العدد

165 :

الثلاثاء, اغسطس 19, 2008 - 23:35 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
فكر
بلاد العرب
ملفات
دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 
 

هل الفدرالية استقرار للعراق؟

  

    يرى أحد أعضاء الكونغرس الأمريكي في لجنة الدفاع، ان الولايات المتحدة كانت قد خصصت ما يقارب تسعة اشهر من الوقت للتخطيط للحرب على العراق، في الوقت الذي لم تخصص فيه سوى ثمانية وعشرين يوماً فقط للسلام، وعليه فإن الأمر يتطلب الكثير من الوقت لتحقيق السلام والحفاظ على المكاسب العسكرية، وإنشاء ديمقراطية مستقرة في العراق.

 

    إن العمل على إنشاء نظام حكومي قادر على تحقيق التوافق بين المجموعات المختلفة عرقيا ودينيا، يجب ان يسبق التعامل مع الاستبداد السياسي والعسكري لنظام صدام حسين، لأن ذلك سوف يسهم في تحقيق السلم والأمن، وفي ظل غياب هذا الامرستعمل الاختلافات العرقية والدينية على القيام بدور مهم يقود في النهاية الى قيام صراعات عنيفة، وقد يصل الأمر الى المطالبة بالاستقلال من قبل بعض مكونات الشعب العراقي، وهو ما يعيق إمكانية قيام أية حكومة ديمقراطية بالمحافظة على النظام في عراق المستقبل.

 

    وعليه يمكن القول ان الفدرالية لها القدرة على تحقيق السلام ومنع الصراع العرقي او المطالبة بالانفصال إذ يتم السماح للمجموعات المختلفة بإمكانية إدارة شؤونها الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، وتوفير الشعور بالأمن، لكن مما يجب أخذه بنظر الاعتبار أن هذا الأمر لا يعني ان النظام الفيدرالي قادر على تحقيق ذلك وانما يحقق ذلك النظام الذي يضمن للأقاليم سلطات سياسية، ومالية واسعة.

 

العراق : خطوط التقسيم

 

      تهدف الديمقراطية الى ضمان تحقيق التمثيل والحماية لكل أفراد المجتمع، إلا أنّ تحقيق مثل هذا الأمر في العراق دون السماح بوقوع الصراعات العرقية ليس بالمهمة السهلة، وبهذا الصدد يرى ـ ريتشارد ردهولبروكس ـ السفير الأميركي السابق في الأمم المتحدة والمفاوض الرئيسي في اتفاقيات (دايتون)× عام 1995، (أن تحقيق الديمقراطية في العراق ليس بالأمر الهّين مع وجود المواقف المتطرفة للقيادات الشيعية والسنية والكردية، ويمكن ان يقع القتال فيما بينهم في أي يوم لا نكون موجودين فيه).

 

     وتتعرض عملية تأسيس حكومة ديمقراطية في العراق الى جملة مخاطر، فبروز أية جهة تمثل مجموعة عرقية او لغوية او دينية سوف يفهم على أنه قمع لحريات المجموعات العرقية الأخرى في الدولة، وعلى أية حال، يوجد في العراق ثلاثة كيانات أساسية تمثل أغلبية الشعب العراقي، وهي ذات تاريخ طويل من النزاعات فيما بينها، وتقسم تلك الكيانات العراق على الصعيدين الديني والعرقي، ويُعد العرب اكبر مجموعة عرقية فهم يمثلون نسبة (75%) من سكان العراق ويعيشون في الأجزاء الوسطى والجنوبية من العراق، في حين يشكل الأكراد اكثر من (20%) من سكان العراق، ويسكنون المناطق الشمالية، والأغلبية العظمى من العرب هم مسلمون وينتمون الى طائفتين رئيسيتين، هما الشيعة وتبلغ نسبتهم (55-65%) من المسلمين في العراق والسنة حيث يمثلون 30-40%، حيث يعتقد الشيعة بالإمامة والتي تتمثل في ـ الإمام علي بن أبى طالب ـ كقائد للمجتمع الإسلامي في خلافة الرسول محمد (ص) في حين يعتقد السنة بان القادة يجب ان يتم اختيارهم وفق صفات مميزة.

 

    أما الأكراد وهم المجموعة العرقية الثانية في العراق فيعيشون منذ القدم في الجزء الشمالي من البلاد، وقد أدت العوامل الدينية والعرقية الى التسبب في حدوث تقاطع بين العرب والأكراد، وعلى الرغم من انتمائهم جميعاً الى الإسلام، فمعظم الأكراد هم من السنة بالرغم من انتماء البعض منهم الى الديانة اليزيدية، ـ والتي تضم خليطاً من التعاليم المسيحية والإسلامية واليهودية ـ، وبالإضافة الى ما تم ذكره سابقاً يوجد هناك مجموعات عرقية أخرى في العراق، مثل التركمان، والسريان الذين يشكلون اقل من (5%) من سكان العراق.

 

    وعلى صعيد العلاقات بين العرب والأكراد تاريخياً، شهدت تلك العلاقات توتراً كبيراً في العراق، فالحكومة العراقية عملت على اتباع سياسة لم تقتصر على استبعاد الأكراد من مواقع السلطة فحسب، وانما عملت كذلك على اذابتهم عرقيا كجزء من برنامج التعريب الذي انتهجته تجاههم من التكلم باللغة العربية او منع التدريس بلغتهم في المدارس، وممارسة الضغوط عليهم لتبني الأسماء العربية في الوثائق الرسمية، مثل (البطاقات التعريفية) للمواطن العراقي.

 

    وقد استخدم نظام صدام حسين هذه الطريقة مع الإكراه العسكري، فقد عملت الحكومة على تقويض قوة الأكراد في الشمال عن طريق طردهم من الأقاليم، في عمليات تدمير آلاف القرى وقتل سكانها، حيث تم قتل اكثر من (100000 كردي) في عام 1988 في حملة الأنفال وحدها، إذ تم استخدام السلاح الكيمائي ضدهم.

 

    وعلى الرغم من وجود صراع عرقي كبير في العراق، إلا إن الصراع الطائفي يُعد الأكثر شدة في العراق، حتى بعد انتهاء الحرب العراقية _ الإيرانية، والتي قام الشيعة فيها بدعم السُنة ضد الحكم في ايران، ورغم ان الشيعة هم الأغلبية، إلا أنهم حرموا ولفترات طويلة من السلطة، وظلوا بعيدين عنها وهو ما يجعل السلطة بيد السنة، وحتى قبل مجيء صدام الى السلطة كان السُنة من العناصر المفضلة في الدولة والمواقع الرئاسية، وفي الحزب والقوات الأمنية، وخلال أربعة وعشرين عاماً من حكم صدام كان هناك تفضيل للسنة على حساب الشيعة، حيث منع الشيعة من ممارسة شعائرهم الدينية، كما تم ممارسة سياسة الإقصاء ضدهم، وتم اعتبارهم تهديداً للسلطة.

 

    ومنذ حرب الخليج العربي- الفارسي عام (1991)، تم إطلاق تسمية (عرب الاهوار) على الشيعة في الجنوب، وعند ما حاولوا قلب نظام صدام قام الجيش العراقي بقتل الآلاف منهم، وكذا الحال بالنسبة للأكراد الذين تمردوا على النظام، وقد عملت الحكومة على إنشاء راديو السلام ذي الطرح السُني من اجل مواجهة هذا الأمر، وقد ازداد التوتر بين الشيعة والحكومة باغتيال السيد (محمد صادق الصدر) عام (1999)، حيث أدى ذلك الى قيام تحرك شعبي في البصرة مما دفع الحكومة إلى قمعه عن طريق قتل العديد من المواطنين الذين اشتركوا في هذا التحرك، وإلقاء القبض على الآخرين.

 

    ويمكن القول إن وجود مثل هذا التنوع العرقي والطائفي في العراق، فضلاً عن التوترات الموجودة، يدفع المجموعات العرقية والدينية إلى دعم النظام الفيدرالي كونها ترى فيه الحل المناسب لها.

  

الأرضية المشتركة

 

    هناك دول عديدة تتصف بتنوع عرقي، مثل كندا والهند وأسبانيا، وسويسرا، واستطاعت تحقيق ديمقراطية مستقرة عن طريق الفدرالية، فعلى الرغم من وجود التوتر بين المجموعات العرقية والدينية المختلفة، الذي قد يؤدي في بعض الأحيان إلى حدوث تصادم فيما بينهم، إلا ان مجمل هذا الأمر يتم من خلال إطار سياسي صحيح، وعليه يمكن القول ان بإمكان العراق تأسيس نظام ديمقراطي مستقر يقوم على نظام فيدرالي.

 

   وبالنسبة للأكراد (وهم الأكثر تحمساً لدعم الفدرالية)، فعلى الرغم من ان البعض منهم يدعو إلى الاستقلال، إلا ان الأغلبية ذات التوجه البراغماتي تدرك عدم إمكانية منح الاستقلال لهم، نتيجة الرفض التركي لهذا الأمر، لما يشكله من آثار سلبية على تركيا بسبب وجود عدد كبير من الأكراد فيها.

 

    ويرى الأكراد ان الفدرالية سوف تمكنهم من السيطرة على العديد من القضايا السياسية والاجتماعية التي لها تأثير في حياتهم، وتمكنهم كذلك كذلك من حماية هويتهم من أي تهديد قد يحصل لها مثلما حصل في الماضي، وعليه نجد ان الأحزاب الكردية الرئيسية ـ الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني ـ تؤيد وتدعم الفدرالية، ويبرز ذلك من خلال تصريحات (مسعود البرزاني) رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني والذي يرى ان الفدرالية سوف توحد العراق وتسهم في حل مشاكله، ويرى كذلك أنها تدعم سيادة ووحدة العراق، وفي السياق ذاته يرى (جلال الطالباني) مؤسس الاتحاد الوطني الكردستاني والسكرتير العام له بأن الفدرالية سوف توحد العراق، وتحمي الحقوق الشرعية، ومطالب جميع الناس في العراق.

 

    ويبدو أن الفدرالية هي النظام المختار ليس للأكراد فحسب، فقد عبر جميع قادة المعارضة العراقية الذين عارضوا النظام قبل سقوطه عن دعمهم للفدرالية في العراق، حيث صوتت المعارضة العراقية للمرة الأولى حول دعمها للفدرالية في أيلول عام (2002) في مؤتمر لندن الذي ضم الأكراد والسُنة والشيعة، وقد اتفق أعضاء المؤتمر على أن مستقبل الدولة العراقية سوف لن يكون ديمقراطياً، إذا لم تكن الفدرالية عنصراً اساسياً في البناء وان الفدرالية هي الشكل الضروري للديمقراطية، كونها تحمي الأقلية من هيمنة الأكثرية.

 

   وقد قادت الولايات المتحدة الأميركية قوات التحالف وعملت على دعم الفدرالية وسمحت للأكراد بأن يكون لهم استقلال جزئي، في حين نجدها قد عارضت الاستقلال الكامل للأقاليم، وتتبنى الولايات المتحدة الأميركية خطة جدية بشأن الفدرالية، فقد تحفظت بشأن القضايا المتعلقة بالفدرالية فيما إذا كان على حكومة الإقليم توسيع سلطاتها، أو فيما إذا كان على العراق بناء حكم فدرالي او تجاوز الأبعاد العرقية والدينية، وأعلنت الولايات المتحدة الأميركية بأنها سوف تأخذ على عاتقها وبصور مؤقتة منع الأكراد من السيطرة على كركوك، وأصرت على أنّ الشعب العراقي هو من يحدد نظام الحكم الذي يرغب به، ولهذا تسعى الولايات المتحدة الأميركية للسماح للعراقيين بتقرير الكيفية التي يمكن من خلالها حكم البلاد بأنفسهم.

 

    ومن الجدير بالإشارة إدراك معارضة الفدرالية في العراق، وإقليم الشرق الأوسط، كونها مسألة مهمة، فعلى سبيل المثال يخشى الأتراك من ان النظام الفدرالي في العراق سوف يمكّن الأكراد من السيطرة على حقول النفط في كركوك، مما قد يشجعهم على المطالبة بدولة مستقلة، وهو ما يؤدي بالمحصلة النهائية الى مطالبة أكراد تركيا بذلك أيضاً.

 

    وبهذا الصدد يرى ـ عبد الله غول ـ وزير خارجية تركيا، أنّ تركيا سوف تتدخل لمنع الأكراد من جعل كركوك عاصمة لإقليم كردستان العراق في حالة دخول القوات الكردية إلى مدن كركوك والموصل، وفي نهاية شهر آذار قامت تركيا بإرسال قواتها الى شمال العراق من اجل ضمان وحدة الإقليم العراقي حسب قول (غول ).

 

     وقد تحفظت الاقليات في الجزء الشمالي من العراق بشأن تأسيس فدرالية في العراق خوفاً من ان يمارس الأكراد التمييز في حالة سيطرتهم على الإقليم الشمالي، على الرغم من ضم المجلس الإقليمي لمنطقة كردستان ـ والذي تأسس في المنطقة التي تم حظر الطيران العراقي فوقها، والتي اسهم الأمريكان في إيجادها بعد حرب الخليج الأولى عام 1991، لأعضاء من الأحزاب الكردية الرئيسية، والتحالف المسيحي السرياني، حيث وعد هذا المجلس باحترام جميع المواطنين في الإقليم)، وتخشى بعض الاقليات مثل التركمان والسريان من أن تقوم حكومة إقليم كردستان بالحد من حقوق الاقليات بحجة حماية الهوية الكردية، والعمل على فرض قوانين تمنع غير الأكراد من استخدام لغتهم وممارسة شعائرهم الدينية، والتمتع بحقوقهم.

 

    وفي هذا الصدد يرى ـ سنان احمدـ رئيس جبهة تركمان العراق ـ انه في حالة محاولة إحدى المجموعات ان تعطي لنفسها الأفضلية على غيرها من المجموعات، فإن ذلك سوف يؤدي إلى حرب أهليةـ، ففي حالة حصول تقسيم فإن ذلك سوف يقود الى حرب عرقية، وانطلاقاً من ذلك تعارض الاقليات مسألة الحكم الفدرالي، إلا أنها تدرك عدم جدوى معارضتها للحكم الفدرالي في العراق، ولذلك يجب ان يتم العمل من اجل بناء برلمان واحد، وهو ما يؤيده (سنان احمد) حيث يقول:ـ (المواطنة تكتمل وتُقبل فيما إذا تم تصديقها مستقبلاً).

 

     إن الخوف من عملية فرض شكل من أشكال الحكومة في العراق دون السماح للعراقيين أنفسهم بالقيام بعملية اختيار الحكومة الجديدة يدفع الولايات المتحدة الى العمل على الارتقاء بالفدرالية في الدولة العراقية، وفشل الولايات المتحدة الأميركية في تحقيق أهدافها بإيجاد حكومة مستقرة وديمقراطية في العراق،  يجعل العراق اكثر تهديداً للأمن الأميركي عما كان عليه قبل الحرب، ومع ذلك فإن أي شكل من أشكال الحكومة يجب أنْ يكون نتاج قرار الشعب العراقي، ويتطلب هذا الأمر أنْ تقوم الدوائر الأميركية بدفع القيادة السياسية العراقية الى تبني الفدرالية، والعمل على طمأنة تركيا بان الولايات المتحدة الأميركية سوف لن تدعم استقلال الأكراد، وأنها ستستخدم الضغوط الاقتصادية والسياسية من اجل عدم استقلال الأكراد، وان الأكراد سيبقون ضمن إطار العراق الواحد.

  

الدعم الإيجابي والتقييد السلبي.

 

    من اجل أنْ تكون الفدرالية قادرة على تحقيق الاستقرار ودعم الديمقراطية في العراق، يجب ان يتم اتباع الخطوات الآتية:ـ

  

1ـ توزيع السلطة المالية والسياسية.

 

    يجب التأكيد على إقامة الفدرالية في العراق، والتأكيد على امتلاك حكومات الأقاليم القدرة على التعبير عن قواها السياسية والمالية، وان تحمي الحكومات المجموعات العرقية والدينية المختلفة، من اجل منع الصراع العرقي والانفصال.

 

   حيث أن هناك بعض التجارب الفاشلة التي من نماذجها كل من اندونوسيا وماليزيا ونيجيريا، لأنها لم تعط أقاليمها الكثير من الاستقلال الذاتي، وعليه يمكن القول ان حكومات الأقاليم إذا لم تحصل على السلطات التي تمنح لها على الورق ـ بمعنى إنكار تلك السلطات على الصعيد العملي ـ فإن الفدرالية سوف يصيبها الفشل.

 

    وكحد أدنى ينبغي أنْ تتمتع حكومات الأقاليم بسلطات تمكنها من تنظيم السياسة الخاصة بالتعليم واللغة، وتمكين الشيعة والأكراد من حماية هويتهم التي تم محقُها في الماضي من قبل الحكومة العراقية، فضلاً عن تمكين حكومات الأقاليم من السيطرة على مجالات عديدة، مثل الصحة، والبطالة، والتجارة الداخلية.

 

    ومن جانبها يجب على الحكومة الفدرالية أنْ تبقي سيطرتها على القضايا المؤثرة في كيان الدولة، مثل الدفاع، والشؤون الخارجية، والمالية، والمواطنة، أما فيما يخص المجموعات العرقية والدينية في العراق فيجب عليها أنْ تتكامل ضمن قوات الجيش العراقي، مع وجود تمثيل عادل لكل المواطنين، لأن السماح لكل إقليم بأن يمتلك قواته العسكرية سيؤدي إلى حدوث انفصال وصراع عرقي.

 

    وفي ظل النظام الفدرالي، ينبغي على حكومات الأقاليم امتلاك سلطات مالية تمكنها من وضع سياسات اقتصادية لسد الحاجات المحدودة للإقليم، فمن دون مصادر مالية فإن حكومات الأقاليم سوف تبقى معتمدة على الحكومة المركزية، مما يَحدُ من استقلالها الذاتي، ويَحدُ من قدرتها على تحقيق السياسات التي يرغبون بها، وبما أن الجزء الأكبر من الدخل العراقي يأتي من مبيعات النفط، فإن البلاد بأكملها يجب أنْ يكون لها حصة من هذا الريع النفطي، وينبغي أنْ تتمتع الأقاليم التي تنتج النفط بحصة أكبر بسبب كونها مناطق إنتاج، ولكونها اكثر عرضة للآثار السلبية الناتجة، مثل تلوث البيئة الناجم عن استخدام واستخراج النفط.

 

    والوضع في العراق مشابه للوضع في نيجيريا، حيث الاحتياطي النفطي الكبير، وحيث تبرز المشكلة ذاتها بشأن تقسيم عائدات النفط.

 

     وترى الأقاليم الغنية بالنفط بأنها تتحمل تكاليف اقتصادية وبيئية، ولذلك فإنها تستحق الحصول على حصة اكبر من عائدات النفط، وقد دفعت هذه الحقيقة إلى حدوث أعمال عنف، مثل تدمير أنابيب النفط بصورة مستمرة من اجل جلب انتباه الحكومة الوطنية، ودفعها إلى الاستجابة لمطالبها، ومن جانبها قامت الحكومة النيجيرية بتقديم الوعود لتلك الأقاليم الغنية بالنفط لإعطائها نسبة اكبر من الأقاليم غير النفطية، ولكن ولسوء الحظ لا يوجد تدقيق في نيجيريا حول الكيفية التي يتم من خلالها صرف تلك العائدات، فضلا عن التنافس الكبير على العائدات في تلك الأقاليم الغنية بالنفط في دلتا النهر، مع وجود هيمنة غير مشروعة على النفط في تلك الأقاليم.

 

    أما تركيا، فإنها تخشى أنْ تؤدي الفدرالية في العراق إلى استقلال الأكراد، مما قد يؤثر سلبا عليها، وقد يضطر الأكراد الى اللجوء الى العنف في حالة شعورهم بأنهم لا يتمتعون باستقلالية في الأمور المالية والسياسية، ففي اتفاقية الحكم الذاتي عام (1970) رفضوا تلك الخطة كونها لا تعطي ولا تمنح حكومة الإقليم السلطة السياسية الكافية، فضلاً عن كونها لم تضم كركوك، وعليه يمكن القول بإمكانية تجدد القتال بين الحكومة والأكراد في حالة محاولة الحكومة فرض سياستها على الأكراد وأهدافهم.  

 

الحدود الإقليمية لا تتجاوز الأبعاد الدينية والعرقية.

 

    إضافة الى الضمانات التي سوف يتم أخذها لمنع هوية معينة من الهيمنة على الحكومة، يجب أنْ يتم رسم حدود حكومات الأقاليم في العراق وفق الأبعاد العرقية والدينية، حيث توجد ثلاث مجموعات تشكل الأغلبية وتمتلك السيطرة على الشؤون الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية.

 

    ان رسم الحدود الإقليمية للعراق دون تجاوز الإبعاد العرقية والدينية سوف يعمل على خلق ثلاثة حكومات إقليمية متباعدة في العراق، تضم الأكراد، والشيعة، والسنة.

 

     ويدعم الأكراد وبشكل عملي رسم حدود الأقاليم بهذه الطريقة، والمتمثل في تأسيس نظام فيدرالي يقود الى تقسيم الحكومة وفق الأبعاد العرقية والدينية، ويقسم العراق الى أقاليم مستقلة.

 

    ويتفق السُنة كذلك مع هذا الرأي وذلك لان الشيعة يفوقونهم من الناحية العددية في الدولة، فضلاً عن كونهم بعيدين عن السلطة المركزية.

 

    وتخشى العديد من المدارس من رسم الحدود الإقليمية للعراق وفق البعد العرقي والديني، لان ذلك يمكن أنْ يزيد من احتمالية الصراع العرقي أو الانفصال، فضلاً عن كونه يسهم في دعم الهويات العرقية والدينية في البلاد، وقد أشارت تلك المدارس إلى بعض النماذج الفدرالية الفاشلة في الاتحاد السوفيتي، وتشيكوسلوفاكيا، ويوغسلافيا، كأمثلة على ما سوف ينتج من رسم الحدود وفق الأبعاد العرقية والدينية في العراق، ولكن على الرغم من ذلك نجد أنْ هناك نماذج أخرى كانت قد نجحت في رسم الحدود الإقليمية وفق البعد العرقي والديني، كما هو الحال في سويسرا وبلجيكيا، مما يؤكد أنْ الصراع والانفصال يمكن ان لا يحصل إذا ما تم رسم الحدود الإقليمية وفق الأبعاد العرقية والدينية.

 

     إن العمل على تجنب بناء الهوية على أساس الانتماء الجزئي في العراق هو الطريق الأفضل للحفاظ على النظام الديمقراطي من الخطر، ولذلك عند العمل على وضع الأسس لنظام فيدرالي في العراق يجب الاهتمام بهذا الأمر، ولكي يتم انتشارها في العراق ككل، والعمل على تبني قوانين تصويت تتجاوز الانتماء الإقليمي بشكل يمكن الأحزاب من التنافس في عدد كبير من المناطق للفوز بنسبة معينة من الأصوات، لتشكيل الحكومة الفدرالية.

 

ويمكن للعراق اعتماد النظام الرئاسي في الحكم، حيث يمكن للأحزاب أنْ تمثل اكثر من مجموعة عرقية او دينية، وهو الأمر الذي يمنع هيمنتها على الدولة.

 

    ومن جانب آخر، نجد ان اعتماد البعد العرقي او الديني في رسم الحدود الداخلية للعراق،  يسهم في بروز صراعات داخل الدولة، خصوصاً في حالة محاولة البعض فرض قوانين معينة في إقليمه الخاص تتعارض مع حقوق الاقليات التي توجد في الإقليم ذاته، ففي نيجيريا على سبيل المثال سعت بعض الأقاليم ذات الأكثرية المسلمة الى اعتماد الشريعة الإسلامية في القوانين، مما تسبب في حدوث العديد من الصدامات بين المسلمين والمسيحيين، ولذلك ينبغي على الحكومة الفدرالية ان تمنع أي قانون يصدر بصورة تمييزية من حكومات الأقاليم، والسماح للمحكمة الفدرالية النظر في الشكاوي المرفوعة من سكان الأقاليم في هذا الإطار.

 

     ويقترح البعض في العراق وجود ثمانية عشرة إدارة في الدولة، أي اعتماد التقسيم الإداري للدولة، وقد دعم العديد من العرب الموجودين في العراق، والذين دعموا الفدرالية هذا المقترح، إلا ان المؤتمر الوطني العراقي رفض ذلك المقترح، ورأى بأنه لا يمثل الأغلبية الشيعية، ولذلك يصبح اعتماد فكرة رسم الحدود على أُسس عرقية ودينية أمراً مقبولاً، ولكن يتطلب الأمر إيجاد مؤسسات وقوانين جديدة للدولة، مثل اعتماد النظام الرئاسي، وإنشاء نظام للتصويت يتجاوز الحدود العرقية والدينية، وهو ما يعزز وحدة البلاد.

 

كركوك

 

اخيراً، ولتقليل احتمالية الصراع والنزعة الانفصالية في العراق، ينبغي أنْ تكون كركوك جزءاً من الإقليم الكردي المحتمل ظهوره، وللأكراد الحق  بالمطالبة بهذه المدينة، حيث كان يمكن أنْ تكون لهم النسبة الأكبر من السكان لولا سياسات الإبعاد التي مارسها نظام صدام حسين من جهة، وسياسات التعريب عن طريق إسكان العرب بدلاً عنهم في مدينة كركوك، ومع ذلك عبّر القادة الأكراد عن ضرورة احترام حقوق الاقليات في هذه المدينة، وبهذا الصدد يقول ـ جلال الطالباني ـ رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني:ـ  (نحن نعتبر هذه المدينة، كركوك، مدينة متعددة القوميات تشمل الأكراد والتركمان والعرب والكلدو آشوريين، ولذلك يجب ان تظل هذه المدينة رمزاً للاخوة بين الشعب العراقي، ويجب ان تبنى المواطنة العراقية على المساواة).

 

    ومع ذلك، لا يمكن للأكراد القبول بأي اتفاق حول كركوك إنْ لم يضع في اعتباره ان كركوك جزءاً من إقليم كردستان، وهذا المطلب المثبت في دستور إقليم كردستان العراق كان قد تم وضعه من قبل برلمان إقليم كردستان الذي تشكل بعد حرب الخليج الثانية، وبذلك فانهم سوف يرفضون أي اتفاق لا يضمن حقهم في مدينة كركوك مثلما رفضوا سابقاً اتفاق آذار 1970، ويعملون على الانفصال عن الدولة واخذ كركوك لهم.

 

     وترفض تركيا سيطرة الأكراد على المدينة لأن ذلك يعني أنّ الأكراد سوف ينفصلون عن العراق، وباختصار يمكن القول إنه بإمكان الولايات المتحدة الأميركية توفير الضمانات للأتراك عن طريق الحضور العسكري الأمريكي في العراق، ومعارضة استقلال الأكراد.

 

    وهناك طريق آخر يتمثل في إعطاء تأكيد لتركيا بأن الأكراد سوف لن ينفصلوا سواء على المدى القريب او البعيد، ومنع الأكراد من السيطرة على عائدات النفط في كركوك، الأمر الذي يقلل بشكل كبير من إمكانية الحصول على دعم مالي مما يقلل بشكل كبير من فرص إعلان دولتهم المستقلة، ومثل هذا الترتيب يمكن أنْ يلقى قبولاً من قبل الأكراد بالنسبة لسكان كركوك.

 

 بدون نظام فدرالي

 

    إن النتائج المحتملة لفشل الفدرالية في تأسيس ديمقراطية مستقرة في العراق تتجاوز الحدود العراقية، فالحرب الأهلية في العراق يمكن إنْ تنسحب الى الدول المجاورة، مثل تركيا وإيران، فضلاً عن عرقلة الاستقرار في الشرق الأوسط، وهو ما يعيق عملية الاستثمار الخارجي في المنطقة، ويقدم الدعم للمتطرفين الإسلاميين، ويعمل على زيادة التوتر بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ويمكن للحرب الأهلية في العراق، ان تُدمر الفدرالية، وتحول دون وضع تخطيط وتطبيق نوع من الفدرالية التي يمكنها أنْ تؤسس ديمقراطية مستقرة في العراق، ولذلك يجب أنْ يتم تصميم النظام السياسي في العراقي بعناية، ويتضمن ذلك إعطاء حكومات الأقاليم استقلالاً ذاتياً في الأمور المالية والسياسية، وضم كركوك الى إقليم كردستان، أنْ وجد، والحد من تأثير الانتماءات السياسية والحزبية، وسوف يعتمد الاستقرار في العراق والشرق الأوسط في المدى القريب والبعيد على ذلك.  

 

Source:   Dawan Brancati, can federalism stabilize Iraq? The Washington Quarterly , spring 2004, p7-21.





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع