|
المرأة والسلطة والمثقف في قلادة
قرنفل- عربية
باريس ـ الطيب ولد العروسي
الكتاب: قلادة قرنفل
المؤلفة: الشاعرة زهور كرام
الناشر: مطبعة النجاح
قلادة قرنفل- عنوان رواية جديدة للكاتبة والشاعرة
زهور كرام- تضم 23 فصلاً وتقع في 199 صفحة- وفيها نجد أنفسنا
أمام نص إبداعي يبدأ من نهاية الأحداث ويسير رويداً نحو البداية- وهو
ليس بالنص الدائري الذي اعتدنا عليه في بعض الكتابات العربية- التي تضع
النهاية بداية فقط وتبقي الأحداث متناثرة تدخلنا من خلالها في تعقيدات
رياضية وفلسفية وكأننا أمام نص لا يفهمه ?إلا القوم المبدعون--
في رواية قلادة القرنفل نحن أمام عمل ذي هندسة
عكسية- إذ يبدأ القارىء من النهاية- لكن أحداثه تسير بشكل مستقيم أو
شبه كلاسيكي- كتب بأسلوب نثري وشعري ممتع في قراأته- ويناقش مسائل
مختلفة- كالحب والمثقف والاستهلاك والسلطة- وعلى ذكر هذه الأخيرة- تأخذ
الساردة عائلة العمة كنموذج تعري من خلاله تصرفاتها المتجبرة والمهيمنة
التي تتحكم في البلاد والعباد- تكتم رغباتهم وتطحن آمالهم- وتحد من
أحلامهم- يساعدها في هذا ?التحكم- الجهل والأمية- فنجدها أي العمة
(الحاجة) قد حدت من صلاحيات زوجها الذي انجبت منه أولاداً- بل تركته
ينام على سطح البيت الكبير المؤلف من أربعة طوابق على مرأى ومسمع من
أولاده و?كناته- وأهله وكذا من سكان الحي والقرية& ?أنت ما سألت يوما
لِمَ ينام والدك في غرفة السطح- تخاطب الساردة صالح ابن عمتها-
دخلت العمة عالم الأعمال وراحت تقمع أهالي القرية-
وحتى (أو بالأخص) زوجتي ولديها- فهرب الكبير ذات صباح مع زوجته- وبقي
الثاني مع زوجتيه- فاطمة وزهرة- تموت فاطمة وتبقى زهرة تعيش ككائن غيو
محترم من العمة- وغير محبوب من طرف الابن- رغم أن هذا الأخير ذو مكانة
مهمة ورئيس تحرير مجلة واسم لامع في مؤسسة ثقافية- هذا الزوج صالح التي
تشترك الساردة في حبها له- والتي عاشت معه قصة حب كانت من المفروض أن
تؤدي الى زواجهما- لكن العمة وقفت حاجزاً صلباً ولعبت بمستقبل أعز
الناس إليها- ولدها وابنة أخيها- فنرى الساردة تعيش هذه الازدواجية-
تشفق على زهرة- التي لا تعرف حب الزوج ولا اهتمامه بها ولا حتى كلمة
طيبة من العمة- وتحبه في الآن نفسه- تخاطب الساردة صالح قائلة&? لا-
لا- يا ابن العمة- انتفض على نفسك- تمرد على المزيف فيك- حرر ذاتك من
البنود- ابحث عن صالح الإنسان الذي من حقه أن يختار ويحب وينال- أن
يرغب بعشق وكره--- أن تأتي الأفعال من إرداته--
وتقول معترفة ومشفقة على زهرة& ? ما أصعب أن يرفض
الرجل جسد امرأة بعد أن هيأت نفسها- لا أريد أن أصير زهرة الثانية- لا
أرغب في أن أعيش ذبول جسدي--
أما العمة فلا تبقى قابضة على أسرتها فحسب- بل حتى
على أهالي القرية- تحكم فيهم كما تريد ?ما تجرأت وطرحت سؤال الأراضي
التي تنتشر تحت أقدام العمة--- أنت مأخوذ بالكراسي-- لكن العمة حكمت
على أعز الناس إليها- اخيها الراحل أبو الساردة الذي كان آية في
الأخلاق والرجولة والمبادىء ?أبي ذاك الذي مات من كثرة ادراك الأمر
وقلة العزم على بطح ما تنامى داخل البيت من قهر العمة- التهم من أمي
نقاء روحها وعبق حنينها--
لا تقف العمة في مجالات القمع التي ذكرناها بل تدخل
المؤسسة الثقافية لتصبح الآمرة الناهية- وتتعرف على الأسماء وتحضر
مناقشاتهم بل تصبح عضواً فاعلاً في توجهاتهم- وتقترح أن يُعطى اسمها
لإحدى قاعات المؤسسة الثقافية- ونترك الساردة تصف هذا الفعل المنافي
لكل القيم متكلمة على العمة وابنها-
?وهو الذي بإذنه تسير
المؤسسة الثقافية- التي يديرها بتزكية من أتباع الحاجة- وبأمر منها
تحولت الحاجة إلى وصية على المؤسسة- إنها الوصية على الثقافة-
من خلال هذه الممارسات العقيمة واللامبالاة التي لا
تضر مصلحة الأقرباء فقط- بل حتى بمصلحة الوطن- نطلع على موت السلطة في
الوطن العربي- وعلى دور المثقف الذي يقول الكثير- ويكافح في المقاهي
والجلسات الخاصة- ويخدم دائماً مصلحة ?العمة- السلطة-
?كتبت عن صورة تشرد المثقف
حين يضيع منه الخيط الفاصل بين ما يعبر عنه وما يعيشه اجتماعياً--
فالمثقف عندما يطل على القراء بمقاله اليومي وهو في
مكتبه غير المثقف الذي يعايش سكان حزام البؤس في البلدان والعواصم
العربية- فهو يكتشف أنه في غربة داخل وطنه& ?أنا هنا ولست هنا--- كل
شيء يدل على أني أتجذر هنا- وكل شيء يمحو ملامح هذا التجذر- هل يكفي أن
تكون خارج جغرافية الوطن لتدرج ضمن لائحة المغتربين) ما معنى أن تبقى
داخل جغرافية الوطن وذاتك بعيدة عنك- غريبة عنك)--
وماذا ينتظر أطفالنا من مستقبل في وضع الاستهلاك
الذي يعيشه العالم العربي- وهل تطرح السلطة هذه الأسئلة على نفسها بحكم
أنها حامية الوطن والمواطن وراعية الأجيال)
?أنا لي طفلة الآن عمرها
أربع سنوات- من جيل البارابول- أحاول- أجهد نفسي- أتعب في ذلك- أقترح
في تربيتها ثقافة لعلها تحتضن شبابها- أخشى عليها أن ترث الاستهلاك- أن
تطأ قدماها المقبرة حيث دفنت الأسئلة ولا تسأل ولا تناقش- بل ولا
تستغرب- أخاف أن يهجرها الاستغراب-فيصبح كل شيء عادياً فاقدا للحياة--
عوضت السلطة الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان
باستهلاك ?الماكدونالد- و ?وجدتني أتساءل& كيف أصبح الاستهلاك سريعاً
وكيف عم الكسل--- لا أحد يسأل--- لا أحد يقارن--- إنه زمن ماكدونالد--
وهذا الارتماء في حضن أميركا التي توجع الجسم
العربي- وكأن الحكام في حالة غثيان- يقولون هل من مزيد) وتضع الساردة
يدها على من هو وراء السلطة- ومن يحرك لعبها- وعمتها هنا هي نموذج
للمرأة التي تريد أن تستعمل كل المسالك لتصل إلى السلطة- السلطة
العربية امرأة جاهلة- غبية- تمنع الغناء والشعر وتقتل الثقافة وتساهم
في تخريب الحلم العربي- فماذا فعلت الساردة في آخر الرواية- إنها لم
تقتل العمة لما فضحت معظم تصرفاتها- بل تركتها تقوم بعملية انتحار
أجهضت وبقيت العمة معطوبة- تنتظر من يساعدها في شرب قطرة ماء- أو قضاء
بعض حاجاتها- وهنا نرى موتها البطيء-تحصد من خلاله نتائج أعمالها
السيئة واللاإنسانية-
هل تنتهي السلطة العربية الميتة والمميتة إلى هذا
الوضع المزري) وتتحرر منها شعوبها التي تحلم برغيف خبز نظيف) ووضع
اجتماعي احسن- تلك هي بعض الأسئلة التي نستخلصها من خلال رواية ?قلادة
قرنفل- التي قدمت للساردة من شاعر--- ?تذكرت أني أحمل في عنقي قلادة
قرنفل- كان قد أهداني إياها شاعر منسيّ- اعتكف عن الشعر بعد ان فارقته
الحياة في الوطن- وغاب في شوارع لندن أهديك أجمل ما تضعه نساء
كردستان-- فحتى القرنفل لم يفلت من قبضة عمتها التي بحثت عنه بين دفات
كتبها ورمته والتي كانت تلتجىء إليه الساردة من حين لآخر-
?أشعر اليوم- برغبة شديدة
للحديث مع ابن عمتي الأكبر- سأحاول أن أستدرج لسانه- أخشى أن يموت
صامتاً- سأنفرد به في غرفتي وألقنه مبادىء القرنفل--- كيف حين يتيبس
يشتد عوده ويبقى شامخاً--
أو كما تقول في فصل آخر ?جلست على حافة السرير
وبدأت أدخل القرنفلات واحدة واحدة في خيط متين- وأثبتها بلطف شديد إلى
أن استوت كلها- فبدت القلادة أمامي مشعة بعطرها الفواح- وضعتها في عنقي
وعدت مرة أخرى إلى المرآة& أنا والقلادة متفوقتان على اللحظة- واللحظة
مزقتها العمة- ولكننا معاً هزمناها حين ارتوينا بعطر القرنفل--
فمن لا يحب رائحة القرنفل- كيف يستطيع أن يحب
الحياة- وأن يترك للزهور حقها في الوجود والتبرعم حتى تمتعنا بروائحها
ونستفيد منها شعراً ونثراً وحتى علماً- فمن يقمع ?الزهور- هو من أبناء
الأمس
التعيس المظلم حتى وإن تمثل ذلك في ?عمة--
تطرح رواية قلادة قرنفل أسئلة ذاتية ووجدانية-
تطرحها أنا المؤن- الذي يتحكم في الحكي ورواية الأحداث- كما تطرح
هموماً جماعية ومن خلال الأنا نكتشف الآخر- وهموم الآخر منعكسة على
الأنا وتتحكم في مصيره وتوجهاته- ولكن غياب السلطة في بلداننا يغيّب
المشاريع البديلة- ويترك الإنسان يعيش غربة الوطن- وبحثاً عن غربة
حقيقية- إنه يعيش توتراً دائماً لأنه يطرح يومياً مسألة تحقيق الحلم
الجماعي والذاتي والخروج من ويلات التعب-
|