العدد

165 :

الثلاثاء, اغسطس 19, 2008 - 23:29 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
فكر
بلاد العرب
ملفات
دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

آليات التحكم ومراقبة السلوك والتواصل الإنساني

آفاق علم السبرنطيقا في القرن الواحد والعشرين عصر إنسان «السيبورغ«

 

الحسن المصـدق *  

 

»دار الوجود واحدة (...) وإنما الأمر في الأجسام أكوان واستحالات وإتيان وذهاب لم يزل ولا يزال«

الملا صدرا الشيرازي

 

يرجع أصل تسمية السبرانية أو السبرنطيقا إلى الكلمة اليونانية «Kubernesis» التي تعني اصطلاحا فِعْل التحكم في فن الملاحة، وهي مقاربة رياضية ومنطقية تقوم بدرس آليات التحكم والتوجيه كما يفعل الربان بالسفينة. ثم ما لبثت أن عاودت كلمة (Cyber) الظهور على الواجهة العلمية على يد عالم الفيزياء والرياضيات الفرنسي أمبير سنة 1834،  ليتعمم انتشارها على يد عالم الرياضيات الأميركي نوربرت فينر الذي أرست كتبه، بخاصة «السبرانية، أو التحكم والتواصل في عالم الحيوان والآلة» (1948) و«السبرانية والمجتمع أو الاستعمال الإنساني للكائنات الإنسانية» (1950) الأسس النظرية والعلمية للتحكم عن بعد في الإنسان والآلة على حد سواء

ويمكن تعريف السبرانية بأنها علم موجه للبحث في قواعد التواصل العامة وتطبيقاتها التقنية، أي فن «ضمان النجاعة في الفعل»، لأنها تتطابق في الواقع مع مشروع للمعرفة يتمحور على المراقبة الفعالة والتطبيق الناجع، مما جعلها تقانية بامتياز. انعقد أول مؤتمر دولي لها في مدينة نامير (مقاطعة والونيا البلجيكية) سنة 6591 ومؤتمراتها متواصلة حتى الآن بانتظام. إذ يرى رئيس المؤتمر الثالث (1691) «أن السبرانية تريد تعريف الذكاء وقياسه، كما شرْح وظائف المخ وصناعة آلات تفكر».

وقبل أن نطرح إشكالات وقضايا هذا العلم في الحياة المعاصرة، وآثاره المحتملة على الفرد أو الجماعة. يجدر الوقوف عند المنطلقات النظرية والعلمية التي تؤسسه، بخاصة أبرز الأفكار التي تخللت مسيرته. كما السياق التاريخي الذي ساهم في بلورته.

 

أسس علم السبرنطيقا         

 

ظهر هذا العلم في سياق مشاكل الاندماج والمثاقفة التي عرفتها مكونات المجتمع الأميركي، إذ كانت العلوم الاجتماعية والنفسية آنذاك معنية بإيجاد اوليات تكييف وإدماج الأجانب والأقليات في النسيج الاجتماعي الأميركي. لذلك تفاعلت السبرانية مع علم النفس الشرطي والدراسات التي من شأنها تنظيم العلاقات المتبادلة بين الشخصية والوسط عبر حصر كل توقعاتها علميا، تحسبا للعنصر المهيمن والحاسم في البناء النفسي البشري الذي يتألف من الشهوات والنزعات والقوى غير الواعية وغير العقلانية وغير الاجتماعية وغير الأخلاقية.

والأساس من هذا كله التحكم في الطاقة المحركة للسلوك الفردي والاجتماعي، حتى يتم توجيه الأفعال العقلية والجسمية العضوية إلى هدف الحفاظ على التوازن في المجتمع. فمفهوم مراقبة السلوك أصبح من أبرز مصطلحات السبرانية، غايته عدم التفريق بين السلوك الإنساني والسلوك الحيواني، كما بينه وبين الآلة لأنه يعتقد بوسعه ضبطها جميعا والتحكم فيها ومراقبتها وتوجيهها.

انطلق نوربرت فينر الأب الشرعي للحاسوب من ملاحظته لما يجري أمامه من فوضى ولاعقلانية على المستوى السياسي من جهة، بخاصة قوى التدمير النازية والفاشية المتصاعدة آنذاك، بدأت تؤكد فرضية فيزيائية قوامها أن «النظام في العالم يتقلص والفوضى تتصاعد»، وان «أي نظام منكفئ على نفسه سينحو منحى الفوضى العارمة، أو أن يسقط صريع التجانس المطلق الممكن بفعل تباطؤ أو توقف المبادلات فيه».

 ومن جهة أخرى، يشير نوربرت فينر كذلك إلى المبدأ الفيزيائي الأنثروبيا (Entropie)، نزعة الطبيعة التدميرية للنظام الاجتماعي والبيولوجي على حد سواء. ويرى أن الوسائط المعلوماتية وشبكاتها من شأنها أن تحافظ على هذا النظام حماية لعالمنا من التبدد والتحلل. ويقول: «المعلومات المنتظمة هي السبيل الأوحد للرد على فوضى الأنثروبيا». بمعنى أن مجتمع التواصل المنظم والمعلومات الحرة المتبادلة في إطاره من شأنه مقاومة ما يهدده من ظواهر وكوارث، كما الرد على كافة الأعراض المرضية التي قد تصيب الذات من خداع وتضليل واحتيال أو إتغلاق وانكفاء وتعصب.

أولى المهام تكمن في البحث عن منظومة التواصل في أي ظاهرة طبيعية أو اجتماعية، والكشف عن نظامها والعناصر التي تكونها وحصر كل علاقاتها. ثانياً، إن أي رد على أي حالة من السديم والفوضى يجب أن يتم من خلال تبادل كل المعلومات التي حولها وبكل حرية. فمجتمع التواصل الحر يقتضي بالضرورة تنوير الرأي العام بتبادل المعلومات التي تخصه من دون قيد أو شرط، مع التأكيد على المساواة التامة في الحصول عليها لأنه نقيض الاحتكار أو السرية المضروبة عليها.

ولتدارك ذلك، كان هذا العالِم ينظر إلى كيفية تحقيق عالم خال من الاستعباد والديكتاتورية، وهو الأمر الذي لا تتهيأ سبله بالنسبة له إلا عبر الاستعمال المتزايد لوسائل الاتصال ودمقرطة أجهزة التواصل على أوسع نطاق وحرية تبادل المعلومات، ترعى مجتمعاً جديداً يفك الحصار المضروب على المعلومات واحتكارها من طرف أي فرد أو جماعة. إذ عبر تحقيق شبكة للتواصل المفتوح بين بني البشر يُمكن أن ندرأ عنهم أي محاولة لتضليلهم وخداعهم، أو تحاول عزلهم في سجون أو بين أسوار حدود وعقائد وأيديولوجيات وأفكار متعصبة ومنغلقة، كما يحيط السوار بالمعصم.

لذلك ظهرت النظرية الرياضية للتواصل على يد كلود شانون (8491) ـ تلميذ نوربرت فينر ـ التي أخذت على عاتقها البحث في تقنيات إيصال المعلومات وفك شفرة أنظمة اتصال الأعداء السرية.

على إثر ذلك برزت إلى الوجود مؤسسة جوزيا ماسي (Macy) التي احتضنت ورعت أول لقاءات مؤتمرات السبرانية منذ 2491- 6491، تاريخ أول ظهور مصطلح السبرانية (Cybernitic) ولعل الرجوع إلى وثائقها يفيد كيف اجتمع كل من وارين ماك كلوخ (علم نفس الأعصاب)، جون فون نيومان (أحد مخترعي القنبلة النووية)، نوربرت فينر (أحد أبرز علماء الرياضيات)، رومان جاكوبسون (أحد أبرز رواد اللسانيات)، غريغوري باتسون (مؤسس مدرسة Palo Alto النفسية التفاعلية)، مارغريت ميد (علم الأنتروبولوجيا)، كلود شانون وجوليان بيغلاو (الهندسة)، رفائيل لورانت دو نو وأرتورو روزنبلاط )علم الأعصاب البيولوجي)، والفيزيائي والتير بيت وغيرهم من الأسماء التي تكفي لفهم الأهمية التاريخية لهذه اللقاءات.

وعلى رغم حداثة هذا العلم، استطاع مؤسسه نوربرت فينر (4981- 4691) أن يبشر بحلول عصر «مجتمع التواصل» والطفرة التكنومعلوماتية، ويرسي القواعد والأسس الأولى لاندغام العديد من التخصصات: الرياضيات وعلم البيولوجيا والمعلوميات والذكاء الاصطناعي وعلم النفس...

من المعلوم أن التواصل والمراقبة خاصيتان أساسيتان بالسبرانية، الأمر الذي يؤهلها دون غيرها أن تجمع بين المعلوماتية والتكنولوجيا (التكنومعلوماتية) لضمان السيطرة على الطبيعة الإنسانية وعالمها الخارجي. فجذر الكلمة اليوناني ولَّد عبْر الاشتقاق اللغوي مصطلح «الحكم» ومن بعده «التحكم» والتدبير «Gouvernance» الذي أصبح اليوم يعني تقنية سياسة التحكم الناجع والفعال والتام.

 

الأساس العسكري لنشأة السبرانية

 

ارتبطت ولادة السبرانية بداية بالأبحاث العسكرية، فمن دون المساهمة النشطة لعلماء السبرانية في تأكيد التفوق العسكري للولايات المتحدة خلال اندلاع الحرب العالمية الثانية ونجاحهم في ذلك، لم يكن أحد سيذكر شيئا عن هذا العلم الذي نشأ في دهاليز المختبرات السرية. إذ لا يمكن بتاتا فهم مخلفاته المعرفية والأيديولوجية والعلمية والتقنية من دون إحالته الى أصوله العسكرية.

وفي سياق الحرب العالمية الثانية ظهر استعماله بالأساس في المجال الحربي الذي يهم رصد الأعداء وتحركاتهم ومراقبتها والتشويش عليها وتوجيهها. ثم محاولة تضليلها.

إذ كان لمشاركة مؤسس هذا العلم باع طويل في تطوير آليات التحكم عن بعد، لا سيما في عمله المباشر مع فانّفار بوش أحد مؤسسي لجنة أبحاث الدفاع الوطني(National Defense Reschersch Commitee) في عهد الرئيس روزفلت لصناعة حاسبة إلكترونية ضخمة (أساس الحاسب الآلي الآن)  ـ ما بين سنة 4491-6491 ـ تقوم بجمع المعطيات الميدانية ومعالجتها كيفما كانت كميتها، ومنها معلومات رصد مواقع العدو ودرس كل الافتراضات الحسابية الممكنة لتحركاته، ثم قياس مسار القاذفات والنسائف وتغيير مجراها عن بعد بالقياس إلى تحرك العدو في البر والجو، والرد عليها في وقت معلوم. وكان روبرت فينر وزملاؤه مشغولين بـ«مشروع مانهاتن» مشروع القنبلة النووية AA Predictor))، حيث تمكنوا من إعداد حاسبة إلكترونية ضخمة للجيش الأميركي.

وكان لهذا الابتكار العسكري الذي يقوم برصد تحرك العدو عبر عمليات حسابية وافتراضية جد دقيقة، انعكاسات لا تفصل في المجال العسكري بتاتا بين الربان والطائرة، فهما وجهان لعملة واحدة. ورؤية العدو ذاته موزعة بين رؤية نصفها إنساني ونصفها آلي. ذلك ما سرع اتهام السبرانية بأنها تخفي قِناعا مضادا للنزعة الإنسانية، لأنها لا تعير أي اهتمام للفرد وترفض النظر إليه من زاوية داخلية أو خارجية. بل تقوم على رصد حركاته وسلوكياته وتصرفاته وتفكيره بمنظور رياضي صرف، كالآلة تماما.

ولقد أشار هذا العالِم في بدايات كتاباته الى أن العالم المعاصر يتجه بخطى متسارعة نحو آليات الضبط والتحكم والتوجيه ومراقبة كافة المجالات الإنسانية، مما حدا بالعديد من الخبراء اليوم الى اعتبار البيوتكنولوجيا (بحكم تحكمها في الطاقم الوراثي للإنسان) في آخر المطاف أحد تطورات علم السبرانية، ما دام أن كل من أبحاث الجينوم والتحويرات الجينية وآليات التواصل الرقمية تعكس بحق ثمرة التطور الحاصل في علم السبرانية ـ الذي كان وراء اختراع الحواسيب الآلية وأنظمة التواصل والشبكات المعلوماتية ـ التي تتجلى غايتها في إرساء قواعد صارمة للتواصل عبر طرق ووسائط خاضعة للضبط والمراقبة والتوجيه.

 

التحولات المنتظرة في أفق القرن الـ21

 

كما هو معلوم، شغلت العلاقة بين الإنسان والحيوان بال العلماء طويلا. إلا أن السؤال الذي أصبح اليوم يشغل بال العلماء والفلاسفة انتقل إلى ماهية وأفق العلاقة المتزايدة بين الإنسان والآلة، كما الإجابة عن السؤال المطروح بحدة: ماهية الإنسان وطبيعته. وهل يمكن اعتبار طبيعته على غرار الآلة ميكانيكا تشتغل بميكانزمات واوليات بالغة التعقيد، أي مجرد آلة عملاقة تشتغل بأعضاء وقطع غيار كتلك الموجودة تماما في أي آلة ميكانيكية؟ فالذهن هنا عبارة عن محرك، واليد والقدم عجلتان، والعينان كمِقْود وصورته كماركة مسجَّلة شبيهة بنظم وقطع غيار الآلات!

على علات هذا التشبيه الجاف بين طبيعة الإنسان وطبيعة الآلة، لا يجدي أن ننظر إلى الآلة في علم السبرانية كعبارة عن تجميع بين محرك وطاقة وحركة فحسب. بل النظر إليها كنظام مجرد شبيه بخلق الإنسان ووظائف أعضائه وصورته.

والتشبيه من هذا النوع يفتح سؤالا أكثر صعوبة، يطرح على بساط البحث مسألة الانتقال من الإنسان الحسي إلى إنسان الآلة: ما دامت العادة جرت أن «يُخلِّف الإنسان إنسانا يعكس صورته، وهو ما يعكس صدى شبيهاً بنموذج محاكاة فعل الخلق الذي بفضله صنع الله الإنسان طبقا لصورته. وهو ما يطرح لماذا لن يحدث شيء شبيه بذلك، وإن كان أقل مستوى من فعل الخلق الأول وأقل تعقيدا منه في حالة أنظمة غير حية نطلق عليها اسم الآلات؟ وإذا كان الأمر كذلك ما هي صورة هذه الآلة؟ وهل تستطيع تلك الصورة أن تتجسد في آلة أخرى قادرة على إنتاج آلة من نوع عام ليست لها هوية خاصة بها، أو تشتمل على تغيُّر ما في إطار من التنوع؟ وهل يمكن لهذه الآلة الجديدة المُحوَّرة بإضافة ما أن تتصرف كنموذج نصيغ بواسطته نسخا أخرى من النوع نفسه، وإن تضمنت في الوقت نفسه اختلافات مع شكل نموذجها الأول؟».

نحن أمام طُرُز بدئية (Archetypes) مكلفة بإعداد نموذج يتوالد على غراره صور شبيهة له. لكن هذا المقطع اعتبر في منتصف القرن العشرين ضربا من الهذيان. فما معنى أن نستنسخ من الآلة آلة شبيهة بها، أو مئات إن لم يكن آلاف ثم ملايين النسخ منها! آنذاك لم نكن قد شهدنا بعد ميلاد ملايين من الحواسب الآلية التي تتشابه في ما بينها، ولم تكن عملية الاستنساخ قد انتقلت من عالم الميكانيكا المحض إلى عالم الإلكترونيك والبيولوجيا الصغائرية والهندسة الجينية بفضل الإواليات نفسها، كما هي عليه الحال اليوم.

وما يقصده روبرت فينر بـ «الصورة» في هذا المقطع، محاولة تجسيد لصورة الإنسان وانعكاسها في الآلة. فالحاسب الآلي يعد الآن أبرز من يتقمص تلك الصورة، وسلطة التجسيد هاته تشير إلى شيء لم يعره علماء الدين والفلاسفة أي اهتمام وتغاضوا عنه، لا يخص فقط اعتبار الإنسان كائنا يفكر بحرية له إحساس ببني جنسه، لكنه أيضا ميكانيكا أو آلة تشتغل بنظامها الخاص أيضا. وحتى لا يختلط الأمر فالمقصود بالصورة عنده لا يعني شكل جسد ولون الشعر وشكل العيون ولكن الصورة الفعَّالة.  إذ يقول: «لكي نناقش بطريقة موضوعية مسألة استنساخ آلة من آلة شبيهة بها وطبقا لصورتها، يجب أن نعترف أن هناك فرقاً بين الصورة والصورة». فالآلة التي صنعها الإنسان ونفث فيها من روحه لقضاء أغراضه، أصبحت قادرة على القيام بأعباء «ذكية»، حتى أنه أوكل إليها بعض مسؤولياته، ويعتبر ذلك في نظره تهديدا وإعلانا لدق ناقوس الخطر، حيث لا يتوانى فينر عن التنبيه والتحذير المتواصل من الأخطار التي قد تصدر عن تلك الآلة في حال وقوع خطأ في برمجتها.

من نافل القول، غالبا ما يعتقد الإنسان أنه واثق مما يفعل، واعتقاده هذا قد يجر عليه الوبال، لأن بموجبه تم تخويل الآلة صلاحيات القيام بوظائف يعتقد أنها ستقوم بها أحسن قيام تبعا للبرمجة الموضوعة في الآلة. وهذه «البرمجة ـ الرسالة» ما هي في حقيقة الأمر إلا ترجمة لمعتقدات الإنسان وُضِعت في أنظمة رقمية، قد نظن أنها شأن حسن وطيب، لكن من دون أن يكون ذلك صحيحا بالفعل.

في الواقع إن ما يؤرق بال فينر أن يفوض للحواسب الآلية في يوما أمر إطلاق الأسلحة النووية من قواعدها بطريقة آلية. فيجب أن لا ننسى أنه أول من قام بدراسة وقياس العلو الذي ألقيت القنبلة منه على هيروشيما وناكازاكي لإحداث أكبر الأضرار.

فالخطر كل الخطر أن يظن الإنسان أن ما يحقق وقاية شاملة من أسلحة الدمار الشامل كمين في نوع وجودة البرمجة والبرنامج الموضوع داخل هذه الحواسيب، لأن ذلك الاعتقاد يعني التسليم بأن لنا القدرة على فهم نوايا الأفراد الذين وضعوها. فما هو جدير بالاهتمام ليس ما نقوم به من ترجمة للغة الرقمية التي صدرت من تلك النوايا، لأن ما يجعل المشكلة في غاية الصعوبة، عدم معرفة نواياهم أصلا والرهانات المرتبطة بها.

ما يريد هذا العالِم الرياضي الإشارة إليه أن الإنسان لا يصنع الآلة وفق صورته فحسب، فالآلة تصنعه بدورها طبقا لصورتها، وهذا ما قد يمس رؤيته وذكاءه أيضا من بعد. لأن في الأمر شيئاً يشبه حركة القدر. فعندما نرفع رِجْلا ما للتقدم خطوة، نحن مجبرون على رَفْع الثانية وإلا تعرضنا للسقوط. ذلكم هو حال الإنسان مع التقنية والتقنية مع الإنسان، وهذا أكبر درس تركه مؤسس السبرنطيقا.

ففي كل يوم يوضع الإنسان أمام دوامة من الخيارات والاختيارات، وهذه الاختيارات أبعد من أن تكون كلها ثمرة الحرية، لأنها تخضع أحيانا للضرورة والتكيف مع المستجدات والمعطيات وأحيانا التقديرات وحساب التوقعات. إذ عدنا يوميا نحسب في جميع الاتجاهات، ونعيد الحساب لحظوظنا المفترضة، تماما كما تفعل الحواسب عندما تعمد إلى تعداد كل الافتراضات. فنوايانا الحقيقية كثيرا ما نسدل عليها الستار و غالبا ما نعجز على التعرف عليها، وأحيانا لا نفهم دوافع ولا منطق الفعل والتفاعل مع الأشياء. فمن مِنا يفهم دائما ما يريد ويتوقع نتائج كل ما يفعل؟

بإيجاز شديد، قليلا ما نعرف ما نريد، وذلك هو مصدر التذبذب والتردد والتناقض في تصرفاتنا وأفعالنا. لذلك كيف سيكون الحال إذا أوكلنا ثقة عمياء في آلات وحواسيب من صنع صانع يتحلى بهذه الصفات؟ هذا هو حال الإنسانية ودأبها منذ القدم ولن تستطيع منه الفكاك. غير أن الطبيعة حبَت الإنسان بوعي ذاتي، ووعي بوعي الذات. وهذه الازدواجية شيء فريد وسط كل الكائنات الحية، قد تُمكن الإنسان أحيانا من الثورة على نفسه ولجم أهوائه.

غير أن الفصل وكل الاختلافات والأسوار الموضوعة بين الإنسان والآلة التي اعتقدناها أبدية سائرة للزوال، وعلم السبرنطيقا أول من دك تلك الأسوار، حيث غدا أمر اندماج الإنسان بالآلة والآلة بالإنسان أمراً لا مفر منه، على الأقل في الأمد المنظور على مستوى القدرات والذكاء والسلوك. لكن بكل سخرية، يؤكد مؤسس السبرنطيقا اختلافا وحيدا بينهما، فالعقل الإنساني يقبل بالخواطر والغموض والأفكار المجردة، في حين أن الحاسب الآلي لا يقبل إلا بالوثوقية والحتمية والحسابية. أي أن ما يميز الإنسان بالفعل قدرته على تجاوز الغموض وإطلاق العنان لخياله. إذ ليس عبر منطق الحساب والعقلانية والموضوعية يتجلى تفوق عقل الإنسان على عقل الحاسب الآلي، بل قدرته على التكيف مع اللامعقول وغير المحدد وغير المفهوم والغامض وقدرته أن ينتج من كل تلك الفوضى معنى، ويشق طريقه وسط غابة من السديم.

يذكرنا فينر بذلك من منطلق نقد السبرانية ذاتها، بخاصة عندما بدأ يلوح في الأفق تجريب كافة وسائل الربط الدقيق والإدماج المتبادل بغية تحقيق تناغم كامل بين الإنسان والآلة، من خلال دمج العناصر السيبرنطيقية (أو السبرانية) في الحواس الإنسانية والعضلية. يتفوق الإنسان من خلالها على قدراته وأعطابه على حد سواء، فدمج آليات إلكترونية دقيقة عن طريق تذويب عناصرها الذرية في الجزيئات البيولوجية كأجهزة الأشعة الحمراء وذبذبات فوق صوتية والأشعة البنفسجية الكاشفة للظلام، تنذر بتحول كبير في قدرات حواسه الخمس، وبربط بينها لم نعهده من قبل، طبقا لآخر مستحدثات أجهزة التواصل الرقمية.

 

أنصار السبرانية

 

غايتنا يصرح الباحث هاروا مونان لمجلة «العلوم والحياة» (1981) «أن نخلق بين الإنسان والآلة علاقة حميمية، علاقة يعجز بموجبها التقني أن يلاحظ الإنسان الآلي الموجود بداخله (...) حتى أن الإنسان سيعبر عن ردة فعل فورية إذا ما كان صِنْوه الإنسان الآلي في خطر».

يبدأ ذلك أولا بزرع أنظمة ألكترونية فرعية دقيقة في المخ. يكون بمستطاع عنصر الميكرو إلكترود (Micro Eléctrodes) التأثير في جميع مراكز المخ الحساسة. ومن يدري غدا أن تٌخترع مضادات بيو- ألكترونية ضد الألم وضد العدوانية ومن أجل المتعة وتحسين قدرات الذاكرة... ويتساءل ألفين توفلر بسخرية عما ستعنيه كلمة «الإنسانية» آنذاك (صدمة الحداثة، ص.238)، عندما يصبح الإنسان في الوقت نفسه جمْع مركب من خلايا وحواسب آلية.

يعود أصل هذا الحلم إلى عالم الرياضيات والمنطق البريطاني ألان تورينغ الذي لم يتخيل فحسب إمكانية صنع آلة قادرة على إنجاز عمليات حسابية كالتي يقوم بها الذهن البشري، ولكن وضع في حسبانه أيضا أن تتفوق عليه يوما ما بفضل اكتسابها لآليات التعلم والمحاكاة. وعلى رغم الوضع المأساوي الذي انتهى إليه هذا العالِم، فإن حلمه تحقق نسبيا مع مارفين مينسكي مدير برنامج الذكاء الاصطناعي في معهد ماساشوسيتس الشهير. ومعروف عن هذا العالِم سخرياته اللاذعة منذ أن اعتبر مخ الإنسان عبارة عن «آلة ـ لحم» ليس إلا، وجسده مجرد «مقبرة للنفايات العضوية». فما هو جدير لديه بالاهتمام هو الذهن فحسب، وعن جوابه على سؤال: «هل في وسعنا يوما ما صنع آلات ذكية؟» أجاب بكل برودة سنة 1988: «نعم، لأن المخ في الحقيقة مجرد آلة». ومينسكي هذا لا يحلم فقط بتناغم مقبل بين الإنسان والآلة، بل يعتبره المقدمة الأولى للعصر الجديد، كما يرى أن ثمرة هذا التناغم ستفرز من دون شك آلات بمواصفات نصف آدمية ونصف آلية، تتمتع باستقلالية ستفتح عهدا إنسانيا جديدا بكل المقاييس.

ومن غابات ومتتجع مونتانا، برزت إلى السطح قصة واقعية غريبة، تداولتها الصحف الدولية، قام بدور المجرم فيها عالم الرياضيات تيودور كزانسكي وبدور الضحايا جمع من أبرز مهندسي المعلوميات والمختبرات الجينية. إذ تتلخص دواعي الجريمة ودوافعها في هجومات حادة على أرباب الصناعة المعلوماتية بعد أن تم الكشف عن مشاريع وأبحاث مختصة تُجرى بغاية تعبئة "télécharger" جميع المعلومات الموجودة في مخ بشري على رقاقة ألكترونية، حتى يتيسر إرسالها كبطاقة ممغنطة عبر الشبكة إلى أي حاسب آلي، أو الأبحاث التي يتم تجريبها بغاية تحويل ما في الذهن البشري إلى شبكة عصبية اصطناعية.

وقبل العودة إلى وقائع الأحداث وتفاصيلها والتي كان بطلها تيودور كازينسكي، لا بد من الإشارة إلى أن هذا الحلم ليس جديدا في حد ذاته، فمؤسس علم السبرنطيقا نوربرت فينر (1950) صرح بأنه يحلم منذ سنة أن يكون في وسعه يوما ما إرسال الإنسان برقيا!

وإذا لم نشهد اليوم مجال التطبيق الفعلي لذلك، فإن العديد من تلك الأبحاث تم استثمارها جيدا في السيارات والطائرات والمركبات الفضائية والساتل الفضائي والأقمار الاصطناعية. غير أن الفشل في نظر هاني مورافيك أحد كبار المختصين في علم الربوتيكا لا يعود للإنسان الآلي الذي عرفت مواده وآلياته تطورا ملحوظا منذ نصف قرن، بل إلى الحواسيب التي ما زالت لم تبلغ درجة عالية من التطور الدقيق يمكن بفضله صنع إنسان آلي يضاهي في قدراته قدرات الإنسان. غير أنه يشير إلى أن ميعاد ذلك اليوم قريب جدا، وبدأ إرهاصاته الأولى فعليا مع انتصار الحاسب الآلي "Deep Blue" لشركة IBM على بطل العالم في الشطرنج غاري كاسباروف في أيار ـ  مايو ـ 1997 (3,5 نقاط للحاسب الآلي مقابل 2,5 لكاسباروف). بل تراه يضرب لنا أجلا زمنيا معلوما لذلك، لأنه يعتقد جازما أن الحواسيب الآلية ستتوفر على مخ يتشابه في قدراته مع إمكانات مخ ضب في سنة 2010، ويمكنه أن يلحق الفارق بينه وبين مخ الإنسان في أجل لا يتعدى سنة 2040. الموعد الذي يضربه لكي نشاهد ميلاد إنسان آلي يتمتع بقدرات ذهنية مماثلة لأي كائن بشري.

معنى ذلك أن الحاسب الآلي الذي يشير إليه سيعادل مليون مرة قوة الحاسب الآلي سنة2000. وللبرهنة على ذلك، انطلق مورافيك في كتابه «مستقبل الإنسان الآلي والذكاء الاصطناعي» (1990) وفي كتابه «الإنسان الآلي» (1988) من عملية رصد تاريخية لتطور قدرات الحواسيب الآلية، حيث يلاحظ أن الزيادة في قوتها تتم بسرعة بالغة. إذ تمت مضاعفة قدراتها كل ثمانية عشر شهرا خلال سنة 1980 في حين تمكنت من مضاعفة القدرات نفسها سنة 1990 خلال اثني عشر شهراً فقط، ليخلص مورافيك إلى أن العشرين سنة أو الأربعين سنة المقبلة كافية لتضييق كل الفارق الذي نشهده اليوم بين ذهن الإنسان والحاسب الآلي!

قد يكون ذلك من باب التهويم والخيال الجامح عند البعض، لكن الموضوع على قدر كبير من المسؤولية عندما يصدر عن شخصية لا تعتبر حجة فحسب، وإنما أحد أبرز أساقفة التخصص في علم الربوتيكا عالميا. والأدهى من ذلك كله أن العملية عنده لا تقتصر على إنجاز آلة يغدو معها نقل الذكاء الإنساني إليها ممكنا فحسب، بل يتعدى ذلك بكثير إذا تأملنا مليا مشروع حياة اصطناعية تظهر منها أشكال حياتية افتراضية وفق أسس رياضية، إذا أمكن وضعها وضبطها بواسطة آليات خليوية.

ولاستباق مَقْدم حياة اصطناعية تلوح مؤشراتها في الأفق، وتَفوق في أهميتها اكتشاف القنبلة النووية أضعافا مضاعفة، انعقد أول مؤتمر للحياة الاصطناعية سنة 1987 في لوس ألمَوس. إذ رفع التحدي نفسه راي كيرزويل المهندس ورجل الأعمال المشهور الحاصل على أكبر جائزة علمية عالمية مخصصة للاختراع والابتكار (Lemelson-Mit) والميدالية الوطنية الأمريكية للتنكولوجيا. وهو رجل ذاعت شهرته في الآفاق وتُتَداول مخترعاته على أوسع نطاق: من آلات القراءة المعدة للمكفوفين إلى أول آلة تتعرف على ما يطلب منها بواسطة الكلام، ومنحت جمعية الناشرين في الولايات المتحدة في سنة 1990 كتابه «عصر الآلات الذكية» جائزة أحسن كتاب في المعلوميات، وهو كتاب يعرض لوحة تاريخية ونقدية مفصلة لمجمل الأفكار التي تدور في حقل المعلوماتية.

يخلص كيرزويل إلى رؤية تعتبر أن عصر الانسجام بين الإنسان والآلة قادم لا ريب فيه بخاصة أنه نشر كتابا («عصر الآلات الروحية» - 1999) أفاض في ذلك الشيء الكثير، وشدَّ عنوانه الفرعي «عندما ستتجاوز الحواسيب الذكاء البشري» أنظار المهتمين والعلماء.

ولا بأس أن نشير إلى أن الفكرة الرئيسية للكتاب تتمحور كليا في تقديم الحجة تلو الأخرى على مقدم عصر اندغام الإنسان والآلة، حيث يؤكد أنه مع نهاية القرن الواحد والعشرين، لن يعود ممكنا التفريق بين عالم الإنسان وعالم الآلة. إذ سيكون الانسجام مطلقا بينهما والاندماج قد تحقق كليا أو قاب قوسين أو أدنى من ذلك.

ولكي يعلل كيرزويل ومورافيك هذه الدفوعات والافتراضات، يستشهدان بما هو معمول به في قانون الثورة التكنولوجية ذاته، بخاصة ما يعرف بقانون «مور» نسبة لغوردون مور أحد مخترعي الحلقة المدمجة والرئيس الشرفي لشركة أنتيل العالمية وأحد مؤسسيها سنة 1968، حيث قام هذا الأخير منذ سنة 1965 عندما كان يشغل منصب مدير الأبحاث والتنمية في (Fairchild Semiconductor) بنشر بحث يفيد تطور قدرات الذاكرة وإيقاع الزيادة في قدرات الرقاقات الإلكترونية كحقيقة لا قدرة لأحد على إنكارها. كما أنه أشار في سنة 1997 بأن هذه الصيرورة إذا كانت قائمة على قدم وساق، معرضة للتوقف سنة 2017 لأنها محكومة بقانون فيزيائي (مقرون بحجم انشطار الذرة). غير أن كيرزويل يستخلص مع ذلك فكرة جوهرية تحدد على سبيل التوقع توقيتا للتقارب بين الإنسان والآلة في أفق نهاية القرن الواحد والعشرين.

ولتدارك هذا القانون الفيزيائي الذي يضع حدا معلوما لانشطار الذرة وتوقفها بالضرورة في حد ما، يرى كيرزويل أن تحقق هذا الاندغام والاندماج بين الإنسان والآلة، لا يتبع صيرورة التطور الداخلي الذي يخضع له نمو قدرات الحواسيب باطراد. وإنما يعزى أمره إلى حدث آخر يتجلى في اندماج الهندسة الجينية والنانوتكنولوجيا (Nanotechnology) (تطبيقات الميكروإلكترونيك على مستوى الانشطار الذري والخليوي ) وعلم الربوتيكا والسبرنطيقا، حيث إن تطور هندسة إلكترونية بيولوجية ممكن جدا بواسطة هذا التقارب، ما يعني في الأمد المنظور أن الاندغام بين الهندسة الإلكترونية والبيولوجيا الصغائرية سيكون من شأنه ابتكار جزيئات (صغائريات) قادرة على أن تُشغِّل هذه الحلقات والألياف، الأمر الذي يعد في نظره مؤشراً على ميلاد تقنية قادرة على توسيع قوة وقدرات الحواسيب ما بعد 2020.

كذلك يحتضن علم الربوتيكا والنانوتكنولوجيا في زواجهما المعلن زرع آليات جد دقيقة في أجسادنا هذه المرة، تكاد لا ترى بالأعين، لها القدرة على أن تسري في الشرايين الدموية بسرعة البرق كميكانيكا جاهزة لإصلاح الأعطاب أو تدمير خلايا السرطان أو الأحجار في الدم.

ويستنتج كيرزويل أن إرهاصات لحاق عقل الحواسيب بعقل الإنسان وارد مع مطلع سنة 2029، حيث يعد ذلك مقدمة لعهد جديد قوامه التفوق عليه. وهو أمر تعني خلاصاته الفلسفية أن العد العكسي بدأ بالنسبة لحضارة الإنسان. إذ مع نهاية القرن الواحد والعشرين، لن يعود الإنسان «أذكى الكائنات الحية في الكوكب».

ولا غرابة في ذلك ما دامت اليوم هناك عدة مجالات ولو محددة تتفوق فيها الحواسيب على الذكاء الإنساني: لعبة الشطرنج وتشخيص بعض الأعراض المرضية كما شراء الكتب وبيعها عبر الشبكة، ثم توجيه الصواريخ وأجهزة التحكم عن بعد. أما بخصوص الخفة والمرونة الضروريتين إذا أخذنا في الحسبان السياق الذي نمارس فيه نشاطنا بغاية النجاعة، فتؤكد أن قدراتنا ما زالت متفوقة بكثير.

إلا أن هذه الحالة لا تعدو أن تكون مؤقتة ما دامت أكثر الحواسيب دقة وتطويرا اليوم، ما زالت مؤهلاتها جد بسيطة بالقياس إلى قدرات الذهن الإنساني. غير أن تزايد وتيرة النمو بهذه الشاكلة يرشح عقول الحواسيب أن تقترب من قدرات الذاكرة الإنسانية وسرعتها في القيام بعمليات حسابية إراديا سنة 2020. حينذاك سيصبح في وسع العقول الإلكترونية أن تكون على مستوى العقول الإنسانية، وبمقدورها أيضا فهم المفاهيم المجردة والتعرف الى خصائص الذكاء البشري. الأمر الذي يغدو معه ممكنا أن تُطبق كفاءاتها على مجموع المعرفة ذاتها التي اكتسبتها الإنسانية ـ بالقدر نفسه الذي تخضع فيه معارفها للمساءلة التي راكمتها بدورها. وبالتالي يغدو أمر الفصل بين العقل البشري والعقل الآلي غير ممكن على الإطلاق، «مما يفرز على ظهر البسيطة شكلاً جديداً من الذكاء» يضيف كيرزويل. وهذا الذكاء الجديد بدوره سيؤدي إلى نتائج ويخلف آثارا على جميع المجالات الإنسانية، في طبيعة العمل والتربية والسياسة والفنون، حتى يمس الأمر رأي الإنسان في طبيعته ذاتها. ويضرب لنا لقاء في سنة 2099 موعد حلول عصر إنسان السيبورغ: »عصر اندماج الفكر الإنساني بعالم الآلات الذكية التي خلقها الإنسان بداية، مما ينذر بتحول مفهوم الكائن الإنساني تحولا عميقا».

وفي الوقت الذي كنا ننتظر أن يُكبح هذا التفاؤل الجامح والفرضيات المقلقة والتوقعات المدهشة. دخلت إلى حلبة النقاش، شخصية من العيار الثقيل في عالم التكنولوجيا المعلوماتية، تعتبر أن ذلك أمر قادم لا محالة وليس التبشير به من باب الرجم بالغيب. وكيف أن بيل جوي كان مديرا علميا للصناعة المعلوماتية في مختبرات (Sun Microsystems)، ومن اخترع نظام البرمجة الشهير بجافا (Java)، ورئيس «اللجنة الأميركية حول مستقبل الأبحاث في التكنولوجيا المعلوماتية». بل أن تدخله زاد الطين بلة، إذ حاول فقط الرد على التفاؤل البالغ الذي يبشر به كيرزويل في مقاله الشهير (2000) بعنوان عنيف له أكثر من دلالة: «لماذا لن يحتاج المستقبل إلينا؟»(مجلة: Wired Magazine).

لقد حاول في هذا النص ـ الذي يعتبر بحق نموذجا لبحث علمي كامل الأوصاف ـ أن يزيح الستار عما يمور به مسرح القرن الواحد والعشرين من مفاجآت وما تخبئه الأبحاث التي تجري في دهاليز السرية للمختبرات. لذلك يبدأ بتقديم كشف واف لأهم التكنولوجيات القوية القادمة كالهندسة الجينية والربوتيكا والسبرنطيقا التي من الممكن أن تؤدي إلى انقراض والقضاء على الجنس البشري، كما أنه يرى أن تبني اندغام هذه العلوم فيما بينها مؤشر كبير على أننا نسير إلى الهاوية بمحض بإرادتنا وبخطوات حثيثة.

بطبيعة الحال أمام هذا الهوس بالبحث والتجريب والتمرد على المألوف، تصاعد النقاش بحدة عن مغزى هذه البحوث التي بإمكانها العصف بمستقبل الإنسان. ثم ما لبث أن انقلب الأمر إلى عنف وعنف مضاد، اندلعت على إثره اعتداءات مروعة بواسطة إرسال طرود ملغمة وقنابل يدوية، راح ضحيتها العديد من علماء التكنولوجيا المعلوماتية، منهم ثلاثة علماء قضوا، وجرح ثلاثة وعشرون. وعلى إثر هذه الاعتداءات اعتقد بيل جوي أنه مستهدف هو الآخر، بعد أن أصيب زميله النابغة دافيد جلرنتر بجروح خطيرة يوم 24  تموز ـ  يونيو ـ 1993 إثر انفجار طرد بريدي في مكتبه في جامعة يال، فقد على إثره عينه وجزءا من يده اليمنى. اكتشف بيل جوي بعد ذلك بيان تيودور كازينسكي الذي يندد فيه بالتكنولوجيا المعلوماتية وبخطرها الماحق، كان قد نشره كيرزويل في كتابه الشهير سنة 1999. إذ اعترف بأن هذا البيان أحدث عنده هزة كبيرة نظرا لمنطقه القوي والضاري، وإن كان يندد بكل ما قام به عالِم الرياضيات الفوضوي من جرائم ضد علماء التكنولوجيا المعلوماتية.

فمن لا يتذكر المجهول الشهير ب "Unabombers" اللقب الذي أطلقه عليه رجال الأمن، أو «عبقرية الشر» اللقب الذي منحته إياه الصحافة الشعبية، عندما احتل أعمدة الصحافة الأميركية والدولية ما بين سنة 1978- 1995؟ اللغز المحير الذي دوخ أجهزة الأمن والمخابرات الأمريكية سنوات طويلة. إذ لم يسدل الستار على مسرحيته المرعبة إلا مع تباشير سنة 1996، سنة اعتقال المجرم ـ العالِم الذي قضى على يده العديد من مهندسي الإعلاميات والتكنولوجيا المعلوماتية. والذي استطاع في نهاية المطاف أن ينقذ نفسه من حبل المقصلة عندما أصدرت المحكمة في حقه في 15  أيارـ  مايو ـ 1998 قضاء ما تبقى من حياته بسجن مقاطعة ساكْرَمانتو. نحن أمام رجل رفض رفضا باتا أن يترافع محاموه عنه أمام القضاء بدعوى أنه مصاب بمرض نفسي يعفيه من المسؤولية الجنائية، أملا في تخفيف الحكم عليه.  فمن هو هذا الشخصية المحيرة على أكثر من صعيد؟

 معارضو السبرانية

 

شاب استطاع أن يلتحق بجامعة هارفارد في سن 16 سنة محطما جميع التكهنات والتوقعات، نابغة في الرياضيات استطاع الحصول على مقعد للتدريس في الجامعة الشهيرة بِركلي سنة 1968، حيث نشر العديد من الأبحاث العلمية في أرقى المجلات العلمية المتخصصة. وبعد سنتين قدم استقالته من دون تقديم أية أسباب على الرغم من محاولة الجامعة ثنْيه على قرار الاستقالة.

انزوى بعيدا على الأنظار في غابة مونتانا واعتزل الناس جميعا، بنى كوخا بنفسه، لا كهرباء فيه ولا دورة مياه، ليعيش هناك قرابة سبعة عشر عاما من دون موارد، يحرث الأرض ويزرعها ويقتات منها ويصطاد بعض الطيور من الغابة المجاورة وجمع الحطب، مما جعل سكان القرية المجاورة يكنون له احتراما بالغا بسبب هدوئه البالغ وانزوائه، لما عرفوا عنه أنه كان عالم رياضيات في اشهر الجامعات الأميركية اعتزل المجد والشهرة الذي كان ينتظره، وانسحب ليعيش منزويا.

وعلى الرغم من أنه كان يحرر بعض المقالات النارية ضد أخطار التكنولوجيا الحديثة وتطوراتها المحتملة بين الفينة والأخرى، سرعان ما تحول إلى صناعة رسائل وطرود انفجارية على غاية من الدقة، عمَّمت الموت باسم الحياة بين مهندسي الإعلاميات والهندسة الجينية. وظل على هذا المنوال حتى اضطرت جريدتا «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» الى القبول بنشر مقاطع مطولة من كتابه «بيان ضد المجتمع الصناعي» في مقابل تعهده بوقف جرائمه.

استهل كازينسكي بيانه الشهير لتبرير ما فعله، قائلا: «إن التأثير على المجتمع من خلال الكلمات أصبح مستحيلا لجل الأفراد والجماعات الصغيرة. خذوا تجربتي كمثل، فلو لم ألتجئ إلى تلك الأفعال العنيفة، وطلبت نشر كتاباتي من طرف ناشر، فمن المؤكد أنه لن يقبل بنشرها. وحتى إذا قبل بنشرها فإنها لن تشد انتباها إلا لدى القليلين من القراء، لأن التسلية عبر شاشات التلفزيون أصبحت أهم من قراءة الكتب... ولكي أنقل رسالتي بقليل من الحظ إلى الرأي العام كان علي أن أقتل بعض من يجرونه إلى حتفه».

غير أن المقاطع التي نشرت في الجريدتين الشهيرتين صُوِّرت للرأي العام مجرد هذيان لمجرم أحمق مطلوب للعدالة، ومن سوء حظه العثر أن الذي قرأها كاملة وبتمعن، قارئ ليس كسائر القراء، أخوه الصغير الذي رباه وانقطعت أخباره عنه منذ 1990. إذ سرعان ما تعرف دافيد على أخيه من وراء السطور عبر أسلوبه الجاف وطريقته الشرسة في التعبير، وخلص للتبليغ عنه بعد تردد كبير.

آنذاك ضربت السلطات العامة تعتيما كبيرا حول مضمون كتابه، وأصبح الرجل في نظر المحاكم مجرد مجرم يعاني من القلق الحاد والتوتر والانقباض النفسي. وبغض النظر عن صحة ذلك أم لا، فإن الأطروحة الأساسية الذي يتضمنها كتابه تتمثل في أن التكنولوجيا ضد الحرية. بل من الخيال الجامح أن يخمن الإنسان أنسنتها أو التحكم فيها، لأن أصفادها تسوق الإنسان صاغرا إلى خدمة نظام لا يرحم.

 فالتكنولوجيا الحديثة في نظره لا تتطور إلا بمقدار تحكمها ومراقبتها للشاذة والفاذة في حياتنا، مما يفسح المجال لأن تسوغ سلوكاتنا وأفكارنا ورغباتنا وأحلامنا! ويكفي في هذا المجال معاينة الآثار الكارثية التي تعاني منها الطبيعة حولنا، إذ لا يتورع كازينسكي من أن يكيل نقدا حادا للمثقفين الذين يسيرون في الركب كالقطيع وكل من يطالبون بإصلاح هذا النظام عوض تغييره مطلقا. ويعتبر أن عصب النظام الحالي هو التكنولوجيا المعاصرة التي أفرزت تحولات كبيرة في حياة الإنسان، وطريق الخلاص بالنسبة اليه يمر أولا وقبل كل شيء من التخلص منها، فهي وراء كل الأيديولوجيات البئيسة التي حاولت إصلاح حال المستضعفين في الأرض بتبني مصطلحات الجلاد، وهي من تحمي القيم السائدة وتشد عضدها عبر الدعوة إلى إحكام القبضة على المجتمع بالترشيد والضبط والتحكم والمراقبة عبر مؤسسات الأسرة والمدرسة والجامعة والإدارة والمستشفى والمصنع... وصولا إلى الدولة.

والقائمة التي يلوح بها في الأفق طويلة: فالخطر النووي يهددنا، وما نأكله اليوم يعج بمواد ملوثة وسرطانية، يتبعه تلوث في البر والبحر وتهديد بحروب فضائية... وما دام ذلك لم يكف، فلقد حل موعد الدمار الكامل، ميعاد استنساخ الكائن البشري وعصر السيبورغ.

لكن كازينسكي لا يشير إلى تلك الوقائع على سبيل من يشير ويُذكر بعناصر كارثة مقبلة. بل يعتبر أن تلك الوقائع المحتملة كامنة في صلب نظام فلسفي سائد، يندرج فيه تطور المجتمعات التكنولوجية الحالية، له منطق يخضع لتصور سلطوي وصيرورة تحكمية قاتلة تنشر الدمار: السيطرة على الحاجيات، السيطرة على الطبيعة، السيطرة على الآخرين... وهلم جرا. وآليات التحكم عنده تتبع غايتين: الأولى طبيعية، تقاسيمها الأساسية تتوزع بين محاولات عديدة في التحكم في الحاجيات الضرورية (الأكل، الشرب، النوم، المتعة)، ولا يرى مانعا في ذلك ما دام يحقق لكل منا استقلاليته وكينونته ويقرن تحقيقها بالتشارك مع الآخرين، وهو حال الإنسان البدائي الذي لم يكن يعاني من التوتر والضيق ويواجه جماعة أو فرادى شراسة الطبيعة.

أما الغاية الثانية فهي عنوان الطفرة التكنومعلوماتية التي خلقت أهدافا اصطناعية محل الأهداف الطبيعية، وعلى الرغم من القوة التي أحرزناها في تدجين الطبيعة، أصبحنا لا نوجه في المجتمع الصناعي إلا جهدا قليلا لإشباع رغباتنا الطبيعية. والأخطر من كل ذلك: يخضع هذا الإشباع ذاته لآلة اجتماعية شبيهة بالطاحون، حيث ليس في وسع أحد أن يحقق استقلاليته، ما دفعنا مرغمين للبحث عن أنشطة تعويضية ينشغل بها كل منا لإيهام نفسه بأنه بصدد تحقيقها.

وهذا الوهم الذي يعشش بيننا يكفي أن نطل عليه من خلال ما نعانيه من أرق، وكراهية للذات، والملل، والانهيار العصبي، والأنانية وعدم الإشباع المستمر.. لأن أهداف «البحث عن السيطرة» كفَّت أن تكون أهدافا طبيعية، بل زُوِّرت محتوياتها وحلت محلها أهداف اصطناعية وضعها الإنسان نصب عينيه. ويذكر منها كازينسكي العديد من الأنشطة التي يقوم بها الإنسان للتنفيس عن هلوسته، فالغاية منها ليس الاستجابة لحاجيات طبيعية، بل جلب إحساس لأصحابها بالإشباع الوهمي بالتحقق والإنجاز، يظل دائما مؤقتا. ويحدد منها بعض الأنشطة: الرياضة، ميدان المساعدة الإنسانية، الإبداع الفني والأدبي، التطلع والبحث عن الاعتراف الاجتماعي، مراكمة المال والبحث عن الجاه والثروات... غير أنه من بين هذه الأنشطة التعويضية التي تستنفر طاقات الأفراد من دون أن تقدم لهم أهدافا طبيعية، يوجد على رأس القائمة «النشاط العلمي». فـ«العلم والتكنولوجيا يقدمان المثال الساطع والأهم عن تلك الأنشطة التعويضية»، ولعل الخطابات التي تُلقى في منابرها تتمحور دائما حول «حب الاستطلاع» كباعث أول لأبحاث العلماء والمثقفين. غير أنه يعتبر ذلك ضرباً من الوهم ومحض انتهازية، بل الأنكى من ذلك كله، عندما يصور العلماء في خطبهم الرنانة أنهم يعملون ويشقون ويكدون حبا في الإنسانية.

في الحقيقة، لا يبحث الباحثون والمهندسون في المختبرات عبر أعمالهم إلا عن تلبية مصالحهم الرخيصة ونزواتهم العابرة بحثا عن المال والنياشين الذي قلما يحصلون عليه في لهاثهم الجامح. «فالعلم والتقنية يتقدمان بأعين معصوبة، ويخضعان لرغبات الحاكمين وأرباب العمل الذين يمولون الأبحاث»، وإذا أردنا تعريف الحرية كسلطة تسمح لنا بالتحكم في ظروف حياتنا، فإن تطور العلوم والتقنيات عبارة عن لعبة لا تتطابق بالمرة معها. فالنظام الحالي بحاجة إلى المهندسين والمشتغلين بالرياضيات والعلماء لتدجين الشعب وإخضاعه لنموذج حياة أبعد ما يكون عن «نموذج طبيعي للسلوك الإنساني». فمنذ الصغر وفي الأسرة والمدرسة يمارس هذا النظام ضغطا تلو الآخر لإخراج الناس وفق سيناريوهات معدة سلفا، كما أن العديد من أفراده تطحنهم عجلاته الضارية، بينما يثور ضده بعضهم: ومن هنا طريق المهمشين والمنحرفين والمتعصبين... فإذا كان لكل منا حتى اليوم القدرة أن يرحب أو يرفض أو يدعو إلى حجاج أيديولوجي بعينه، يترك هامشا معينا من الحوار والتفاوض والمساومة، فإنه اليوم لم يعد ولو بصيص لذلك، لأن التقنية لا تعرف إلا مراقبة والتحكم وإخضاع وتطويع رغبات الناس كما أفكارهم.

 إذ لن تجدي المعايير الأخلاقية والضوابط شيئا أمام الهندسة الجينية، لأنها في الأخير ستفرض منظورا بعينه وسلطة جماعة مكان أخرى. فالقانون الوحيد الذي في إمكانه سد تلك الذرائع يتجلى في المنع الكلي لأي تحوير جيني (Transgénique) لخلايا الإنسان والتوقف نهائيا عن العبث بطاقمه الوراثي. لكن للأسف، نعرف أن هناك من لن يحترم ذلك، ما دام العديد من التقنيين والمهندسين يجربون ذلك سرا في مختبراتهم، وإن تعارض ذلك مع ضرورات الحرية، فهم لا ينظرون إلى أبعد من أنفهم.

لذلك فالتكنومعلوماتية قد أطبقت فخاخها على جميع المجالات الاجتماعية، وأصبحت قوة اجتماعية بدون منافس، لا يقدر قانون ولا مؤسسة ولا دين ولا أخلاق أو عرف أن يلجم جموحها الحرن.

وثورة بهذه الطاقة وهذه المقاييس تختلف عن جميع الثورات التي سبقتها، وتقطع مع الإطار السياسي والفلسفي الذي كان من وراءها. لذلك يجب أن نبتكر فلسفة ورؤية أخرى قد تسبب العديد من الآلام البشرية، لكن لا مناص من دفع الثمن إذا أردنا أن ينفذ الإنسان بجلده، لأن هذا الثمن كيفما كان، أقل بقليل من الفوضى والسديم الذي نعيشه اليوم. ولعل تزايد حالات الانتحار في صفوف الشباب والمراهقين بشكل مهول في المجتمعات المتقدمة ليس إلا دليلا آخر عن حجم الفاجعة الأخلاقية المحيطة بنا.

 

الثالوث المرعب

 

لا يقف كازينسكي عند حد الوصف الفاجع، بل يتصور عدة سيناريوهات في المستقبل، تتمحور كلها حول مستقبل السبرنطيقا والمعلوماتية والهندسة الجينية، الثالوث المرعب:

1) السيناريو الأول: لنفترض أن الهندسة المعلوماتية استطاعت أن تصنع حواسيب وآلات ذكية بوسعها أن تقول كن فيكون، وأن تحقق للإنسان كل ما يريده ويبتغيه بطريقة أفضل مما يقدر عليه بنفسه. سنصل تباعا إلى التسليم الكلي لها ولن يكون الإنسان آنذاك محتاجا لبذل أي جهد، ما دامت جميع المهام في عهدة آلات جبارة ومحكمة التنظيم. وإذا أمكن بعد ذلك لتلك الحواسيب أن تقرر بنفسها وتتخذ القرارات بنفسها «فإن الإنسان سيكون تحت رحمتها ومستقبله في يدها». فتبعيته آنذاك ستكون مطلقة لها ولن يستطيع الاستغناء عنها ما دامت مردوديتها تفوق بكثير ما يستطيعه هو. غاية ذلك أن يُفتح الباب على مصراعيه للعجز والاستكانة عن مجاراتها في يوم ما، وآنذاك تكون الآلات قد أحكمت قبضتها كليا. الأمر الذي يعني أن أي «فصل» للآلة عن الخيط الكهربائي الذي يشغلها يعني انتحارا جماعيا وبطريقة مباشرة.

2) السيناريو الثاني: لنفترض أن الإنسان استطاع على الرغم من كل شيء التحكم في تلك الآلات، فإنه بسرعة وتبعا للوتيرة التي تتطور بها أنظمتها، سننتج هوة بين أفراد عاديين يتحكمون في حواسبهم الشخصية وآلاتهم، و«نخبة» صغيرة بوسعها مجاراة وفهم الآلات الكبرى وأنظمتها المعقدة، مما يعيد إنتاج مخلفات صراع طبقي من نوع جديد قائم على من يعرف ومن لا يعرف عوض من يملك ومن لا يملك! من هنا ستستبد هذه النخبة بالأغلبية وتتحكم بتلك التي أصبحت عالة على المجتمع ما دامت ضرورة العمل اندثرت. وإذا كانت هذه النخبة متعجرفة وأنانية، فإنها لا محالة ستقرر إبادة بقية الإنسانية. أما إذا كانت إنسانية فإنها ستستعمل جميع الوسائل النفسية والبيولوجية لأن تحفز الإنسانية على تحديد نسلها والانمحاء بالتدريج أمامها. في حين إذا كانت هذه النخبة ليبرالية ذات قلب رحيم، ستكون مؤهلة لأن تلعب دور الراعي الطيب أمام الإنسانية، حيث بوسعها إشباع حاجيات الآخرين ماديا ومعنويا، والسهر على أوقات الفراغ والراحة وحل مشاكل كل منا بالجرعات التي تناسبه. مؤدى ذلك أن الحياة ستصبح رتيبة خالية من كل طعم، قد يكون الإنسان فرحا بما حققه، لكنه خاضع ومكتوف الأيدي أمام هاته الهندسة، حاله شبيهة بحال الحيوانات الأليفة في بيوته اليوم.

أمام ذلك كله يتابع كازينسكي: لنفترض عكس ذلك أن الثورة المضادة للتكنومعلومانية قد نجحت. ماذا سنرى على وجه الأرض؟

ربما عودة لطبيعة في حالة صفاء وبراءة متوحشة، آنذاك «ستكتشف الإنسانية بحنين أن الطبيعة مضاد حيوي للتقنية»، وهذا الاكتشاف سيعجل بظهور جماعات صغيرة وجمعيات تعي بكل قوة أخطار الحضارة التكنولوجية والصناعية. لكن لا مناص من تعميم هذه الثورة على الصعيد العالمي حتى يتمكن الإنسان من إسقاط العربدة التقنية وإيجاد سبل «الطريق» العادي نحو تطور إنساني يمر قبل كل شيء بتحقيق حاجاته الطبيعية المرتبطة بضروراته الحيوية.

وإذا كان كازينسكي يرفض العمل السياسي التقليدي في هذا المضمار، فإن بيانه يحمل شحنات سياسية واضحة وبالغة الحدة. وعلى الرغم من أنه يرفض البدائل الأيديولوجية الموجودة في سوق الأفكار من ليبرالية واشتراكية، فإنه يترك الباب مفتوحا للنضال ضد النظام العالمي القائم، ما حدا بأحد أبرز الحركات المضادة للعولمة أن تتبنى بعض أفكاره: http://attac.org/fra/bibl/doc/divers/htm

إذ يعتبر على نحو سيان تحكم التقنية بالإنسان والإنسان بالتقنية يعادلان حالة من استعباد جديدة، فتلك العلاقة أفرزت عبر عدة مراحل كل آليات المراقبة والتدجين والتطويع والتحكم والمراقبة، فالفكر التكنومعلوماتي مسؤول عن ذلك.

هكذا يورد بيل جوي في مقاله الشهير مقاطع من بيان كازينسكي، بخاصة ما يمس تهديد وانقراض الجنس البشري على يد هذه التقنيات الجديدة. بل تراه يعمد إلى ممارسة النقد الذاتي عندما يعترف بأنه لم ينظر قط إلى أبحاثه العلمية من زاوية أخلاقية، إذ كان متجردا منها كليا. وهو وضع شبيه بوضع العلماء الذين لم ينظروا إلى نتائج أبحاثهم في مجال الذرة إلا عندما وخزهم ضميرهم بعد إلقاء القنبلة النووية على هيروشيما وناكازاكي. لكن ذلك الحذر اليوم خفَّت وتيرته بعد أن ظن الرجل أن تكنولوجيات القرن الواحد والعشرين غير تقنيات القرن العشرين ـ النووية والبيولوجية والكيماوية ـ، بل يعترف أنه بدوره أيضا كان بعيدا كل البعد أن يتصور أن اندغام علم الربوتيكا والهندسة الجينية والبيولوجيا الصغائرية والتكنولوجيا المعلوماتية سيطلق «عفاريت من قمقمها»: مجالات وحقول وفضاءات لا حصر لها، يمكنها الإنتاج وإعادة الإنتاج إلى ما لا نهاية إذا طبقت جميع افتراضاتها التجريبية.

ويخلص بعدها للقول: «إن القنبلة تنفجر مرة واحدة، لكن إنسان السيبورغ - بمواصفات نصف آدمية ونصف آلية - قد ينتشر في الواقع بطريقة متواترة، وبسرعة نفقد معها أي تحكم به». ويخلص إلى مقولة الفيلسوف الأميركي هنري دافيد تورو: «لسنا نحن من نمتطي القطار، لأن القطار من يمتطينا». وتحذر مجموعة من فلاسفة العلوم(1998) من «ان اكتشاف القدرة على إعادة الإنتاج الذاتي غير الخاضع للمراقبة في ميدان الهندسة الجينية والنانوتكنولوجيا والربوتيكا يمكن أن يحصل من حين لآخر، بنفس الوقع والدهشة الذي أحدثه استنساخ» النعجة دولي.

 

إنسان السيبورغ (Cyborg)

 

نُحِت هذا المصطلح من اشتقاق جمع بين السبرنطيقا (Cybérnitique) والعضوية (Organisme) ليدل على كائن له أعضاء بيولوجية وأعضاء اصطناعية، أي آلية أو سبرانية، غايتها تقديم إنسان بمواصفات نصف آدمية ونصف آلية.

وظهر هذا المصطلح على يد كل من الدكتور مانفريد كلاينز وناتان كلين سنة 1960 في مستشفى روكلاند في نيويورك في إطار الاستعدادت الجارية لغزو الفضاء، وإعداد الجسد الإنساني لتحمل أجواء مختلفة جدا عن أجواء الكوكب الأرضي.

وإذا كان تطور الإنسان عبر ملايين السنين قد مر بمراحل متعددة تطورت عبره قدراته الحسية والعضلية بفضل التكيف والتأقلم الضروريين لحماية نوعه من الانقراض، فإن فلسفة السيبورغ تعتبر أن مراحل التطور الطبيعي بلغت أتمها، وحان الوقت أن يخضع هذا التطور في المستقبل لمشيئة الزوج الجديد: الهندسة الجينية والمعلوماتية والربوتيكا.

فالتطورات الحاصلة في الهندسة الجينية بوسعها اليوم هندسة أعضاء السيبورغ البيولوجية اصطناعيا، بحيث أن الفروق التقليدية القائمة بين الطبيعي والاصطناعي وبين الكائن الحي والكائن غير الحي آيلة للزوال بفضل البيولوجيا الصغائرية. ما دام أن علوم نانوالفيزياء (Nanophysique) (جانب من علم الفيزياء يهتم بصناعة وقياس الأشياء على مستوى الذرة) والنانوتكنولوجيا وصلت إلى تقطيع وتشطير المادة ذرة تلو ذرة وجزيئة تلو جزيئة للاستفادة من عناصرها المميزة واستغلالها بما يناسب إعادة تركيبها وتنظيمها وتجميعها طبقا لمقتضى الحال.

وهو ما يعني أن المستوى الجزيئي (الصغائري) الدقيق يعد نقطة تقاطعية بين الحي وغير الحي، الطبيعي والاصطناعي. الأمر الذي يعجل بمحو الحدود التقليدية التي دأبنا عليها منذ زمن. فتشطير صلب المادة وكنهها إلى حدود ذرية قياسية هي إحدى خصائص التقانيات العلمية من دون منازع. فالهندسة العضوية انتقلت إلى مستوى مجهري (بكتيريا وفيروسات وثدييات وفقريات...) أصبحت مسألة زراعتها وتوليدها وتربيتها وصناعتها واستخدامها في الصناعة الغذائية أمراً جارياً العمل به. فمن يفتح علبة شوكولاته اليوم سيجد بطاقة تعريفها وكشفاً شاملاً لتركيبتها المادية والعضوية.

وما يهمنا هنا هو الإشارة إلى الأبحاث التي تُجرى للتقريب بين المواد الحية والحواسيب الآلية التي تعمد لتخزين المعلومات ومعالجتها إلى جزيئات ADN  وARN أو عناصر الأنظمة العصبية.

ولعل تبيان الفرق الحاصل بين السيبورغ والجسد الذي سيستند على الرِِِمامة (Prothèse) من شأنه أن يبين بشكل جلي مواصفات إنسان السيبورغ القادمة، فالرِمامة (من الترميم) تعمد إلى عملية استبدال العضو المعطوب، وتنحصر غايتها في تعويض بعض وظائف الأعضاء المعطوبة أو التي تعرضت للتلف (كوضع رِجل خشبية مكان الرجل المبتورة...).

إلا أنه لا يمكن بحال من الأحوال اختزال إنسان السيبورغ في مسألة كمية، يحمل فيها الجسد أكبر عدد ممكن من الرِمامات، لأن الرمامة والسيبورغ يختلفان أصلاً في وظيفة كل منهما. فالرمامة دورها تطبيبي وتعويضي غايتها أن تنوب مكان العضو المعطوب والقيام بوظائفه، كما تفعل الرِجْل الخشبية مكان الرِجل المبتورة، أو ما تقدمه بعض الأجهزة المعقدة من مساعدة للمكفوفين للتمييز بين الأشكال.

وإذا رجعنا إلى أصل كلمة السيبورغ اليونانية سنجد أنها تتموقع خارج هاته الفلسفة الطبيعية، فهي تمتح معناها من فلسفة اصطناعية، لأنها تقوم أساساً على تجاوز دور أجهزة وأدوات الرِمامة، فما يعنيها بالأساس إمكانية الوصول إلى قدرات عالية ومختلفة للعضو المستبدل سواء على مستوى الحواس الخمس (السمع والبصر) أو صلابة الأعضاء.

فمفهوم السيبورغ يتضمن أعضاء اصطناعية ذات قدرة عالية متطابقة مع وظائف جديدة، كأنها أجزاء أصلية منه، وبالتالي فهي غير متحركة. فَأَنْ تحمل نظارات خاصة لا يكفي تحويل الفرد إلى سيبورغ.

فبيرن (Byrne) ينظر إلى كلا المصطلحين كنموذجين مهمين من الفلسفة التقنية، يرى المفهوم الأول أن الآلة في خدمة جسد الإنسان، فيما يرى الثاني أن الكائن الإنساني أو على الأقل بعض أعضائه في خدمة الآلة. وعلى ضوء هذا المنظور الأخير، يصبح الإنسان مجرد نتف ممزقة، تتقلص ضرورته في ضمان وظائف ما زالت الأنظمة الاصطناعية غير قادرة على القيام بها مكانه.

تطرح إشكالية السيبورغ «الإنسان الأعلى» بمواصفات تستطيع تحسين قدرات الإنسان وتجاوز دور أعضائه الطبيعية، وهو ما يطرح أسئلة قلقة لدور الطب في الحياة الإنسانية. فالتقدم الحاصل في تعويض الإعاقة بمختلف صورها، يمكن أن يؤدي باندغام الهندسة الجينية والسِبرانية والمعلوماتية إلى طبع قطع غيار عضوية تفوق أصلا قدرات العضو المعطوب.

وإذا كان الإنسان عبر العصور قد عمد بالفعل إلى استغلال كل أصناف الأدوات للزيادة من قدراته العضلية والحركية والحسية، ابتغاء للدقة والقوة. لا نرى كيف سيقف عند حدود وظائف أعضائه الطبيعية، ومن سيمنعه من استبدالها بأعضاء اصطناعية أكثر دقة وأكثر فعالية ومردودية! ولا شيء خارق في ذلك إلا على النفوس المرهفة.

فإذا استعمل الإنسان البدائي كليا يده في بداية الأمر، فلقد التجأ بعد ذلك إلى الفأس ومن بعدها إلى حفارات الأنفاق العملاقة، وهكذا دواليك، ومن يدري غدا استبدال يده بشيء آخر. نعم، إن ميكانيكا الرِمامة لم تستطع لحد الآن إنتاج أدوات وأجهزة تتفوق على الأعضاء الطبيعية أو تضاهيها. لكن من المحتمل جدا على ضوء ما تقدم أن تتغير الأمور جذريا في المستقبل.

وما نود الإشارة إليه لا يقتصِر على الإشادة بهذه التقنيات المستقبلية أو النجاح الذي ستحققه، وإنما التغيير الذي ستحدثه بطريقة غير مباشرة في قواعد المجتمع وأسسه كما الفرد على حد سواء. الأمر الذي يشمل مفهوم الكائن الحي وهويته ومفاهيم الأسرة والأحوال الشخصية والوضع القانوني للجسم البشري وأنظمة الإنسان المعيارية في جميع المجالات، كالولادة والتربية والعلاقات الاجتماعية ذاتها. إن لم تحدث تغييرات جسيمة في القانون ذاته ورجَّة كبيرة في العقائد والمعتقدات التي دأبنا عليها منذ حين.

يمكن اعتبار السيبورغ إنسانا «مضخماً» ذا جسد تكنولوجي وبيولوجياً مُحوَّراً، وله قدرة نفسية لعبور حواجز الزمان والمكان، إنه نموذج الجندي الكامل، أو الذكَر الذي يُخلد كل معاني القيم الذكورية: الفحولة وقانون الأقوى، الإنسان - الآلة الذي لا يكل ولا يتعب، ذو القدرات الخارقة والأرقام القياسية. وإنسان بهذه المواصفات رمز للوحدة التقنية والعضوية التي لاحت تباشيرها مع ظهور أول آلة لتنظيم المعطيات ومعالجتها حسابيا كيفما كانت كميتها: «الحاسب الآلي».

وهو وحي من الخيال الأميركي الذي يقدس النجاعة والكفاءة والإنجاز. لكنه يقسم العالم إلى مملكة الخير ومملكة للشر، ويرى أنه ممثل الخير الأوحد في هذا الكون. إنها مواصفات الأميركي المهووس بالتجريب وتغيير المكان والزمان وعبادة الجسد، أي كل ما يبهر ويشع. فصورة السيبورغ هي صورة الجسد القوي والجميل والخارق، إنه شعار الرأسمالية الإمبراطورية الجديدة التي أصبحت فيها التقنية مرجع الصغير والكبير، الأنثى والذكر.

 

السيبورغ: رؤية إصلاحية ونقدية

 

يعد «بيان السيبورغ» الشهير (1991) الذي أصدرته عالمة الاجتماع النقدية والأنثربولوجية دونا هاراواي، مقاربة نقدية جديدة إصلاحية لمستقبل إنسان السيبورغ، يحطم فيه أسوار الجبروت والطغيان، ويدك حصون العنصرية بين اللغات والأجناس والاختلافات العرقية والإثنية والبيولوجية، إنسان بمواصفات نصف آدمية ونصف آلية يحترم تعدد الثقافات والهويات والأديان. قادر على التحرر من الرؤى والنظريات والأيديولوجيات والأفكار التي اكتوى بلهيبها قرون عديدة، إنه منظور لإنسان جديد يتجاوز حدود الصراع الجنسي والطبقي والإثني واللغوي والعقائدي والقومي والسيطرة بين الشعوب كما بين الذكر والأنثى.

فالسيبورغ بهذه المواصفات يحمل منظور الإنسان المقبل الحامل لمشعل الحرية والتقدم: «رمز حي للاختلاف الإثني والجنسي والثقافي والديني»، تتابع جونا هاراوايْ. ورحلة الألف ميل هاته تبدأ بالنسبة لها «برفض النموذج الاستعراضي الذي تقدمه الأفلام الهوليودية ونزعة السيطرة الغربية المركزية على العالم».

إنه شعار مستقبل مفتوح للاختلاف والتعدد فشلت في تحقيقه فلسفات التاريخ ونظريات العلوم الإنسانية، لكن لواء تحقيق ذلك أمر أصبح اليوم ملقى على عاتق العلوم الدقيقة بفضل قدرتها على تحقيق الاندماج بين العضوي والميكانيكي، وبين الطبيعة والثقافة.

 

* مركز تاريخ أنظمة الفكر المعاصر - جامعة السوربون.

 




 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع