|
قراءة في كتاب «يوميات
لمراسلة سلام«
إن أفضل طريقة بانسبة لنا، نحن النساء، لمساعدة
الرجال على تجنب الحروب، ليست تكرار خطابهم، بل البحث عن مفردات
جديدة وابتداع أساليب جديدة».
بهذه العبارة المتحدية لفرجينيا وولف، تباشر
الصحافية الفرنسية ومراسلة شؤون السلام، مارلين توينينغا، كتابها
المناضل ضد «نساء ضد الحرب»، الذي نقلته إلى العربية نهلة بيضون،
وصدر عن دار الفارابي في لبنان.
وهي تنحو في مقدمة عملها لنحت مفردة جديدة
للنضال تسميها «المؤنث المتعدد» وترى في ولادته مؤشر خير على
مستقبل الرنسانية. فالمرأة لا تقرأ الأحداث بعين الرجل، وهي تعيشها
بقلبها وتغلق عليها بفؤادها، وتكره الحروب لأنها تزرع الموت، بينما
قدرها كأنثى أن تصنع الحياة.
«أعجب ما في الأمر أن
أكثر الذكريات توهجا في ذهني خلال هذه السلسلة من الرحلات هي ذكرى
ارتعاشي فرحا وأنا أرقص. ففي إحدى الليالي، رقصت في الشارع مع
النساء الكولومبيات تحديا لعناصر الميليشيات المسلحة الذين يزرعون
الرعب في الحي. وفي قاعة للمؤتمرات رقصت مع النساء الأفغانيات
احتفالا بإعلان شرعة حقوقهن. وتحت الخيمة، مع النساء الليبيريات
والغينيات والسييراليونات، رقصت دعما لتصميمهن على تنظيم لقاء بين
رؤساء بلدانهن الثلاثة، فالرقص يجسد حقيقة النساء. إلا أن العنف
كان يعود لينشب براثنه حالما نجلس أو نستيقظ في اليوم التالي».
تروي الكاتبة عن مشوارها الصحافي في خضم الحروب والمعارك في أطراف
العالم وتضبف:التقيت بهؤلاء النساء اللواتي يقاومن ويخمدن سعير
الأزمات... حيث تتقاطع أنشتطهن في مواضع كثيرة: من أجل المصالحة
بين الهند وباكستان وليبيريا وأيرلندا الشمالية وصربيا، ضد حصانة
مجرمي الحرب في الأرجنتين والبوسنة، ضد تسليح النساء واستغلالهن في
كمبوديا والفليبين وبوروندي، من أجل احترام حقوق الإنسان وكرامته
في المغرب والسلفادور وغواتيمالا، من أجل إنهاء الحرب في كولومبيا
وروسيا وإسرائيل وفلسطين، من أجل بقاء بلادهن وإعادة اعمارها في
السودان وأفغانستان ورواندا».
هذا الجهد النسوي الخاص الذي تركز عليه الكاتبة
تجعله القفزة التي تطبع الفعل الإنساني للقرن الواحد والعشرين، لأن
مشروع في اتجاه السلام بإطلاق، وللبحث عن مخارج تنحاز للحياة من
دون قيد أو شرط، بل هي خارج أطر الشروط أو المفاوضات أو دوائر
الضوء: «إنها مبادرات متاوضعة، لا تتدخل فيها شخصيات أو نجوم، ولا
تتناقلها عموما سوى وسائل الإعلام المحلية أو النشرات الداخلية.
ولا يدعو هذا التواري عن الأنظار للعجب: فأنشطة تلك المجموعات
النسائية لا تندرج في أي خانة من الخانات المعهودة للإعلام أو
المؤسسات أو معظم المنظمات غير الحكومية».
وتطرح الكاتبة في مقابل هذه الجبهة النضالية
الجديدة السؤال: ما هي بالذات معركة هؤلاء النساء؟ هل هي معركة من
أجل السلام؟ أم حركة نضال من أجل التنمية؟ أم من أجل حقوق الإنسان؟
وهل هي معركة نسوية؟
وبالنسبة للكاتبة تتعذر الإجابة على نحو دقيق،
بمعنى يصعب وصف أي من هذه المعارك النسوية وفق توجه بذاته،. «لا
هذا ولا ذاك تماما، بكل ما للكلمة من معنى، ففي أغلب الأحيان، وفقا
للعادة القديمة المستحسنة التي تحمل النساء على تدوين كل شيء، إنه
القليل من كل ما سبق في آن، وذلك من أجل الإحساس بالأمور، بفضل حدس
القلب، ما يعني في أغلب الأحيان تحكيم المنطق السليم لا غير».
هذا الهم الأنثوي بنشر السلام وتأكيد الخير
والعدل والإحسان على الأر
ض، هو ما دفع المرأة بالنسبة للكاتبة للتنازل
على الأدوار القيادية التي استفرد بها الرجل، واكتفائها بالأحرى
بالاهتمام بعذابات الإنسان، ومحاولة التخفيف من آلامهأو إنقاذ ما
يمكن إنقاذه من تهوراته، بخاصة السعي الى رعاية الأطفال والمحتاجين
والمعذبين والمقهورينالذين تعصف بهم كوارث الأرض.
«فهي تجربة النساء منذ
الأزل، في إنجاب الأطفال ورعايتهم وتأمين الغذاء لهم، وتوفير ذلك
للرجال أيضا، أي باختصار تجربتهن في الاهتمام بالآخرين. قد أعدتها
اعدادا افضل من شركاء حياتهن لارساء قيم وممارسات من شأنها استيعاب
الموجة الهائلة من العنف الذاتي التدمير الذي يهدد باجتياح كوكبنا».
وتقدم الكاتبة الدليل على كل ذلك: غياب/أو
تغييب النساء من المواقع القيادية، بل هن في الجمعيات الإنسانية
والاجتماعية التي تعمل ميدانيا. فمنذ الأزل، تحنو «نصف السماء»،
كما يقال، على اطفال الأرض.
غير ان الجديد في الأمر الذي يبشر به هذا
الكتاب المناضل، وهو ما صار ينتشر بسرعة فائقة في أنحاء المعمورة،
هو وعي المجموعات والجمعيات النسائىة بقوة فرادة كلمتها، في
التعبير، غالبا، عن رفضها لما يجري حولها، ومن ثم قرن القول بالفعل.
ومما يدعو للتفاؤل في نظر الكاتبة هو تدخل
عاملي الحداثة والعولمة في «لَي عنق أسطورة المرأة الأنثى بالمعنى
التقليدي». هذه التي تعبر عن أكثر من مجرد فكرة «غير صحيحة» موجودة
في خيال الرجال.
وهي عبر هذا الكتاب الشيق والمعاند ستأخذنا
للإطلالة على حركة النضال النسائى القاعدي، الذي لا يملك غير
مشروعية الفعل والنصر والإرادة، رغم غياب الأضواء والكاميرات أو
خطابات الساسة والسياسة.
|