.
أما (شعب فلسطين) فليس له وجود في فكرها.
فالفلسطينيون هم كل من سكن «ارض اسرائيل»، ومن بينهم عرب هم جزء من
قومية اخرى. اي لا وجود لخصوصية قومية او وطنية او سياسية للفلسطينيين
في فكر قوى اليمين العلمانية. وقد اضطرت تلك القوى الى ترديد مصطلح
الشعب الفلسطيني بعد اوسلو.
من جهة اخرى، تنفي قوى اليمين العلمانية اية
مسؤولية عن التسبب في مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. اذ تعزوها الى اسباب
شتى كفرارهم من الحرب، ودعوة الدول العربية لهم الى ذلك، وحصول تبادل
سكاني. كما عدت الفصائل الفلسطينية منظمات إرهابية لا تفاوض معها. الا
ان الليكود رضخ مرغماً للواقع الذي افرزته اوسلو باعترافها بمنظمة
التحرير الفلسطينية.
وطالما انه ليس هناك ارض فلسطين ولا شعب فلسطين فقد
رفضت قوى اليمين العلمانية حق اقامة دولة فلسطينية. الا انها اعترفت
بهذا الحق بعد ردح من الزمن. ولكن تردد ان الدولة الفلسطينية قائمة
فعلاً في الاردن. وبعد اوسلو اضطر الليكود الى الاقرار بوجوب قيام دولة
فلسطينية، فرسم ملامح دولة فلسطينية الاسم، اسرائيلية المواصفات.
اما حل المشكلة الفلسطينية في فكر قوى اليمين هذه
فإنه يأتي عن طريق السلام. ولكن اي سلام؟ إنه (سلام الردع) المرتكز على
قوة اسرائيلية لا طاقة للعرب على اقتحامها. وهذا السلام يجب ان يكون
عماد أية تسوية.
وضمن سياق التسوية، فإن قوى اليمين العلمانية التي
ظلت في المعارضة لم يكن لديها تصور واضح لحل المشكلة الفلسطينية، بيد
انها بعد العام 7691 ظلت ترفض اي انسحاب محتمل من الاراضي المحتلة. بل
انها طالبت بضم كامل الاراضي العربية المحتلة الى الكيان الاسرائيلي.
وبعد وصول الليكود الى الحكم العام 7791 وجد ان
الحل يتمثل في مشروع بيغن للحكم الذاتي. ولم يتمكن من الخروج عن هذا
الحل حتى جاءت اوسلو وتداعياتها. واستمر في التنازل حتى رضخ مؤخراً
للتنازل عن غزة وأجزاء من الضفة.
أما قوى الاصولية اليهودية فإنها وقفت بالضد من
المشروع الصهيوني بداية، وذلك لعلمانيته وسعيه لإقامة الدولة اليهودية،
وهي المهمة المنوطة بالإرادة الالهية حصراً. بيد أن تقرب الصهيونية من
اليهودية، وإخفائها لهدف (الدولة) تحت ستار مصطلح الوطن القومي،
ومحاولتها اظهار المشروع الصهيوني على انه مشرع انساني اكثر منه سياسي،
جعل اغلب قوى اليهودية الارثوذكسية تقترب من الصهيونية، وتنخرط في
المنظمة التي انشأتها.
إلا انه بمرور الوقت بدأت الملامح العلمانية
للمنظمة الصهيونية تتضح اكثر فأكثر، لا سيما في مجال التعليم. الامر
الذي دفع قسماً الى الانسحاب من المنظمة، والعودة الى الاعلان الصريح
عن معارضتها لأفكارها، فوجد تيار الاصولية الحاريدية. اما القسم الذي
بقي داخل المنظمة فهو تيار الاصولية الصهيونية الذي انطلق من نزعة
توفيقية بين الصهيونية واليهودية.
ويعد الحاخام ابراهام كوك ابرز منظري الاصولية
الصهيونية. وأخذ يواصل اسباغ البعد الروحي على فلسطين. وجعلت الاصولية
الصهيونية من الصهيونية مرادفاً لليهودية، وارجعتها الى خراب الهيكل
تارة، والى النبي موسى (ع) تارة اخرى، بل الى «...اللحظة التي قال فيها
الله تعالى لابراهيم: إنك ستصبح شعباً». وما حدث في العام 7981 هو جزء
من عملية الخلاص، مثلما إقامة الدولة هو جزء من عملية الخلاص أيضاً.
وتولت الاصولية الصهيونية مهمة اسباغ رداء الشرعية
الدينية على الصهيونية وقياداتها العمالية العلمانية. واستمر التحالف
وثيقا ًبين الجانبين حتى انفصمت عراه العام 7791، ومنذ ذلك التاريخ
وهـي في تحالف مع قو ى اليمين العلمانية.
وعموماً وجدت قوى الاصولية الصهيونية ان طبيعة
المشكلة الفلسطينية هي دينية اولاً . والمتسبب فيها هم العرب، وكل من
لا يمنح تأييده المطلق للكيان الاسرائيلي.
وبطبيعة الحال، لا وجود لـ (فلسطين) في فكر
الاصولية الصهيونية. وما موجود هو فقط «ارض اسرائيل» بحدودها
التوراتية، وهذه الحدود غير واضحة المعالم، وهي في اقصاها تمتد من نهر
النيل في مصر الى نهر الفرات. الا ان «المفدال» أقر بما بين البحر
والنهر حدوداً لـ «دولة اسرائيل» اليوم.
و«ارض اسرائيل» مقدسة. ولا يجوز التنازل عن اي جزء
منها. بيد ان للقداسة أجزاء عشرة، ثمانية منها القدس. التي اعلن فيها
الحاخام كوك ان فريضة الاستيطان لوحدها تعادل بقية الفرائض الدينية
جميعاً.
اما الفلسطينيون فهم غرباء. وعليهم الاقرار بسيادة
«شعب اسرائيل» على «ارض اسرائيل». ومن يعارض ذلك فعليه الرحيل، ومن
يقاوم فإن قتله مسوغ دينياً: لاعتراضه الارادة الالهية، وتهديده لحياة
الفرد اليهودي، وكونه من نسل العماليق الذين امر الله بإبادتهم.
وفي حين ان حل المشكلة الفلسطينية يأتي عن طريق
السلام. هناك نوعان من السلام: الاول حقيقي دائم، والثاني ممكن مؤقت.
الاول: يصنعه المسيح، والثاني يمكن ان يتم في مرحلة ما قبل المسيح.
وضمن سياق النوع الثاني فقد رفضت قوى الاصولية الصهيونية اي انسحاب من
الاراضي المحتلة. وساند المفدال اتفاقيات كامب ديفيد شريطة ان لا تؤدي
الى قيام دولة فلسطينية، الامر الذي رفضته قوى الاصولية الصهيونية
بشدة، ورفضت قوى الاصولية الصهيونية مسيرة التسوية من مدريد الى اليوم.
اما قوى الاصولية الحاريدية فظلت رافضة للمشروع
الصهيوني ومعارضة له. بيد أن ما جرى في اوروبا من احداث في المرحلة
التي سبقت الحرب العالمية الثانية وتلت اندلاعها، دفع بها الى نوع من
التعايش مع الصهيونية، وقبولها بدولة لليهود تسود فيها التوراة لحين
قيام الدولة اليهودية الموعودة.
ورغم تقديس قوى الاصولية الحاريدية لـ «ارض اسرائيل»،
الا ان الفرد اليهودي وسلامته اكثر قداسة من الارض ومن هنا وجدت في
المشروع الصهيوني ما يستفز ويستعدي «الاغيار» الكارهين لـ «الشعب
المختار». وعليه فإن المتسبب في المشكلة الفلسطينية هم الصهاينة اولاً،
لأن مسألة عداء العرب و«الاغيار» لليهود مسألة محسومة ازلياً، وعليه
فإن الخطأ يكمن في استفزازهم. هذا ونظرت الاصولية الحاريدية الى
المشكلة الفلسطينية على اساس انها مشكلة ذات طبيعة سياسية - امنية
بالدرجة الاساس.
وانطلاقا مما تقدم لم تعر الاصولية الحاريدية كبير
اهتمام للمشكلة الفلسطينية ومحاورها بقدر اهتمامها بمصالحها المادية
والتشريعية. الا ان القدس ظلت بعيدة عن المساومة في فكرها، من هنا
فإنها اجازت انسحاباً اسرائيلياً من اراض محتلة اذا كان في ذلك حفاظ
على سلامة الفرد اليهودي. اما الفلسطينيون والعرب عموماً فهم (حيوانات
مفترسة) يجب ابادتها او اتقاء شرها بالحكمة.
وعلى صعيد حل المشكلة الفلسطينية فإن قوى الاصولية
الحاريدية أعربت عن مساندتها لأي مشروع يؤدي الى حقن الدم اليهودي، ذلك
ان «الدم اليهودي الذي يسفك، ليس له بديل او ثمن»، على حد تعبير
الحاخام بروش. من هنا ساند «اغودات يسرائيل» كامب ديفيد، بيد ان
مساندتها ارتبطت بالمكاسب التي يمكن ان تحصل عليها اذا ما ساندت اي
مشروع يقدمه احد الحزبين الكبيرين «العمل» او «الليكود».
والخلاصة هي ان القضية الفلسطينية في فكر اليمين
الاسرائيلي تباينت ما بين تيار وآخر، بل داخل القوى المتعددة في التيار
الواحد. كما ان اليمين الاسرائيلي، وعلى مدى اكثر من قرن من الصراع
العربي - الصهيوني، قد طرأت العديد من المتغيرات على فكره او سلوكه
السياسي. وهذه المتغيرات كانت احياناً نتيجة المراجعة، وأحياناً اكثر
نتيجة الرضوخ للمتغيرات الداخلية والخارجية.
× ما تقدم كان موجزاً لرسالة نوقشت في كلية
العلوم السياسية - جامعة بغداد، وكان تقديرها الامتياز. |