العدد

165 :

الجمعة, ديسمبر 5, 2008 - 10:36 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
فكر
بلاد العرب
ملفات
دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

نحو قراءة سوسيولوجية جديدة للتشيع

 

غالب حسن الشابندر *

 

يُطرح التشيع على مائدة التعريف أو الدعوة أو الدفاع أو التعزيز بجهود حامليه من منظور واحد إلى حد بعيد، ذلك كونه طريقة معينة في فهم الرسالة الإلهية المتمثلة في الإسلام، فحاله هنا حال المذاهب الإسلامية الأخرى، حيث تقدم إلى الآخر نمطا من الفهم للإلوهية والنبوة والمعاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقضاء والقدر والبداء والوحي والقرآن وما إلى هناك من مفردات عقدية وشرعية أشغلت العقل المسلم، حيث يسير الجدل فيها من العرض إلى البرهان إلى الدعوة. وفي المقابل تتواصل جهود النقض والرد والتفنيد، بصرف النظر عن أسلوب الكتابة والحوار والنقاش، ومن دون الالتفات إلى منهجية الطرح ومصدرية العرض والبرهنة. فقد تكون النص في حد ذاته، وقد تكون العقل، وقد تكون خليطا من العقل والنص على أنماط متنوعة من الجمع والاستعانة، فإن لهذه المقتربات موضوعها الخاص بها.

فالتشيع في هذه المنهجية من الطرح أفق أو نظام عقدي ذهني ومعرفة عقدية، موضوعه الإسلام، الدين الذي بشر به النبي الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم. هذا الطرح في الواقع لا يصمد باتجاه الموضوعية في التعاطي مع المعتقد أو النظام العقدي كقضية اجتماعية تاريخية، كصيرورة، وكحركة في عمق التاريخ تفرز من القضايا والتصورات والمواقف مما لا ينفصل بأي حال من الأحوال عن مجمل الظروف التي مر بها وتفاعل معها، واندك في كثافتها المعرفية والسياسية والروحية والفنية، ذلك أن الأصول العقدية مهما بلغت من التجريد هي جزء من صيرورة معقدة، وهي تاريخ وليست مجرد معادلات من التنضيد العقدي والقيمي.

هذا النوع من الطرح للتشيع فوقاني، يقفز على حركة التاريخ، ويهمل العلاقة بين الواقع والأنظمة العقدية الروحية، بل يتجاوز هذه العلاقة وربما يستبطن شيئا من الاستهانة المضمرة، فيما هناك حضور قوي فاعل في صلب المعرفة العقدية، وإذا تصورنا هذا العرض نوعا من العلم، فإن العلم ليس صيرورة مفاهيم خالصة، ليس مسيرة خالصة في فراغ، بل هناك تواصل حي بين العلم والمحيط، بين العلم وكل مقتربات التاريخ من أحداث وانجازات ومشاكل.

الطرح العقدي على شكل معادلات فكرية مشبعة بالمصطلحات الفلسفية والكلامية يلغي دور الإرادة، ويكاد يكون طرحاً لا زمنياً، تتمثل فيه حركة الفكر من ماهية إلى ماهية، ومن مفهوم إلى مفهوم، ومن صورة مجردة إلى صورة مجردة. يحتكم أو تتحكم في ثنائية فجة، ثنائية مانوية قاتلة، معتمة، تحصر العقل والتاريخ والحياة والوجود بين نعم ولا.

أن هذا الطرح فوقاني متعالٍ، يتناسى كل ما اقترن بالشيعة ككتلة بشرية حاملة لهذا النظام العقدي من حركة هائلة، من ثورات هنا وهناك، من تجاذبات متفاوتة مع هذه الدولة أو تلك، من انتشار في مناطق معينة دون غيرها، من تفاوت في الفقه تجاه أهم القضايا التي تهم البشر، مثل النظام السياسي، وشكل الدولة، وعلاقة الفقيه بالسلطة.

هل يمكن تغافل العلاقة بين التنزيه العقدي على مستوى التوحيد في المنظور الشيعي وبين هذا الموقف البارد والسلبي في كثير من الأحيان تجاه السلطة السياسية، سواء في عصر الأمويين أو العباسيين أو العثمانيين؟ هل يمكن تغافل العلاقة بين فكرة العدالة الإلهية التي يقاتل الشيعة دونها بفكر جذري حاد وبين هذه المسيرة من الثورات الشيعية التي ملأت صفحات التاريخ، بخاصة الفترة العباسية؟ بل هل يمكن تغافل العلاقة الحية الساخنة بين عقيدة المهدي المنتظر الشمولية العالمية وبين فكرة وعقيدة العدل الإلهي التي تميز بها الشيعة، حتى عدها الشيعة أصلا من أصول الدين تتلو التوحيد مباشرة؟ هل يمكن تغافل العلاقة الفاعلة بين الاعتقاد بمصدرية الأئمة للشريعة وفكرة المرجعية الدينية؟

ندعو إلى قراءة سوسيولجية للتشيع، قراءة تأخذ في نظر الاعتبار الدور الذي تركه الشيعة في صميم التاريخ الإسلامي، فأن التفكيك بين العقيدة وحماليها كبشر لهم نوازعهم وتصوراتهم وحاجاتهم عملية صعبة، وأن الفصل بين النظام العقدي وبين ما تركه من أثار اجتماعية وسياسية قراءة مبتسرة، قراءة ذهنية باردة.

أن الثوابت العقدية باقية مستمرة، تحتل مكانتها الجوهرية في النظام العقدي، في المنظومة العقدية، هي الإحالة، وليس لنا أن نتعامل معها كما تعامل الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا الذي مزق كل إحالة وكل مرجعية، وأحالنا على تيه معرفي مخيف، يلف الفكر في داخله، يلف الموقف الفكري من كل جانب. بل تبقى المنظومة العقدية الجوهرية هي الأصل والمنبع، ليس على مستوى كونها الحقيقة، بل على مستوى كونها هي الدافع والمحرك والمغذي وشريان التاريخ بالنسبة للشيعة، ولكن المطلوب هجر الطرح المدرسي المنطقي الأرسطي المجرد عن التاريخ، والمجرد عن الدم الشيعي، وعن المعاناة الشيعية، المجرد عن الموقف الشيعي من السياسة والاجتماع والفن والواقع بكل تضاعيفه وتحركاته.

وبطبيعة الحال سينتصب النقد في وسط هذه القراءة الحية، القراءة الفكرية والوجدانية في آن، كقيم على مدى التطابق بين التشيع كناظم عقدي وبين التاريخ الشيعي الذي ينتمي إلى هذا الناظم، وهل هما في حراك متوازٍ؟ أم هناك مفارقات وتجافياً بدرجة وأخرى؟ هل كان للتأويل دوره في التوفيق بين العقدي والواقع؟ هل هناك مجازفات في تجاوز الثوابت على ضوء المتغيرات؟ كيف تم مجاوزة المحنة: محنة العقل والظروف والمستجدات؟

لقد نجحت القراءة الاستشراقية في الكثير من جهودها لاستجلائها العلاقة بين العقدي والزمني، وكانت تتوسل إلى ذلك بحفر النص وبقراءة الظروف وبتحليل العوامل المصاحبة ومقارنة المواقف عبر توالي الأزمنة واختلاف الأمكنة، حقا كان هناك شي من الإنجاز الجيد في هذا المجال، لان القراءة تجاوزت التسطير الفكري التصنيفي التعدادي، وتجاوزت منطق المانوية الثنائي الحاصر، ولم تبتل برسم القياسات والاستقراءات، بل ذهبت إلى جسد العقدي ومازت بينه وبين فلك المحيط، فلك المستجدات في حينها، فلك الفكر المعارض، والحاجات المستجدة، فخرج المشروع الاستشراقي بنتائج طيبة، بخاصة في ما يتعلق مثلا بحركة الخوارج، فلم تكن خالصة العقل، بل هي على علاقة وثيقة بالانتماءات القبلية وبالمنبت الصحراوي مثلا، لم تكن القسوة الخارجية بعيدة عن تلك الأجواء الجغرافية الحارة والأخلاق الصحراوية الجافة، بل هناك تداخل بين المجرد والمجسم، وليس هناك طلاق بائن كما يقولون.

يرى بعض الباحثين الشيعة أن التقية مثلا هي نتيجة نابعة من الحرص الغريزي على حماية الذات وحماية أفقها وفلكها، وليس بعيداً أن تكون ضريبة الحقوق الشرعية على علاقة بمسيرة الكتلة الشيعية ودخولها عصر النظام الهرمي إلى حد ما، فهل نغفل هذه العلاقات التي تمثل قمة تكشف عن صيرورة حية نشطة تعرف كيف تحمي المذخور من الأصول والجوهري من العقدي المقدس؟

إن القراءة السوسيولوجية للتشيع تهيئ للشيعة فرصة اكتشاف الذات بطبيعة الحال وتكشف لهم عن صيرورة هويتهم وكيف تحققت وتطورت وتوافقت مع المتغير، هذه قضية في غاية الأهمية وفي غاية الضرورة في هذا اليوم الذي يشهد ثورة في مباحث العقائد والمقدس، تغوص في اليومي لتكتشف الكلي، وتغوص في الحدث لتكتشف النظرية، وتغوص في الواقع لتكتشف المجرد.

إن المراجعة لا تجري فقط على العقدي من أجل ترميم النقص، أو من أجل ترميم الدليل عليه، أو تعزيز أصالته في الفكر والروح، بل ينبغي أن تجري على تيار الحياة في خضم هذا النظم الفكري المجرد وفي خضم حركته التاريخية، لنضع الدائرة الحمراء على مواطن الخلل في مسيرتنا الزمنية، ونشخص نقاط القوة في هذه المسيرة.

في ظل العولمة حيث تتواصل قيم الغرب في تفاعل باتجاه تحطيم كل الحواجز والموانع وحيث تتسيد ثقافة بعينها من خلال قيمها التي تدعي التواصل بالأخر من اجل الإنسان، فيما هي ثقافة تفرض نفسها بطريقة وأخرى، وفي ظل مرجعية ثقافة الصورة على ثقافة المكتوب والمسموع، وحيث تهيمن ثقافة السوق، وتتحول فلسفة الدين من معادلات فكرية جافة إلى نهج استعراضي إقناعي بلحاظ مكاسب الروح والضمير... في مثل هذه الظروف نحتاج إلى قراءة التشيع بنيويا وسوسيولوجيا، من خلال التاريخ ومن خلال النشأة والتطور والفعل والانفعال.





 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع