|
التعددية الحزبية في
العراق... الواقع والممارسة
قاسم حسن العبودي *

تعود نشأة الأحزاب السياسية الى عام 1850 اذ لم
تكن الأحزاب السياسية معروفة قبل ذلك. وهناك شبه إجماع على أن
الأحزاب السياسية حديثة الظهور نسبياً، الا ان كلمة الأحزاب
استخدمت في التاريخ القديم، ووردت في القرآن الكريم بكافة تصاريفها
19 مرة.
على ان هناك أصلين للأحزاب، الأصل الانتخابي
والبرلماني، والأصل غير الانتخابي وغير البرلماني، أو الأصل
الخارجي وهو ما أطلق عليه «الأحزاب الداخلية المنشأ» و«الأحزاب
الخارجية المنشأ». وهذه التقسيمات للكاتب السياسي الفرنسي موريس
ديفرجيه في كتابه «الأحزاب السياسية» والتي اعتمدت لدى الكثير من
الباحثين والسياسيين.
ويقُصد بالأحزاب ذات الأصل البرلماني
والانتخابي تلك التي نشأت خلال قيام جماعات وتكتلات داخل
البرلمانات، ثم تكوين لجان انتخابية هدفها العمل من أجل إعادة
انتخاب تكتل برلماني معين، ثم حدوث اتصال وتفاعل بين هذه الجماعات
واللجان. وتعتبر معظم الأحزاب التي نشأت قبل عام 1900 من هذا
النوع. أما الأحزاب ذات الأصل غير الانتخابي أو البرلماني
(الخارجية المنشأ) فظهرت كحصيلة تطور عمل بعض الجمعيات أو النقابات
أو الاتحادات. ويمكن القول ان معظم الأحزاب السياسية التي ظهرت في
القرن الحالي نشأت من خارج البرلمانات، اذ عملت العديد من الجمعيات
والنقابات العمالية وحتى الكنائس الدينية على تشكيل أحزاب سياسية.
ويمكن الإشارة في هذا المجال الى دور الجمعية «الفابية» في نشأة
حزب العمال البريطاني الذي لا زال قائماً حتى الآن.
أسباب تعدد الأحزاب
لعل من أهم اسباب تعدد الأحزاب في دولة ما هو
وجود تعددية عرقية وإثنية ودينية وطائفية فيها، فكل فئة من هذه
الفئات تسعى الى ضمان حقوقها من خلال النفوذ السياسي المتمثل في
الوصول الى مراكز السلطة. وساهم تبني بعض الدول الديمقراطية لنظام
التمثيل النسبي والانتخاب غير المباشر في تعزيز أو في نشوء ظاهرة
التعددية الحزبية، حيث وفق نظام التمثيل النسبي لا يتم هدر الأصوات
وتتمثل الأقليات داخل البرلمان أو المجالس المحلية بنسبة مساوية
الى حد ما الى حجمها الحقيقي. وهو ما قد يلاحظ في كثير من الدول
كأسبانيا وإيطاليا وتركيا التي تبنت نظام التمثيل النسبي.
وعلى العكس من ذلك يلاحظ أن تبني نظام الأغلبية
والانتخابات المباشرة أدى الى ظهور الثنائية الحزبية في كل من
الولايات المتحدة وبريطانيا إذ تتمحور كل القوى حول حزبين كبيرين
غير عقائديين ولا يمثلان طائفة بعينها أو فئة معينة، وغالباً ما
تركز برامجهما السياسية على المساومة، فضلاً عن الاستفادة من ظروف
كل مرحلة والتغيير وفق متطلباتها. وبعبارة أخرى غالباً ما يكون
هذان الحزبان أكثر واقعية من الأحزاب ذات الإيديولوجيات العقائدية.
وفي بريطانيا أحزاب صغيرة غير الحزبين
المعروفين (حزب المحافظين وحزب العمال) مثل حزب الأحرار، والحزب
الشيوعي، والحزب التقدمي. كما ان في الولايات المتحدة أحزاباً
صغيرة مثل حزب الفلاحين، وحزب العمل، والحزب الاشتراكي، والحزب
التقدمي.
وعلى الرغم من اختلاف النظام السياسي في كل من
الدولتين، حيث تبنت بريطانيا النظام النيابي فيما تبنت الولايات
المتحدة نظاماً رئاسياً الا إن الثنائية الحزبية ظلت مسيطرة في كل
من الدولتين ولم تفلح الأحزاب الصغيرة من منافسة هذين الحزبين على
الرغم من أن حزب الأحرار في بريطانيا استطاع على الدوام دخول
البرلمان والحصول على بعض المقاعد فيه، لكنها وفي كل الأحوال لم
تكن ذات تأثير ولم تؤهله لتشكيل حكومة.
وفي النتيجة فان المناخ الرأسمالي السائد في
هاتين الدولتين أدى الى استقطاب هذين الحزبين لمصالح رجال الأعمال
والشركات الكبيرة التي دعمت بشكل كبير مرشحي الحزبين في الوصول
الى السلطة، وبالامكان تخيل أهمية هذا الدعم اذا ما علمنا ان كلفة
الدعاية الانتخابية لآخر منافسة على الرئاسة الأميركية قد بلغت ما
يقارب مليار دولار.
التعددية الحزبية في العراق
بلا شك ان لا أهمية لتعدد الأحزاب اذا لم يكن
هناك مناخ ديمقراطي كما هي الحال في الأمثلة السالفة، وقد قال
أفلاطون: ان الديمقراطية كالثوب الذي تزينه ألوان الزهر المتعددة.
ولم يشهد العراق كما هو معروف مناخا ديمقراطياً
يسمح بالتعددية السياسية فضلاً عن التعددية الحزبية، فمنذ انقلاب
1968 احتكر حزب البعث السلطة في العراق ولم يكن أي تداول للسلطة،
وشمل نمط الحزب الواحد كل جوانب الحياة في العراق، ولعل الاشارة
الى ان بعض الأساتذة في كلية القانون ابتدعوا نظرية لم ينزل الله
بها من سلطان لتصنيف النظام السياسي السائد في العراق وتمييزه عن
نظام الحزب الواحد سموها نظرية «الحزب القائد». وهنا بلغت الشمولية
قمة الاستخفاف بالعقل الإنساني، ولا أدري ان كانت هذه النظرية لا
زالت تدرس ضمن منهج النظم السياسية في كليات القانون والسياسة في
العراق، ولكن يبدو أن هذه النظرية لم تفلح في إقناع حتى رموز
النظام السابق. وفي محاولة منه لتزيين صورته قام النظام السابق بسن
قانون للأحزاب برقم 30 لسنة 1991 وحاول الاتصال ببعض الأشخاص
لتأسيس أحزاب شكلية على غرار النمط الموجود في مصر وقيد بموجب هذا
القانون الأحزاب المراد تأسيسها بجملة من القيود التي من شأنها أن
تجعل من تأسيس تلك الأحزاب أمراً في غاية الصعوبة والتعقيد ان لم
يكن مستحيلاً.
أسباب التعددية الحزبية في العراق
أدى تنوع مكونات المجتمع العراقي الى ظهور
التعددية الحزبية في العراق، وعلى خلفية هذا التنوع نشأت أحزاب
قومية كالأحزاب الكردية والتركمانية، وأحزاب دينية سنية كالحزب
الإسلامي الذي هو امتداد للإخوان المسلمين في العراق، وأحزاب دينية
شيعية كحزب الدعوة الإسلامية وحزب الله ومنظمة العمل الإسلامي
وأحزاب أخرى شيعية صغيرة عملت مع الأحزاب الكبيرة تحت مظلة ما يعرف
بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، الى فترة قريبة قبل أن
تنفصل عنه. فضلاً عن وجود الأحزاب القومية العربية كحزب البعث
والحزب الناصري. وهناك أحزاب نشأت نتيجة انتشار الفكر الماركسي في
النصف الأول من القرن العشرين كالحزب الشيوعي العراقي.
وقد ساعد القمع الذي مارسته الأنظمة
الاستبدادية في العراق على ازدياد التكتل الطائفي والقومي. ويمكن
إضافة سبب آخر لازدياد عدد الأحزاب في العراق بخاصة بعد انهيار
النظام الديكتاتوري الى تفكك الأحزاب الكبيرة نتيجة للأزمات
الأيديولوجية ولضعف التنظيم (اللامركزية)، فقد عانى الحزب الشيوعي
العراقي أزمة الأيديولوجية بعد انهيار الأنظمة الشيوعية وتراجع
الفكر الماركسي مما أدى الى تفكك الحزب الشيوعي وظهور عدة أحزاب
منه، كالحزب الشيوعي الكردستاني والحزب الشيوعي العمالي.
وهنا يمكن ملاحظة مسألة على هذين الحزبين.
فأحدهما يمثل قمة البرغماتية بخروجه من الأممية وتبنيه الفكر
القومي، أما الحزب الآخر وهو الحزب الشيوعي العمالي فلا يزال
متمسكاً بديكتاتورية البروليتاريا. وفي الوقت هناك أحزاب إسلامية
أصيبت بداء التفكك نتيجة للامركزية في التنظيم كحزب الدعوة
الإسلامية الذي ظهر من رحمه عدة أحزاب من أبرزها حزب الدعوة تنظيم
العراق، وحركة الدعوة، وكوادر الدعوة.
التعددية الحزبية في العراق ـ رؤية مستقبلية
ما أن تهاوى تمثال الطاغية إلى الأرض في ساحة
الفردوس، في العاصمة بغداد، حتى امتلأت الأسيجة والأماكن العامة
باللافتات لمختلف الأحزاب والكيانات السياسية، في سعيها للحصول على
النفوذ السياسي للحفاظ على مصالحها القومية والمذهبية والعرقية.
حيث ظهرت تشكيلات جديدة لأحزاب الكثير منها ظل يدور في أفلاك
الأحزاب الكبيرة على خلفية تنوعها الذي ذكرناه آنفاً، والبعض منها
حاول مد جسور للتواصل بين مختلف التيارات، كتجمع الديمقراطيين
المستقلين ـ الدكتور عدنان الباجة جي ـ أو التجمع الجمهوري العراقي
ـ سعد عاصم الجنابي ـ وحركة الضباط والمدنيين الأحرار ـ نجيب
الصالحي، والمؤتمر الوطني العراقي ـ الدكتور أحمد الجلبي ـ وحركة
الوفاق الوطني ـ الدكتور أياد علاوي، حيث تضم هذه الحركات والأحزاب
أشخاصاً من مختلف القوميات والمذاهب، الا ان تمثيلها وقواعدها
الشعبية ظلت بعيدة عن منافسة الأحزاب الكبيرة الممثلة للقوميات
والمذاهب.
ولا بد من الإشارة الى ان التشريعات التي سُنت
للعملية السياسية في العراق كقانون إدارة الدولة العراقية وقانون
الأحزاب والهيئات السياسية رقم 97 لسنة 2004 وقانون الانتخابات رقم
96 لسنة 2004 ستسهم في تعزيز التعددية الحزبية في العراق.
ولتفصيل ذلك لا بد من الإشارة الى ما يلي:
1-ان قانون الانتخابات
رقم 96 لسنة 2004 الذي سيجري بموجبه انتخاب أعضاء الجمعية الوطنية
قد أخذ بنظام التمثيل النسبي الذي سيسمح بدوره بتمثيل عادل لمختلف
التيارات السياسية في العراق كذلك الأخذ بنظام الدائرة الواحدة
سيسمح للأقليات المتوزعة بشكل عشوائي على عموم العراق بأن تتمثل
داخل الجمعية الوطنية وإمعاناً من المشرع في إدخال أكبر عدد ممكن
من التيارات السياسية مهما كان رصيدها داخل الجمعية الوطنية أو
المجلس الوطني كما اصطلح عليه القانون المذكور فقد اعتمد لغرض ملء
المقاعد الشاغرة طريقة «أكبر المتبقي» التي من شأنها أن تسمح
للكتلة أو التيار السياسي الذي لم يحصل حتى على الحد الطبيعي
اللازم للحصول على مقعد واحد من الحصول عليه اذا كان لديه أكبر
متبق من الأصوات ولم يعتمد القانون المذكور طريقة (هونديت
البلجيكي)،ولا طريقة أكبر المتوسطات لأن الأخذ بهاتين الطريقتين
سيؤدي الى استحواذ الأحزاب والكتل الكبيرة على المقاعد الشاغرة
للجمعية الوطنية.
2-أما قانون الأحزاب
والكتل السياسية رقم 97 لسنة 2004 فأعطى الحق حتى للأشخاص
المنفردين بان يكونوا كيانات سياسية لغرض خوض العملية الانتخابية
اذا حصل الواحد منهم على توقيع مالا يقل عن 500 ناخب مؤهل. وبالفعل
حصل بعض الأشخاص على تصديق المفوضية العليا المستقلة للانتخابات
باعتبارهم كيانات سياسية، وهو مبدأ غريب انفرد فيه هذا القانون عن
باقي التشريعات الانتخابية الدولية.
3-ان طريقة التصويت
داخل الجمعية الوطنية الذي نصت عليه المادة الخامسة والثلاثون من
قانون إدارة الدولة العراقية واللازمة لاتخاذ القرارات المهمة
كتعيين الهيئة الرئاسية أو عزل أحد أعضائها، حيث اعتمدت الأغلبية
الموصوفة (أغلبية الثلثين أو أغلبية ثلاثة أرباع الجمعية الوطنية)،
والتصويت بالاجماع بالنسبة لقرارات التي تتخذها الهيئة الرئاسية
المكونة من ثلاثة أشخاص ستجعل من العسير لأي كتلة أو حزب داخل
الجمعية الوطنية من تحقيق إرادته السياسية دون التحالف مع كتل أو
أحزاب أخرى، وما يمكن استقراؤه من كل ذلك أن أغلب ما سيصدر من
تشريعات من الجمعية الوطنية سيكون محكوماً بالأخذ بمصالح جميع
الفرقاء في العملية السياسية.
* مركز العراق للأبحاث. |