|
اشكالية المنهج في دراسة
الفلسفة الاسلامية
كرة الفلاسفة العرب
والمسلمين لم تكن بعيدة عن مرمى العلم التجريبي
نضير الخزرجي

أخذت الفلسفة مسميات عدة- من قبيل الحكمة
والعرفان- وعدّت بعض المسميات محاولة من اصحابها للابتعاد عن دائرة
التشوش والممانعة التي لفت مصطاح الفلسفة- ونوعاً من المقاربة مع
المفاهيم الاسلامية المتسالم عليها- كمصطلح العرفان الذي يجد
قبولاً عند المدارس الاسلامية اكثر من مصطلح الفلسفة- نتيجة لتراكم
مفاهيم مغلوطة عن الفلسفة بخاصة والفلسفة الاسلامية بعامة- ما أوجد
شرخاً غير صغير بين علماء المسلمين أنفسهم عن أصل الفلسفة ومنشئها
ومساربها- وزادت دراسات المستشرقين من رقعة هذا الشرخ من خلال
محاولات بعضهم والبعض ممن تأثر بهم من الفلاسفة العرب والمسلمين في
اختزال قرون عدة من الابداع العربي والاسلامي- ولكن أين الخلل في
هذا القصور المعرفي عن الفلسفة الاسلامية وعن الإحاطة بابداعات
المسلمين)
يحاول الدكتور ابراهيم العاتي في كتابه الجديد
المعنون ?اشكالية المنهج في دراسة الفلسفة الإسلامية- الاجابة على
هذا السؤال من خلال الاستشكال على نوعية المناهج المتبعة في دراسة
الفلسفة الاسلامية-
مناهج الباحثين الغربيين (المستشرقون)
يتناول الدكتور ابراهيم العاتي في الفصل الاول-
بالنقد- مناهج المستشرقين والبعض ممن أخذ بطريقتهم من الباحثين
المسلمين والعرب- معتبرا ان معظم المناهج التي طبقها المستشرقون في
تعاطيهم مع فلسفة المسلمين تعود الى المنهج الاستشراقي- لا يخلو من
تجنٍ على الفلسفة الاسلامية وغمط لابداعات العرب والمسلمين في
المجال الفلسفي-
ويرد الكاتب على نظرية ?المركزية الاوروبية-
التي تعتبر أن اوروبا هي مركز التاريخ والحضارة على وجه البسيطة-
وهي وراء كل ما وصلت اليه الانسانية من انجازات وابداعات في جميع
الحقول من فلسفة وعلم وأدب وفن وغيرها- ويرى ان هذه النظرية
والمنهج المؤدي اليها يتسمان بالعنصرية ويقومان على تجاهل عطاءات
الشعوب الاخرى-
وقريبا من ذلك هناك من أخذ بمنهج ?النظرية
العرفية- التي تقسم الناس على أساس العرق والجنس كما في حالة ارنست
رينان ((&8&-&&8&م)- الذي انطلق هو ومن يشاركه نظريته من تقسيم
البشرية الى سامية وآرية- وفضلوا الجنس الآري على غيره من الأجناس-
وهناك من المستشرقينمن يوالف بين النظريتين
السابقتين ليخرج بنظرية ثالثة هي ?المعجزة اليونانية- التي يرى
فيها ان الفلسفة هي نتاج اليونان- وتعيش بقية الفلسفات على مائدة
فلسفة اليونان ثم فلسفة عصر النهضة الاوروبية- ومثل هذا الموقف قال
به بعض المثقفين العرب-
ويعتقد العاتي ان هذه النظريات تتهافت امام
البحث والنظر- ويترافع في محكمة النظريات عن نظرية ?التأثر
والتأثير- بوصفها ?ظاهرة طبيعية في اطار الحضارات- حتى اننا لا
نستطيع ان نجد حضارة خلت من عناصر خارجية أثّرت فيها أو ساعدت على
نشوئها- غير ان ذلك لا يقلل من قيمة تلك الحضارة ولا يلغي
شخصيتها--
العقل العربي والمنهج القرآني
ولّدت احادية النظرة للفلسفة عند المستشرقين
ردود افعال لدى علماء العرب والمسلمين- الامر الذي أوجد جيلا من
الباحثين تفرغ لدراسة الفلسفة الاسلامية- ويعتقد العاتي ان شيخ
الازهر الشيخ مصطفى عبد الرازق (&88& ـ 7&&&م) كان رائدا في هذا
المجال من خلال محاضراته ودروسه التي القاها في عشرينيات القرن
الماضي- ويأخذ على البعض ممن أوغل كثيراً في وضع الحدود بين فلسفة
اسلامية مغربية واخرى اسلامية مشرقية- على نمط ما فعل بعض
المستشرقين- ويعتقد ان هذا المنهج المناطقي يدخل في اطار الحرب على
الفلسفة الاسلامية ولكن بسلاح داخلي لتثبيت مسائل تجاوزتها الشعوب
العربية والاسلامية-
ومع ان الكاتب لا ينكر عملية التأثر والتأثير
أو ما نسميه بـ ?نظرية التفاعل والتفعيل- في نشأة أية فلسفة او
ظاهرة حضارية ومنها الفلسفة والحضارة الاسلاميتين- فإنه يدعو في
الوقت نفسه الى ملاحظة ?المؤثر الاسلامي قبل كل شيء- لانه الأقرب
من جميع الوجوه الى تلك النشأة-- وينتقد المناهج السابقة بسبب
?إهمالها تحليل الطابع العقلي الاسلامي- ودور القرآن الكريم في
صياغة العقلية الاسلامية بحيث اصبحت هذه العقلية الاسلامية كما يرى
العاتي ?ثمرة للمنهج القرآني الذي حث على النظر والاعتبار والتأمل
في آفاق الكون ومكنونات النفس--
الحكمة والشريعة--- حرب مفتعلة
ويسعى المؤلف في الفصل الثاني الى تبديد الظنون
حول شبهة العلاقة التضادية بين الحكمة والشريعة- متلمسا تعريف
الحكمة التي تعني في احد أوجهها ?الاصابة في القول والفعل- ومعرفة
أفضل الأشياء بأُضل العلوم- أو هي العقل والعلم والفهم والمصلحة
والموعظة والفلسفة- او المعرفة بالدين والفهم فيه- والنبوة والفقه-
وهي حسب الشيخ الطبرسي (770& ـ (&&&)& ?العلم الذي تعظم منفعته
وتجل فائدته- وانما قيل للعلم حكمة لانه يُمْتَنَعُ به عن القبيح
لما فيه من الدعاء الى الحسن والزجر عن القبيح--
فالحكمة تريد بالانسان خير الدنيا والاخرة وكذا
الشريعة- والحكمة تنشد معرفة الحق والشريعة داعية الى النظر المؤدي
الى معرفة الحق- فنمهج التوفيق بين الحكمة والشريعة كما يذهب اليه
العاتي هو الطريق الأمثل لرفع الشبهة عن التخالف والتعارض-
في الفصل الثالث وتحت عنوان& ?تراثنا الفلسفي
ودوره في صياغة مشروعنا الحضاري-- أشار الكاتب الى أن فلاسفة العرب
والمسلمين كانوا علماء قبل ان يكونوا فلاسفة كالكندي (ت بعد
TT&م) والفارابي (ت
0&&م)- ولم تكن كرة هؤلاء العلماء الفلاسفة عن مرمى العلم التجريبي
ببعيدة- بل كانوا رياضييه وروداه وأهله كجابر بن حيان (ت&&8)
والشيخ الرئيس ابن سنا (08& ـ 7(0&م) والحسن بن الهيثم (&T&
ـ &(0&م)- بل ان العلامة جورج سارتون (&88& ـ &&&&م) مؤلف كتاب
?تاريخ العلم والأنسنة الجديدة- يذهب الى ?ان اليونانيين كانوا
متخلفين من الناحية التجريبية- واذا كان أطباؤهم مالوا اليها بحكم
الصناعة- فان الروح التجريبية لم تنشأ الا بتأثير الكيماويين
وعلماء البصريات من الرب-- وعن طريق التجربة تمكن العلماء المسلمون
?من استخراج العلة من المعلول- والمجهول من المعلوم وانتهوا الى
عدم التسليم بما لا يثبت من غير تجربة--
واذا انتقلنا الى مجال العقل فان العقلانية سمة
ميزت الفلسفة الاسلامية- وصفة امتاز بها علم الكلام- ويرى العاتي
ان الفلاسفة يعتبرون ?الموقف من العقل والسير على هدى أحكامه جزءاً
من طبيعة الفلسفة- بل ان الكندي يرى ?ان الناس جميعا لا بد لهم من
موقف فلسفي- إن ارادوا الحصول على قدر من التفكير السديد وحتى خصوم
الفلسفة مضطرون للتفلسف شاؤوا أم أبو--- لأنهم ان رفضوا الفلسفة
وجب عليهم تعليل موقفهم والبرهنة عليه- وإعطاء العلة والبرهان هو
من طبيعة الفلسفة-- ويذهب ابن رشد (T&&&
ـ 8&&&م) بعيدا في وجوب النظر الفلسفي شرعا- ويستجلي اسس التوافق
والتناغم بين الفلسفة والدين من خلال تأكيده انه ?اذا كانت هذه
الشرائع حقا- وداعية الى النظر المؤدي الى معرفة الحق- فانا معشر
المسلمين نعلم على القطع انه لا يؤدي النظر البرهاني الى مخالفة ما
ورد به الشرع- فان الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له--
رواد المنهج العلمي عند المسلمين
يتناول الكاتب في الفصلين الرابع والخامس جوانب
من سيرة العالم والفيلسوف جابر بن حيان الازدي الكوفي ويعقوب بن
اسحاق الصباح الكندي- وينقل عن الأول قوله ?انّا نذكر في هذه الكتب
خواص ما رأيناه فقط- دون ما سمعناه أو قيل لنا وقرأناه بعد ان
امتحناه وجربناه- فما صح اوردناه وما بطل رفضناه--
واشتهر جابر لدى علماء الغرب والشرق بأنه اول
من وضع لعلم الكيمياء قواعد علمية تقترن باسمه- اما الكندي رائد
المنهج الرياضي الذي اعتبر الرياضيات شرطا لا غنى عنه لتعلم
الفلسفة- فقد ساهم العصر الذي عاش فيه في ان يبدع في مجال تخصصه-
وهو عصر شهد حركة كبيرة للترجمة الى العربية- فالكندي ?يقف على
الخط الفاصل بين عصر النقل وعصر الابداع- وقدر له هذا الموقف ان
يعالج مشكلات تأسيس العلم في حضارة ناشئة- وخاصة في ما يتعلق
بالمفاهيم والمصطلحات التي كان العقل العربي والمسلم حديث عهد بها--
والكندي ?أدخل الرياضيات في النسيج المنطقي
والفلسفي- فترصل الى نتائج لم تعرفها الحضارة الا في العصر الحديث
وبخاصة على يد ديكارت واصحاب المنطق الرياضي أمثال برتراند رسل--
وحملت الفصول الخمسة الاخرى العناوين التالية&
التصوف الاسلامي& آراء في فهمه وتقييمه- جدلية الوجود والانسان عند
ابن عربي- جدلية المعرفة والسياسية عند الفارابي- الزمان وتجلياته
في الفكر الاسلامي-
في الفصلين السادس والسابع توقف الكاتب عند
تعريف التصوف والاشكالات التي وردت عليه وعلى اصل التصوف ونشأته
ومصدره ومنهجه وواقعه- ومعرفة جدلية الانسان والوجود- فيما تناول
في الفصل الثامن نظرية المعرفة لدى الفارابي- وتناول في الفصل
التاسع ظاهرة الزمن الكونية ونطرة التراث الاسلامي الى الزمن-
ويبحث الدكتور العاتي عميد الدراسات العليا في الجامعة الاسلامية
في لندن في الفصل الاخير اصل الرمز الفلسفي ومدى شفافيته وتوظيفه
لبلوغ غايات وجدانية وفلسفية واخلاقية وعرفانية-
صدر الكتاب عن دار الهادي في بيروت في &(& صفحة من القطع الوزيري
(7& في &&سم) ضمن سلسلة كتاب ?قضايا اسلامية معاصرة- التي يرأس
تحريرها الباحث العراقي عبد الجبار الرفاعي-
|