|
الاستراتيجية الاميركية والمأزق العراقي اعقد مما
يتصوره فؤاد نهرا
جبار ياسين
*
تفتقد مقالة السيد فؤاد نهرا «الاستراتيجية الاميركية والمأزق العراقي»
المنشورة في العدد الماضي من «النور» الى عنصرين اساسيين لكل مقالة:
المعرفة والايمان. بل ان هذين العنصرين ضروريان لكل فعل نافذ بدءا من
الايمان بالله حتى زرع فسيلة. لكن ما يعذره هو تواضع الباحث، فهو يعترف
بأنه «يتناول مسألة ليست باليسيرة بسبب تضافر الظواهر السياسية
وتلاقيها فيه»، على حد تعبيره. وهو اصاب في هذا المنطلق الذي لم يتتبع
ضروراته في مقالته. فشروحاته وتحليلاته للواقع العراقي وما يحيط به
«ليست حصيلة لمعايشة الواقع العراقي من الداخل» بتعبيره في اول المقال.
واذا كان نهرا كتب مقالته ليدحض تحليلات الصحافيين العرب المبتسرة، من
خلال نظرة مزدوجة ارادها منهجاً، فانه كرس ازدواجية في التحليل، لم تضئ
الطريق بل زادته عتمة لانعدام الموقف السياسي الواضح في المقالة، ناتج
كما يبدو عن ضعف ايمان بمستقبل القضية العراقية برمتها. واراد الكاتب
لمقالته الا تكون سجالا وان تسمي الاشياء بأسمائها، لكنه يطرح منذ
البدء اسئلة لم يستطع الجواب عنها بشكل صاف في متن مقالته. ونتصدى
لمناقشة اراء الباحث نهرا بحكم انتمائنا الى الواقع العراقي ومتابعتنا
اياه من الداخل والخارج وعبر زيارات متتالية للعراق، ونطمح الى اضاءة
قد تشكل فهما اوسع للقضية العراقية، راهنا على الاقل، وقد تساعد في
تعميق فهم الباحث وربما تغيير رأيه في بعض الطروحات.
في القسم الاول الذي يتناول فيه اسباب قرار الحرب على العراق يهمل
الباحث ثلاثة عوامل جوهرية. فهو لم يتابع جديا تطور تاريخية المشكلة
العراقية على الاقل منذ حرب الخليج العام 1991، ولايعطي لأحداث الحادي
عشر من أيلول - سبتمبر - 2001 دورها المناسب كما انه يهمل تماماً الدور
الذي لعبته المعارضة العراقية في التسريع بقرار الحرب.
لا ينكر ان احتلال جيش صدام حسين للكويت في الثاني من آب - أغسطس -
1990 كان اهم حدث في العالم «اضافة الى انهيار الاتحاد السوفيتي في
العام التالي» بعد سقوط جدار برلين.
سياسة الاحتواء
فالحرب التي تبعت الاحتلال دفعت بالعراق الى الواجهة وجعلته واحداً من
مراكز العالم التي على ضوئها تحدد الاستراتيجية الاميركية. واذا كانت
الحرب التي كلفت العرب الكثير خيبت نتائجها آمال العراقيين لأنها لم
تجهز على النظام العراقي، فأنها بطريقة نهايتها حددت استراتيجية
اميركية تتمثل في احتوائه. وعلى هذا المنهج مضت السنتان الاخيرتين من
حكم جورج بوش الاب وولايتا بيل كلينتون والشهور العشرة الاولى من حكم
بوش الابن. فالسياسة الاميركية بدءاً من نهاية حرب الخليج مضت على
منوال تصفية منطقة الشرق الاوسط وتهذيبها بهدوء من مؤتمر مدريد مرورا
باتفاق اوسلو وانتهاء بمحاولة تصفية المعارضة العراقية، عندما سمحت
لقوات صدام حسين باحتلال اربيل في العام 6991، وتطهير العراق من ثكنات
المؤتمر الوطني العراقي، الذي كان يضم غالبية القوى السياسية المعارضة
لصدام حسين، والتي كانت تهدد النظام العراقي فعلا. وسياسة الاحتواء تلك
كانت ترتكز على انهاك النظام من خلال الحصار والضربات العسكرية بين حين
وآخر. ولعل الاخفاق الاميركي في عملية «استعادة الامل» في الصومال
العام 3991 عزز لدى انصار الاحتواء هذه الاستراتيجية التي تحفظ
للولايات المتحدة ماء الوجه.
هكذا خلال ثماني سنوات من ادارة كلينتون وجدت المعارضة العراقية نفسها
في تراجع على صعيد الدعم الاميركي المالي والسياسي والاعلامي. بل ان
هذه الادارة حرضت على المعارضة العراقية من خلال اثارة فضائح مالية
وسحبت الغطاء عنها كليا - على رغم سن قانون تحرير العراق - في عملية
اربيل السالفة الذكر. اكثر من هذا صرحت الادارة الاميركية بأن عملية
اربيل هي اخفاق لمخطط للمخابرات المركزية الاميركية، بما يعني ذلك حرق
اوراق المعارضة كلها!
يورد نهرا ما يعني ان ادارة بوش «استهلت» عهدها بمحاولة اقناع الرؤساء
العرب بشن الحرب على العراق! والجميع يعلم ان هذه الادارة بدأت في
تنفيذ برنامجها الانتخابي المعتمد كليا على الشأن الاميركي الداخلي،
الاقتصادي والقضائي منه بخاصة، والاهمال الكلي لتورط اميركي في الشرق
الاوسط، بما في ذلك القضية الفلسطينية التي تركها فشل محادثات كامب
دافيد واندلاع الانتفاضة الثانية مفتوحة على احتمالات خطرة. لتسعة اشهر،
من كانون الثاني - يناير حتى اواسط أيلول - سبتمبر -، لم يتدخل الرئيس
الاميركي المنتخب حديثا بما يتعلق بالعراق او الشرق الاوسط عامة وكأن
هذا الجزء من العالم لم يعد موجودا في حساب السياسة الخارجية الأميركية.
لكن هذه السياسة تغيرت بمقدار نصف قطر دائرة بعد صباح الطائرات
الاميركي. ففي مساء اليوم نفسه تحول بوش من رجل ادارة للسياسة الداخلية
الى «ساموراي» اميركي ببرنامج حربي من نمط جديد، ليس في السياسة
الاميركية فحسب انما في السياسة الدولية ايضا. في هذه اللحظة عاد الملف
العراقي كاملا الى مكتب رئيس البيت الابيض ولم يكن امام الرئيس المنهزم
في «صباح الطائرات» سوى ان يؤشر عليه بالاحمر بعد ان صارت الضربة
الوقائية استراتيجية جديدة للبيت الابيض، بينما كانت تنفرد بتطبيقاتها
الدولة العبرية.
احداث الحادي عشر من أيلول - سبتمبر - والانتصار السريع في الحرب على
«طالبان» و«القاعدة» في أفغانستان فتحت ابواب البيت الابيض من جديد
امام المعارضة العراقية. خلال تلك الفترة عملت اطراف كثيرة من المعارضة
العراقية على تقديم المشورة والمعلومات، والمبالغة في قدرات النظام
العراقي حد التضليل بل والتأليب على نظام صدام حسين وكشف ضعفه عسكريا
وجماهيريا من اجل شن الحرب بأسرع وقت، بخاصة ان للنظام العراقي سجلاً
طويلاً في الارهاب سهل استعماله في الحرب الاميركية «المقدسة» على «الارهاب
الاسلامي والعربي».
للأسف يهمل نهرا في تقديمه اسباب الحرب جوانب تاريخية مهمة ويخلط بين
تواريخ مشاريع عدة كأن يكتب ان «تراجع الادارة الاميركية عن مشروع
الحرب على العراق والحلول السياسية للصراع العربي - الاسرائيلي عالقة،
لاسيما بعد افشال المحاولات الاخيرة المتمثلة في ما سمي بـ«خريطة
الطريق». فالادارة الاميركية لم تتراجع عن الحرب في عهد رئيسها الحالي
وان سعت في مرحلة اولى الى اشراك الامم المتحدة في استنفاد ممكنات حل
سلمي. كما ان الكاتب في الوقت الذي لايحبذ الدخول في تفاصيل مخلفات
أحداث أيلول - سبتمبر - ينسى او يهمل انها الحجر الاساس للسياسة
الاميركية الجديدة في عهد بوش وحربها على الارهاب، وبالتالي تبني مبدأ
الحرب الوقائية كسياسة دفاعية مما جعل غزو العراق متوقعا قبل حدوثه
بعام.
أسباب الحرب ومقدماتها
في شرح اسباب الحرب على العراق ومقدماتها، يحاول الكاتب تبرئة كل ما هو
عربي. فهو يكتب عن فشل «المساعي الدبلوماسية لكسب الدول العربية من اجل
القيام بشن حملة عسكرية جديدة» ويقصد بها الحرب على العراق. ولا ادري
من اين دخلت الجيوش الاميركية والبريطانية الى الاراضي العراقية في
العشرين من آذار -مارس- 2003؟ الم تدخل من دول عربية مجاورة امام
كاميرات تلفزيونات العالم قاطبة؟ في الوقت الذي امتنعت دولتين مسلمتان،
غير عربيتين يحكمهما نظامان ديمقراطيان نسبيا، عن السماح بذلك؟بينما
اكتفى معظم الدول العربية الباقية بمواقف تتراوح بين الحياد والصمت
والتباكي... الحقيقة ان اكثر دول المحيط الاقليمي رحبت، في سرها، بهذه
الحرب التي تخوضها اميركا نيابة عنها فقد مل الجميع صدام حسين ونظامه.
في هذا السياق لا يمكننا الا ان نذكر ان السقوط السريع والمخزي لبغداد
في التاسع من نيسان - ابريل - لم يتم بفعل القوة الضاربة الاميركية -
قرية ام قصر في الجنوب صمدت اكثر من اسبوع وبغداد العباسية قاومت جيوش
هولاكو خان عشرة ايام من دون جيش - انما بفعل تهافت الفكر القومي
البعثي وعلاقته بالوطن والحديث طويل في هذا الجانب من القضية.
اما «استراتيجية المبادرة الاحادية الجانب» من الطرف الاميركي التي
يسوقها الكاتب، فأن اخطاء صدام المتتالية وعنجهيته القومية المتضخمة
سهلت للولايات المتحدة وحلفائها المضي فيها الى نهاية الشوط، ولا يتسع
هذا الرد لأحصائها.
السابقة الافغانية
يقارن نهرا بين تجربة الحرب على افغانستان، التي استغرقت الشهور
الثلاثة الاخيرة من العام 2001 - من قصف كابول في العاشر من تشرين
الاول - اكتوبر- حتى نهاية معارك تورا بورا في نهاية كانون الاول -
ديسمبر- وبين حرب العراق التي استغرقت قرابة ثلاثة اسابيع. في هذه
المقارنة التي تبدو كمقارنة القطار بالسيارة يهمل الكاتب مرة اخرى
سياقين تاريخيين وواقعين مختلفين كل الاختلاف. فالامر في الحالتين لا
يتوقف على «طبيعة الارض واسلوب الحرب» فحسب، كما يحاول الكاتب عرضه،
انما على النتائج اللاحقة والمختلفة كليا. فالوضع العراقي اكثر تعقيدا
لأسباب اجتماعية - تاريخية - ثقافية، اضافة الا ان نظام البعث العراقي
وروحه العسكرية مستقر في حكم العراق منذ خمسة وثلاثين عاما كدولة قمعية
معقدة، على عكس نظام «طالبان» البدائي والموجود منذ اقل من خمس سنوات.
واذا كانت معارضة الشمال الافغاني منظمة ومسلحة على ارض محررة وفي
الوقت نفسه اثبتت بدخولها كابول، ضد الارادة الاميركية، على
استقلاليتها، فان المعارضة العراقية عكس ذلك. اذ ان مؤتمر لندن في
كانون الاول - يناير -، قبل بدء الحرب، نجح في جمعها من دون ان يوحدها،
كما انها لا تملك امكانات تعبوية تمكن مقارنتها بتحالف الشمال الافغاني
المسلح بتجربة حرب طويلة ضد الغزاة السوفيات اولا وضد فصائل افغانية
منافسة بضمنها دولة «طالبان».
اما محاولة تعلق الكاتب بتبريرات من نمط استعمال القوات الاميركية
لتقنية «البعد الرابع - نظام المعلومات من اجل تحديد مواقع حركة
طالبان بدقة والحد من نسبة الخطأ في اصاباتها» فتبدو مقحمة وخارج سياق
المقال. وللتذكير فأن القوات الاميركية استعملت هذا البعد في حربها على
العراق بدليل نجاحها في فرض حرب خاطفة بأقل التكاليف، وتكفي زيارة
لبغداد للتعرف على دقة الضربات الاميركية و«جراحيتها»!
من الحكم المباشر الى النقل الظاهر للسلطة
بعد ان يؤكد نهرا على موضوعة تكرار التجربة الافغانية في العراق ينكر
في فقرات لاحقة وهو يتناول الاحتلال الاميركي للعراق، هذا التكرار.
ويسرد عوامل خاصة بالوضع الافغاني تعطي انطباعا بمعرفة عامة للوضع
الافغاني عشية تبخر دولة طالبان. لكن الانكى انه يختصر اصرار الادارة
الاميركية على الحكم المباشر للعراق«بسبب العداوة السافرة التي يكنها
المحافظون الجدد في الولايات المتحدة تجاه الاسلام السياسي»؟ وهو في
هذا الاستنتاج التبسيطي يعود ليقع في المطب الذي كتب مقالته من اجل
تجنبه. اذ ان تبسيط الصراعات الدولية والمسألة العراقية بخاصة بهذه
الطريقة - وهي للأسف اصبحت طريقة عربية في التحليل تغني عن اي نقد
ذاتي، ضروري اليوم، بعد تجربة سقوط بغداد التاريخية - لايقود الا
لشعارية كان المفروض انها سقطت بسقوط العاصمة العباسية.
يتفق الجميع اليوم على الاخطاء الاميركية الفادحة التي واكبت عملية
احتلال العراق. وثمة اسئلة ستبقى من دون اجابة حتى اشعار آخر تتعلق
بمجرى الاحداث التي رافقت سقوط بغداد وما تبعه من اسابيع من الفوضى
والنهب وعدم مبادرة اميركية ايجابية تلاها سيل من مراسيم «برايمرية»
غير حكيمة. لكن الخلل ليس اميركيا فحسب. انه خلل المعارضة العراقية
التاريخي التي ضيعت اكثر من فرصة للحديث بصوت واحد امام الصوت الاميركي.
بل ان اخفاقها يضرب جذوره في مؤتمر لندن الشهير، حينما لم تستطع فرض
حكومة منفى لأدارة العراق لحظة التحرير على نمط ما حدث في فرنسا مثلا،
التي حررتها الجيوش الحليفة وعلى رأسها الجيش الاميركي. هكذا بعد ايام
من تحرير العراق من نظام صدام حسين اصبح المحرر محتلا. وبمعرفة ببعض
خلفيات واشكاليات وصراعات رجال المعارضة العراقية التي دخلت البلاد مع
الفاتحين - المحررين، ليس كقوة واحدة انما مجموعات متنافسة، نفهم سرعة
القرار الذي حول التحرير احتلالا. اكثر من هذا فإن المعارضة دخلت في
صراعات الحصص والتمثيل ما ضاعف من سلطة الحاكم المدني بول برايمر وحجم
مناورته الى درجة ان عملية سد الفراغ السياسي لم تتم في العراق الا بعد
اربعة شهور من سقوط بغداد بولادة مجلس الحكم المؤقت في الثالث والعشرين
من تموز -يوليو- 3002. ولولا حالة الفرح القصوى، الاشبه بالذهول، التي
عاشها العراقيون خلال تلك الشهور ونفوذ مرجعيات دينية مختلفة وبعض
الاحزاب الصغيرة لبقيت الفوضى سيدة الموقف ولتضاعف حجم الدمار الذي
نشهد تبعاته اليوم. ولقد قيض ان نزور العراق مرتين خلال هذه الشهور
الاربعة، هكذا فإن شهرين من اقامتنا هناك جعلتنا نقف على رغبة
العراقيين العارمة في ان تقوم حكومة مؤقتة في اسرع وقت لتعيد بناء
الدولة ومؤسساتها التي تهاوت كقصر من ورق في التاسع من نيسان - ابريل.
وكم كانت الخيبة كبيرة حينما ولد مجلس الحكم من دون صلاحيات كبيرة
وبمحاصصة عرقية ودينية وطائفية. في النتيجة فأن المعارضة العراقية
السابقة تتحمل جزءا ليس يسيرا في وصول الوضع العراقي الى المديات التي
نعرفها منذ التاسع من نيسان -ابريل.
في السياق نفسه يحاول نهرا ان يحمل قوات الاحتلال مسؤولية تفكيك جهاز
الدولة العراقية مستندا في شكل معاكس على تحليل سمير الخليل (كنعان
مكية) في كتابه «جمهورية الخوف». اذ ان الخليل يختصر «جمهورية الخوف»
في اجهزتها الامنية والجيش والحرس الجمهوري «وليس الثوري كما ذكر نهرا
في مقالته!» والحزب الحاكم. ومن المعلوم ان هذه الاجهزه انهارت تلقائيا
خلال الايام الاخيرة من الحرب وتفتت لحظة سقوط بغداد واختفت عن الانظار.
اما عمليات الحرق والنهب لدوائر الدولة ووزاراتها فاعقبت انتهاء الحرب
بساعات. اذن عن اي تفكيك للدولة يتحدث كاتب المقال؟ الدولة العراقية
سقطت حينما تبخرت اجهزتها وتكفل الحرق والنهب بطمس آثارها#0236 بشكل
آخر الدولة العراقية تلقت نتائج ما فعلته في ايران خلال حرب الثمانية
اعوام وفي الكويت حين احتلالها، لكن هذه المرة كان غزاة الدولة
مواطنيها المقسمين بين المنتقمين منها وبين من عودهم صدام على
النهب#0236 الدولة العراقية ضحية نفسها، وذلك درس من دروس التاريخ الذي
يفرض علينا النظر في معنى التحضر.
اجتثاث البعث
يعود فؤاد نهرا تحت هذا العنوان الفرعي في مقالته ليؤكد «ان عملية
اجتثاث البعث ادت الى تفكيك الدولة بالكامل» من دون ان ينظر الى
المراحل المتتابعة قبل بدء الدولة الجديدة في عملية الاجتثاث. ذكرنا
سابقا الدولة الصدامية انهارت كقصر من ورق اشهرا قبل تشكيل مجلس الحكم
واللجان التي انبثقت عنه وبضمنها لجنة اجتثاث البعث. ولعله للمرة
الاولى في تاريخ الحروب الحديثة، على الاقل، تنهار دولة بهذه السرعة
وبهذه الطريقة. فالجيش الاميركي الذي احتل القصور الرئاسية والوزارات
لم يجد احد فيها ليفاوضه على شروط الاستسلام او ليأخذ منه مفاتيح
الوزارة او المؤسسة! لم يحدث هذا في اليابان بعد قنبلتين ذريتين ولم
يحدث في المانيا بعد تدمير برلين. ففي الحالتين كان هناك من يمثلون
الدولة او بقاياها. الجيش العراقي، بكثافته البالغة تبخر على ابواب
بغداد من دون معارك ورئيس الجمهورية هرب الى الحفرة التي وجدوه فيها
بعد تسعة شهور من ذلك، فهل كان الكاتب يريد ان يعاد بناء الدولة عبر
دعوة اجهزتها القمعية القديمة للالتحاق بمراكزها؟
بالتأكيد كان لابد من بناء دولة جديدة، ربما بقسم من مخلفات الدولة
القديمة ولكن ليس كما اتفق. فالاجهزة القمعية من شرطة ومخابرات وحرس
جمهوري الخ#0236 ليست اجهزة بناء دولة كما يتصور الكاتب بل اجهزة قمع
وقتل ومذابح ومقابر جماعية. وقد يستغرب الكاتب ان الاغلبية العراقية
تقف مع سياسة اجتثاث البعث، التي هي سر شعبية السيد احمد الجلبي، رئيس
اللجنة، في بعض الاوساط العراقية. ولكي نصل بالحقيقة الى اقصاها نقول
ان المعترضين على هذه السياسة في الاوساط الثقافية العربية هم اكثر من
المعترضين عليها داخل العراق. ذلك ان قرابة مليوني ضحية موزعين بين
ضحايا التعذيب والمقابر الجماعية والانفال وحلبجة والدجيل وكربلاء
والنجف ومدن اخرى لديهم من الاخوة والاقرباء الاحياء ما يمثل اضعاف
عددهم...
صحيح ان هناك بعض الاخطاء في تطبيق سياسة اجتثاث البعث، فالمفروض اساسا
ان يجتث البعث ثقافيا وسلوكيا من المجتمع العراقي وان لا يكون وسيلة
تحريض للبعض ضد الدولة الجديدة، عبر التسريح القسري غير المحسوب
النتائج اجتماعيا وسياسيا. لكني اؤكد للباحث نهرا انه لو زار العراق
لوجد من المؤيدين لاجتثاث البعث اكثر من المعارضين. وذلك ليس فقط في
الجنوب العراقي الشيعي او الشمال الكردي بل في بغداد نفسها ذات
الاغلبية المظطهدة ايام حكم النظام السابق. ومواصلة لذلك نقول ان
الاجهزة التي قادت العراق الى ما هو عليه اليوم من خراب متعدد الاوجه
لن تستطيع اعادة بنائه في كل الاحوال. وبالتالي فلن تكون موضع رهان لكل
ذي بصيرة.
في الموضع نفسه يكرر الباحث نهرا ما يردده الزبائن الدائمون لبعض
الفضائيات العربية حول «الحكومة الجديدة المعروفة بولائها للولايات
المتحدة، بل ان رئيس وزرائها نفسه يضمن التواصل بين الطرف العراقي من
جهة وبين الاجهزة الامنية الاميركية من جهة ثانية» كما ورد في مقالته
وكأنه يسرد مقطعا من رواية بوليسية! ولا نعتقد ان الامور بهذه البساطة
والابتذال الذي يصوره الباحث نهرا، على رغم اختلافنا الكلي مع افكار
السيد اياد علاوي وسياسته. فالحكومة العراقية تمثل فصائل عدة لها
تمثيلها في المجتمع العراقي. فإذا وضع الباحث الاحزاب القومية الكردية،
التي تبحث بمشروعية عن مصالح قوميتها، في الجيب الاميركي فأين يضع
ممثلي المجلس الاعلى وحزب الدعوة والحزب الشيوعي العراقي والحزب
الاسلامي وحركة المستقلين الديمقراطيين؟ هل يضعهم كلهم في الجيب
الاميركي نفسه وبهذه السهولة؟اليس لأحزاب العراق حرمة، بعد ان ضاعت
حرمة ارضه، وهي تبحث عن طرق سلمية لأعادة استقلال وبناء بلاد وضعها
القوميون بين فكي الوحش الاميركي؟
الغاء الهوية العربية
بالتأكيد فأن العراق العربي بالاسم يستهوي الجميع لكن العراق اعقد من
هذا. انه بلاد المحاددة النموذجي بين حضارتي الفرس والاتراك. على ارضه
مرت الاقوام ونأمل ان تستمر في المرور لتبقى الهوية الثرية المتعددة
لهذه البلاد. لكن مقالة نهرا تنعى «عروبة العراق» لأن الاكراد اصبحوا
حقا مواطنين من الدرجة العراقية الاولى لهم حقوق حقيقية وليس حصة الاسد
كما يذكر الكاتب في مقالته لأن«اللغة الكردية احتلت مرتبة مماثلة
للعربية بالرغم من تفاوت موقعهما التاريخي». ولا ندري ما هو فضل لغة
على اخرى وأي لغة اقدس من اخرى، وانا العربي الذي يحب لغته لكني لا
اعتبرها افضل من الفرنسية او الالمانية...الخ انها لغتي ويسرني الحديث
بها ولا اكثر على رغم انها اقدم من الفرنسية والالمانية وان كانت
اللاتينية اقدم؟
وفي النهج نفسه يمضي الكاتب ليحتج بأسم الاسلام على العلمنة القادمة
للدولة العراقية، وكأن العلمنة، التي عاشها العراق دائما، اصبحت خطرا
يتهدده!
ولكي نكون اكثر اختصارا فأننا نجيب الكاتب نهرا بمواد «قانون ادارة
الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية» والذي هو بمثابة دستور مؤقت حتى
البت بدستور جديد للبلد في منتصف هذا العام. تقول المادة السابعة،
الفقرة أ مايلي: «الاسلام دين الدولة الرسمي ويعد مصدرا للتشريع ولا
يجوز سن قانون خلال المرحلة الانتقالية يتعارض مع ثوابت الاسلام المجمع
عليها ولا مع مبادئ الديمقراطية والحقوق» اما الفقرة ب فتقول: «العراق
بلد متعدد القوميات والشعب العربي فيه جزء لا يتجزأ من الامة العربية».
وتنص المادة التاسعة على ان «اللغة العربية واللغة الكردية هما اللغتان
الرسميتان للعراق. ويضمن حق العراقيين بتعليم ابنائهم بلغة الام
كالتركمانية او السريانية او الارمنية في المؤسسات التعليمية الحكومية
وفق الضوابط التربوية».
بعد هذا نتساءل: هل ان الاسلام يضيع جنب الديمقراطية ومجتمع الحقوق؟
وهل الاعتراف بالواقع الحقيقي في ان العراق بلد متعدد القوميات كذبة؟
وهل تنبغي اضافة ان الشعب الكردي في العراق جزء من الامة العربية لندخل
في طورانية عربية دفعنا ثمنها باهظا خلال قرن؟ وهل ان كون اللغة
الكردية التي يتحدث بها عشرون في المئة من العراقيين اصبحت لغة رسمية
سيجعل العربية لغة اقلية؟ واخيرا لماذا يبدو غريبا ان يتفاهم ابناء
الوطن الواحد بلغاتهم المتعددة في دولة عانت التقسيم العرقي والطائفي
لعقود طويلة؟
ازمة المقاومة العراقية
تحت هذا العنوان لا يفرق الباحث نهرا بين «المقاومة» و«الارهاب». وهو
يكرر هنا ما تردده بعض الفضائيات العربية. بدءا نقول ان حصيلة ضحايا
المقاومة من العراقيين عشر مرات اكثر من الاميركيين. وهذا امر اصبح
معروفا والصحافة العالمية توفر لنا الارقام يوميا. فالسيارات المفخخة
والاغتيالات تستهدف المدنيين العراقيين وبعض العمليات المسلحة ضد الجيش
الاميركي يكون ضحاياها احيانا من العراقيين. هكذا مقاومة لايمكن لنا
الا ان نضعها موضع استفهام. اذ ان نموذجها هو الفريد من نوعه بين تاريخ
المقاومة في كل البلدان التي احتلت عبر التاريخ. وفي تعداد صنوف هذه
«المقاومة» يضعنا الكاتب امام اربعة اصناف ادناها ضباط الاجهزة الامنية
للنظام السابق واعلاها المرتبطة بتنظيم الاصولي - القاعدي الزرقاوي. ثم
يضيف لنا مقاومة معتدلة لم يلحظ دورها حتى الآن! ولا ندري متى سيلحظ
دور هذه المقاومة.
في بحثه عن المقاومة يبدو الباحث نهرا وقد اندرج عليه المثل العراقي
الذي معناه «يبحث عن حب البطيخ في المزبلة» فهو يسمي ذبح كل من لم
ينتمِ عرقيا او مذهبيا او سياسيا لهذه الفصائل: مقاومة. يسمي ذبح
الاجانب من سائقي شاحنات اتراك او عمال من النيبال او اميركيين او
ايطاليين امام كاميرات الفيديو بالمقاومة. ولاندري من اي قاموس سياسي
استل السيد نهرا تعريف المقاومة؟ وهو كما لو ينسى ان هذه المقاومة، كما
تقر الاغلبية العراقية، تطيل امد الاحتلال لأنها تجد له عذرا في بقاء
قواته. وهذه المقاومة ذاتها اعلنت في منشوراتها عبر الانترنيت انها
ستواصل القتل لأنها لاتريد الديمقراطية التي تساوي بين العراقيين نساءا
ورجالا، مؤمنين وكفرة على حد زعمها. وهي نفسها واعلامها الكبار من طراز
بن لادن من افزعوا في الوقت المناسب الرأي العام الاميركي لينتخب بوش
مرة ثانية ليواصلوا حروبهم ضد دار الكفر!
ومن دون ان ندخل في حيثيات لن نستطيع اثباتها «قانونيا» من نمط دعم بعض
دول الجوار او دولٍ نائية لهذه المقاومة او لا، فأن النصائح التي
يسديها الكاتب لهذه المقاومة في تكتيكها القتالي تضر بالمقاومة اكثر
مما تنفعها. كان الاجدر به وهو الباحث الرصين في موضوعه ان يتجنب
الانزلاق الى تنظيرات في التكتيك القتالي، فهو باحث قبل كل شيء وليس
خبير حرب عصابات، خصوصا انه يعترف في اول المقال بعدم معايشته الوضع
العراقي من الداخل.
لكنه في الوقت نفسه اغفل المقاومة التي تعتنق الاغلبية العراقية
مبادئها، الا وهي المقاومة السلمية التي بدأت عشية انتهاء الحرب. هذه
المقاومة، التي بدأت في وقت واحد في المنفى العراقي وفي الداخل، والتي
كرسها بعض رجال الدين كفتوى. انها المقاومة الاكثر شعبية والاقل ضررا
للعراقيين وهي التي تنتظر نتائج الانتخابات لتبدأ الخطوة الاولى لبناء
الدولة العراقية الجديدة التي تنهي الاحتلال بطريقة سلمية من دون ان
تبحث عن مقارنات بفيتنام التي لا يمكن للواقع العراقي استيعابها.
قبل الختام لا بد ان نعلن اتفاقنا مع رأي الباحث في اعادة النظر في
المفاهيم القومية العربية بصيغها التقليدية والتي ربما تكون الاخيرة في
العراق. فالتجربة القومية البعثية كانت شديدة الوطأة على مجتمع كامل
ولن يجد التيار القومي اشياعا له قبل مرور زمن طويل. صحيح ان حزبا او
اثنين ينشطان في العراق، من دون جدوى، اذ ان اعضاء هذه الاحزاب من
مناضلي «العهد القديم» الحالمين بعودة التاريخ!. الشبيبة العراقية
تستهدف اليوم مشاريع سياسية اخرى، ابعد مدى من القومي او الانتساب الى
بني امية او الفصل في قضية خالد بن الوليد وقتله صبرا للمسلم مالك بن
نويرة ودخوله على زوجته في المساء نفسه. وفي اشارة الكاتب الى هذين
المثلين رجعة تاريخية، يبدو انها لا تهم كثيرا الجيل الجديد من
العراقيين الطامحين للعيش في بلاد يسودها الهدوء، بلاد للجميع بقدر
متساو.
في الختام ليس هدفنا تفنيد اطروحات الباحث نهرا قدر محاولتنا الحوار
معها وتوضيح بعض الالتباسات. فالمقالة حاولت السير في اتجاهات عديدة
للامساك بالوضع العراقي الصعب المنال. ونشكر الباحث لأنه اتاح لنا فرصة
توضيح، عبر مجلة النور، التي فعلت خيرا بنشر رأيه. فله ولها الشكر.
*
كاتب وشاعر عراقي.
|