العدد

165 :

الجمعة, ديسمبر 5, 2008 - 10:42 غرينتش

كلمة النور

منبر
افتتاحية
فكر
بلاد العرب
ملفات
دراسات واتجاهات
اسلام ومسلمون
أصداء
كتب ودوريات
دين وترات
ثقافة ومنوعات
تحقيقات
ندوات

الصفحة الرئيسية

اتصل بنا
عن المجلة
 

 

المرأة والسلطة والمثقف في قلادة قرنفل- عربية

 

باريس ـ الطيب ولد العروسي

 

الكتاب: قلادة قرنفل

المؤلفة: الشاعرة زهور كرام

الناشر: مطبعة النجاح

 

قلادة قرنفل- عنوان رواية جديدة للكاتبة والشاعرة زهور كرام- تضم 23  فصلاً وتقع في 199 صفحة- وفيها نجد أنفسنا أمام نص إبداعي يبدأ من نهاية الأحداث ويسير رويداً نحو البداية- وهو ليس بالنص الدائري الذي اعتدنا عليه في بعض الكتابات العربية- التي تضع النهاية بداية فقط وتبقي الأحداث متناثرة تدخلنا من خلالها في تعقيدات رياضية وفلسفية وكأننا أمام نص لا يفهمه ?إلا القوم المبدعون--

في رواية قلادة القرنفل نحن أمام عمل ذي هندسة عكسية- إذ يبدأ القارىء من النهاية- لكن أحداثه تسير بشكل مستقيم أو شبه كلاسيكي- كتب بأسلوب نثري وشعري ممتع في قراأته- ويناقش مسائل مختلفة- كالحب والمثقف والاستهلاك والسلطة- وعلى ذكر هذه الأخيرة- تأخذ الساردة عائلة العمة كنموذج تعري من خلاله تصرفاتها المتجبرة والمهيمنة التي تتحكم في البلاد والعباد- تكتم رغباتهم وتطحن آمالهم- وتحد من أحلامهم- يساعدها في هذا ?التحكم- الجهل والأمية- فنجدها أي العمة (الحاجة) قد حدت من صلاحيات زوجها الذي انجبت منه أولاداً- بل تركته ينام على سطح البيت الكبير المؤلف من أربعة طوابق على مرأى ومسمع من أولاده و?كناته- وأهله وكذا من سكان الحي والقرية& ?أنت ما سألت يوما لِمَ ينام والدك في غرفة السطح- تخاطب الساردة صالح ابن عمتها-

دخلت العمة عالم الأعمال وراحت تقمع أهالي القرية- وحتى (أو بالأخص) زوجتي ولديها- فهرب الكبير ذات صباح مع زوجته- وبقي الثاني مع زوجتيه- فاطمة وزهرة- تموت فاطمة وتبقى زهرة تعيش ككائن غيو محترم من العمة- وغير محبوب من طرف الابن- رغم أن هذا الأخير ذو مكانة مهمة ورئيس تحرير مجلة واسم لامع في مؤسسة ثقافية- هذا الزوج صالح التي تشترك الساردة في حبها له- والتي عاشت معه قصة حب كانت من المفروض أن تؤدي الى زواجهما- لكن العمة وقفت حاجزاً صلباً ولعبت بمستقبل أعز الناس إليها- ولدها وابنة أخيها- فنرى الساردة تعيش هذه الازدواجية- تشفق على زهرة- التي لا تعرف حب الزوج ولا اهتمامه بها ولا حتى كلمة طيبة من العمة- وتحبه في الآن نفسه- تخاطب الساردة صالح قائلة&? لا- لا- يا ابن العمة- انتفض على نفسك- تمرد على المزيف فيك- حرر ذاتك من البنود- ابحث عن صالح الإنسان الذي من حقه أن يختار ويحب وينال- أن يرغب بعشق وكره--- أن تأتي الأفعال من إرداته--

وتقول معترفة ومشفقة على زهرة& ? ما أصعب أن يرفض الرجل جسد امرأة بعد أن هيأت نفسها- لا أريد أن أصير زهرة الثانية- لا أرغب في أن أعيش ذبول جسدي--

أما العمة فلا تبقى قابضة على أسرتها فحسب- بل حتى على أهالي القرية- تحكم فيهم كما تريد ?ما تجرأت وطرحت سؤال الأراضي التي تنتشر تحت أقدام العمة--- أنت مأخوذ بالكراسي-- لكن العمة حكمت على أعز الناس إليها- اخيها الراحل أبو الساردة الذي كان آية في الأخلاق والرجولة والمبادىء ?أبي ذاك الذي مات من كثرة ادراك الأمر وقلة العزم على بطح ما تنامى داخل البيت من قهر العمة- التهم من أمي نقاء روحها وعبق حنينها--

لا تقف العمة في مجالات القمع التي ذكرناها بل تدخل المؤسسة الثقافية لتصبح الآمرة الناهية- وتتعرف على الأسماء وتحضر مناقشاتهم بل تصبح عضواً فاعلاً في توجهاتهم- وتقترح أن يُعطى اسمها لإحدى قاعات المؤسسة الثقافية- ونترك الساردة تصف هذا الفعل المنافي لكل القيم متكلمة على العمة وابنها-

?وهو الذي بإذنه تسير المؤسسة الثقافية- التي يديرها بتزكية من أتباع الحاجة- وبأمر منها تحولت الحاجة إلى وصية على المؤسسة- إنها الوصية على الثقافة-

من خلال هذه الممارسات العقيمة واللامبالاة التي لا تضر مصلحة الأقرباء فقط- بل حتى بمصلحة الوطن- نطلع على موت السلطة في الوطن العربي- وعلى دور المثقف الذي يقول الكثير- ويكافح في المقاهي والجلسات الخاصة- ويخدم دائماً مصلحة ?العمة- السلطة-

