العدد

165 :

الجمعة, ديسمبر 5, 2008 - 11:26 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
فكر
بلاد العرب
ملفات
دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 
 

بين الاصلاح المتعثر والتجديد الشامل

  

برهان غليون *

 

تمر مجتمعاتنا اليوم، مثلها مثل جميع المجتمعات المعاصرة الأخرى بمرحلة عاصفة من التحولات النابعة من مجموعة من المتغيرات التي لا يزال من الصعب التحكم بها أو السيطرة عليها بعد.

 

من هذه المتغيرات التي أود أن أشير إليها تلك المتعلقة بالبيئة الدولية. فمن الواضح أننا نعيش اليوم مرحلة الانتقال من نظام عالمي سيطرت عليه لفترة طويلة الدولة وقررت معالم تنظيمه وتطوره إلى نظام عولمي مفتوح عابر لحدود الدول والبلدان سواء أجاء ذلك بصورة مختارة أم فرض علينا بالقوة. ويقود هذا الانتقال نحو بيئة دولية جديدة إلى تحول الدولة التي جسدت طوال حقبة كاملة مفهوم السيادة إلى أداة من أدوات الاستراتيجيات العالمية المتنافسة التي تبلورها وتطبقها القوى العظمى. وهكذا فقد مفهوم السيادة أو هو في طريقه لأن يفقد بريقه وسطوته في العلاقات الدولية لصالح ما أصبح يسمى في الأدبيات العالمية مفهوم الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية. فلم يعد الاستقلال والتمحور حول الذات الذين يحفظان السوق الداخلية من المنافسة الخارجية هما العامل الرئيسي في خلق فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية كما كانت تنادي بذلك نظريات محاربة التبعية وإنما بالعكس من ذلك قدرة المجتمعات على التعامل مع المحيط الخارجي وتثمير عوامل التضامن واقتناص فرص التعاون والتبادل الدولية. وبقدر ما أصبحت تنمية أي قطر جزءا لا يتجزأ من التنمية الانسانية العامة، أصبحت المقدرة على التفاهم مع الآخر وبناء الشراكات الواسعة والحية هي شرط الانتقال نحو الاقتصاد الجديد والاندراج في عالم العصر. وتنطبق هذه القاعدة أيضا على المسائل الأمنية والاستراتيجية. فكما أنه لم يعد في مقدرة أي قطر أن يضمن لوحده، مهما كان حجم ترسانته الحربية أمنه واستقلاله أصبحت التحالفات والاندراج الفاعل في شبكات المصالح الدولية المتزايدة قاعدة التأمين الرئيسية ضد التهديدات والاعتداءات والنزاعات الخارجية بل وربما الداخلية أيضا في عالم مفتوح على جميع الأخطار. وهكذا يتوجب على العالم العربي الذي اعتاد في هذا المجال السباحة في المياه السطحية الراكدة والمستنقعات الضيقة المعزولة السباحة منذ الآن في مياه المحيطات العميقة وأن يواجه فيها أسماك القرش وظلمات القيعان المخيفة.

 

 

تبدل النظم المجتمعية:

 

ومن هذه المتغيرات التي ينبغي الإشارة إليها تبدل النظم المجتمعية. فالمجتمعات التي بقيت تعيش خلال نصف القرن الماضي بحسب نماذج واضحة وتستند في تنظيم شؤونها إلى قواعد ثابتة ومقبولة وتحتكم إلى منظومات قيم يقينية بدأت في العقدين الماضيين، وبعضها منذ أقل من ذلك، رحلة الانخلاع عن نفسها والابتعاد عن اليقينية والشرعية معا. أما بالنسبة للمجتمعات الفقيرة والضعيفة التي تضم معظم المجتمعات العربية فالمهمة مزدوجة. إن إعادة بناء المجتمعات على أسس شرعية ومقبولة يصطدم بشكل دائم بنقص النمو ونقص الوسائل وتضاؤل فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن هنا يترافق التجديد المطلوب في الأسس المعنوية والرمزية التي لا تقوم من دونها حياة إجتماعية مع الانخراط في مسيرة التحول السريع والانجاز المضاعف التي تفرض على هذه المجتمعات أن تحقق في سنوات قليلة ما أنجزته المجتمعات المتقدمة خلال عقود طويلة وأن تنجح أيضا في تحقيق التواصل مع مجتمعات العلم والتقنية وما راكمته من معارف وتقنيات جديدة عبر القرون. وهذا يعني أن على هذه المجتمعات أن تخوض معركة اللحاق بالتحولات العالمية السريعة والانخراط فيها بما يتضمنه ذلك من تبديل نظم الانتاج والمبادرة الاقتصادية وإعادة بناء النظم الإدارية وتغيير الطواقم البيرقراطية والتقنوقراطية وتجديد المؤسسات الصناعية والمالية وتهيئة المناخ القانوني الملائم لجذب الاستثمارات الخارجية وتوطين العلم والتقنية في التربة المحلية وفي الوقت نفسه معركة التجديد الروحي والثقافي، أي تجديد وعيها وهويتها ونمط تفكيرها وقيمها الأساسية.

 

 

تعاظم دور العلم والمعرفة:

 

ومن هذه المتغيرات الخطيرة أخيرا تعاظم دور العلم والمعرفة في عملية إعادة الانتاج الاجتماعية. ويكفي لإدراك هذا الدور الحاسم للعلم في هيكلة الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات المعاصرة والمقبلةالإشارة إلى ما أصبح يطلق عليه الاقتصاديون اسم اقتصاد المعرفة حيث أصبحت المعارف هي العنصر الأهم في رأس مال البلدان ورصيدها والعامل الأول في تحقيق الفائض الاقتصادي. وأصبح تقدم المجتمعات يقاس بنصيب عنصر المعرفة والتقنية الكامن فيها حتى لم يعد للموارد الاولية ولا لقوة العمل اليدوية غير المؤهلة قيمة تذكر في مراكمة الثروات والفوائض الاقتصادية.

 

على هذا النوع من المتغيرات تجد المجتمعات العربية نفسها مدعوة للرد في السنوات القليلة القادمة. وعلى قدر نجاحها في تجديد أسس وجودها الروحية والفكرية والسياسية وتجاوز العقبات التي تحول بينها وبين تحقيق المشاركة العالمية وفي إعادة بناء ذاتها على أسس تتفق وحقائق العصر، من انفتاح وتكثيف الاستثمار في المعرفة واستدراك الهوة التقنية، تستطيع أن تحتفظ أو تأمل بأن تحتفظ بتوازناتها وتضمن مستقبلها. وبالعكس لن تكون نتيجة إخفاقها في الرد على تحديات التغير الراهن بأبعاده الثلاثة: العالمي والمجتمعي والعلمي سوى خلخلة التوازنات الداخلية والانكشاف أمام الأزمات المتفجرة بأشكالها المختلفة أو إذا شئنا فقدان المناعة المكتسبة التي كانت تضمنها لها في الماضي عوامل عديدة أهمها مركزية الدولة ونظام عالمي متمحور حول الدولة ومدعم لها ومجتمعات أهلية متلاحمة مرتكزة بقوة على تقاليدها وثقافاتها المحلية، بالاضافة إلى اقتصادات صناعية أو زراعية بطيئة النمو وغير معتمدة على الابتكارات والتجديدات السريعة والمتواصلة التي يحتاجها التنافس في إطار الاقتصاد الراهن القائم على المنافسة في النوعية والقدرة على تلبية الطلبات المتنوعة والمتعددة والمتجددة معا. 

 

وبالرغم من حركة التغيير السريعة التي تعيشها، لا تزال المجتمعات العربية تشعر كما يبدو لي وكأنها تراوح في مكانها. وسبب ذلك أن هذه المجتمعات تعاين بشكل أعمق، بموازاة إدراكها لعالم اليوم، مدى الهوة التي تفصلها عن ذاتها، أي عن طموحاتها وإرادتها واختياراتها وقيمها وغاياتها، فتجعل منها غريبة عن نفسها، ومدى الهوة التي تفصلها أيضا عن عالمها الخارجي على جميع المستويات التقنية والعلمية والإدارية والسياسية والاجتماعية وتجعل منها مجتمعات غريبة عن واقع عصرها. فهي لا تزال تبحث لنفسها، بعد عقود طويلة من حياة الانغلاق والسيطرة البيرقراطية والأمنية، عن مكانها ودورها في عالم لم يعد مألوفا لديها ولا صديقا لها. ويمكن القول إن هذه المجتمعات قد دخلت في لجة الصراعات الجديدة، الاقتصادية والسياسية والثقافية، من دون رصيد يذكر ولا خبرة كافية، بعد أن تركزت الخبرة التي راكمتها بمعظمها في العقود الماضية في في ميدان المواجهة الخارجية العسكرية أو السياسية أو الثقافية. وهي الخبرة ذاتها التي أصبحت تشكل اليوم عائقا أمام قدرتها على التفاعل مع نفسها وآمالها وكذلك مع معطيات وتحولات العالم الجديد.

 

 

تحدي التجديد الشامل

 

إن ما تواجهه مجتمعاتنا العربية اليوم ليس هو في الواقع إلا تحدي التجديد الشامل، أو هكذا أود أن أسميه. وهو يعني إعادة الخلق والبناء الداخلي والخارجي أو تحدي تكوين وتأهيل جيل جديد لعصر جديد ولمجتمع جديد أيضا. وهو ما يتطلب تحولات سريعة وعميقة على مستوى تجديد وسائل وآليات التفاعل الايجابي والمثري مع البيئة الدولية ومستوى تغيير البنيات والمؤسسات الاجتماعية، بما يبعث داخل المجتمعات والأفراد أيضا حيوية قوية وينمي فيها روح الاجتهاد والابتكار والمبادرة والتعاون والتفاهم معا، ومستوى تبديل أنماط سلوك الأفراد وعلاقتهم مع المعرفة وقدرتهم على إدراج هذه المعرفة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية.

 

وبالرغم من أن مسؤولية إحداث هذا التجديد الكبير لا تقع على عاتق المؤسسات التربوية لوحدها ولكن على عاتق الحكومات ورجال الصناعة والمواطنين جميعا، ليس هناك من شك في أن لنظم التعليم الدور الأول في إعداد المجتمعات للخروج من حالة العطالة والجمود التي وضعتها فيها نظم الضبط والاخضاع والتدجين السياسية والاجتماعية وتأهيلها للانخراط الفعال والمنتج في الحياة الدولية. ولا شك أيضا أن جزءا كبيرا من هذه المهمة تقع على كاهل الجامعات ومؤسسات التعليم العالي التي تقوم بوظائف التأهيل العلمي والتقني والبحث معا والتي تشكل مجال الاستثمار الأول في تكوين الأطر والأرصدة العلمية والتقنية وفي مواجهة ما تشكله هذه المتغيرات من تحديات وما تثيره من مخاطر وتبعثه من فوضى واضطراب.

 

والحال أن ما تشهده العديد من المجتمعات العربية اليوم من تحولات على صعيد العملية التربوية والتعليمية لا يندرج إلا لماما تحت منطق تفعيل النظم التعليمية الابداعية وتعزيز مقدرة الأفراد على الابتكار والاجتهاد. إن ما نعيشه هو بالأحرى الانتقال من نظم تعليمية تهدف بشكل أساسي إلى تكوين أفراد مطيعين وخاضعين للسلطة القائمة يستبعدون من تلقاء أنفسهم طرح أية أسئلة مقلقة ما تعلق منها بالمصير الإنساني أو بالأخلاق أو بالحياة السياسية والعمومية إجمالا نحو أنظمة تربوية تلبي حاجة الانتقال نحو اقتصادات تجارية مفتوحة ومعولمة تستبعد بالقدر نفسه أية تساؤلات وتفكير عميق بالمسائل الجمعية والعمومية. ويترافق هذا الانتقال مع تزايد النزعة لدى السلطات العربية وفي إطار التناغم مع السياسات الليبرالية الجديدة المسيطرة في العالم إلى التخلي عن التعليم الجامعي العمومي الذي سيطر على نظم التعليم العالي في الماضي لصالح تشجيع القطاع الخاص في إقامة الجامعات والاستثمار في المؤسسات التعليمية الموجهة نحو الخارج. ومن دون أن يحمل هذا النمط من التحول بذور التفكير النقدي والابداعي الجمعي المنشود يفتح الباب في الواقع أمام مخاطر كبيرة وعديدة. منها تراجع الدولة عن ضمان التعليم العالي للجميع من دون تكاليف باهظة وبالتالي عن ضمان المساواة في فرص الانتساب للجامعات. ومنها تراجع الاهتمام بالتعليم العمومي وتدني مستويات التعليم العالي. ومنها كذلك تحول التعليم إلى مادة تجارية أو تكوين سوق للتعليم يعيد تكريس الفوارق الطبقية العميقة الموجودة بين الطبقات في المجتمعات العربية. ومنها أيضا تحرر التعليم من أي رسالة اجتماعية أو إنسانية.

 

 

السيطرة الايديولوجية

 

فإذا كانت السيطرة الايديولوجية والسياسية هي التي ميزت التعليم العالي العمومي في الماضي ولا تزال تميزه إلى اليوم وتتسبب في ضعفه وتهافته وجموده فإن سيطرة الروح التجارية تهدد بأن تبعث إلى الوجود تعليما عاليا منفصلا تماما عن المجتمعات والحاجات الاجتماعية بقدر ما هو مرتبط من حيث البرامج والمناهج واللغات والتطلعات بحاجات الاقتصادات الدولية. وما عانت منه المجتمعات العربية في الماضي من افتقار للمعرفة الابتكارية والخبرة الاختصاصية بسبب ضعف مستوى التعليم وجمود برامجه وانعدام روح الابداع والبحث فيه يمكن أن تعاني منه من جديد مع انتشار التعليم الجامعي الخاص بسبب القطيعة التي يمكن أن يبعثها بين المتعلمين والبيئة المحلية. باختصار لا يكفي لتثوير نظم التعليم العربية وزيادة قيمتها المضافة التحول من التعليم العمومي نحو التعليم الخاص ولا انسحاب الدولة من العمل التعليمي والتربوي الرئيسي وإنما بالعكس بانخراط أقوى من قبل السلطة العمومية في تنظيم العمل التربوي ورفع كفاءته وقدراته. لكن هذا الانخراط لا ينبغي أن يفهم كما كان عليه الأمر في السابق على أنه تطويع الأفراد لصالح السلطة القائمة ولا على جعل العلم رسالة تغطي السعي إلى فرض قيم وأفكار وآراء تلغي حرية الرأي والتفكير الشخصي. فليس ما هو مطروح علينا الاختيار بالضرورة بين تعليم عمومي يهدف إلى صب وعي الأفراد في قالب وأدلجة المجتمعات وتعليم خصوصي أو خاص يهدف إلى تحويل العلم والعلماء إلى بضاعة بعيدا عن أية قيم أو غايات إنسانية واجتماعية.

 

فحتى تستطيع المؤسسات التعليمية أن تساهم في تحقيق التجديد المطلوب لمسايرة التحولات العالمية والمجتمعية السريعة ينبغي ان تنجح هي أولا في تجديد نفسها والرد على تحدي الجمع والتوفيق بين أهداف التعليم الجمعية العامة وأهدافه العملية. ويقتضي هذا سياسات واعية وإصلاحات جوهرية في نظم التعليم ووظائفها وبرامجها وفي علاقات العلم والمتعلمين بالحاجات الاجتماعية.

 

* مدير مركز دراسات الشرق الأوسط المعاصر، جامعة السوربون





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع