|
العبور الصعب بين الايديولوجية والسياسة
المثقف
العربي وسلطات التقليد
محمد سبيلا *
نود أن نتحدث هنا عن علاقة المثقف بالسلطة في صيغة الجمع أي بالسلطة في
معناها الواسع العريض. عادة ما يستعمل مصطلح السلطة
Power
للإشارة إلى السلطة بمعناها الحصري أي السلطة
السياسية.
والسلطة السياسية هي مجموع المؤسسات التي يوكل اليها المجتمع الحق في
أمر تدبير الشأن العام المحلي والوطني وتسيير اموره، والسلطة هي التي
تمتلك صفة تمثيل المجتمع سواء اعتمادا على الشرعية التقليدية أو على
الشرعية المؤسسية التمثيلية العصرية، كما تحتكر حق استعمال العنف
الفيزيائي لتحقيق وظائفها. والمؤسسات المجسدة للسلطة السياسية هي
الدولة من حيث أنها تشمل السلطة القضائية والسلطة التشريعية والسلطة
التنفيذية وتعكس سيادة الأمة التي يحكمها التعاقد بين الأطراف المختلفة
وتعبر عن نفسها في الدستور كقانون أسمى وفي القوانين القطاعية.
مسلمات وخلفيات فلسفية
لكن بإزاء هذا المعنى الحصري للسلطة. يتحدث علماء الاجتماع والعلوم
والفلسفة السياسية عن سلطة بالمعنى العريض والواسع. فقد أبرز الفيلسوف
الفرنسي ميشيل فوكو أن السلطة أوسع من أن تختزل في المؤسسات السياسية،
أو في مبدأ واحد متعال، أو في مصدر واحد هو الدولة كما هو الأمر في
الفكر السياسي الكلاسيكي بشقيه الليبرالي والماركسي. بل إن السلطة في
هذا المنظور «الفوكوي النيتشوي» هي جملة سلطات أو شبكة من السلطات
متناثرة متناضدة ومنتشرة في الجسم الاجتماعي كله، لدرجة تجعل المجتمع
يتماهى مع السلطة، أو هو مجموع السلطات الأفقية والعمودية المنبثة في
ثنايا الجسم الاجتماعي. وهذه الشبكة العنكبوتية من السلطات الاجتماعية
تشمل السوق والمدرسة والعائلة والسجون والمؤسسات الاستشفائية، بشقيها
الجسمي والعقلي، والمعامل والشركات والجمعيات والمؤسسات الثقافية ودور
العبادة والمراكز الرياضية. والسلطة، بهذا المعنى الموسع، تطال كل
دوائر الحياة من الإنتاج إلى الاستهلاك إلى الأخلاق والجنس والجسم
والشخصية والقيم والموت والجنون والجريمة والمرض والمعرفة والعلم
والحقيقة والرموز والشغل.
ووظائف هذه الشبكة من السلطات هي العقلنة والتنظيم والتوجيه وإعطاء
المعنى والمراقبة والعقاب والسيطرة والقمع والاستخدام وأدواتها الكبرى،
المأسسة والقوننة، والتجهيز التقني عبر جملة استراتيجيات.
هذه النظرة الموسعة للسلطة تتضمن عدداً من المسلمات والخلفيات الفلسفية
أهمها:
1- أن المجتمع عبارة عن مجال صراع قوى وليس جنة قائمة على التواد
والتعاطف والتعاضد. إنه شبكة قوى تتصارع حول السلطة والثروة والحظوة
باستعمال جملة استراتيجيات.
هذا التصور ينقل صورة المجتمع والدولة من النموذج القانوني في وحدته
إلى النموذج الاستراتيجي في تعدديته «فالسلطة، كما يقول فوكو، ليست
مؤسسة، وليست بنية، وليست قدرة يملكها البعض. إنها الاسم الذي تنسبه
إلى وضعية استراتيجية معقدة في مجتمع معين» (D.
Martuccelli : Sociologies de la modernité : Foli Essais p : 306-307)
2- السلطة ليست وحدة أو كلا متجانسا ذا مركز بل هي سلسلة شبكات تخترق
الجسم الاجتماعي وتشكله كله، إلا أنها تجتمع وتنتظم عبر بعض المحاور
والنويات والمراكز، فالتعدد والتشتت لا يعني الفوضى والتسيب.
3- حالة السلم ليست معطى قبليا بل هي نتيجة توازنات. إنها حالة ثانوية
وليست حالة أصلية. الحالة الأصلية هي الصراع، ودور السلطة هو الحرص على
بقاء التوازنات لإذكاء حالة السلم وتمتينها.
4- السلطة هي جملة علاقات وإجراءات وممارسات وليست كيانا جوهريا
ملموسا.
5- حيثما هناك سلطة فهناك هيمنة وسيطرة ومقابلها هناك مقاومات متفاوتة
الدرجة، وهناك محاولات للإفلات.
هل يصدق هذا التحليل على نظام السلطة في الوطن العربي؟
يبدو أن النظام السياسي العربي متماثل من حيث بنية السلطة مع درجات
طفيفة من التباين. فالأنظمة السياسية العربية ماتزال تعيش انتقالا
بطيئا من نظام تقليدي قائم على الاجماع والانصهار ووحدة الرأي،
والارتكاز على المشروعية التقليدية في أوجهها العشائرية أو الدينية
وارتكاز بعضها على الحق الإلهي في الحكم، إلى نظام عصري قائم على حكم
الأغلبية وتعدد الآراء، والتمثيلية والمشروعية المؤسسية. والنظم
السياسية التي قطعت أشواطا في درب الحداثة السياسية ماتزال تعيش نوعا
من التعايش والتلاقح بين النظام السياسي التقليدي ونظام الحداثة
السياسية. ورغم أن الدولة العصرية ظاهرة حداثية بالنسبة للعديد من
البلدان العربية التي لم تتشكل ككيان سياسي مستقل إلا في عهد الاحتلال
الاستعماري أو مع إعلان استقلالها عن إحدى الإمبراطوريتين
الاستعماريتين الكبيرتين السابقتين: بريطانيا وفرنسا، فإن أغلب هذه
البلدان تعيش مركزية سياسية شديدة وتمركزا قويا للسلطة، وغياب المشاركة
الجماهيرية الواسعة عن الفعل السياسي.
لكن رغم المركزية الشديدة، وهيمنة البنية السياسية على البنى الأخرى
كافة، وأولوية السياسي وهيمنة النخبة السياسية، فإن ذلك لا يلغي
الدينامية الاجتماعية الحديثة الشاملة والمتمثلة في دينامية الاستقلال
النسبي للبنيات الأخرى. وفي هذا الإطار يكفي أن نشير إلى السلطات
الأخرى التقليدية والتي ما تزال قوية ومؤثرة كسلطة البنيات التقليدية،
وسلطة الثقافة التقليدية.
التفاعل بين البنيات الاجتماعية التقليدية (الأسرة الابيسية
الممتدة-علاقات القرابة-الأخلاقيات التقليدية) والبنيات الحديثة لم
تفكك البنيات التقليدية بل كيفتها جزئياً وقلصت من مفعولها. لكن هذه
البنيات لم تنقرض، ولم تتخل عن وظائفها وأدوارها بل قاومت عوامل
التفكيك، ثم انتفضت وقامت بردود فعل عنيفة.
واليوم يبدو أن التقليد ينتعش ويدافع عن نفسه بل يقدم نفسه كخط مقاومة
أخير ضد التطور الذي يقود إلى الاستلحاق والتفكك لدرجة تسمح بالقول أن
المجتمعات العربية الإسلامية تعيش في الوقت نفسه ديناميتين تاريخيتين،
موضوعيتين وقويتين: دينامية التحديث ودينامية التقلدة
Traditionalisation.. تعبر الدينامية
الأخيرة عن نفسها بشكل قوي في المجالات التالية: المجال السياسي،
المجال السلوكي الأخلاقي، المجال الثقافي، لدرجة تسمح بالقول أنها تمثل
سلطات مضادة لسلطات التحديث بمؤسساتها وقيمها، سلطات هي اليوم الأقوى
في المجتمعات العربية. إنها سلطات تخشاها الدولة وتخشاها الأحزاب
العصرية ويخشاها المثقفون العصريون.
نستطيع أن نتحدث إذن عن سلطة بل عن سلطات التقليد في المجتمعات
العربية. وهذه السلطات مرتبطة ببنيات ومؤسسات وعلاقات وقيم، سلطات تظهر
أن التقليد لم يلعب دور التكيف والتكييف، التطور والتطوير، بل ربما
بسبب بطء التطور وتثاقله، وبخاصة على المستوى الثقافي، فقد بدأ يلعب
دور بؤرة مقاومة وعطالة أحيانا. وهكذا فبدل أن يؤدي التقليد دور مستقبل
حاضن للثقافة الحديثة، ونمط العيش الحديث، وكيفية الحكم الحديثة، فقد
أصبح موئل الدعوة إلى المحافظة ورفض التجديد، بخاصة وأن نواة التقليد
المتمثلة في الثقافة الإسلامية تعاني هي نفسها من الجمود وتلوك منذ
عقود تأويلات مكرورة منحدرة من القرون الأولى للهجرة وذلك بسبب الحرص
على تسييج الفكر الإسلامي وعزله عن العلوم الإنسانية والاجتماعية
والفلسفية الحديثة.
السلطة، التقليد والايديولوجية
هكذا إذن يجد المثقف العربي العصري نفسه اليوم، ليس فقط أمام سلطة
سياسية محافظة ومناهضة للحريات ومنقوصة الشرعية، بل أصبح، في العقود
الأخيرة، أمام سلطات أخرى لا تقل شراسة وعتوا عن السلطة السياسية. إنها
السلطة الايديولوجية والمعنوية لمجتمع وثقافة تداهمهما الحداثة بقوة
وعنف، ويمارس عليهما الغرب صنوف العدوان والاحتقار، فتبديان وتفرزان،
أشكالا عاتية من المقاومة.
في هذا السياق أصبح المثقف التحديثي يبدو وكأنه قائمقام أووكيل المعتدي
الخارجي، وعرّاب الثقافة الأجنبية، ورائد الغزو الثقافي، وفارس حصان
طروارة، مآله التخوين والتكفير، ومصيره الاغتيال. والأمثلة كثيرة
اليوم: نصر حامد أبوزيد، وحسن حنفي ونجيب محفوظ، وفرج فودة )والطاهر
جاووت ويوسف سبتي...) في مصر، وحسين مروة ومهدي عامل في لبنان وغيرهم
في بقية الأقطار العربية.
لقد أصبح العقل النقدي نقيصة، وإعمال الفكر جريمة، والترجمة غزوا
ثقافيا، والتعريف بالفكر الكوني استلابا وتغريبا في عصر النكوص الفكري،
ولم يعد الجمهور العام يطلب ثقافة أخرى غير ثقافته الذاتية أو المحلية
وقد صيغت في قوالب التمجيد الذاتي والنرجسية وإعلان التفوق على
الآخرين. أما ملامسة المسلمات الكبرى ومقاربة التابوهات والمحرمات
والمكبوتات الكبرى فتلك أم الجرائم. لقد تحولت بنية الثقافة العربية
بالتدريج ومع ترسخ مختلف السلطات عبر قرون إلى "بنية رقابية، بنية منع،
لأنها بنية تسليم" كما قال أدونيس.
في هذه البنية الثقافية المحافظة يُصبح دور الثقافة هو التمجيد الذاتي
التعويضي. الذي يبلغ حد الأسطرة أحيانا وحماية الماضي، وحراسة التراث
والرقابة على كل تجديد وكبح كل مساءلة أو نقد. وحتى بعض العلماء أو ذوي
التكوين العلمي انخرطوا في الدفاع عن قضايا لا تدخل في مجال العلم ولا
يمكن للعلم أن يحسم فيها كقياس سرعة الملائكة أو توليد الطاقة من الجن
أو غير ذلك من القضايا التي تم تجنيد أساطيل من وسائل الاعلام والثقافة
والنشر المكتوبة والمسموعة والمرئية وعشرات القنوات الفضائية ومواقع
الانترنيت للترويج لها.
ويصبح الدور المنوط بالمثقف _في إطار هذه الثقافة- هو دور حراسة
المجتمع التقليدي وحمايته، بل إن هذه الثقافة المهيمنة لا تتطلب ولا
تنتج إلا المثقف التقليدي "حارس الكهوف العتيقة" كما يسميه أدونيس.
لقد أصبح التقليد سلطة في المجتمع العربي، بل سلطة السلطات. فمنه تستمد
كل السلطات الأخرى مشروعيتها وقوتها. لقد أصبح سلطة روحية ذات تجليات
وتعبيرات مؤسسية تحكم وتوجه وتؤطر كل السلطات الأخرى باسم المقدس، باسم
الماضي، باسم الأجداد والتراث، سلطة منبثة في كل ثنايا الجسم
الاجتماعي، سلطة تعتبر كل تفكير انتهاكا وكل نقد تجديفا وإلحادا مآله
التكفير والقتل.
ظلت إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة منذ عقود تتمحور حول علاقة
المثقف العصري بالسلطة السياسية أي في النهاية حول علاقة المثقف
بالسياسة، إلا أن التطورات التي عرفتها مجتمعاتنا تفرض توسيع هذه
الإشكالية لتشمل ليس فقط السلطة السياسية كسلطة سافرة بل لتطال أيضا كل
أشكال السلطة المبثوثة في المجتمع، وبخاصة السلطة التي بدأت تتبلور في
العقود الأخير: سلطة التقليد في مظهريها الثقافي والسياسي.
مشكل ثقافي لا سياسي
كانت هذه الإشكالية تركز على الجانب السياسي، وكان الاعتقاد السائد،
والذي كان بمثابة مسلمة بديهية، هو أن المشكل في عمقه مشكل سياسي، وأن
حل المسألة السياسية هو حل لكل مشاكل المجتمع العربي أو أنه هو الطريق
إلى حلها؛ لكن التجربة التاريخية بينت محدودية الرؤية السياسية، وأن
المشكل الأعمق الذي تعاني منه مجتمعاتنا هو مشكل ثقافي، وأن المشكل
السياسي يخفي وراءه مشكلا آخر أعمق هو المشكل الثقافي. إن أشكال
التحديث السياسي التي شهدتها المجتمعات العربية منذ الصدمة
الاستعمارية، والتي صاحبتها أشكال من التحديث التقني والتنظيمي، لكن لم
تواكبها تحولات ثقافية بكل أبعادها النفسية والذهنية والسلوكية
والرؤيوية، حيث ظلت الثقافة التقليدية هي الإطار الموجه لكل التحولات.
لقد ظلت الثقافة التقليدية هي الهواء الذي يتنفسه المجتمع، وهي المعين
الذي يرتوي منه ويستمد منه رؤاه ومعياريته مع حرص واضح على عدم
التجديد. وهاهي الثقافة التقليدية تنتفض لتدافع عن نفسها وعن المجتمع
التقليدي الذي بدأ يفرز نخبا تبلور هذا الوعي التقليدي، تزكيها وتؤججها
الإحباطات الداخلية، والتطور العشوائي، والعدوان الخارجي، ومظاهر
السيطرة الكونية، وازدواجية المعايير لدى الغرب ويحكم من خلالها
ويفرضها على كل المجتمعات المتأخرة تاريخيا عنه.
بل إن هذه الثقافة المتجمدة التي لم تتفاعل بعمق مع العصر ولم تبلور
وعيا علميا نقديا بذاتها من خلال الرؤى والمناهج الجديدة التي تحملها
العلوم الاجتماعية والإنسانية والفلسفية الحديثة بل ظلت تلوك وعيا
ذاتيا تمجيديا من خلال التأويلات والقراءات المتوارثة والمتواترة للنص
الديني، والتي أصبحت بدرجة أو بأخرى مصدرا للعنف والتطرف والرفض: رفض
ثقافة العصر، رفض الآخر، تكبيل العقل بسلطات نقل لم تتم تجديد النظرة
إليه وقراءته وتأويله من خلال رؤية عصرية.
* أستاذ الفلسفة في كلية الآداب - الرباط
|