|
سوريا واستحقاقات توقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد
الأوروبي
عبد المجيد الكواكبي
*

«إن
التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاقية الشراكة السورية - الأوروبية
هو حدث تاريخي يفتح الافاق الواسعة أمام سوريا». بهذه العبارة
أجمعت معظم الآراء من مفاوضين ومحللين ومراقبين على التوقيع
بالأحرف الأولى على اتفاقية الشراكة السورية - الأوروبية الذي جرت
في 19/10/2004 بعد مفاوضات شاقة استمرت لأكثر من سبع سنوات.
وهذه الاتفاقية مقسمة إلى ثلاثة أجزاء رئيسية:
1-
جزء سياسي يتضمن الحوار والتعاون
واحترام مبادئ الديموقراطية وحقوق الانسان المنصوص عليها في
الاعلان العالمي لحقوق الانسان وموضوع السلام ومكافحة الإرهاب ومنع
انتشار أسلحة الدمار الشامل.
2-
جزء اقتصادي تنموي ويشمل قضية
التعاون المشترك بين الجانبين من أجل تحقيق مجموعة أهداف أبرزها:
-
دعم الجهود الذاتية السورية للتنمية
الاقتصادية والاجتماعية.
-
السعي ليصبح الاقتصاد السوري قريباً
من مستوى الاقتصادات الأوروبية وفقاً لمعايير ومؤشرات دولية.
-
العمل المشترك لدعم الإصلاح
الاقتصادي في سوريا.
3-
جزء إقتصادي صرف، ويتضمن إقامة منطقة
تجارة حرة تسمح بدخول المنتجات السورية الزراعية والصناعية إلى
الاتحاد الأوروبي من دون رسوم جمركية.
وبالنسبة للقطاع الزراعي، كان الأوروبيون متشددين في الجانب
الزراعي، لأن الطابع التنافسي البشري الذي يتميزون به في القطاعات
الأخرى غير متوافر في مجال الزراعة، فعمدوا إلى حماية فلاحيهم من
منافسة المنتجات ذات التكاليف الرخيصة، وذلك من خلال منعهم للدخول
غير المشروط لكميات المنتجات الزراعية.
لكن على رغم من ذلك حصلت سوريا على حصص مرضية، إذ تبلغ حصتها 45
ألف طن من الحمضيات و10 آلاف طن من زيت الزيتون و20 ألف طن من
التفاح، وهناك مواد غير محددة الكميات مثل الحبوب والقطن التي تعد
محاصيل استراتيجية في سوريا من حيث النوعية والجودة. ومن المؤكد أن
نجاح المنتجات الزراعية السورية في الوصول إلى الأسواق الأوروبية
سيكون مفيداً جداً للقطاع الزراعي ما يدعو الى تحسين نوعية المنتج
بما يتوافق مع المواصفات الأوروبية. وبالمحصلة فان القطاع الزراعي
يعتبر من القطاعات الرابحة من اتفاق الشراكة، بخاصة أن الاسعار
ستكون اسعار السوق الاوروبية وهي اعلى من السوقين المحلي والعربي.
أما بالنسبة الى القطاع الصناعي: فيمكن اختصار تأثير توقيع اتفاقية
الشراكة على الصناعة السورية بالتزامين متبادلين:
الأول: سوري يقوم على تعزيز القدرات التنافسية من حيث الالتزام
بمعايير الجودة العالمية، مع مراعاة الصعوبات الناجمة عن المشاكل
الجمّة التي يعاني منها القطاع العام.
والثاني: أوروبي، بتقديم التعاون الفني من خلال منح المزيد من
التعاون ونقل التكنولوجيا إلى الجانب السوري.
تداعيات
اقتصادية
وتكمن أهم الانعكاسات المتوقعة للاتفاق على الاقتصاد السوري في
احتوائه على تفكيك الرسوم الجمركية خلال فترة زمنية محددة على مدى
21 سنة تبعاً لنوع السلع، يبدأ بالاعفاء المباشر للسلع الخاضعة
لرسم منخفض وصولا للبضائع ذات الرسوم المرتفعة، هذا التفكيك الذي
سيخلق منافسة للسلع السورية مع السلع الاوروبية وهو ما يتوقع أن
يؤدي في الفترة الاولى الى حدوث عجز في الميزان التجاري السوري
سيتجلى في زيادة المستوردات السورية من أوروبا عن الصادرات اليها.
هذا العجز الذي يحتاج التعويض عنه إلى تحسين المناخ الاستثماري
السوري بجذب الاستثمارات الاوروبية الى سورية للتعويض عن العجز
الحاصل في الميزان التجاري بين الجانبين، كما لا بد من تشجيع
الصادرات السورية وتنويعها إلى الاتحاد الاوروبي وهو أمر ليس
سهلاً، بخاصة إذا علمنا أنه من المرجح أن الاقتصاد السوري سيواجه
خلال السنوات القليلة المقبلة انخفاض الصادرات من النفط، التي تشكل
ثلثي الصادرات إلى الخارج. وهذا يعني ان على الاقتصاد السوري أن
يسعى إلى تنويع صادراته وايجاد أسواق جديدة لمنتجات بديلة عن النفط
وبذل الجهود لتحسين المناخ الاستثماري، لا سيما أن عوامل الانتاج
السوري تتميز بوفرة اليد العاملة ووجود المواد الاولية التي تحتاج
الى الاموال اللازمة لاستثمارها، إما عن طريق المشاريع الاستثمارية
الاوروبية أو عن طريق الدخول في شراكات بين المستثمرين الاجانب
والمستثمرين السوريين، وهو أمر سيؤدي في حال حصوله، اضافة الى
تشغيله لليد العاملة واستثماره للمواد المتاحة، إلى توفير المزيد
من الفرص لتصدير السلع السورية واستيراد المعرفة الاجنبية وإلى
تحسين الادارة السورية وغير ذلك من الامور التي ستؤدي مجتمعة إلى
النهوض بالاقتصاد.
وبعد استعراض أبرز جوانب اتفاقية الشراكة تتضح معالم اعتبارات
وخيارات عدة اتخذت بمجرد التوقيع على الاتفاقية أبرزها:
-
تأشير الاتفاقية أظهر للجميع بأن
سوريا حسمت أمرها في توجه الاقتصاد السوري نحو اقتصاد السوق.
-
اعتبار الشراكة برنامج إصلاح إداري
وسياسي واقتصادي شامل يخضع لمؤشرات زمنية وخطة مفصلة.
-
الشراكة ستكون دافعاً للتأقلم مع
النظام العالمي، والشريك الأوروبي سيكون حريصاً على مساعدة سوريا
لإنجاز هذا التأقلم، والمسألة ستتعدى نمط المساعدة الفنية إلى
أنماط أخرى من «نقل المعرفة».
اصلاحات اقتصادية وسياسية
هذه الاعتبارات والخيارات أملت مجموعة من الخطوات الإصلاحية
الإقتصادية اتخذت بإشراف شخصي من الرئيس بشار الاسد ووضع أسسها
العلمية الوزير السابق عصام الزعيم، وينفذها بنجاح وتسارع مضطرد
السيد عبد الله الدردري رئيس الوفد المفاوض. هذه الخطوات الإصلاحية
الإقتصادية والتي حازت ثقة وثناء دوليين، بدليل تأشير الاتفاقية،
وفق ما تؤكد التجارب الإقليمية السابقة وآراء الخبراء، يتحتم
تزامنها مع البدء بخطوات إصلاحية سياسية وقضائية يتناسب تسارعها مع
الإصلاح الإقتصادي وذلك لسببين رئيسين:
-
تفادي المنعكسات السلبية «للمرحلة
الانتقالية التي يمر بها المجتمع السوري»، وتعزيز قناعة الشريك
الأوروبي وكسر رهان الخصم الاقليمي والدولي على قدرة وإرادة
الشريك السوري (قيادة ومجتمعا) على التحول المتكامل إلى الدولة
العصرية، بخاصة إذا علمنا ان إبرام الاتفاقية يحتاج لمصادقة 25
برلماناً أوروبياً على بنودها.
وعلى رغم أن الإصلاح السياسي المنشود بخطوطه العريضة يعتبر من
السياسات العليا التي تقررها القيادة وفقاً لاعتبارات مرتبطة
بالوضع الإقليمي والدولي غير المستقر، يتوجب البدء بخطوات إصلاحية
أولية تحتاج لجرأة أقل من تلك التي اتخذت على الصعيد الإقتصادي مثل
تبني إقتصاد السوق بعد عقود من الإقتصاد الموجه.
هذه الخطوات الإصلاحية المطلوبة، تتمثل بخطوطها العريضة في جانبين:
الأول سياسي يبدأ من اعتبار تطوير بنية النقابات المهنية وآلية
عملها خطوة أولى متأنية على طريق الإصلاح السياسي، والثاني قضائي
وقانوني من خلال إدخال إصلاحات على التشريعات وآلية عمل السلطة
القضائية.
بالنسبة للجانب الأول (إصلاح النقابات المهنية)، ينطلق من اعتبار
هذه النقابات والمنظمات مفاصل الحياة السياسية، حيث يغلب على
تركيبتها وآلية عملها الطابع السياسي أكثر من النقابي أو المهني،
وتستطيع هذه النقابات والمنظمات أن تكون الميدان الذي تتنافس فيه
المشاريع والبرامج التطويرية بشكل بنّاء، يخدم أهم شريحة في
المجتمع تضم بين أعضائها الصحافيين والمحامين والأطباء والمهندسين
وأساتذة الجامعات، الذين يشكلون الطبقة الوسطى والتي تعتبر الحاضن
الطبيعي لعملية الإصلاح.
فليطرح البعثي مشروعه لتطوير قانون تنظيم مهنة، وليقدم الجبهوي
أفكاره لتفعيل دور منظمة شعبية ما، وليقدم المعارض تصوره حول علاقة
نقابة ما مع السلطة التنفيذية. وليحتكم بعدها لجدوى هذه الطروحات
من خلال مقاربتها للواقع ومنهجيتها والنتائج التي حققتها فعلياً.
وبالتأكيد فإنّ هذه الطروحات تتناسب وقدرة هذه الفعاليات وحجمها
كخطوة أولى، فالمحامي غير القادر على تأمين ضمان صحي لزملائه هو
بالتأكيد غير قادر على المطالبة بضمان صحي لجميع المواطنين.
والصحافي الذي وعد بإشاعة جو ديمقراطي في مؤسسته النقابية، ومارس
استبداده على زملائه، هو بالتأكيد غير مؤهل للمطالبة بحرية الرأي
للمواطن. والعامل الذي يفشل في تأمين استحقاق زملائه لتعويض طبيعة
عمل، هو بالتأكيد سيفشل في وضع آلية لزيادة أجور العمال.
فلتكن النقابات المهنية والمنظمات الشعبية هي الميدان الذي تتضح
فيه منهجية الرؤى وجدوى الطروحات ومصداقية الممارسة وحقيقة الشعبية.
أما بالنسبة للجانب الثاني القضائي والقانوني فهناك خطوات يتحتم
المبادرة باتخاذها يمكن إيجازها بما يلي:
1-
إقرار برنامج عمل وطني لمكافحة
الفساد، يتم من خلاله تشكيل هيئة عليا ذات طابع قضائي من خيرة
رجالات القانون والإقتصاد ذوي الخبرة المهنية والمشهود لهم رسمياً
وشعبياً بالنزاهة، تناط بهذه اللجنة مهمة مراقبة نشاط كافة
العاملين والمتعاملين مع القطاع العام والخاص من شركات وأفراد،
وتمنح الهيئة سلطة إلغاء الحجوزات وتجميد النشاط لحين صدور قرارها
الملزم بفرض عقوبات وغرامات مالية بحق من تثبت إدانتهم بالفساد وفق
قانون العقوبات وقانون مكافحة غسيل الاموال.
2-
إدخال تعديلات جوهرية على القوانين
والأنظمة والهيئات المختلفة التي تحكم نشاط المواطنين وعلاقات
الفعاليات الإقتصادية والإجتماعية، والتي تحمل طابع التأطير
الايدولوجي الماركسي فلم يعد مقبولاً إدارة علاقات إقتصادية مبنية
على مفهوم إقتصاد السوق وفق قوانين ماركسية الطابع تجرّم التوجه
الليبرالي كما هي منصوص عليها في قانون العقوبات وملحقاته.
3-
تحقيق استقلال السلطة القضائية من
خلال العودة إلى القاعدة المنصوص عليها في الدستور وقانون السلطة
القضائية لجهة منع القضاة من الاشتغال بالأمور السياسية وإلغاء
الاستثناء الممنوح للقضاة البعثيين وتخييرهم بين العمل السياسي
وبين العمل المهني المستقل، بخاصة إذا علمنا أن الاستثناء المعمول
به يشكل حوالى 75 بالمئة من بنية السلطة القضائية.
4-
العودة الى المادتين 131 و132 من
الدستور وموضوعهما استقلال السلطة القضائية والفصل الحقيقي بين
السلطة القضائية والسلطة التنفيذية، ذلك بتولي أعلى القضاة مرتبة،
في الأسرة القضائية، رئاسة مجلس القضاء الأعلى، وحجب هذا الحق عن
وزير العدل الذي هو عضو في السلطة التنفيذية، إعمالاً لمبدأ
استقلال السلطة القضائية والفصل بين السلطات. وهذا يقود أيضا الى
اعتبار مجلس الدولة المختص بالنظر بالقضايا الإدارية جزءًا من
السلطة القضائية وفصله عن السلطة التنفيذية كي يتمتع باستقلالية
تخوله النظر بالدعاوى التي تكون الإدارات طرفا فيها.
5-
اخضاع قرارات فرض الضرائب الصادرة عن
وزارة المالية إلى الطعن أمام القضاء لأن لجان اعادة النظرفي
الضريبة (وهي لجان تنفيذية معينة) تجعل من الجهة فارضة الضريبة
الخصم والحكم في آن واحد، وقراراتها مبرمة ولا تقبل أي طريق من طرق
الطعن. وفي هذا حجب لحق التقاضي، الذي يجب تأمين ممارسته حول أية
خلافات مهما كان نوعها وأطرافها، أمام سلطة القضاء المستقلة.
6-
توجيه الجهات الحكومية كافة وإلزامها
بتنفيذ الاحكام القضائية، التي تكتسب الدرجة القطعية، ومساءلة
الجهات الإدارية التي تمتنع عن تنفيذها إعمالاً للقانون، ما يؤدي
الى إضفاء مصداقية على الاحكام القضائية الصادرة عن المحاكم
السورية وشفافيتها، فالقضاء واستقلاله ونزاهته هو المرجع والضمانة
الأكيدة بالنسبة الى المواطن والمستثمر السوري والأوروبي.
هذه الإجراءات السياسية والقانونية المستوجبة التنفيذ ستكون
الركيزة الأساسية لخلق مناخ استثماري يدّعم التجاوب الإقتصادي
السوري مع الاتفاقية ويصون مكتسباته.
إنّ مشروع الإصلاح السياسي من خلال النقابات المهنية والمنظمات
الشعبية، وتعزيز استقلال السلطة القضائية، كخطوة أولى على طريق
الإصلاح الكامل المنشود، يشكلان تجربة تزاوج بين الجرأة والحكمة،
تكفل لسوريا أن تضيف آلافاً جديدة من السنوات إلى تاريخها الطويل
والعريق، وهي دولة قوية عصرية تشارك في صياغة مفهوم الحضارة
الإنسانية.
*
محام سوري- حلب |