?كتبت عن صورة تشرد المثقف حين يضيع منه الخيط الفاصل بين ما يعبر عنه وما يعيشه اجتماعياً--

فالمثقف عندما يطل على القراء بمقاله اليومي وهو في مكتبه غير المثقف الذي يعايش سكان حزام البؤس في البلدان والعواصم العربية- فهو يكتشف أنه في غربة داخل وطنه& ?أنا هنا ولست هنا--- كل شيء يدل على أني أتجذر هنا- وكل شيء يمحو ملامح هذا التجذر- هل يكفي أن تكون خارج جغرافية الوطن لتدرج ضمن لائحة المغتربين) ما معنى أن تبقى داخل جغرافية الوطن وذاتك بعيدة عنك- غريبة عنك)--

وماذا ينتظر أطفالنا من مستقبل في وضع الاستهلاك الذي يعيشه العالم العربي- وهل تطرح السلطة هذه الأسئلة على نفسها بحكم أنها حامية الوطن والمواطن وراعية الأجيال)

?أنا لي طفلة الآن عمرها أربع سنوات- من جيل البارابول- أحاول- أجهد نفسي- أتعب في ذلك- أقترح في تربيتها ثقافة لعلها تحتضن شبابها- أخشى عليها أن ترث الاستهلاك- أن تطأ قدماها المقبرة حيث دفنت الأسئلة ولا تسأل ولا تناقش- بل ولا تستغرب- أخاف أن يهجرها الاستغراب-فيصبح كل شيء عادياً فاقدا للحياة--

عوضت السلطة الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان باستهلاك ?الماكدونالد- و ?وجدتني أتساءل& كيف أصبح الاستهلاك سريعاً وكيف عم الكسل--- لا أحد يسأل--- لا أحد يقارن--- إنه زمن ماكدونالد--

وهذا الارتماء في حضن أميركا التي توجع الجسم العربي- وكأن الحكام في حالة غثيان- يقولون هل من مزيد) وتضع الساردة يدها على من هو وراء السلطة- ومن يحرك لعبها- وعمتها هنا هي نموذج للمرأة التي تريد أن تستعمل كل المسالك لتصل إلى السلطة- السلطة العربية امرأة جاهلة- غبية- تمنع الغناء والشعر وتقتل الثقافة وتساهم في تخريب الحلم العربي- فماذا فعلت الساردة في آخر الرواية- إنها لم تقتل العمة لما فضحت معظم تصرفاتها- بل تركتها تقوم بعملية انتحار أجهضت وبقيت العمة معطوبة- تنتظر من يساعدها في شرب قطرة ماء- أو قضاء بعض حاجاتها- وهنا نرى موتها البطيء-تحصد من خلاله نتائج أعمالها السيئة واللاإنسانية-

هل تنتهي السلطة العربية الميتة والمميتة إلى هذا الوضع المزري) وتتحرر منها شعوبها التي تحلم برغيف خبز نظيف) ووضع اجتماعي احسن- تلك هي بعض الأسئلة التي نستخلصها من خلال رواية ?قلادة قرنفل- التي قدمت للساردة من شاعر--- ?تذكرت أني أحمل في عنقي قلادة قرنفل- كان قد أهداني إياها شاعر منسيّ- اعتكف عن الشعر بعد ان فارقته الحياة في الوطن- وغاب في شوارع لندن أهديك أجمل ما تضعه نساء كردستان-- فحتى القرنفل لم يفلت من قبضة عمتها التي بحثت عنه بين دفات كتبها ورمته والتي كانت تلتجىء إليه الساردة من حين لآخر-

?أشعر اليوم- برغبة شديدة للحديث مع ابن عمتي الأكبر- سأحاول أن أستدرج لسانه- أخشى أن يموت صامتاً- سأنفرد به في غرفتي وألقنه مبادىء القرنفل--- كيف حين يتيبس يشتد عوده ويبقى شامخاً--

أو كما تقول في فصل آخر ?جلست على حافة السرير وبدأت أدخل القرنفلات واحدة واحدة في خيط متين- وأثبتها بلطف شديد إلى أن استوت كلها- فبدت القلادة أمامي مشعة بعطرها الفواح- وضعتها في عنقي وعدت مرة أخرى إلى المرآة& أنا والقلادة متفوقتان على اللحظة- واللحظة مزقتها العمة- ولكننا معاً هزمناها حين ارتوينا بعطر القرنفل--

فمن لا يحب رائحة القرنفل- كيف يستطيع أن يحب الحياة- وأن يترك للزهور حقها في الوجود والتبرعم حتى تمتعنا بروائحها ونستفيد منها شعراً ونثراً وحتى علماً- فمن يقمع ?الزهور- هو من أبناء الأمس

التعيس المظلم حتى وإن تمثل ذلك في ?عمة--

تطرح رواية قلادة قرنفل أسئلة ذاتية ووجدانية- تطرحها أنا المؤن- الذي يتحكم في الحكي ورواية الأحداث- كما تطرح هموماً جماعية ومن خلال الأنا نكتشف الآخر- وهموم الآخر منعكسة على الأنا وتتحكم في مصيره وتوجهاته- ولكن غياب السلطة في بلداننا يغيّب المشاريع البديلة- ويترك الإنسان يعيش غربة الوطن- وبحثاً عن غربة حقيقية- إنه يعيش توتراً دائماً لأنه يطرح يومياً مسألة تحقيق الحلم الجماعي والذاتي والخروج من ويلات التعب

 




 
 
 

 

جميع حقوق النشر محفوظة -2008 م -  اتفاقية استخدام الموقع