|
قصة
بناء مسجد في أثينا
تطور
موقف الكنيسة من الرفض الى الموافقة
المتابعة العربية الاسلامية بردت بعد انتهاء الأولمبياد
أثينا - محمود
الفيتوري
أثمرت الألعاب
الأولمبية التي شهدتها اليونان الصيف الماضي عن نتائج إيجابية-
بخاصة على صعيد تنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية في البلد-
وساهمت في رفع الروح المعنوية لليونانيين بشكل عام- بخاصة أن الحدث
تزامن مع دخول البلد حظيرة الاتحاد الأوروبي بكل الامتيازات التي
تحملها رياح هذا التغير السياسي-
وقد إنعكس ذلك
إيجاباً أيضاً على أوضاع المسلمين في اليونان- الذين يبلغ عددهم
نحو مليون نسمة- نصفهم من اليونانيين الذين يعيشون على أرض وطنهم
الأم في تراقيا- والذين يشكلون في إطار الدولة الوطنية ما يعرف
بالأقلية اليونانية المسلمة- فيما تعود بقيتهم إلى هجرات حديثة أو
قديمة من البلدان العربية والإسلامية المختلفة-
والمفارقة أن
الألعاب بدأت على دقات طبول الإنذار بأن المجموعات الإسلامية
المتطرفة من الأقليات الإسلامية الألبانية في اليونان (بالتحالف مع
المجموعات العرقية الألبانية في مناطق مقدونيا أو في المناطق
الأوسع التي تعرف بألبانيا الكبرى) تخطط لتفجيرات تهدد الألعاب
الأولمبية- التي شكلت فرصة ذهبية لمسلمي اليونان- إذ تمكنوا من لفت
أنظار العالم بعامة- والعالم الإسلامي بخاصة- إلى حقيقة أن
الأربعمئة ألف مسلم الذين يعيشون في العاصمة أثينا- لا يملكون حق
إقامة مسجد لأداء شعائرهم الدينية- وبالتالي فإن الأماكن التي
يتخذونها للصلاة هي مجرد قاعات يطلقون عليها اسم جمعية ثقافية أو
اجتماعية أو ما شاكل ذلك-
لكن المشاركة
العربية والإسلامية الواسعة في الدورة الأولمبية دفعت البلد المضيف
الى الموافقة على مطلب المسلمين إنشاء أول مسجد في أثينا- بعد
صراعات طويلة مع الكنيسة الأرثوذكسية التي كانت ترفض الفكرة-
استناداً إلى تاريخ طويل من العداء لتركيا التي ارتبطت تاريخياً-
بالنسبة لليونان- بالدين الإسلامي-
وقد رصدت لهذا
المسجد- الذي توزعت أخباره على وكالات الأنباء العالمية- الملايين
من الدولارات قدمتها أساساً المملكة العربية السعودية التي وسعت
إلى تنشيط أئمة المسلمين في تراقيا للإسراع بأخذ زمام الأمر مأخذ
الجد- ودعت الكثيرين منهم إلى زيارات رسمية إلى الأراضي المقدسة
للتفاوض على كيفية العمل على هذا المشروع-
وفي زحمة الألعاب
الأولمبية سارعت الدولة اليونانية إلى فتح مسجد- تحدثت عنه الصحافة
العربية باعتباره مسجد أثينا- وخصصت له مجموعة من رجال الدين من
منطقة تراقيا ذات الغالبية المسلمة-
غير أن هذا
المسجد سرعان ما انتهى أمره مع انتهاء فترة الألعاب- وانتهى دوره
بمجرد رحيل آخر وفد من المشاركين المسلمين-
وعلى رغم أن غياب
هذا المسجد المؤقت كان أمراً طبيعياً- ولكن من غير الطبيعي ذلك
السكوت المطبق الذي عم في شأن المسجد الآخر- المفترض أن يقام قرب
المطار على مشارف أثينا- اذ لم يعد أحد يتكلم عن هذا المشروع ولم
تر الجالية الإسلامية أي خطوات تذكر في هذا الشأن)
هذا الفراغ
الكبير- وخفوت الضجيج العربي والإسلامي بعد نهاية الألعاب- دفع
مسلمي البلد للبحث في شؤونهم ومحاولة توحيد صفوفهم- اذ كان يغلب
عليهم في السابق طابع التفرق أو عدم التنظيم الجماعي- بخاصة أن
قوانين الاتحاد الأوروبي جاءت لتعطيهم عونا أساسيا ففرضت على
السلطات اليونانية ضرورة الاعتراف بالأقليات العرقية وإعطاء حق
العبادة وحريتها للجميع ومساعدة المهاجرين ممن يعملون على الأراضي
اليونانية للمحافظة على هويتهم وتنمية تطورهم بين الأجيال التي
تولد في المهجر-
رابطة مسلمي
اليونان
وفق هذا المعنى
اعلنت أول رابطة إسلامية تجمع شمل المسلمين في البلد- وهو الإتحاد
الذي عملت على بعثه جملة من القيادات الإسلامية خلال شهر رمضان
المبارك- على النحو الذي كانت معه صلاة العيد ثاني أكبر محاولة
لتوحيد صفوف المسلمين وإقامة صلاة جماعية مشتركة- رغم تعذر تطبيق
الفكرة بشكل تام لأسباب خارجة عن إرادة المسلمين-
حول هذا المعنى
يشرح لـ?النور- في أثينا وائل محمود خليل )خريج كلية الهندسة في
جامعة أثينا ويحضّر لنيل درجة الدكتوراة في التخصص نفسه)- والمتحدث
باسم رابطة المسلمين في اليونان بأنه ?تم بالفعل التوصل- خلال شهر
رمضان المنصرم- إلى تأسيس أول رابطة لمسلمي اليونان- تتألف بشكل
رئيس من مسؤولي المساجد والجمعيات والمراكز الإسلامية الموجودة في
أثينا- وتضم في إطارها- حتى الآن- عشرة مساجد رئيسية عاملة في
العاصمة اليونانية- وهذه الرابطة ستكون مفتوحة للمؤسسات والمساجد
الإسلامية الأخرى في المدن اليونانية كافة- كذلك بالنسبة لكافة
المساجد العاملة في أثينا نفسها- اذ أن جهودنا ما زالت منصبة على
إقناع المسلمين كافة وتجميعهم حول هذا المنبر الذي يسعى الى جمع
شملهم وتوحيد كلمتهم والتعبير عن مطالبهم--
ومن المساجد
والمؤسسات التي التحقت بالرابطة حتى الآن يذكر وائل محمود خليل
?مسجد السلام- و?مسجد الأندلس- و?مسجد الأنصار- و?مسجد الصالحين-
و?مسجد التقوى- و?مسجد البر والتقوى- و?مسجد عمر بن الخطاب-
و?المركز العربي اليوناني للثقافة والحضارة- و?جمعية الإخلاص
الإسلامية- و?جمعية الغرباء الإسلامية--
ويوضح وائل خليل
أن الرابطة حصلت على رقم ?بروتوكول- قانوني من الحكومة اليونانية
في انتظار الاعتراف الرسمي بها كرابطة شرعية تمثل مسلمي اليونان-
يكون هدفها في الدرجة الأولى توحيد صفوف المسلمين ونقلهم إلى العمل
المؤسساتي المنظم الذي سيساهم من دون شك في حصولهم على حقوقهم
المدنية والدينية كمهاجرين مقيمين على الأراضي اليونانية- كما
ستسعى الرابطة إلى توحيد رؤى المسلمين وآرائهم بالقياس إلى الأمور
المستجدة التي تواجههم- سواء من الناحية الشرعية أو الاجتماعية
والقانونية-
موقف الكنيسة
اليونانية من مسجد أثينا
قامت الدنيا ولم
تقعد في الكنيسة الارثوذكسية عندما أعلن الناطق الرسمي باسم
الخارجية اليونانية في الموافقة النهائية على بناء الجامع والمركز
الثقافي الإسلامي بمنطقة بيانيا القريبة من مطار أثينا الدولي-
وأوضح المسؤول اليوناني ?أن هذا المشروع سينشط كمؤسسة خيرية تحت
إشراف الدولة اليونانية- وأن تمويله سيتم من قبل الحكومة
السعودية-- موضحاًً التزام اليونان بكامل تعهداتها والتزاماتها
الأخلاقية والسياسية في هذا الاتجاه- أما على صعيد الكنيسة
الأرثوذكسية- فقد سارع رئيس الأساقفة هريستودو بولس للكتابة الى
وزير الخارجية اليوناني- يورغو باباندريو- معلناً معارضة الكنيسة
الأرثوذكسية اليونانية تأسيس المركز الثقافي الإسلامي- ومطالباً
إياه- على العكس- بإنشاء كنيسة أرثوذكسية بالقرب من المطار لأن
إنشاء كنيسة قرب مثل هذا الموقع المهم لعبور المسافرين سيجعل منها
ملجأ للراغبين من هؤلاء في مكان آمن- والأهم من ذلك ان الوافدين من
انحاء العالم سيرون الهوية المسيحية & الأرثوذكسية لليونان-
ثم أرسل رئيس
الأساقفة برسالة ثانية إلى وزير الخارجية يشرح له بالتفصيل أسباب
تمسك الكنيسة بمعارضة المشروع- مشيراً إلى أن إقامة مسجد كبير في
المنطقة القريبة من المطار سيتسبب في التباس لدى الأجانب القادمين
إلى البلاد- وذهب في لقائه الخاص مع الوزير في التاسع والعشرين من
تموز - يوليو - الماضي- وبحسب ما نشره موقع الكنيسة على الإنترنت
إلى التحذير من خطورة مثل هذه المراكز سواء في اليونان أم في بقية
الدول الأوروبية المسيحية-
هذا الإصرار من
طرف الكنيسة اليونانية على معارضتها الصارمة لإنشاء أي مسجد في
البلد وتأكيدها من دون أي مواربة على أنها لا تريد أن ترى مئذنة في
بلد مسيحي- كما أوضح تقرير الحريات الدينية العالمية لعام 2002-
الذي أعدته الولايات المتحدة نفسها- والذي يقول& ?يدّعي اعضاء
الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية ان تشييد مسجد ومركز ثقافي إسلامي
في أثينا قد يسبب انتشار الفكر الإسلامي وفكر العالم العربي-- ودعا
التقرير إلى ضرورة مواجهة هذا التطرف- وتأمين حرية الممارسة
الدينية للمسلمين في اليونان-
وربما بسبب هذه
الضغوط الدولية المختلفة وجهود الديبلوماسية العربية والإسلامية
والتزام اليونان اتفاقيات تنظيم الألعاب الأولمبية- جاء تراجع
الكنيسة اليونانية عن موقفها المتطرف- وقبولها بإنشاء أول مسجد
إسلامي في اليونان بعد العهد العثماني- وهو الموقف الذي أعلنه رئيس
الأساقفة نفسه في بيروس في ولكن بشروط- اذ اكد ?ان الكنيسة
الأرثوذكسية اليونانية توافق على بناء جامع في أثينا- لكنها ضد فتح
مركز إسلامي للدراسات--
ولكن منذ ذلك
التاريخ لم يخطُ المشروع أي خطوة للأمام- وتوارت السلطة اليونانية
ما يدفع بالقيادات الإسلامية في العاصمة أثينا للتساؤل& اين هم
العرب والمسلمون عندما تختفي الأضواء من المكان- وبعد أن رحلت
كاميرات الوفود الصحافية التي كانت ترافق الوفود الرياضية) وهل
سينهض الجهد الأسلامي لمتابعة هذا الأمل العربي & الأسلامي في
المدينة)
احتجاجات
المسلمين في تراقيا
هذه الثقة
الإسلامية في النفس التي صارت تدعمها قوانين الاتحاد الأوروبي
بالنسبة للأقليات المسلمة في اليونان تتبلور على أكثر من جهة- منها
عودة الروح والحماسة الى النشاط الثقافي الإسلامي في مناطق تراقيا-
وتشكيل الجمعيات الثقافية التي تعمل على بعث الهوية الإسلامية أو
المحافظة عليها عند أهل البلد-
وقد عكست ذلك
حادثة هزت اليونان حتى قدمت السلطات اعتذاراً للمسلمين في تراقيا-
وهي حادثة تصوير فيلم خارج عن اللياقة داخل أحد مساجد المنطقة- وقد
خرجت الصحف اليونانية بالخط العريض ?بتدخل القيادات المسلمة تم
تهريب الممثلين وطاقم التصوير الذين كانوا يقومون بتصوير بعض
الحلقات لمسلسل ?أرخيبيلاغوس- في قرية أخينوس (شاهين) في مدينة
كسانتي في تراقيا بشمال اليونان-- وأضافت ان ?الممثلين والطاقم
الفني عاشوا سبع ساعات صعبة محاصرين من مئات الغاضبين من أهالي
القرية المسلمين قبل إحالتهم إلى القضاء بتهمة تدنيس أماكن
العبادة--
هذه الحادثة
ألهبت الروح الدينية عند الجميع وصار الأمر قاب قوسين أو أدنى من
انفجار كبير- لذلك سارعت إلى المكان القيادات الأسلامية كافة- وعلى
رأسهم النائب البرلماني عن حزب الديمقراطية الجديدة الحاكم السيد
إلخان أحمد ورئيس مجلس المحافظة السيد توريكيس والمدعي العام
للمحكمة الابتدائية في مدينة كسانتيس- والقنصل التركي أوز ياردين-
وعبر الناطق باسم الحكومة اليونانية أندرونروس لمسلمي اليونان عن
الاحترام الكامل لقدسية أماكن العبادة الذي ترعاه الدولة- وأشار
إلى أن هذا الاحترام يشكل موقفا ومبدأ للحكومة اليونانية- والدولة
اليونانية-
|