|
الوحدة الإسلامية... أسسها وروادها
عدنان أبو ناصر *
وحدة المسلمين كلمة تهفو إليها كل قلوب المؤمنين المخلصين لدينهم
وربهم، وهدف يسعى إلى تحقيقه جميع الدعاة والمصلحين على مر
التاريخ. ولا يشك أحد في عظمة هذا الهدف وأهميته العقلية
والتشريعية، فكل ما دعا إليه الإسلام من عزة ورفعة ومنعة وشوكة
للمسلمين يتحقق في ظل الوحدة. ولا يشك أحد أيضا في أن المسلمين
يعيشون منذ قرون حالة تجزئة وتمزق وتشتت أذهبت ريحهم وسلطت عليهم
أعداءهم، حتى أصبحت مسألة العودة إلى المجتمع الإسلامي الموحد هدفا
بعيد المنال في نظر البعض ومستحيلا في أنظار الآخرين، وهي في حقيقة
الأمر ليست كذلك. واليوم توافرت في الساحة الإسلامية ظروف جديدة
هي مزيج من الوعي والتحدي والتجارب، تبشر بغد إسلامي مشرق. لذلك لا
بد من فتح باب الحوار الجاد والهادف لدرس مفهوم الوحدة الإسلامية
وسبل تحقيقها، والعوائق التي تقف في وجهها، والأسس التي يجب أن
تستند إليها.
قد يتصور بعضهم أن المقصود بالوحدة الإسلامية اتفاق المسلمين في كل
شؤونهم العقائدية والعبادية وفي كل العادات والتقاليد، أي أن ينضوي
المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها تحت لواء حكومة واحدة وقانون
واحد، وسياسة واحدة ونظام سياسي واقتصادي واحد، أو انصهار القوميات
والعناصر والشعوب في مجموعة بشرية واحدة خالية من كل هذه
الاختلافات.
كل هذه النقاط وأخرى غيرها كانت محاور رئيسة في الندوة التي عقدت
مؤخراً في «مجمع الشيخ أحمد كفتارو» بالتعاون مع المجمع الإسلامي
للتقريب بين المذاهب الإسلامية، والمستشارية الثقافية للجمهورية
الإسلامية الإيرانية في دمشق.
الشيخ صلاح الدين كفتارو المدير العام للمجمع تحدث عن موضوع الوحدة
الإسلامية قائلاً إن موضوع الوحدة «ليس غريباً على أبناء أمة
الإسلام حيث كانت أعمال المخلصين دائماً تؤكد على الوحدة والعمل
الجماعي وتدعو إلى نبذ التنازع والخلاف والفرقة بين أبناء الأمة
الواحدة استجابة لقول الله سبحانه: ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب
ريحكم. وتجسيداً لقول المصطفى (ص): مثل المؤمنين في توادهم
وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له
سائر الجسد بالسهر والحمى». وأضاف: «لقد أضحى المسلم عرضة للامتهان
والإذلال والتهميش والاستزلام من قوى الشر العالمية الباغية في وقت
كتب الله فيه العزةَ للإسلام والمسلمين في قوله تعالى: ولله العزة
ولرسوله وللمؤمنين. إن المخطط العدواني الذي رُسم لأمتنا يستدعي
منا النظر الدقيق وتقويم الواقع برؤية جادة، من شأنها أن تحدد
معالم الشرعية الدولية المنتهكة من قبل أعداء السلام، وتُعرّفَ
الإرهاب تعريفاً يُفرق بين مظلوم اغتُصبت أرضه يريد استعادة حقه
وردَ الكيدِ عنه وعن أبنائه، وبين مستبدّ جبار محتل متكبر، وتبيـّن
ما للإنسان من حقوق تحفظ دمه وأرضه ونفسه».
وزاد الشيخ كفتارو «ان العجب كل العجبِ أن يطالعَنا وزير أميركي
قبل أيام عن أمته بأنها أمةُ قيمٍ ومبادئَ، وأن التصرفَ الذي قامت
به عناصرُ أميركيةٌ في سجنِ أبو غريب أمر غريب عن ثقافتهم
وحضارتهم. ونسيَ هذا الوزيرُ أنَ تاريخهَم ملطخ بدم الهنود الحمر
من سكان أميركا الأصليينَ وعملياتِ التطهير العرقي التي مورست
بحقهم، وتمييزِهُم العنصريِ ضد السود، ونسوْا ما أحدثته ولا تزالُ
قنابلُهمُ الذَريةُ على اليابان، وآلتهمُ العسكريةُ القاتلة في
فيتنام التي حصدتِ الآلاف بلا رحمة، وقبل ذلك في كثير من بلدان
العالم الثالث كان آخرها أفغانستانَ وها هو العراقُ يقاسي اليومَ
ويلاتِ الاستكبار الأميركي».
وذكّر الأمة الإسلامية «بضرورة تحمل مسؤولياتها لأن ناقوس الخطر
بدأ يدق فوق رؤوس النيام أنْ استيقظوا، وأنه صار من الواجب العيني
نبذُ الخلافِ ونسيانُ الماضيْ والتلاقيْ الصادقُ المخلص. ولعل
أحداثَ التاريخِ أثبتت أن المحن والآلام كانت سبباً في اجتماع
الأمة ووحدتها ضد أعدائها. و كل ذلك يقتضي منا نحن أمة الإسلام،
سنة وشيعة، علماء وعاملين في حقل الدعوة، أن نرفض كل صور التطرف
والمغالاة ممن ظنوا أن الدين هو مجرد الوقوف على طرف الدائرة في
الوقت الذي يؤكد فيه هذا الدين العظيم على الوسطية والاعتدال
والحوار تجسيداً لقول الله تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة
والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.
وانطلاقاً من هذه المبادئ كنا ولا زلنا نؤكد أن السلام العادل
والشامل هو هدفها وخيارها وأن هذا لن يتحقق إلا بإعادة الحقوق إلى
أصحابها الشرعيين، وتنقية المنطقة بأسرها من دون تمييز بين بلد
وآخر من أسلحة الدمار الشامل التي تهدد باشتعال حرب لا يعلم مداها
إلا الله».
واعتبر الشيخ كفتارو ان «دور علماء الأمة يتأكد اليوم أكثر من أي
وقت مضى في التوعية الشاملة لأبناء أمة الإسلام أن ثوابتها
وقواعدها واحدة وأن الفروع لم تكن يوماً لتباعد أو تفرق وأنه آن
الأوانُ لنتجاوز زمناً اجتهد فيه أهله ثم خلَوا إلى خالقهم. تلك
أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتُمْ». وأكد «اننا نؤمن إيماناً
جازماً بأن لا فرق بين سني وشيعي، فكلنا يحب رسول الله وآلِ بيته
الطيبين الطاهرين، وكلنا يسير على سنة رسول الله ومنهجه قولاً
وعملاً وسلوكاً».
التقريب بين المذاهب
وتحدث الشيخ محمد علي تسخيري الأمين العام لـ«المجمع العالمي
للتقريب بين المذاهب الإسلامية»، قائلاً: «تنتشر فكرة التقريب بين
المذاهب الإسلامية في شكل جيد، ويقبل عليها العلماء والمفكرون من
شتى أنحاء العالم الإسلامي، وتعقد المؤتمرات الدولية، والندوات
الإقليمية والمحلية كما رأينا في إيران وسورية والأردن والجزائر
والبحرين وماليزيا وحتى في روسيا وكندا وغيرها. وتتزايد الكتب التي
تصب في هذا المصب، وتقوم أقسام جامعية لهذا الغرض كما في الجامعة
العالمية في ماليزيا، بل وتنشأ جامعات تستهدف ذلك كما في جامعة أهل
البيت (ع) العالمية في عمان، وجامعة المذاهب الإسلامية في طهران،
وتجعل المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم (الإيسيسكو) التقريب أهم
أهدافها، ويشكل مجمع الفقه الإسلامي الدولي لجنة خاصة من العلماء
عنوانها «شعبة التقريب بين المذاهب الإسلامية». وكل هذا يوضح
الاستقبال الكبير لهذه الفكرة».
وعلل هذا الترحيب والتقبل لفكرة التقريب بـ:
أولاً: منطقية الفكرة، وكونها مقتضى طبيعة الإنسان عموماً،
وانسجامها مع منطق الحوار الإنساني السليم.
ثانياً: امتلاكها الجذور الإسلامية الراسخة باعتبار أن الإسلام أكد
على الحوار السليم ووضع له نظريته وأسسه وأهدافه وشروطه، وأكد على
اكتشاف المشترك مع الآخر والتعاون فيه. كما ان المذاهب الإسلامية
تشترك في وحدة مصدر الفهم والتشريع وهو الكتاب الكريم والسنة
النبوية الشريفة، وبالتالي تشترك في مساحة تاريخية وعقدية وتشريعية
ضخمة، ويؤكد الإسلام هذه المسيرة بالدعوة إلى الوحدة باعتبارها
أكبر خصائص هذه الأمة، وتقوم على الأخوة الإسلامية الحميمة التي
لاتنفصم عراها.
ثالثاً: تكالب الأعداء على الأمة وارتفاع وتيرة التآمر على هويتها
ووجودها، والتآمر لا يفرق بين مسلم ومسلم، ومنطقة وأخرى، وقد اتحدت
القوى المتنازعة في ما بينها لتهزم هذه الأمة الأمر الذي يدعوها
للاتحاد ونسيان الخلافات الجانبية واتخاذ الموقف العملي الموحد
لمواجهة التحديات المصيرية.
رابعاً: انضمام ثلة من كبار العلماء والمفكرين والمصلحين الكبار
إلى هذه الدعوة مما أعطاها ثراءً وقوة، وفسح المجال لنفاذها إلى
القلوب والعقول.
وذكّر الشيخ التسخيري بأن «الإمام السيد أبو القاسم الخوئي كان
علماً بارزاً من هؤلاء العلماء الذين كانوا مثالا يحتذى في الوحدة
الإسلامية، اذ قدم خدمة كبرى للتقريب ببحوثه القيمة ومنها كتابه
«البيان في تفسير القرآن». وقد نشرت «رسالة الإسلام» بحثه الرائع
عن «صيانة القرآن من التحريف». فترك أثراً عظيماً، هذا وقد ترك في
أولاده وتلامذته هذه الروح وقد شهدنا نشاطاً جيداً من قبل ولده
الشهيد الحجة السيد عبدالمجيد الخوئي في مجال التقريب بين المذاهب
الإسلامية بل عقد مؤتمراً ضخماً في سورية للوصول إلى استراتيجية
محددة له.
والله تعالى نسأل أن يجعلنا من العاملين المساهمين في إنجاح هذه
الحركة المقدسة والمباركة، وصولاً لتعميق الصحوة الإسلامية، وتحقيق
الوحدة الإسلامية وهي الخاصية القرآنية المهمة لهذه الأمة
المرحومة».
نبذ الخلاف أول عناصر القوة
واعتبر الشيخ محمد عبد الستار السيد معاون وزير الأوقاف في
الجمهورية العربية السورية ان «أول وأهم قضية يجب أن تطرح في
اجتماعاتنا ومؤتمراتنا الإسلامية هي الوحدة ونبذ الخلاف والفرقة،
فهذا والله أولُ عناصر القوة وبشاراتُ النصر. ويجب أن نبين للناس
بشكل قاطع لا يحتمل التأويل الفرق بين الخلاف والاختلاف. ويتفق مع
ما تتطلبه حياتهم ويرفع عنهم الضيق والحرج، وكان هذا الاختلاف نفسه
مصدر ثروةٍ تشريعية عظيمة وتراثٍ فقهي رائع يستوعب حاجات الناس في
ظلال شريعة الإسلام. ومن هذا نتبيّن أن مجيء الشريعة على هذا النمط
من القطيعة في الأصول وفتح باب الاجتهاد في الفروع رحمةٌ بالأمة من
وجوه: إن الأدلة لو جاءت كلها قطعيةً لكان في هذا حجرٌ على العقول
البشرية وفي هذا ما فيه من جحود الأفكار».
ورأىإ«ان إلزام الناس كلهم في مشارق الأرض ومغاربها بحكمٍ موحدٍ
فيه حرجٌ شديد وتضييق كبير، فكان في اختلاف الرأي في غير المسائل
الأساسية توسعةٌ على العباد وهذا ما لاحظه مالك عندما رفض أن يكون
موطؤهُ - الذي جمع فيه ما صح عنده من حديث رسول الله - مع القرآن
الكريم، دستوراً للأمة الإسلامية حين عرض عليه هارون أن يعلق
الموطأ في الكعبة ويحمل عليه الناس حسماً لمادة الخلاف فرد مالك
قائلاً: لا تفعل فإن الصحابة تفرقوا في الآفاق ورووا أحاديث غير
أحاديث أهل الحجاز التي اعتمدتها وأخذ الناس بذلك إلى ما هم عليه.
لذلك فإن قطعية النصوص تجعلنا نقف عاجزين أمام المسائل المتجددة في
كل عصر، والتي يطلب الناس معرفة حكمها ولا يكون ذلك على الوجه
الأكمل إلا إذا نظر المجتهدون في الظن من هذه النصوص واستنبطوا
منها أحكام ما يجدُّ من الحوادث، بهذا نكون قد أُلبسنا الشريعة
ثوبها الفضفاض الذي أراده الله لتشمل مصالح الناس في كل مصر وعصر».
وقال: « هنا قد يرد سؤال: لماذا لم تكن كل الأدلة قطعيةً حتى لا
تختلف الأنظار فيها فيقع الخلاف المفضي إلى النزاع وتفريق الكلمة؟
والجواب: إن المسائل الأساسية في الدين سواءٌ كانت اعتقاديه أو
عملية والتي يكون الخلاف فيها مفضياً إلى النزاع وتفريق الكلمة،
تأتي أدلتها قطعية وأما ما وراء ذلك من أحكام فليس الاختلاف فيها
ضرراً أو مفسدةً بل هو توسعةٌ على الأمة في مجال الاختيار وفُسحةٌ
أمامهم في طريق العمل، يأخذون من هذه الأحكام ما يُحقق مصالحهم».
وأضاف «ان من أهم تعاليم هذا الدين العظيم التي لا تحتمل اجتهاداً
ولا يختلف عليها أحدٌ من المسلمين قول الحق سبحانه وتعالى:
واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ
كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا. إن الإسلام هو
كلمةُ التوحيد وتوحيدُ الكلمة التمسك والتماسك. إن الرب واحدٌ
والنبي واحدٌ، والقرآن واحدٌ، والوجهة واحدةٌ، والغاية واحدةٌ وإن
اختلفت الوسائل وتعددت المذاهب فلا ريب أن حرص الدين الإسلامي على
وحدة أفراد أبنائه أكثر من كل أنواع المذهبية والتعددية . وسيبقى
الإسلام هو الإسلام دينُ الله الخالد مهما تآمر المتآمرين ومهما
اشتد الظلام ومهما روجوا من أباطيل».
نماذج الوحدة الإسلامية
وتحدث الشيخ أحمد راجح عن نموذج من نماذج الوحدة الإسلامية هو
المرحوم الشيخ أحمد كفتارو فقال: «بداية لا أجد أجمل ولا أشمل من
كلمة قالها سماحة الشيخ أحمد كفتارو في واقع التقريب بين المذاهب
الإسلامية وسماحته رائد من رواد التقريب الذين كان لهم الأثر
الكبير في لقاء علماء السنة والشيعة على صعيد التفاهم والحب قال:
إن كان التشيع هو حب محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله فكلنا شيعة،
وإن كانت السنة هي الاتباع والاقتداء لما قاله رسول الله (ص) ودعا
إليه فكلنا سنة.
إن الحديث عن مسيرة الشيخ كفتارو يتطلب منا الوقت الكثير وذلك
لتعدد الاتجاهات والأهداف التي عمل لها سماحته ولكنني سأقتصر على
واحدة منها فقط وهي قضية التقريب بين المذاهب. يقول العلامة أبو
الحسن الندوي رئيس ندوة العلماء في الهند: الشيخ أحمد كفتارو عالم
مثقف مطلع، ناضج العقلية، واسع آفاق الفكر، نشيط في عمله ومنهجه في
الإصلاح يتمثل في وجوب إصلاح المعارف وتوجيهها الإسلامي، وهو قوي
الأمل، عظيم الثقة.
الدكتور حامد الغابد رئيس وزراء النيجر والأمين العام لمنظمة
المؤتمر الإسلامي قال: إن الشيخ أحمد كفتارو قدوة تحتذى في العالم
الإسلامي، لقد قدم الصورة الحقيقية الناصعة للإسلام في عواصم
العالم الكبرى، وتمكن من هدم كثير من الأوهام التي ينشرها أعداء
الإسلام وإن المجمع الإسلامي الذي أنشأه نموذج فريد ينبغي تعميمه
في العالم الإسلامي وخارج العالم الإسلامي.
الفيلسوف الأميركي المسلم روبرت كراين والذي صار اسمه فاروق عبد
الحق، وكان مستشار الرئيس الأمريكي نيكسون للشؤون الخارجية قال: في
العالم أجمع قلّة أولئك القادة الذين لديهم إدراك لهذه التغيرات
العميقة التي تجري في عالم اليوم، والذين يصرون على الدوام أن سر
النجاح هو في أيدي قادة العالم الروحانيين هم نزر يسير.
ويقف سماحة الشيخ كفتارو شامخاً وقد فاق الآخرين وقد عمل لأكثر من
نصف قرن داعياً لا يكل، من أجل التفاهم والتعاون بين الأديان
السماوية والمذاهب الإسلامية، وهو وحده الذي لم يتوان قط ولم
يتراجع عن اعتقاده بأن التعاون بين الأديان من أجل إيجاد حركة
إيجابية صادقة كفيل بأن يكون سبيل الخلاص للبشرية، في هذه الفترة
الحرجة من تاريخ البشرية».
الدكتور أحمد شلبي المفكر الإسلامي ومؤلف موسوعة الحضارة
الإسلامية، وموسوعة مقارنة الأديان قال: لقد أنجبت دمشق عبر
تاريخها مجموعة من العلماء الأعلام كابن عساكر وابن كثير، وعبد
القادر الدمشقي والعز بن عبد السلام وهي اليوم تقدم من العلماء
المجاهدين المعاصرين الإمام المفتي الأكبر الشيخ أحمد كفتارو تحية
لدمشق عبر التاريخ وللإمام الجليل الذي سعدت به ولجماهير مريديه.
لقد حرص الشيخ كفتارو على بعث الوحدة الإسلامية عاملاً صادقاً
مخلصاً حيث أنه نشأ في جو علمي مع والده الشيخ أمين بعيداً عن
التعصب المذهبي وقد اختار الشيخ أمين رحمه الله كتاب ابن رشد
الفقيه المالكي (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) لتدريس الفقه
المقارن مع أنه كان شافعي المذهب. لقد عمل سماحة الشيخ كفتارو
جاهداً في هدم الحواجز المذهبية التي تحول دون تحقيق الوحدة
الإسلامية في مجال الفقه والاجتهاد. ومع أنه بقي سنوات عدة مفتي
المذهب الشافعي في سورية غير أنه لم يقف عند حدود المذهب، بل بقي
في اختياره الحكم ضمن حدود الفقه الإسلامي يفتي بما فيه مصلحة
الأمة وسعادتها ووحدتها. وظل سماحته على علاقة وثيقة مع إخوانه
علماء مذهب التشيع في سورية ولبنان وإيران والعراق، أمثال السيد
محمد الأمين إمام الشيعة في سورية هذه الشخصية الفذة والتي لا تزال
تحظى بأعظم احترام من كل المسلمين في سورية.
وكان سماحته يدرك أهمية التقريب بين طائفتي السنة والشيعة لأنه
واجب ديني نص عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: «واعتصموا بحبل
الله جميعاً ولا تفرقوا»، وقوله تعالى: «وان هذه أمتكم أمةً واحدة
وأنا ربكم فاعبدون» وفيه مصلحة واضحة للأمة المسلمة في هذا الظرف
الحاسم في معركتنا مع أعداء الإسلام.
ولم تكن قضية التقريب عند سماحة الشيخ كفتارو شعاراً أدبياً تفرضه
المجاملة واللباقة عند حصول اللقاءات العلنية، بل كان التقريب
مبدأً يسعى إليه ويدل الناس عليه منطلقاً من حقيقتين عاش بهما وعمل
لهما حب النبي وآله، ووحدة المسلمين.
وقد نهج سماحة الشيخ في بعض مسائل الفقه منهجاً توفيقياً لغاية
التقريب وفتح الأبواب فكان يطلب منا أن نصلي ونقتدي بإمام الصلاة
من الشيعة، وإذا قرأنا في الصلاة أن نقرأ بسورة كاملة لا ببعض
السورة وذلك أجمع للقلوب وأدعى للخروج من الخلاف، وكثير من هذه
الأقوال الفقهية التي تحتملها النصوص الشرعية. لقد كان يحاول أن
لا يذكر في حديثه سنة وشيعة بل يقول المسلمون وإذا أراد التخصيص
لأمر ما قال: المسلمون في إيران، أو المسلمون من أتباع الإمام
جعفر. وكان سماحة الشيخ المفتي يعلم أن الشيعة ليسوا سواء فيهم
المعتدل وفيهم المغالي وفيهم المتسامح وفيهم المتعصب، تماماً كما
أدرك أنه في زعامات أهل السنة كذلك، ففيهم من يؤكد كفر الأشاعرة
جميعاً، وفيهم من يؤكد كفر السلفية.
وقد كان بعض علماء الشيعة يزورون مسجد أبي النور وكانت لقاءات
أخوته مثمرة منهم آية الله العظمى الشيرازي، وآية الله الأردبيلي
الرئيس السابق لمجلس القضاء الأعلى في إيران وحجة الإسلام هاشمي
رفسنجاني الرئيس السابق لجمهورية إيران الإسلامية وسماحة السيد
محمد حسين فضل الله وسماحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين رحمه الله
وغيرهم كثير. وفي تصريح له لجريدة الراية العربية التي تصدر في
أميركا قال سماحته: المدارس الإسلامية والاجتهادات بمعنى الولاء
لمدرسة فقهية أمر لا بأس به، وإذا كان التشيع ولا ء لأهل بيت
الرسول (ص) فالسنة والشيعة يُصلّون على النبي وآله في كل صلاة
ويتوجهون إلى قبلة واحدة ويجمعهم قرآن واحد فإذا كان التسنن ولاء
لسنة الرسول (ص) فإن الشيعة هم أول السنة، والإمام علي عليه السلام
وكرم الله وجهه أول من آمن بالسنة وأوصى بها وسار على هديها حباً
بالنبي (ص) والتزاماً بسنته. وهنا أقول أن حركة الشيخ المفتي لم
تكن تنطلق من فكر وثقافة وتجربة فحسب، بل كان يعطي من قلبه وروحه
لطلابه ومحبيه ليدفعهم إلى الصلة بالله تعالى عبادة وخشية وحباً،
وقد تتبعنا خطاه الإيمانية التي كان لها الأثر الكبير في تربية
الشباب والشابات للعمل في مجال الدعوة إلى الله بلا كلل ولا ملل،
مع مراعاة كل الظروف الخاصة والعامة حتى لا تصطدم الدعوة بالحواجز
والمعوقات.
هذا اليقين والصلة بالله لم تكن كلمة على شفتيه بل كان واقعاً يعيش
به ليعطينا صورة الحقيقة بكل جوانبها.
|