العدد

165 :

الجمعة, ديسمبر 5, 2008 - 9:21 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
فكر
بلاد العرب
ملفات
دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

شراء الديمقراطية للشرق الأوسط مصلحة غربية أولى في الشرق الأوسط

 

 هشام القروي *

  

إن المعيار الأمثل لمشروعات «الدمقرطة» فى أنحاء العالم العربي المختلفة، يفترض قيام سلسلة طبيعية تبدأ بتخفيف السيطرة السلطوية، وتعقبها انتخابات ونقل السلطة للقوى الديمقراطية الليبرالية. إن مراقبة الانتخابات في عدد من الدول العربية منذ أوائل تسعينات القرن الماضي، اتبعت بعدد من المشروعات المصممة لتحاكي الطلب على الديمقراطية من المجتمع المدني عن طريق توضيح الحقوق والمسؤوليات السياسية لقادة الرأي المحتملين، بخاصة من بين السيدات الناشطات سياسيا والمرشحين النيابيين والقضاة وطلبة القانون والصحافيين والمدرسين ونشطاء المنظمات غير الحكومية والذين يقومون بعد ذلك بدور في الضغط على الحكومات وتجميع المساندة العامة من أجل الإصلاح التدريجي ومن أجل الأجندة الليبرالية.

 

فيما مضى لم تكن عملية «الدمقرطة» تمثل المصلحة الغربية الأولى في الشرق الأوسط، وبالنسبة لإدارة بيل كلينتون مثلا، كانت عملية الإصلاح السياسي تحتل درجة أقل من الأهمية باعتبارها من السياسات الدنيا في ظل المخاوف من أن مزيدا من الديمقراطية يمكن أن يأتي بالقوى المضادة لأميركا إلى الحكم. كما أن الأوروبيين كانوا قلقين من حدوث الاضطرابات على الجانب الجنوبي ومن احتمال تدفق الهجرات نحو الشمال نتيجة لذلك. واحتل كل من النفط والحفاظ على استقرار دول الخليج العربي وعملية السلام والعقوبات ضد الدول المارقة ومسألة الديون، الأولوية على «أجندات» السياسات الخارجية بدلا من حقوق الإنسان والحكم الجيد. ومثلت هذه الاهتمامات، بدرجات مختلفة، المقاييس التي استعملتها كل من واشنطن واوتاوا والعواصم الأوروبية وفي بعض الأحيان طوكيو وكانبيرا لإرسال خبراء في الديمقراطية إلى العالم العربي. وسعى وسطاء الديمقراطية إلى خلق شبكة من النظراء الوطنيين والإقليميين في العالم العربي وفي هذه المخاطرة كانوا ناجحين لدرجة كبيرة ولكن أيضا أثاروا بعض التناقضات غير المقصودة.

  

معركة الافكار

 

تستوقفنا في هذا السياق مقالة رونالد دي آسمس وميشيل ماكفاول في موقع «معهد السياسة التقدمي»، وكلاهما له باع في البحث العلمي في الولايات المتحدة. فهما يعتقدان أن هناك إجماعا آخذا في الظهور في أميركا حول الحاجة إلى المساعدة في إحلال الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط. فمن هذه المنطقة يرجحان انبعاث أخطر التهديدات للأمن الغربي في القرن الواحد والعشرين. وفي هذه المنطقة يوجد خليط من الإيديولوجيات المتطرفة والإرهاب. والتوصل إلى أسلحة الدمار الشامل أمر مرجح الحدوث. وبالتأكيد فليس مصادفة أن أكبر أجزاء العالم خطراً حيث سيتقرر الانتصار أو الهزيمة في الحرب على الإرهاب هو نفسه الجزء الأقل حرية. وبالنسبة للباحثين فإنه لا يمكن الانتصار في معركة الحرب على الإرهاب عسكرياً، بل يتوجب الانتصار فيها سياسياً وبالأفكار. يقول الباحثان مثلا: «إننا في حاجة إلى استراتيجية ضخمة لمساعدة هذه الدول على تحويل أنفسها إلى أشكال مجتمعات تركز اهتمامها على حاجات شعوبها. مجتمعات لا تنتج أناساً يريدون قتلنا ولديهم القدرة على ذلك. إذا لم نساعد الشرق الأوسط الكبير على علاج انحرافاته الداخلية الخاصة، فإننا لن نجتث الجذور المسببة للإرهاب».

 

هذا هو السبب، كما يريان، في تركيز كل من جورج بوش ومنافسيه الديمقراطيين على الحاجة إلى تحقيق حرية أكبر، فضلا عن العدالة والديمقراطية، في هذه المنطقة. ويؤمن عدد متزايد من الأوروبيين كذلك برؤية أن التغيير الديمقراطي السلمي للأنظمة في المنطقة اليوم قد يساعد في إقصاء ضرورة حل عسكري غداً.

  

الدعوة الديمقراطية والاستراتيجية الغائبة

 

هذا التغير الكبير في التفكير الغربي حول «ما هي أهداف الغرب في المنطقة»، لم يتم دمجه ضمن استراتيجية لتحقيقه. يقول الباحثان: «إن لدينا خطباً حول تعزيز الحرية، ولكن ليس لدينا سياسة أو برنامج تترجم عبره الكلمات إلى أفعال. في الوقت الحاضر، الغرب ليس مستعداً لا فكرياً ولا منظماتياً لمواجهة هذا التحدي الضخم. فللحصول على دعم من قبل الحزبين الرئيسين على الصعيد الأميركي ودعم على المدى الطويل وخارج المحيط الأطلسي لهذا الالتزام الجديد، نحتاج إلى استراتيجية جديدة».

 

ويعتقد الباحثان أن استراتيجية جديدة للديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير ينبغي أن تحقق ثلاثة أمور: «دعم الديمقراطيين في المنطقة، إنشاء مناخ إقليمي للتطوير الديمقراطي، وإعادة تنظيم أنفسنا في الداخل للنضال بشكل فعال وتعزيز هذه السياسات».

 

وفي المقام الأول يعتقد الباحثان أنه ينبغي الاعتراف بأن التغيير في المنطقة يجب أن يأتي من داخل هذه المجتمعات، وعلى الغرب فقط أن يقوم بتصميم سياسات لتعزيز القوى الديمقراطية في المنطقة، والتي تدفع في اتجاه تغيير كهذا. ويضيفان: «اليوم يقبع الناشطون الديمقراطيون في هذه البلدان في السجن بسبب التزامهم بهذه المبادئ ونحن نفعل القليل لمساعدتهم. إن استراتيجية جديدة يمكن أن تبدأ بحيث لا يقوم قيادي أميركي أو غربي كبير بزيارة إلى المنطقة من دون إثارة قضايا حقوق الإنسان والدفاع عن هؤلاء الأفراد الشجعان الذين يقومون بالقتال من أجل الديمقراطية في أوطانهم». ويضيفان: «علينا كذلك مساعدة الديمقراطيين المحليين بشكل مباشر، عن طريق تعزيز المنظمات المدنية ذات التوجه الديمقراطي». ويعتقدان أنه يوجد في الشرق الأوسط الكبير صراع ضار بين القادة الديمقراطيين وغير الديمقراطيين حول قلوب الجماعات المدنية وعقولها. وأنه يتوجب على الغرب أن يساعد في تقوية الجانب الديمقراطي بزيادة دعمه بشكل مؤثر للمنظمات غير الحكومية المحلية العاملة على إيجاد مصادر القوة والمنشآت لعدل أكبر ولمجتمعات حرة وديمقراطية.

 

ثانياً، يعتقدان أنه على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين المساعدة في إيجاد البيئة الخارجية والمناخ الجيو - سياسي، الذي يمكن أن يحدث التغير الديمقراطي فيه بسهولة أكبر، ذلك أن تاريخ القرن الأخير في أوروبا يظهر أن التهيئة الأمنية أساسية في رعاية التطوير الديمقراطي. اليوم، لا يوجد هناك جوار أكثر عدائية من الشرق الأوسط الكبير. وهذا الوضع المؤسف ينبغي، في نظرهما، أن يتغير.

 

والخطوة الأولى لإنشاء هذا السياق ستكون بمساعدة تركيا على تحويل نفسها إلى دولة ديمقراطية كاملة مؤهلة لعضوية الاتحاد الأوروبي وإظهار أن الغرب مستعد لتقبل دولة ديمقراطية مسلمة. إذا كان الغرب لا يستطيع التعامل مع تركيا بشكل صحيح، فمن المؤكد أنه لن يستطيع حل المشاكل الأخرى الأكثر تعقيداً في المنطقة.

 

ويؤكدان أن إحلال السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين سيسرع بشكل كبير في عملية التغيير السياسي في المنطقة. وهذا هو السبب، الذي على واشنطن من أجله أن تنهي تجاهلها الحالي وأن تعيد انخراطها في عملية السلام. «إن فلسطين ديمقراطية لن تكون رداً على ارهابيي هجمات 11/9، بل كابوسهم الأشد سوءاً. لن يتمكن الحكام المستبدون العرب من تفادي الضغوط من أجل التغيير بالاختباء وراء هذا النزاع».

  

شراء الديمقراطية

 

والحقيقة أنه إذا كانت الاستراتيجية غائبة، كما يقول الباحثان، فإن الدعم المادي الغربي تدفق مرتبطا بالمشروع نفسه. ونجد بعض مظاهر هذا الدعم مرصوداً في بحث نشرته «ميدل ايست جورنال» (العدد 3 صيف 2002)، بقلم السيدة شايلا كارابيشو، حيث تقول انه في العقد الأخير من القرن العشرين، قامت منظمات غربية ودولية بتمويل المئات من المشروعات بغرض المساعدة في إضفاء الطابع الديمقراطي على السياسات العربية معتمدة على تطبيق استراتيجية تهدف إلى التأثير في عمليات التحرير (ما يسمى اللبرلة) السياسي والتحولات الحادثة عقب سقوط الشيوعية في أنحاء المعمورة المختلفة.

 

وتختلف مشروعات دعم الديمقراطية المصممة لدعم المسؤولية التشريعية والقضائية والمدنية وتقويتها عن برامج المساعدات التقليدية الناقلة للخدمات في ارتفاع نسبة الجزء الممنوح من مكوناتها وفي قنوات التمويل من خلال الفرع التنفيذي الحكومي وفي المخرجات الناتجة عن هذه العملية من أفكار ومعلومات، كما تلاحظ الباحثة.

 

إن برامج المساعدات في زمن الحرب الباردة نادرا ما كانت تتعدى مشروعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية إلى الشؤون السياسية، لذا أصبح الحكم الجيد قطاعا جديدا للمانحين التقليديين للمساعدات، حيث تهدف معظم وكالات المساعدة التنموية إلى دعم الديمقراطية وحكم القانون ومشروعات المجتمع المدني إلى جانب القروض والمنح في مجالات المساعدات التقليدية مثل الزراعة والاتصالات والصحة. وكانت أكبر جهتين مانحتين للتنمية هما:

 

وكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية (USAID) والبنك الدولي، وقاما بتوسيع نشاطاتهما لتشمل قطاع الديمقراطية، وكذلك فعلت وكالة التنمية الدولية الكندية ونظيراتها الاسكندنافية ووزارتا الخارجية الهولندية والبريطانية. كما أصدر الأمين العام السابق للأمم المتحدة الدكتور بطرس غالي «الأجندة لنشر الديمقراطية») في حين صرح خليفته في المنصب كوفي عنان بأن دعم نشر الديمقراطية أصبح واحدا من أكبر اهتمامات المنظمة.

 

ومنذ أن قاموا بتوزيع القروض والمساعدات الفنية بناء على قاعدة ما بين الحكومات، عمل المانحون سواء في الشكل الثنائي أو متعدد الأطراف من خلال التعاقد مع الحكومات مما جعل ذلك يعني مزيداً من سلطات تنفيذية مركزية.

 

لقد نجح بامتياز وسطاء الديمقراطية، العاملون خارج قيود التحويلات ما بين الحكومات، ممثلين فى المؤسسات السياسية والحزبية، الناشئ معظمها في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. فالمؤسسة الألمانية المرتبطة بالأحزاب السياسية تعتبر نموذجا للمنظمات الموجودة في واشنطن ولندن واوتاوا. وهكذا في أوائل ثمانينات القرن الماضي أنشأ الكونغرس الأميركي مؤسسة الوقف القومي للديمقراطية (NED) اضافة إلى مؤسستين أميركيتين أخريين مرتبطتين بالأحزاب هما المعهد الديمقراطي القومي للشؤون الدولية (NDI) والمعهد الجمهوري الدولي (IRI) فضلا عن مؤسسات أخرى تمثل رجال الأعمال والعمال. ومنذ العام 8891 أنشأت الحكومة الكندية وقفاً للمركز الدولي لحقوق الإنسان والتنمية والديمقراطية (ICHRDD) كمؤسسة غير حزبية مستقلة. وفي العام 2991 انشأ البرلمان البريطاني «مؤسسة ويستمنستر للديمقراطية» كوحدة عامة مستقلة غير حزبية تهدف لتقديم المساعدة في بناء المؤسسات الديمقراطية عبر البحار وتقويتها. وفي العام 3991 بدأت المؤسسات الأميركية والكندية والبريطانية والألمانية - وتحت رعاية عدد من الشخصيات السياسية البارزة - عقد قمة الديمقراطية الدولية بصورة سنوية.

 

وفي أماكن أخرى في أوروبا أنشأت الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية مؤسسات مشابهة. ففي فرنسا انشـأ الحزب الاشتراكي الفرنسي مؤسسة جان جوري (JAURES) وفي السويد مركز اولف بالما (OLOF PALME) الدولي التابع لحزب العمال السويدي، وفي النمسا ملتقى برونو كرايسكي (BRUNO KREITSKY) وكل هذه المؤسسات عملت في العالم العربي منذ أواخر تسعينات القرن الماضي.

 

وجعلت مشروعات كل من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) ومؤسسة الوقف القومي للديمقراطية (NED) والمؤسسات التابعة لهما اضافة إلى مشروعات المؤسسات الخاصة من الولايات المتحدة أكبر المانحين لتمويل عمليات «الدمقرطة» في المنطقة، ولكن الاتحاد الأوروبي لم يبق في المؤخرة. فطموحه في تكوين منطقة تأثير حول حوض البحر المتوسط شبيهة بمنطقة نفوذ أميركا في الكاريبي، جعل برامجه في تزايد، بخاصة المبادرة الاورو- متوسطية التي تم تدشينها في مؤتمر برشلونة العام 1995 وتضمنت مجموعة من البرامج الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، كما شملت عقد مؤتمرات سياسية منتظمة وبرامج للديمقراطية وقروضا للتنمية الاقتصادية اضافة الى عقد الندوات الأكاديمية البحثية في الآداب والبيئة وغيرها، هذا دون ذكر أكثر من 170 من المشروعات المنفصلة تحت ما يعرف بـ«مبادرة اعلام الديمقراطية» (MEDIA-DEMOCRACY)، وأيضا ساعدت البرامج الثنائية الأطراف لدول الاتحاد الأوروبي في زيادة النفوذ الأوروبي في المنطقة.

  

خبراء ووسطاء

 

وكان من نتائج هذا النشاط وتدفق الموارد والمنح من كل تلك المؤسسات واللجان الاوروبية والاميركية أن انفتحت أبواب العمل أمام الجماعات البحثية، من أكاديميين ومراكز دراسات، لتلعب دور الخبير والوسيط من أجل الديمقراطية، مع العلم أن أغلبها جماعات غير ربحية أو تنتمي لمنظمات كانت الى ذلك الوقت تعمل بمنح حكومية. ويمكن في هذا المجال التذكير بمنظمات أخرى مثل «اتحاد المحامين الأميركيين» و«المجلس القومي للمرأة الزنجية» و«المؤسسة الخيريـة العالمية» (CARE) و«هيئة أميد ست» (AMIDEAST) و«المؤسسة الدولية للنظم الانتخابية» (IFES)، التي أنشئت مطلع التسعينات بمنحة من (USAID). كما عمل عدد من الوكالات الحكومية الأميركية مثل مكتبة الكونغرس في مشروعات «الدمقرطة» في مصر وفلسطين وبعض المناطق الأخرى.

 

كذلك، جرت بعض الجماعات الأوروبية والكندية والنمساوية وراء التمويل العام لمشروعات الديمقراطية في العالم العربي، حيث قامت مؤسسات «كونراد أديناور» و«فريدرش ايبرت» و«فريدرش نومان» بفتح مكاتب دائمة لها في أكثر من عاصمة عربية، كما ساهمت كل من منظمة «صحافيون بلا حدود» و«المعهد الدولي للديمقراطية» في ستراسبورغ و«مركز دراسات السلام النمساوي» و«المعــهــد الدولي لحقوق الانسان» و«المنظمة الهولندية» (NOVIB)، و«المنظمات الإيطالية غير الحكومية للتعاون الدولي للتنمية» و«اللجنة اليونانية للتضامن الدولي للديمقراطية» و«صندوق العدالة الاجتماعية» في اتحاد عمال السيارات الكندي ، و«مؤسسة ثومبسون» (THOMPSON) في لندن، وغيرها من عشرات المنظمات في مشروعات الدمقرطة في العالم العربي، وكذلك فعل العديد من الجماعات عابرة القوميات مثل الاتحاد الدولي للصحافيين والاتحاد البرلماني الدولي واللجنة الدولية للقضاة.

  

مواجهة الراديكالية الاسلامية

 

وهناك وجه آخر لهذه المحاولات الناشطة في مجال الدعوة للديمقراطية، تتعلق بمواجهة كل من الولايات المتحدة وأوروبا لموجة الراديكالية الاسلامية التي لا تعصف بالشرق الأوسط وحده. وفي هذا المجال، يقول جوفري كامب في «تحديات أوروبا الشرق أوسطية» («واشنطن كوارترلي» عدد 1 شتاء 4002): «على الرغم من أن الخلافات في وجهات النظر والتجارب تحول دون الإنهاء التام للانقسام الحادث عبر الأطلنطي، إلا أنه يمكن تضييق هذا الخلاف أولاً وقبل كل شيء عن طريق الاعتراف بماهيته. فالأميركيون ليسوا من المريخ ولا الأوروبيون من الزهرة، ولكن الأميركيين من أمة واحدة على بعد 0005 ميل من الشرق الأوسط، بينما الأوروبيون تركيبة من أمم مختلفة، والجار الملازم لأكثر من 032 مليون مسلم. وكما أن للولايات المتحدة الأميركية علاقات سياسية قوية وفريدة وموجهة مع دول أميركا الوسطى، منفصلة عن العلاقات الأوروبية مع هذه الدول، فإن التدخل الأوروبي في الشرق الأوسط سينمو ويصبح سياسياً بدرجة كبيرة، بغض النظر عن السياسة التي تتبعها الولايات المتحدة في المنطقة. فمستقبل أوروبا أكثر ارتباطاً بالشرق الأوسط من الولايات المتحدة وذلك بسبب قرب أوروبا منه، واعتمادها على الإمدادات النفطية الشرق أوسطية، إضافةً إلى تشابك العلاقات التاريخية بينهما. وهذا الأمر لا يقلل من مصالح الولايات المتحدة ومخاوفها بشأن الاستقرار في الخليج الفارسي- العربي، كما أنه لا يقلل من الدور الأميركي في الصراع العربي الإسرائيلي والوضع العالق في أفغانستان، ولكن كل هذه الأمور تخص أوروبا بشكل أكبر. ولهذا فمن الضروري أن يحل الأوروبيون خلافاتهم السياسية الإقليمية، والتوجه للعمل مع الولايات المتحدة لحل المشاكل الرئيسية».

 

ويذهب باحث آخر، وهو روهان غوناراتنا الذي كتب عن «الوجه الجديد لتنظيم القاعدة بعد مدريد» («واشنطن كوارترلي» عدد 3 صيف 4002) الى أنه كلما ازدادت الأزمة في العراق سوءاً كلما شعر المسلمون الذين يعيشون في أوروبا بالحزن والظلم. وهو يرى أن «غضب المسلمين وعزمهم سيخلقان الظروف للخلايا الداعمة والعملياتية للنمو وأداء وظيفتها بصورة أكثر سهولة في أوروبا، كما حدث تماماً عندما ذهب مسلمو أوروبا للتدريب والقتال في أفغانستان والبوسنة والشيشان بينما اشتركت نسبة صغيرة مباشرة في عمليات إرهابية بعد عودتهم لأوروبا».

 

ويرى هذا الباحث  أنه نظراً لموقع العراق على عتبة أوروبا، فإن المصالح الأوروبية الطويلة الأمد تتطلب أن تلعب أوروبا دوراً فعالاً في العراق أكثر مما فعلت هذه المصالح بالنسبة للولايات المتحدة. ويعتقد أنه على الرغم من أن غزو الولايات المتحدة للعراق كان خطأ فادحاً فإن انسحابها من هذا البلد سيكون أكثر فداحة : «إن انسحاب الولايات المتحدة من العراق وتسليم المسؤولية إلى الأمم المتحدة سيؤدي فقط إلى زيادة قدرات الإرهاب بعامة وتنظيم القاعدة بخاصة. يجب على أوروبا أن تظل مرتبطة بالعراق لأن استمرار وجود العراق في أزمة سينعكس على أمن أوروبا بل والاضرار به».

 

بيد أن المشكلة طبعا تتمثل في أن أوروبا - باستثناء بريطانيا - لم تقبل المراهنة على فكرة أنه ينبغي اسقاط النظام بالقوة في العراق لإنشاء الديمقراطية هناك. وليس هذا عائدا الى اعتقادهم بعدم امكانية ذلك اطلاقا، فتاريخ أوروبا وفي المقدمة فرنسا شاهد على أنه يمكن بناء الديمقراطية تدريجيا على ركام الثورات، ولكن المسألة لها علاقة بالمصالح الاقتصادية واقتسام «الكعكة النفطية».

 

ولم تكن فرنسا أو ألمانيا - فضلا عن روسيا - لترضى بهيمنة أميركا على المشروع برمته. ويمكننا دائما أن نتحدث عن الديمقراطية وضروراتها، ولكن هناك حقائق مادية ملموسة أكثر، وهي التي يستند اليها في التحليل الأخير.

  

تردد أوروبا

 

وكما يشير الى ذلك جوفري كامب، في المقال المذكور آنفا، فإن الساسة الأوروبيين إذا ما ترددوا في اتخاذ مواقف سياسية جريئة تتعلق بقضايا الشرق الأوسط، فإن ذلك غالبا ما يكون بسبب الروابط التاريخية والجغرافية والنفطية لأوروبا في المنطقة. فالموقع الجغرافي الأوروبي يختلف عن نظيره الأميركي، حيث لا يفصل أوروبا عن الشرق الأوسط سوى البحر المتوسط وتركيا، وأدى ذلك إلى زيادة الاعتماد الأوروبي على النفط والغاز الطبيعي من المنطقة. كما أن مضيق جبل طارق، وهو أقرب نقطة بين شمال أفريقيا وأسبانيا، يبلغ عرضه حوالى 61 كيلو مترا فقط، إضافةً إلى طرق المواصلات الجيدة الممتدة من سوريا وتركيا إلى جنوب أوروبا. وهناك بالفعل خطوط أنابيب للنفط والغاز الطبيعي تصل شمال أفريقيا بأوروبا، وهناك خطط لبناء المزيد، بخاصةً بعد نجاح تكنولوجيا مد خطوط الأنابيب في المياه العميقة، التي أثبتت نجاحاً ملحوظاً في البحر الأسود. وهذا التطور يجعل من الإمكان مد خطوط أنابيب تصل حقول الغاز المصري بجنوب أوروبا.

 

إن ما يقرب من اربعين في المئة من مجمل الإنتاج من الغاز الجزائري يرسل عبر خطوط الأنابيب إلى إيطاليا والبرتغال وأسبانيا وسلوفينيا. وليبيا هي أكبر مصدر للبترول في شمال أفريقيا حيث تبيع تسعين في المئة من إنتاجها الحالي، الذي يبلغ حوالي مليون ونصف المليون برميل يومياً إلى الدول الأوروبية كما إنها تتطلع إلى زيادة هذا الإنتاج إلى مليوني برميل يومياً، الأمر الذي قد يعيدها إلى مستوى الإنتاج في السبعينات قبل أن تُفرض عليها العقوبات - التي أعاقت صادراتها - من قبل الولايات المتحدة والأمم المتحدة. وتقدر صادرات الخليج العربي إلى أوروبا الغربية في المتوسط بأكثر من 3،2 مليون برميل يومياً، فيما تستورد الولايات المتحدة أيضاً حوالى مليوني برميل يومياً من الشرق الأوسط، ولكن هذه الكمية تمثل نسبة أصغر بالنسبة لوارداتها الكلية حيث تستورد  معظم وارداتها النفطية من كندا والمكسيك وكولومبيا وفينزيويلا.

 

ثم ان الارث التاريخي لأوروبا وتجاربها مع العرب تجعلها أكثر حذرا وتحفظا في مواقفها. إلا أنها لا تزال مهتمة بتحسين الأوضاع في الشرق الأوسط، وهي تدرك جيدا أن المسألة لا تتعلق فقط بالاوضاع الاقتصادية، وإنما كذلك بالتغيرات الاجتماعية والسياسية. لذلك فهي تنخرط في مشاريع الاصلاح وتشجعها، مع الحفاظ على مواقف أكثر استقلالية تجاه المشاريع الأميركية.

  

* صحافي وباحث/ باريس

 

صدر له في باريس سنة 2005 عن دار لارماتان كتاب: ما بعد صدام في العراق.

 




 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع