العدد

165 :

الجمعة, ديسمبر 5, 2008 - 10:51 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
فكر
بلاد العرب
ملفات
دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

المنهج الوحدوي لدى الأفغاني

ضعف المسلمين وتفرقهم  وشغله الشاغل

استعظم خطر الاستعمار واستصغر المستعمِر

 

شاكر الفردان*

 

الإنسان في الدنيا حي بحركته يسعى جاداً باحثا عن طرق سعادته التي تبلغ به الكمال، كما أن مجموعة المخلوقات العاقلة منها وغير العاقلة في حركتها الجوهرية طالبة كمالها، وكل يبحث عما يرتبط بشؤونه ويصب في طريقه. ولو ألقينا نظرة على هذا الكون الفسيح للحظنا قسمين من الاندماج، يمكن أن يطلق على أحدهما تجمع والآخر مجتمع، والأول: حالة من ضم شيء إلى شيء آخر: كضم الحجر إلى الحجر، أو بنظرة أرقى: كتجمعات الحيوان في مراكز تربيتها. والثاني: حالة من الضم تتبعها مجموعة من القيود والضوابط التي نعبر عنها بالقيم والتقاليد. والإنسان دائماً يتحرك في المحور الاجتماعي لا المحور التجمعي، وذلك يتبع مقدار ما يمتلك من قيم وضوابط، وكلما ابتعد عنها تفكك المجتمع وبرزت روح الانفصال والتفرق والتمزق.

 

من هذا المنطلق يتحرك الإنسان طالباً الوحدة مع بني مجتمعه باعتبارها نزعةً إنسانيةً لا يمكنه أن يتخلى عنها، والسجل التاريخي لمسيرة الإنسان يسجل لنا حركة الإنسان في طلبه للوحدة والاتحاد مع الأفراد الآخرين، وكيف أنه يسعى لتطبيقها بصور عدة ونظرات مختلفة، وذلك لما لها من الارتباط الوثيق مع طبيعته الاجتماعية.

المهم أن هذه الدعوات والتحركات تنبئ عن الحس الداخلي للإنسان، وهي: نزعته للاتحاد والوحدة، ونتيجة لقصور الإنسان وانحسار نظرته إلى ما بين قدميه وانشداده إلى بدنه المادي والى عالمه المادي وعدم إدراكه لمصالحه ومفاسده كانت نظراته ودعوته تعكس النظرة القصيرة نفسها، ولذلك كان يطرح الوحدة تارةً على أساس اللغة، وأخرى على أساس الجنس، ومرة على أساس القرب الجغرافي، وأخرى على أساس المصالح الاقتصادية، وهكذا دواليك، وما ان يظهر هذا النوع من الوحدة إلى العلن ويتحرك خطواتٍ حتى تضعف قواه ويسقط في منتصف الطريق وكيف ما كان فإنها تعبر عن نزعةٍ إنسانيةٍ ملحةٍ وضروريةٍ يطلبها الإنسان.

ولن يستطيع الإنسان بنفسه أن يقدم طرحاً وحدوياً يملك الشمولية ويحظى بقدرة الاستمرار والبقاء، والجهة الوحيدة التي يمكنها ذلك هي: الجهة التي تكفلت بخلق الإنسان، وتعلم الحاجات التي تتناسب مع هذا المخلوق، وهذه الجهة هي: السماء، لأنها تعرف أنه لو اتبعها لبلغ نقطة الكمال والسعادة.

يتميز الطرح الإسلامي من بين الاطروحات الدينية بقدرته على تقديم الطرح الوحدوي بصورةٍ متكاملةٍ، وذلك من خلال عنصري: الشمولية والاستمرار، وقدرته هذه نابعة من صميم القيم التي يطرحها، حيث إنها ثابتة لا تتغير من جهة، ومن جهة أخرى تمثل الاستجابات الحقيقية لفطرة الإنسان.

ومن هذا المنطلق أكد الدين الإسلامي على الوحدة بين المسلمين، بقوله تعالى: «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا». وهكذا جاءت التأكيدات على السنة أئمة الإسلام ودعاته، ولم تقف العملية عند الطرح النظري فقط، بل تعدته إلى الطرح العملي، كما يلحظ ذلك في حياة النبي (ص) التي مثلت أجلى مصاديق الوحدة بين المسلمين، وأيضاً يلحظ في حياة أئمة أهل البيت (ع) ما يشير إلى ذلك في ممارساتهم العملية.

ولما تحولت الدولة الإسلاميّة  إلى جسد ممزق وعصفت بالمسلمين التفرقة والتمزق، وشقت عصاهم الفرقة الطائفية والسياسية، وبعد أن كان اختلاف الألسن والألوان آية من آيات الله أصبح عاملاً من عوامل التفريق، حتى ضعفت شوكة المسلمين واستضعفهم الآخرون فانبرى لإنقاذ هذه الأمة من الضياع والتيه: «رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه...» نقشوا أسماءهم على هامة الدهر، وقادوا مسيرة الإصلاح، ودعوا الناس إلى الوحدة والاتحاد بحسب ما يمليه الإسلام.

   ومن المتأخرين السيد جمال الدين الحسيني الأسد آبادي الشهير بالأفغاني (8381-7981) حيث نسلط بعض الضوء على دوره في توحيد المسلمين ودور المستعمر في عهده و المنهج الذي اتبعه في دعوته.

 

 الأفغاني في فكره الوحدوي

 

يبدو لي أن معظم علماء الإسلام كان يفكروا في الوحدة ويتمنوا الاتحاد لكل المسلمين، ولكنهم لم يصلوا إلى (مرحلة الهم) حيث يكون مشروع الوحدة الشغل الشاغل له في تفكيره وسلوكه، مثل ما نلحظه من حياة السيد جمال الدين، حيث هاجر من بقعة إلى أخرى متنقلاً بين إيران وافغانستان ثم العراق، والهند ومصر وفرنسا عائداً إلى الآستانة عاصمة الدولة العثمانية، وفي جولته هذه كان لسان المسلمين الناطق بأفكارهم ومحروميتهم ولم تحجزه حدود جغرافية ولا حاجز اللسان ولا لون البشرة، بل كان يركز في نفوس المسلمين عزتهم وكرامتهم من خلال منهج محدد سار عليه.

يقول صلاح البستاني في مقدمة كتاب: العروة الوثقى، عند وصفه زيارته الأفغاني للهند: «سأله المستعمر عن المدة التي سيقضيها في البلاد فقال الأفغاني: لا أكثر من شهرين، فبثت الحكومة البريطانية عيونها حول زوار ضيفها الجديد. فجاءه في اليوم الأول عشرات وفي اليوم الثاني مئات وهرع العلماء والأعيان لملاقاة بطل جريءوغصت الساحات بالوفود. وحدث ما كان في الحسبان وتقدم مندوب الحكومة أمام الحشود يستعجله في مغادرة الهند».

هذه الصورة تمثل حالة الالتحام بين الأفغاني والشعوب الإسلاميّة  وأن حاجز اللغة والقومية لم يكن مانعا من تقريب المسلمين وتوحيدهم تحت راية الإسلام. ولذا كان المشروع الوحدوي هماً عند جمال الدين أين ما حل، فكان يعالجه بمعالجاته الخاصة بحسب ظرفه، وكان يرى: «أمران خطيران تحمل عليهما الضرورة تارة ويهدي إليهما الدين تارة أخرى، وقد تفيدهما التربية وممارسة الآداب، وبهما نمو الأمم وعظمتها ورفعتها واعتلاؤها،وهما الميل إلى وحدة تجتمع، والكلف بسيادة لا توضع». من هنا فهو يتساءل بحرقة وألم: «هل يسوغ لنا أن نرى أعلامنا منكسة، وأملاكنا ممزقة، والقرعة تضرب بين الغرباء على ما بقي في أيدينا ثم لا نبدي حركة، ولا نجتمع على كلمة، ندعي مع هذا أننا مؤمنون بالله وبما جاء به محمد (ص). واخجلتاه لو خطر هذا ببالنا، ولا أظنه يخطر ببال مسلم يجري على لسانه شاهد الإسلام. إن الميل للوحدة والتطلع للسيادة وصدق الرغبة في حفظ حوزة الإسلام كل هذه صفات كامنة في نفوس المسلمين قاطبة».

 

الاستعمار في عهد الأفغاني

 

كانت الأقطار الإسلاميّة  في عهد الأفغاني ترزح تحت نير الاستعمار الأوروبي بخاصة بريطانيا العظمى صاحبة مبدأ فرّق تسد.

وما كان يصنعه الاستعمار كان مبنياً على أساس حسابات دقيقة ودراسات علمية موسعة، إضافة إلى الحالة التي يعيشها المسلمون من جهل وغفلة وتمزق، كل ذلك أدى إلى  أن يحكم المستعمر قبضته على رقاب المسلمين.

وكان الاستعمار يركز في حركته على أمرين:

الأول: مسخ الشخصية الإسلاميّة، وتحطيم المعنويات والقيم التي يتمتع المسلمون بها، بل السعي في إذابة كل ما للمسلمين من فكر وعقيدة وسلوك وفلسفة وإفراغ القرآن الكريم من مضامينه المتحركة، ولهذا اُشتهر عن غلادستون احد رؤساء وزراء بريطانيا في القرن الماضي قوله: «ما دام هذا القرآن موجوداً في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق».

الثاني: جعل البلاد الإسلاميّة  مركزاً تمويلياً لاقتصادهم وإقطاعيات زراعية ومعدنية ومناجم لبلدانهم يسوقون الشعوب وفق هوى المستعمِر.

كل هذه الأمور جعلت الأفغاني يتخذ موقفه السلبي من الاستعمار. يقول الدكتور محمود قاسم في كتابه جمال الدين الأفغاني: «كانت كراهية الإنجليز سمة من السمات الجوهرية في شخصيته؛ ذلك أنه أيقن منذ عهدٍ مبكرٍ وعن تجربةٍٍ أن هؤلاء القوم يكنون للمسلمين عداء شديداً. كان لهذه الدولة الماكرة لذة من النكاية بأهل الدين وكمال بهجتها أن تراهم أذلاء، لا يملكون من أمرهم شيئاً».

ولكن الأفغاني مع بيانه لخطر الاستعمار كان في الوقت نفسه يستصغر المستعمِر، وهذا ما نلحظه في اعتراضه لمندوب الاستعمار في الهند: «إنني ما أتيت لأضعف حكومة بريطانيا العظمى، ولا أنا على استعداد للشغب، ولكن تخوفها من زائر أعزل مثلي، وتفريقها المتظاهرين من زواري ـ وهم أضعف مني ـ إنما يسجل على حكومة بريطانيا وهن عزيمتها، وضعف شوكتها، وضيق صدرها، وعدم أمنها من حكمها وأنها ـ بريطانيا ـ في حقيقة حكمها لهذه الأقطار الشاسعة أضعف بكثير من شعوبها».

ما يمتلكه الأفغاني من قوة تأثير على الشعوب المسلمة دفع بالمستعمِر لأن يطارده في كل مكان، بخاصة في البلدان الإسلاميّة وأذاقه السجن والتشريد.

 

منهج الأفغاني في الوحدة

 

يمكننا أن نلخص هذا المنهج في بعض النقاط التالية:

بيان علل ضعف المسلمين والتوجه إلى العدو المشترك ورفع الزيف والبدع عن الدين الحنيف ومعالجة غياب العلماء عن سدة الحكم.

ابتداءاً لابد من التأكيد بأن تشخيص الوظائف والتمايز بينها من الأمور الصعبة على المستوى العملي، فالوظائف والمسؤوليات بينهما ترتب طولي، وحينها يقدم الأهم على المهم، وهذه المسألة وإن كانت في ظاهرها سهلة واضحة، إلاّ أنها في المجال العملي في غاية الصعوبة، ولذلك نجد كثيراً من الذين خطوا في مجال الوحدة كيف تعثرت بهم الخطى، أو أنهم زاغوا عن طريق الوحدة إلى نقيضها،  والأفغاني كان من الدعاة الذين يمتلكون القدرة في التشخيص، وذلك لما يتمتع به من كياسة وتجربة، فهو إلى جانب كونه شخصية علمية فلسفية دينية كان فطنا في المجال السياسي والاجتماعي، ودقيقا في استعمال العبارات والألفاظ.

 

علل ضعف المسلمين

 

من أهم العوائق التي تمنع الوحدة بين المسلمين هي: حالة الضعف والخوار بينهم، والحل لمثل هذه المشكلة هو: بيان عللها وتعريف المسلمين بها، فإن معرفة الداء نصف الدواء. يقول السيد الأفغاني: «هل يمكن تعيين الدواء إلاّ بعد الوقوف على أصل الداء وأسبابه الأولى والعوارض التي طرأت عليه؟! إن كان المرض في أمةٍ فكيف يمكن الوصول إلى علله وأسبابه إلاّ بعد معرفة عمرها وما اعتراها فيه من تنقل الأحوال وتنوع الأطوار». والحقيقة ان علل الضعف والفرقة بين المسلمين، متمثلة في الوهم والتقليد وعدم التمسك بالدين.

أ ـ الوهم: وهو من الأمور القاتلة للأفراد فكيف بالأمم؟ فالأمة التي تفسح المجال للواهمة أن تصور لها الأشياء ستصيّر لها الحقير خطيراً والخطير حقيراً. يقول الأفغاني: «الوهم يمثل الضعيف قوياً، والقريب بعيداً، والمأمن مخافةً. الوهم يذهب الواهم عن نفسه، ويصرفه عن حسه»، ويضيف قائلا: «كان الإنجليز أمة مجتمعة القوى، مستكملة العدد، مستعدة للفتوحات، وذلك في زمان بليت فيه الأمم الشرقية بتفريق الكلمة واختلاف الأهواء، وحجبت بالجهل عن معرفة أحوال الغربيين وصنائعهم، فكان الشرقيون يعدّون كل غريبةٍ معجزةً، وكل بديعٍ من الاختراع سحراً أو كرامةً».

ويرى الأفغاني أن الشجاعة تنهض بالفرد والأمة وتدفع بالوهم جانبا، لأن: «من يتوهم أن يجمع بين الجبن والإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد غش نفسه وغرر بعقله وهو ليس من الإيمان في شيءٍ. المؤمنون لا يحتاجون إلاّ لقليل من التنبيه، فينهضون نهضة الأسود فيستردوا مفقوداً ويحفظوا موجوداً، وينالوا عند الله مقاماً محموداً».

ب ـ التقليد: وهو انسلاخ الأمة من شخصيتها وتلبسها لبوس التبعية والتقليد، وهي حالة جد خطيرة نبّه الأفغاني اليها مراراً وتكراراً، فقد: «علمتنا التجارب ونطقت مواضي الحوادث بأن المقلدين من كل أمة المنتحلين أطوار غيرها يكونون فيها منافذ وكوى لتطرق الأعداء إليها، وتكون مداركهم مهابط الوساوس ويصير أولئك المقلدون طلائع لجيوش الغالبين، وأرباب الغارات يمهدون لهم السبيل ويفتحون الأبواب، ثم يثبتون أقدامهم ويمكنون سلطتهم».

ج ـ عدم التمسك بالدين: إن مجموعات من المسلمين نتيجةً الانبهار من بريق الغرب وما قدمه في مجال العلوم، ضعفت رابطتهم بالدين ورباطهم بالاسلام، وتفرقوا شيعاً. والخروج من شرنقة الضعف الى وشيجة القوة والايمان، يكون حسب ما يرى الأفغاني: «برجوعها إلى قواعد دينها والأخذ بأحكامه على ما كان في بدايته، وإرشاد العامة بمواعظه الوافية. فإذا قاموا لشؤونهم وجعلوا أصول دينهم الحقة نصب أعينهم فلا يعجزهم بعد أن يبلغوا بسيرهم منتهى الكمال الإنساني».

 

العدو المشترك

 

 شخّص الأفغاني المستعمِر البريطاني كعدو مشترك لا للمسلمين فحسب، بل لكل شعب استعمرته القوات البريطانية، من هنا فهو يقرأ نهاية الاستعمار ويحذر بريطانيا من النهاية القاتمة، بالقول: «لا نظن ولن نظن أن يجد الإنجليز لهم يوم التصادم نصيراً من دول أوروبا ولا من دول المشرق ولا من الهنديين، لأنه لا توجد نفس تشعر بوجود حكومة الإنجليز على سطح الأرض إلاّ وقد مسها منهم شيء من الضر».

 

تنزيه الدين الحنيف عن البدع

 

 من الواضح أن من الأمور التي توحد المسلمين هو رجوعهم إلى الأصول الدينية الثابتة، وعكس ذلك فان البدع والإضافات التي دخلت على الدين، بل التأولات والاجتهادات المنافية لروح الدين جعلت من الدين مجموعة من الطقوس الهشة والعقائد المبنية على الخرافة، مع أنه الدين القويم القائم على البرهان والوجدان، ولذلك اعتبرت تصفية الزوائد والشوائب التي علقت بالدين من أهم المسائل التي توجب وحدة الدين ووحدة المسلمين، وذلك بالرجوع إلى القرآن وسنة الرسول القطعية التي لا تخالف الكتاب.

وتأسيسا عليه يتساءل الأفغاني تساؤل الواثق الخبير: «هل تعجب أيها القارئ من قولي: إن الأصول الدينية الحقة المبرأة عن محدثات البدع تنشئ للأمم قوة الاتحاد وائتلاف الشمل وتفضيل الشرف على لذة الحياة».

 

عدم المنافاة بين العلم والدين

 

استغل الاستعمار في تمزيق الأمة، مقولة مغلوطة حول تعارص الدين مع العلم،  فأوجد حالة من الفرقة بين رجال الدين والعلماء في الحقول المختلفة، تستدعي  بمحصلتها التفريق بين العلم والدين، وقد استجاب البعض لهذه الدعوات الضالة التي فتتت المجتمع، وحشرت علماء الدين في زاوية حرجة يستضعفهم المستعمِر، وبهذا يكون قد أقصاهم عن المجتمع ليصبح  الشعب لقمة سائغة.

وقد اجتهد وعمل جاهداً لأن يوجد التلاحم بين هذين الجناحين اللذين تطير بهما الأمة، واعتبر الجهل من أسباب ضعف الأمة وتفرقها، كما أن بعدها عن الدين والأصول الحقة تيه وضلال يغرب بالأمة ويضيعها.

 

معالجة غياب العلماء عن سدة الحكم

 

يعتبر وجود العلماء صمام أمانٍ لإدارة أي حركة في المجتمع؛ وذلك لما يتمتعون به من محبة في نفوس المجتمع، فإذا أردنا أن نوجد الوحدة بين المسلمين علينا أن نبدأ أولا من العلماء، فإن اتحدوا استطعنا أن نوحد الأمة، وما نراه من تمزق وتفرق بين المسلمين منشؤه بعض العلماء.

لا أقصد أن الوحدة بينهم تحدث بين عشية وضحاها، وإنما تحتاج إلى خطط ودراسات وإعادة نظر في كثير من المناهج، حتى صياغة العقلية المسلمة من جديد لتستوعب الكثير من المفاهيم التي تتناسب مع الوحدة.

ويعول الأفغاني كثيراً على العلماء ويحملهم المسؤولية فـ :«إن كان للعامة عذر في الغفلة عما أوجبَ الله عليهم فأي عذر يكون للعلماء وهم حفظة الشرع والراسخون في علومه، لم لا يسعون في توحيد فرق المسلمين لم لا يبذلون الجهد في جمع شملهم؟ لم لا يفرغون الوسع لإصلاح ما فسد من ذات بينهم؟».

ويعتقد الأفغاني ان علماء الدين مكانهم الطبيعي على ناصية الحكم، لا في الزوايا والغرفة المعتمة والابتعاد عن ادارة شؤون المجتمع. ويقرأ أسباب انحطاط المسلمين من منظار الخطأ القاتل في الفصل بين الدين والسياسة، إذ: «بدأ هذا الانحلال والضعف في روابط الملة الإسلاميّة  عند انفصال الرتبة العلمية عن رتبة الخلافة وقت ما قنع الخلفاء العباسيون باسم الخلافة دون أن يحرزوا شرط العلم والتفقه في الدين والاجتهاد في أصوله وفروعه».

 

منهج الأفغاني من خلال مجلة العروة

 

يمكن ملاحظة عناوين المجلة التي تشير إلى هذا المنهج:

ـ الجنسية والديانة الإسلاميّة: الذي يبين فيها أن الميل إلى التراب ليس طبيعة أصيلة، وإنما هو من الملكات العارضة القابلة للزوال.

ـ ماضي الأمة وحاضرها وعلاج عللها: حيث يشير من خلاله إلى الوحدة كعامل قوة للمسلمين، وأن الابتعاد عن الدين عامل ضعف.

ـ انحطاط المسلمين وسكونهم وسبب ذلك.

ـ التعصب باعتباره مانعاً من فهم الدين وحاجزاً عن وحدتهم، ثم امتداحه للتعصب الممدوح: كالتعصب للدين باعتباره قائماً على الحق.

ـ الوحدة الإسلاميّة.

ـ الوحدة والسيادة.

ـ الأمل وطلب المجد.

ـ رجال الدولة وبطانة الملك.

ـ دعوة الفرس إلى الاتحاد مع الأفغان، حيث سعى الجانبان إلى إيجاد اتحاد نسبي بينهما، ما شد السيد الأفغاني لهذه الفكرة ودعاهم لمواصلة الدرب.

ـ الأمة وسلطة الحاكم المستبد، باعتبار ما يشير إليه السيد جمال الدين من أن العلماء ما لم يكونوا في سدة الحكم فالأمة لا تستطيع أن تعيش الوحدة.

ـ (الشرق) حيث يشير فيه إلى الدفاع عن شرق المسلمين.

ـ (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات). إشارة إلى التفرق وحالة التمزق بين المسلمين.

ـ (سنن الله في الأمم) بأن الأمة التي لا تتحد ولا تعي نقاط الضعف فيها تؤول إلى الزوال.

ـ (الوهم) حيث يؤدي إلى قوة العدو وضعف المسلمين.

ـ (الجبن).

 

*باحث وخطيب - مملكة البحرين

 





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع